← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

لا يصير بولًا نَجِسًا، ولكنه يصير رشحًا من أبدانهم كرشح المسك). وقال النسفي: (﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ ليس برجس كخمر الدنيا لأن كونها رجسًا بالشرع لا بالعقل ولا تكليف ثمّ، أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. قال قتادة: (لقد شكر اللَّه سعيًا قليلًا. قال: غفر لهم الذنب وشكر لهم الحُسْنَى). وقال مجاهد: (﴿مَشْكُورًا﴾ أي مقبولَا). قال القرطبي: (والمعنى متقارب، فإنه سبحانهُ إذا قبل العمل شكره، فإذا شكره أثاب عليه بالجزيل، إذ هو سبحانه ذو الفضل العظيم). والمقصود: يقال لأهل الجنة تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم: إن هذا النعيم الذي وردتموه إنما كانَ جزاء لأعمالكم، وكان سعيكم محمودًا ومقبولًا ومرضيًا. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تَحْيَوا فلا تموتوا أبدًا. وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تَبأسوا أبدًا، فذلكَ قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾] (١). ٢٣ - ٣١. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلَا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلَا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلَا طَوِيلَا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلَا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلَا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلَا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)

стр. 5112

يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾. في هذه الآيات: امتنانُ الرحمن على نبيهِ الكريم، بما نزل عليهِ من هذا التنزيل العظيم، ودعوته للاستعانة بالصبر والصلاة على مكر المجرمين، الذين توعدهم اللَّه سوء العذاب يوم الدين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. قال ابن عباس: (أنزل القرآن متفرّقًا: آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة، فلذلكَ قال: ﴿نَزَّلْنَا﴾). قال النسفي: (﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ تكرير الضمير بعد إيقاعه اسمًا لإنّ تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص اللَّه بالتنزيل ليستقر في نفس النبي ﷺ أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيلهُ مفرقًا إلا حكمة وصوابًا ومن الحكمةِ الأمر بالمصابرة). وقوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. قال ابن عباس: (اصبر على أذى المشركين، هكذا قضيت). قال ابن كثير: (أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ عليكَ فاصبر على قضائه وقدره، واعلم أنه سَيُدَبِّرُكَ بِحُسْنِ تدبيره). وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. الآثم الفاجر في أفعاله، والكفور: الكافر بقلبه. قال ابن جرير: (يقول: ولا تطع في معصية اللَّه من مشركي قومكَ آثمًا يريدُ بركوبه معاصيه، أو كفورًا: يعني جحودًا لنعمه عنده، وآلائه قبله، فهو يكفر به، ويعبد غيره). وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. أي: واذكر -يا محمد- ربك فادعهُ بكرة في صلاة الصبح، وعشيًا في صلاة الظهر والعصر. قال ابن زيد: (بكرة: صلاة الصبح. وأصيلًا: صلاة الظهر الأصيل). وقيل: هو الذكر المطلق سواء كان في الصلاة أو في غيرها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الصلاة والتسبيح). قال القرطبي: (﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني صلاة المغرب والعشاء الآخرة. ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ يعني التطوع في الليل، قاله ابن حبيب). وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾. توبيخ وتقريع لكفار مكة الذين آثروا العاجلة وهي الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، فهم يحبون البقاء فيها وتعجبهم زينتها.

стр. 5113

وقوله: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. أي: ويدعونَ بين أيديهم يومًا عسيرًا شديدًا هم قادمون عليه، قد أثقلته المصائب والأهوال. وقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: شددنا خلقهم). والمقصود: خلقناهم ابتداء، وشددنا أوصالهم بعضًا إلى بعض بالعروق والعصب. وقوله: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. أي: لو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع للَّه منهم. وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. قال قتادة: (إن هذه السورة تذكرة). أي: لمن تذكر واتعظ واعتبر. وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. اي: فمن شاء أيها الناس اتخذ طاعة اللَّه واتباع رسوله سبيلًا له، فإن في ذلك النجاة كل النجاة، والسعادة في الدارين. وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. أي: وما اتخاذكم السبيل إلى ربكم أيها الناس إلا بمشيئته جلَّت عظمته، فإنه لا يُطاع سبحانه إلا بإذنه، كما لا يعصى إلا بإذنه، فمشيئتهُ قاهرة لكل مشيئةٍ، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه، العليم بمن يستحق الهداية والنجاة، ولذلكَ ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي عاصم في "السنة"، بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لا تعجبوا بعمل أحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من دهره، أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعملُ عملًا سيئًا. وإن العبد ليعملُ زمانًا من دهره بعمل سَيِّئٍ لو ماتَ عليهِ دخل النار، ثم يتحول فيعملُ عملًا صالحًا. وإذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملهُ قبل موتهِ فوفقه لعمل صالحٍ، ثم يقبضه عليه] (١). وقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. قال أبو السعود: (بيان لإحكامِ مشيئتهِ تعالى المترتبة على علمه وحكمته). وقوله: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: وأعدَّ اللَّهُ للظالمينَ الذين صرفوا مشيئتهم

стр. 5114

إلى معصيتهِ عذابًا في نارِ جهنمَ مؤلمًا موجعًا. تم تفسير سورة الإنسان بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه صبيحة يوم الثلاثاء ٦/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٦/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م دروس ونتائج وأحكام ١ - خلق اللَّه الإنسان ودلّه على طريقي الخير والشر. ٢ - مراتب الهداية: أ - الهداية العامة للخلق. ب - هداية الدلالة والإرشاد. ج - هداية التوفيق والإلهام. د - الهداية إلى الجنة يوم القيامة. ٣ - الأبرار في الدنيا في الطاعات والقيام بالواجبات، ووفاء بالنذر وإطعامُ المساكين واليتيم والأسير والقرابات. ٤ - الأبرار في الجنةِ في النعيم المقيم، تكرمةً لهم من اللَّه رب العالمين. ٥ - في الجنة ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ٦ - هذه السورة تذكرة لمن شاء أن يسلك طريق الحق. ٧ - إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملهُ قبل موتهِ فوفقهُ لعمل صالحٍ، ثم يقبضه عليه. * * *

стр. 5115

٧٧ - سورة المرسلات وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥٠). الأحاديث الواردة في ذكرها: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت. قال: [شَيَّبَتْنِي هودٌ، والواقعةُ، والمُرسلاتُ، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود- قال: [بينما نحن مع النبي ﷺ ، في غار بمنى، إذ نزلت عليهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، فإنه ليتلوها وإني لأتلقَّاها من فيه، وإنَّ فاه لَرَطْبٌ بها، إذ وَثَبت علينا حَيَّةٌ، فقال النبي ﷺ : "اقتلوها". فابتدرناها فذهبت. فقال النبي ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكم كما وُقيتم شرَّها"] (٢). قال عمر: (حَفِظْتُهُ مِنْ أُبَيٍّ في غارٍ بمنًى). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أَنَّه قال: [إنَّ أُمُّ الفَضْل سَمِعَتْهُ وهو يَقْرأُ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: واللَّه يا بُنَيَّ لقد ذكَّرْتَنِي

стр. 5116

بقراءتك هذه السورة، إنَّها لآخِرُ ما سمِعْتُ من رسول اللَّه ﷺ ، يقرأُ بها في المغرب] (١). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عُبيد اللَّه، عن ابن عباس، عن أمِّهِ: [أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عُرفًا] (٢). موضوع السورة الإقسام بالملائكة المرسلات على نيل المؤمنين أرفع الدرجات واستقرار المشركين في النار أسفل الدركات - منهاج السورة - ١ - قسم اللَّه تعالى بالملائكة الكرام، يرسلها بالوحي إلى أنبيائه خير الأنام. ٢ - ذكر أهوال القيامة للوقوف للحساب، ووزن الأعمال والفصل بالثواب أو العقاب. ٣ - إهلاك اللَّه الكافرين، وخلقه تعالى الإنسان من ماء مهين، وجعله الأرض كفاتًا والجبال أوتادًا والماءَ فراتًا رحمة للعالمين، فويل يومئذ للمكذبين. ٤ - توجيه الكفار يوم القيامة إلى نار العذاب، فقد استحقوا بجرائمهم أشد العقاب. ٥ - وَصْفُ حال المتقين يوم الدين في جنات النعيم، وتوعّد المجرمين المكذبين نار الجحيم، جزاء بما كانوا يعملون.

стр. 5117

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾. في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالملائكة يرسلها بالوحي إلى أنبيائه. تعصف لسرعة طيرانها وتنشر أجنحتها آتية بما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، حتى توصل الوحي إلى الأنبياء، إعذارًا من اللَّه إلى خلقه، وإنذارًا من عذابه، وعذرًا للمحقين ونذرًا للمبطلين. فإذا النجوم محي نورها وذهب ضوؤها، وإذا السماء فتحت وشقت، ونسفت الجبال فقلعت من مكانها وطارت في الجو هباءً فاستوى مكانها بالأرض، وإذا جعل للرسل وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم، إنه يوم عظيم يعجب العبادُ منه لشدته ومزيد أهواله ضُرِبَ الأجل للرسل لجمعهم، يحضرون فيه للشهادة على أممهم. إنه يوم الفصل الذي يفصل فيه بين الناس بأعمالهم فيفرَّقون إلى الجنة والنار، وما أعلمك بيوم الفصل؟ ! إنه أمر هائل لا يقادر قدره، ويل يومئذ للمكذبين من عذاب اللَّه الذي أُعدَّ لهم. فقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. إقسام من اللَّه بالملائكة ترسل بالمعروف. روى مسروق عن عبد اللَّه قال: (هي الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر اللَّه تعالى ونهيه. والخبر والوحي). وهو قول أبي هريرة ومقاتل وأبي صالح وغيرهم. وعن ابن عباس وابن مسعود: (إنها الرياح) -أرسلت متتابعة- ﴿عُرْفًا﴾: أي يتبع بعضها بعضًا كعرف الفرس. والخلاف قائم بين المفسرين من الصحابة والتابعين وغيرهم في توجيه الآيات إلى الرياح أو الملائكة. قيل: المرسلات والعاصفات والناشرات هي الرياح. والفارقات

стр. 5118

والملقيات هي الملائكة، ومنهم من قال إنها جميعًا الملائكة. قلت: والراجح أنها الملائكة في جميع الآيات لوجوه: (١) ١ - لا مناسبة بين الريح والملائكة في موضوع القسم. ٢ - ليس هناك من فارق يفصل الصفات الثلاثة الأولى عن الصفتين الأخيرتين ليعلم أنهما لموصوفَيْن. ٣ - توالي فاءات التعقيب يدل على أن الموصوف شيء واحد. ٤ - السياق يفيد أن كل صفة موضحة لما قبلها. ٥ - هذه الصفات بمجموعها تنسجم مع كون الموصوف الملائكة. وقوله تعالى: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. هي الملائكةُ. قال أبو صالح: (الملائكةُ تنشر الكتب). وقال قتادة: (﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾: هي الملائكة تلقي الذكر على الرسل وتبلغه). قال النسفي: (أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيّهن، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرًا إلى الأنبياء ﵈. وقوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الملائكة). وقال قتادة: (عذرًا من اللَّه، ونُذْرًا منه إلى خلقه). أو قال: (عذرًا للَّه على خلقه، ونذرًا للمؤمنين ينتفعون به، ويأخذون به). والمقصود: إرسالُ الملائكةِ إعذارٌ من اللَّه إلى الخلق، وإنذارٌ لهم عقابه إن خالفوا أمره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾. هو جواب القسم. قال ابن كثير: (هذا هو المُقْسَمُ عليه بهذه الأقسام، أي: ما وُعِدْتُمْ بهِ من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبَعْثِ الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاةُ كلّ عامل بعملهِ، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، إن هذا كله ﴿لَوَاقِعٌ﴾، أي: لكائن لا محالة).

стр. 5119

وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فإذا النجومُ ذهب ضياؤها، فلم يكن لها نور ولا ضوء). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢]. ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾. أي: شقِّقت وصدّعت وتدلَّت أرجاؤها، ووهت أطرافها. قال ابن عباس: (فرجت للطيّ). وقيل: فتحت: كقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾. قال ابن عباس: (سُوِّيت بالأرض). وقال القرطبي: (أي ذهب بها كلها بسرعة). وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال ابن عباس: (يقول: جُمعت). وقال مجاهد: (أُجِّلَت). وقال الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: (﴿أُقِّتَتْ﴾: أُوعِدَت). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وإذا الرسل أجلت للاجتماع لوقتها يوم القيامة). وقوله تعالى: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾. أي ليوم عظيم يعجب العباد منه لشدّتهِ ومزيد أهواله ضُرِبَ الأجل للرسل لجمعهم، يحضرون فيه للشهادة على أممهم. قال النسفي: (﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ أخرت وأمهلت، وفيه تعظيم لليوم وتعجيب من هوله، والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت). وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾. بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الناس بأعمالهم، فيفَرَّقون إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير.

стр. 5120

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. أي: وما أعلمكَ بيوم الفصل؟ فهو تعجيب آخر وتعظيم لأمر ذلك اليوم. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. وعيد أكيد، وتهديد شديد، يحمل في مفهومه ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليهم. قال القرطبي: (أي عذاب وخزي لمن كذّب باللَّه وبرسله وكتبه وبيوم الفصل فهو وعيد. وكرره في هذه السورة عند كل آية لمن كذب؛ لأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم). ١٦ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾. في هذه الآيات: يقول تعالى ذكره: ألم نهلك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد ﷺ يعني- بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم، ثم نتبعهم الآخرين ممن جاؤوا بعدهم ممن أشبههم في عنادهم وتكذيبهم؟ ! ألم نخلقكم -أيها الناس- من ماء مهين، ثم سوّيناكم فقدرنا فنعم القادرون؟ ! ألم نجعل الأرض تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها، والرواسي فوقها؟ ! ألم نسقكم الماء من ينابيعها وأنهارها؟ ! فويل يومئذ للمكذبين. فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾. قال النسفي: (الأمم الخالية المكذبة). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾. وعيد لأهل مكة، أي ثم نسلك بأمثالهم من الآخرين المكذبين ما فعلنا بالأولين لما كذبوا الحق وعاندوا الرسل. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. قال القاسمي: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلكَ الأخذ العظيم ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي بكل من أجرم وطغى وبغى). وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. قال ابن جرير: (بأخبار اللَّه التي ذكرناها في هذه الآية، الجاحدين قدرته على ما يشاء).

стр. 5121

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني بالمهين: الضعيف). والآية امتنان من اللَّه تعالى على خلقه، واحتجاج على الإعادة بالبدء. أخرج ابن ماجة بسند حسن عن بسر بن جحَّاش القُرَشي قال: [بزَق النبي ﷺ في كفه. ثم وضع أصبُعَهُ السبابة وقال: يقول اللَّه : أنَّى تُعْجزُني، ابْنَ آدم! وقد خلقتكَ مِنْ مِثْل هذِه. فإذا بَلَغَتْ نَفْسُكَ هذه (وأشارَ إلى حلقه) قُلْتَ: أتصدقُ. وأنّى أوانُ الصدقة؟ ] (١). وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. قال مجاهد: (الرحم). قال ابن كثير: (يعني: جمَعناه في الرحم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرَّحم مُعَدٌّ لذلك، حافِظٌ لما أودِعَ فيهِ من الماء). وقوله تعالى: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. وهو مدة الحمل، وهي في جنس البشر بين ستة أشهر إلى تسعة أشهر. وقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. أي: فقدرنا على ذلك، فنعم القادرون عليه نحن. وهو المعنى إذا قرئ ﴿فقَدَرْنا﴾ بالتخفيف - قراءة أهل الكوفة والبصرة. وأما إذا قُرئ: "فَقَدَّرنا" بالتشديد -قراءة أهل المدينة- فيكون المعنى: فقدّرنا ذلك الخلق تقديرًا: الأعضاء والصفات، وجعلنا كل حال من أحوال ذلكَ التخلّق على الصفة التي أردنا، فنعم المقدّر اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. قال ابن جرير: (يقول جلّ ثناؤه: ويل يومئذ للمكذبين بأن اللَّه خلقهم من ماء مهين). قلت: والأشمل من ذلكَ أن يقال: ويل يومئذ للمكذبين بنعمة الفطرة والعناية من اللَّه بأطوار النشوء والتكوين واستواء الخلق. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: كِنًّا). وقال أبو عبيدة: (كفاتًا: أوعية). قال القرطبي: (أي: ضامّة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها). قلت: وأصلها في لغة العرب من كفتَ: أي ضَمَّ. قال الرازي: (والكِفات: الموضِعُ الذي يُكْفَتُ فيه شيء أي يُضَمّ ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾). وقوله تعالى: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال الشعبي: (بطنها لأمواتكم، وظهرها

стр. 5122

لأحيائكم). وقال مجاهد: (﴿كِفَاتًا﴾ تكفت أذاهم وما يخرج منهم، ﴿أَحْيَاءً﴾ تواريه، ﴿وَأَمْوَاتًا﴾ يدفنون: تكفتهم). وقال الحارث: (يغيبون فيها ما أرادوا). وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. قال قتادة: (يعني الجبال). وقال ابن عباس: (يقول: جبالًا مشرفات). والمقصود: أرسى اللَّه تعالى الأرض بالجبال لئلا تميد وتضطرب. فهو امتنان منه سبحانهُ على عباده في معرض ذكر النعم الكبيرة المنسية. وقوله: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. قال ابن عباس: (يقول: عذبًا). أي من السحاب أو العيون. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بهذا السيل العظيم من النِّعم. ٢٩ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾. في هذه الآيات: توجيه الكفار يوم القيامة إلى نار العذاب، فقد استحقوا بجرائمهم وكفرهم وصدهم عن سبيل اللَّه أشد العقاب. فقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لهؤلاء المكذبين بهذه النِّعم، والحجج التي احتجَّ بها عليهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ في الدنيا ﴿تُكَذِّبوُنَ﴾ من عذاب اللَّه لأهل الكفر به). وقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. المراد لهب النار إذا ارتفعَ وصعد معه دخان فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب. قال مجاهد: (قوله ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ قال: دخان جهنم). وقال قتادة: (هو كقوله: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. قال: والسرادق: دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرق، فكان ثلاث شعب،

стр. 5123

فقال: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب: شعبة هاهنا، وشعبة هاهنا، وشعبة هاهنا). وقوله تعالى: ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾. أي: ثم إنّ ظل الدخان لا يغني بنفسه من اللهب، فهو لا يظلهم من حرها، ولا يُكنُّهم من لهبها. قال القرطبي: (﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ أي: ليس كالظلّ الذي يقي حرَّ الشمس ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ أي لا يدفع من لهب جهنم شيئًا. واللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت، من أحمر وأصفر وأخضر). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. أي: وإنما يتطاير الشرر من لهبها كالقصر. قال ابن مسعود: (كالحصون). وقال ابن عباس ومجاهد: (يعني أصول الشجر). والشرر جمع شررة، والشرار جمع شرارة، وهو ما تطاير من النار من كل جهة، وأصله عند العرب من شَرَّرت الثوب إذا بسطته للشمس ليجف. والمقصود: يتطاير شرر نار جهنم كالقصر -وهو البناء العالي- في العظم، أو كارتفاع الغليظ من الشجر (جمع قصرة). وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. فيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: قيل المراد به الإبل السود، ذكره الحسن وقتادة واختاره ابن جرير. التأويل الثاني: قيل بل المراد قطع النحاس. وذكره ابن عباس. التأويل الثالث: قيل بل المراد به حبال السفن، ذكره مجاهد. وقال البخاري: (حدثنا عمرو بن علي: حدثنا يحيى: أخبرنا سفيان: حدثني عبد الرحمن بن عابس قال: [سمعت ابن عباس ﵄ يقول: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ قال: كُنّا نَعْمِدُ إلى الخشبة ثلاثةَ أَذْرُعٍ وفوق ذلكَ، فَنَرْفَعُه للشتاء فنسميه القَصْرَ ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: حِبالُ السُّفُن تُجْمَعُ حتى تكون كأوساط الرجال] (١). قلت: وخلاصة القول - فإن شدة اللهب المنبعث من سعير جهنم يتطاير شرره في السماء بشدة وسرعة، حتى ينشطر ثلاثة فروع، كل واحد منهم كحبل السفينة المفتول والعياذ باللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: فويل يومئذ للمكذبين بهذا الوعيد الذي توعده اللَّه المكذبين، للوحي والمرسلين. وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾. أي: لا يتكلمون. وسئل ابن عباس رضي اللَّه

стр. 5124

عنهما عن هذه الآية، وعن قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] فقال: (في ذلكَ اليوم مواقف، في بعضها يختصمون، وفي بعضها لا ينطقون). أو المعنى لا ينطقون بما ينفعهم فجعل نطقهم كلا نطق - حكاه النسفي. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. أي: ولا يسمح لهم في الاعتذار والتنصل، فقد قامت عليهم حجة اللَّه البالغة، وفاتهم قطار الاعتذار والتوبة. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بهذه الحقائق والمشاهد من الخزي يوم القيامة. وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. أي: ويقال لهم يوم يبعثون: هذا اليوم هو يوم يفصل اللَّه فيه بين عباده، فيتبين المحق من المبطل. والخطاب لهؤلاء المكذبين بالبعث. وقوله: ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾. قال ابن عباس: (جمع الذين كذبوا محمدًا والذين كذّبوا النبيين من قبله). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: (أي قدرتم على حرب: "فكيدوني" أي حاربوني). وقال القرطبي: (﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ﴾ أي حيلة في الخلاص من الهلاك ﴿فَكِيدُونِ﴾ أي فاحتالوا لأنفسكم وقاووني (١) ولن تجدوا ذلكَ). وهو تهديد شديد ووعيد أكيد، مفاده أنهم سيكونون يومئذ في قبضة حكمه سبحانه فيهم، فلا مفرّ ولا خلاص ولا نجاة. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : [يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني] (٢). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول:

стр. 5125

[يقبضُ اللَّه الأرضَ ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ ] (١). وفي لفظ عند الإمام مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر: [يطوي اللَّه السماوات يومَ القيامةِ ثم يأخذهن بيدهِ اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين يأخذهن بيدهِ الأخرى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ]. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بالبعث والجزاء ونوال الثواب ونكال العقاب. ٤١ - ٥٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ حال المتقين يوم الدين، فهم في الملذات في جنات النعيم، وتوعّد المجرمين المكذبين نار الجحيم، جزاء بما كانوا يعملون. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الذين اتقوا عقاب اللَّه بأداء فرائضه في الدنيا، واجتنابِ معاصيه ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ ظليلة، وكنّ كنين، لا يصيبهم أذى حر ولا قرّ، إذ كان الكافرون باللَّه في ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب. ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار تجري خلال أشجار جناتهم). وقوله تعالى: ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾. أي: ويأكلون من سائر أنواع الثمار، من كل ما اشتهوا وتمنوا من صنوف الفاكهة وثمار الأشجار. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي: ويقال لهم على سبيل الإحسان إليهم وحسن الاستقبال والضيافة: كلوا من هذه الفواكه واشربوا من هذه

стр. 5126

العيون، فلا تكدير عليكم ولا تنغيص، ولا أذى يلحق أبدانكم، بل سرور وهناءة وعافية مقابل صبركم وحسن أعمالكم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: إنا كذلكَ نثيب الذين أحسنوا الإيمان وأخلصوا العمل. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: بتكريم اللَّه المتقين، وحسن مستقر الأبرار والصالحين. وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. تهديد شديد، ووعيد أكيد. قال ابن زيد: (عُني به أهل الكفر). والمقصودُ: كلوا معشر الكفرة في بقية آجالكم، وتمتعوا ببقية أعمالكم، فإنه مسنون بكم سنة اللَّه في من سبقكم من المجرمين، خِزي وعذاب في الدنيا ثم جحيم وسعير في الآخرة. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]. ٣ - وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]. وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: الذين كذبوا بما أخبر اللَّه جلت عظمتهُ أنه فاعل بالمجرمين المستكبرين. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: إذا أُمِرَ هؤلاء الجهلةُ من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة امتنعوا من ذلكَ واستكبروا عنه. ولهذا قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾). وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فبأي حديث غير هذا القرآن المعجز يصدقون إذا لم يؤمنوا به؟ وهو توبيخ للمشركين واستخفاف بعقولهم. تم تفسير سورة المرسلات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأربعاء ٧/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٧/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م

стр. 5127

دروس ونتائج وأحكام ١ - " المرسلات" من أخوات "هود". شَيَّبَت نبينا محمدًا ﷺ قبل المشيب. ٢ - ويل للمكذبين من عذاب اللَّه يوم القيامة. ٣ - يقول اللَّه : أنّى تعجزني ابن آدم! وقد خلقتك من مثل هذه. فإذا بلغت نفسك هذه (وأشار إلى حلقه) قلت: أتصدق. وأنّى أوان الصدقة؟ ٤ - يقبض اللَّه الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ٥ - ويل يومئذ للمكذبين بقدرة اللَّه بعد هذا البيان. ٦ - العباد المتقون خالدون في جنات النعيم، والمجرمون خالدون في نار الجحيم. * * *

стр. 5128

٧٨ - سورة النبأ وهي مكية، وعدد آياتها (٤٠). أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت! قال: [شَيَّبَتْنِي هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت] (١). موضوع السورة النبأ العظيم وأحوال الناس في الآخرة - منهاج السورة - ١ - تقريع المشركين في إنكارهم المعاد، وبعث الأجساد، عن طريق الاستفهام. ٢ - تقرير اللَّه تعالى آياته الكبيرة، ونعمه على العباد الجليلة. ٣ - تأكيد يوم الفصل للجزاء والحساب، يوم ينفخ في الصور ويحشر الناس ويبدأ وزن الأعمال لنيل الثواب ونكال العقاب. ٤ - نَعْتُ أهوال جهنم وأحوال سكانها في العذاب، فقد كانوا على الكفر والتكذيب بالحساب.

стр. 5129

٥ - نَعْتُ أحوال أهل السعادة في جنات النعيم، فهم في الحدائق مع الكواعب والشراب والملذات وألوان التكريم. ٦ - رهبة الموقف في أرض المحشر وإنصات الجميع لقرار اللَّه العظيم، فلا يملك أحد التكلم بالشفاعة إلا بإذن اللَّه الرحيم. ٧ - حث العباد على الاستعداد لذلك اليوم العظيم، الذي يتمنى فيه الكافر لو صار ترابًا وتخلص من العذاب الأليم.

стр. 5130

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٦. قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾. في هذه الآيات: تقريعُ اللَّه تعالى المشركين في إنكارهم المعاد وبعث الأجساد، وتقرير آياته تعالى الكبيرة ونعمه الجليلة على العباد، فقد جعل اللَّه الأرض مهادًا والجبال كالأوتاد، وخلق الأزواج والنوم والليل والنهار وجعل سبع سماوات شداد، وجعل الشمس كالسراج الوهاج، وأنزل من السحاب الماء الثجاج، ليحيي به الأرض وثمرات وجنات البلاد. فقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. إنكار من اللَّه على المشركين إنكارهم وقوع القيامة. قال قتادة: (النبأ العظيم: البعث بعد الموت). قال القاسمي: (والاستفهام للتفخيم أو للتبكيت). وسمّاه سبحانه النبأ العظيم لأن أمر القيامةِ يحمل الهول الكبير، والحدث المفظع الباهر. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. قال قتادة: (فصار الناس فيه فريقين: مصدق ومكذب، فأما الموت فقد أقروا به لمعاينتهم إياه، واختلفوا في البعث بعد الموت). وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾. تهديد شديد، ووعيد أكيد. قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ ردع عن الاختلاف أو التساؤل هزؤًا ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون عيانًا أن ما يتساءلون عنه حق. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ كرّر الردع للتشديد، و ﴿ثُمَّ﴾ يشعر بأن الثاني أبلغ من الأول وأشد).

стр. 5131

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾. أي: ألم نجعل الأرض ممهدة لكم تمتهدونها وتفترشونها، فهى ساكنة قارة بأهلها ثابتة. قال قتادة: (﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾: أي بساطًا). وقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾. قال قتادة: (والجبال للأرض أوتادًا أن تميد بكم). قال القرطبي: (أي: لتسكن ولا تتكفأ ولا تميل بأهلها). وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾. قال ابن كثير: (يعني: ذكرًا وأنثى، يستمتعُ كل منهما بالآخر، ويحصُل التناسُلُ بذلكَ، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]). وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. السبت والسبات هو السكون. قال الرازي: (و"السُّبات" النوم، وأصلهُ الراحة، ومنهُ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾). وقيل: إنما سمي السبت سبتًا؛ لأنه يوم راحة ودعة. والمقصود: امتنانٌ من اللَّه سبحانه على عباده أن جعلَ نومهم راحةً لهم ودعة، يسكنون فيه من عناء العمل والحركة في النهار، ويهدؤون خلاله كأنهم أموات ولم تفارقهم الأرواح. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. قال قتادة: (سكنًا). وقال النسفي: (﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ سترًا يستركم عن العيون إذا أردتم إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه). وقال ابن جرير: (﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ يقول تعالى ذكره: وجعلنا الليل لكم غشاءً يغشاكم سواده، وتغطيكم ظلمته، كما يغطي الثوب لابسه، لتسكنوا فيه عن التصرف لما كنتم تتصرفون له نهارًا). وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. أي: وجعلنا النهار مشرقًا مضيئًا، ليناسب انتشاركم في طلب التكسب والمعاش، والتصرف بمصالح دنياكم، والتقلب في متاجركم وحوائجكم. قال مجاهد: (قوله: ﴿النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ قال: يبتغون فيه من فضل اللَّه). وقوله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾. شدادًا: جمع شديدة، أي محكمة قوية. وقيل غلاظًا، غلظ كل واحدة مسيرة خمس مئة عام. والمقصود: سقفنا فوقكم سبع

стр. 5132

سماوات محكمة البنيان، لا صدوع فيهن ولا فطور، ولا يبليهن مرّ الليالي والأيام، وَزَيَّنَاها بالكواكب الحسان. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يعني بالسراج: الشمس. وقوله: ﴿وَهَّاجًا﴾ أي وَقَّادًا مضيئًا. قال ابن عباس: (﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ يقول: مضيئًا). وفي رواية قال: (يقول سراجًا منيرًا). وقال مجاهد: (﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال: يتلالأ). وقال سفيان: (يتلالأ ضوؤه). والمقصود: وجعل سبحانه الشمس من رحمته وَهّاجة تتلألأ بالضياء والنور، ويتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾. المعصرات: السحاب. قال ابن عباس: (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أي: مِنَ السحاب). وقال الفرّاء: (هي السحاب التي تتحلّبُ بالمطر ولم تُمطر بعدُ، كما يُقال: امرأةٌ مُعْصِرٌ: إذا دنا حيضُها ولم تحض). وقال ابن عباس في رواية أخرى: (﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ قال: الرياح). وكأن المقصود أنها تستدرُّ المطر من السحاب. والقول الأول أرجح: أن المعصرات هي السحاب، واختاره ابن جرير وابن كثير وغيرهما. وفي التنزيل ما يؤيد ذلكَ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨]. وقوله: ﴿ثَجَّاجًا﴾. قال مجاهد: (مُنصبًّا). وقال الثوري: (مُتَتابعًا). وقال ابن زيد: (كثيرًا). قلت: وفي لغة العرب: ثَجَّ الماءَ سَيَّلَهُ. ومطرٌ ثجَّاج: أي مُنْصَبٌّ جدًا. فيكون الثجُّ هو الصبُّ المتتابع الكثير. وفي الحديث: [أفضل الحجّ العجّ والثجّ] (١). والعجّ: هو رفع الصوت بالتلبيةِ. والثجُّ: سيلان دماء الهدي والأضاحي، أو صبّ دماء البُدْن. وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث حمنة بنت جحش. قالت: [يا رسول اللَّه، إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: أنْعَتُ لكِ الكرسُفَ فإنه يُذْهِبُ الدَّمَ. قالت: هو أكثر من ذلك، قال:

стр. 5133

فاتخذي ثَوْبًا. فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثجُّ ثجًا] الحديث (١). وقد أورده الحافظ ابن كثير مستدلًا منه أن استعمال الثجّ إنما هو في الصبّ المتتابع الكثير. وقوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾. أي: لنخرج بذلكَ الماء حبًّا كالحنطة والشعير وما يُدَّخر للأناسي والأنعام، و ﴿وَنَبَاتًا﴾ كالكلأ والخضر الذي تأكله الدواب أو الزرع الذي يُؤكل رطبًا. وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. أي: وبساتين ملتفة الأشجار. قال ابن عباس: (﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قال: مجتمعة). وقال مجاهد: (ملتفة). وقال قتادة: (التف بعضها إلى بعض). والمقصود: تشعبت أغصان أشجار تلك البساتين والحدائق فأصبحت ملتفة بعضها ببعض. قال الرازي: (قدّم الحب لأنه الأصل في الغذاء. وثنى بالنبات لاحتياج الحيوانات إليه. وأخّر الجنات لأن الحاجة إلى الفواكه ليست بضرورية). ١٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾. في هذه الآيات: تأكيدُ اللَّه تعالى يوم الفصل ميقاتًا للحساب، يوم ينفخ في الصور ويحشر الناس لنيل الثواب ونكال العقاب، وتفتح السماء وتسير الجبال كالسراب، وتحضر جهنم ليصلاها الطغاة والمجرمون ويلقون سوء العذاب. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾. يوم الفصل: يوم القيامة، سمي كذلكَ لأن اللَّه تعالى يفصل فيهِ بين خلقه. قال قتادة: (هو يوم عظّمهُ اللَّه، يَفصل اللَّه فيه بين الأولين والآخرين بأعمالهم).

стр. 5134

قال النسفي: (﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ وقتًا محددًا ومنتهًى معلومًا لوقوع الجزاء، أو ميعادًا للثواب والعقاب). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾. الصور: قَرْن. قال مجاهد: (﴿أَفْوَاجًا﴾: زمرًا زمرًا). والمقصود ابتداء يوم الفصل بالنفخ في الصور فإذا جميع الخلائق من الجن والإنس يجيئون زمرًا زمرًا، وجماعة جماعة. قال ابن جرير: (وإنما قيل: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ لأن كل أمة أرسل اللَّه إليها رسولًا تأتي مع الذي أرسل إليها، كما قال: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]). أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول اللَّه! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل] (١). وأخرج البخاري في كتاب التفسير من صحيحه عند هذه الآية: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ قال: حدَّثني محمَّد: أخبَرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: [قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بين النَّفختين أربعون". قال: أربعون يومًا؟ قال: أَبَيْتُ. قال: أربعون شهرًا؟ قال: أَبَيْت، قال: أربعون سنة؟ قال: أَبيتُ. قال: ثم يُنزِلُ اللَّه من السماء ماءً فيَنْبُتُون كما ينبُتُ البَقْلُ، ليسَ من الإنسان شيء إلا يَبْلى، إلا عَظمًا واحِدًا وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، ومِنْهُ يركَّبُ الخَلْقُ يومَ القيامة] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾. قال القرطبي: (أي لنزول الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقيل: تقطعت، فكانت قطعًا كالأبواب). والمقصود: تتصدع السماء يومئذ وتتشقق بعد أن كانت من قبل شدادًا لا فطور فيها ولا صدوع. وتصير ذات أبواب كثيرة لنزول الملائكة. وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾. أي: وتُجْتَثُّ الجبال يومئذ من أصولها، فتصير هباءً منبثًا، كالسراب يحسبه من يراه من بعيد ماءً، وإنما هو هباء.

стр. 5135

وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]. قال القاسمي: (﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ أي رفعت من أماكنها في الهواء. وذلكَ إنما يكون بعد تفتيتها وجعلها أجزاءً متصاعدة كالهباء. وفي الآية تشبيه بليغ. والجامع أن كلًا منهما يرى على شكل شيء، وليس به. فالسراب يرى كأنه بحر وليس كذلك. والجبال إذا فتتت وارتفعت في الهواء، ترى كأنها جبال وليست بجبال. بل غبار غليظ متراكم، يرى من بعيد كأنه جبل). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. أي مُرْصَدَةً مُهيأةً مُعَدَّةً مُجَهَّزَة. و ﴿مِرْصَادًا﴾ مفعال من الرَّصد، والرَّصَد: كل شيء كان أمامك. قال القرطبي: (فجهنم مُعَدَّةٌ مترصّدة، مُتفعِّل من الرصْد وهو الترقب، أي هي متطلعة لِمَن يأتي. والمرصاد مِفعال من أبنية المبالغة كالمِعطار والمِغيار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار). وقوله تعالى: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. قال قتادة: (مأوًى ومنزلًا). والمقصود: أن جهنم ستكون منزل الطاغين ممن طغى في دينه بالكفر، أو في دنياه بالظلم. وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾. "أحقابًا" جمع حُقْب، وهو الدهر أو المدة من الزمان، ولا عدد يحصره، بل كلما مضى حقب تبعه آخر، ويستعمل عند قصد تتابع الأزمنة، والمعنى: (ماكثين في النار ما دامت الدهور تتعاقب). وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. أي: لا يجدون فيها بردًا يبرد لهيب النار عنهم، إلا الغساق. ولا شرابًا يرويهم من شدة العطش إلا الحميم. وللمفسرين أقوالٌ في ذلك. أ - قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾.

стр. 5136

١ - قال ابن عباس: (البَرْد، النوم، والشراب: الماء). وقال أيضًا: (البرد: برد الشراب). ٢ - قال الزجاج: (أي لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل، ولا نومٍ). ٣ - وقال الحسن وعطاء وابن زيد: (﴿بَرْدًا﴾: أي رَوْحًا وراحةً). ب - قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. ١ - قال أبو عبيدة: (الحميم: الماء الحار). وقال النحاس: (أصل الحميم: الماء الحار، ومنه اشتق الحمّام، ومنه الحمّى، ومنه ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] إنما يراد به النهاية في الحر). ٢ - وقال ابن زيد: (الحميم: دموع أعينهم، تجمع في حياض ثم يُسْقونه. والغساق: الصديد الذي يخرج من جلودهم، مما تصهرهم النار في حياض يجتمع فيها فيسقونه). وقال إبراهيم: (الغساق: ما يقطر من جلودهم، وما يسيل من نتنهم). وقيل: الغساق الزمهرير، والأرجح أن يكون صديد أهل النار وقيحهم. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾. الوفاق بمعنى الموافقة. قال ابن عباس: (يقول: وافق أعمالهم). وقال قتادة: (وافق الجزاء أعمال القوم أعمال السوء). و ﴿جَزَاءً﴾ نُصب على المصدر، والتقدير: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم. قال الحس: (كانت أعمالهم سيئة، فأتاهم بما يسوءهم). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾. قال قتادة: (أي لا يخافون حسابًا). والمقصود: أن هؤلاء الكفار لم يكونوا يؤمنون أن ثمَّ دارًا يقاضون فيها على أعمالهم، ويحاسبون على جرائمهم وكفرهم. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾. أي: وكذب هؤلاء الكفار بالوحي والنبوة تكذيبًا كبيرًا. قال الفراء: (هي لغة يَمانية فصيحة، يقولون: كَذَّبت به كِذّابًا، وخرقت القميص خِرَّاقًا، وكل فِعْل في وزن "فَعَّلَ" فمصدره "فِعَّال" مشدَّد في لغتهم). وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾. "كُلَّ" نُصب بفعل محذوف يدل عليه ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾. والتقدير: وأحصينا كل شيء أحصيناه كتابًا. ونُصب ﴿كِتَابًا﴾ على المصدر. قال القرطبي: (لأن معنى أحصينا: كتبنا، أي كتبناه كتابًا). قال ابن كثير: (أي: وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم

стр. 5137

على ذلكَ، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ). وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. هو من أشدّ ما نزل في القرآن في خزي الكفار. قال قتادة: عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: (لم تنزل على أهل النار آية أشد من هذه ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ قال فهم في مزيد من العذاب أبدًا). رواه بسنده ابن جرير. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢]. ٣ - وقال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: [أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون] (١). وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [نارُكم جُزْءٌ من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول اللَّه، إن كانت لكافية. قال: فُضِّلَتْ عليهن بتسعة وستين جُزْءًا كُلُّهُن مِثْلُ حَرِّها] (٢). ٣١ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن أحوال أهل السعادة والتكريم، أهل الخلود في جنات النعيم، فهم في الحدائق مع الكواعب والشراب والملذات والترفيه والتنعيم.

стр. 5138

فقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. المفاز من الفوز: وهو النجاة والظَّفر بالخير. والمفازة: واحدة المفاوِز، وهي الفلاة إذا قلّ ماؤها. قال الأصمعي: (سُمِّيت بذلكَ تفاؤلًا بالسلامةِ والفوز). وعن مجاهد: (﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: فازوا بأن نجوا من النار). وقال قتادة: (أي واللَّه مفازًا من النار إلى الجنة، ومن عذاب اللَّه إلى رحمته). وعن ابن عباس: (﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال: مُتَنَزَّهًا). قلت: ولا تعارض بين القولين، فإن الفوز بالنجاة من العذاب إلى رضوان اللَّه ورحمته هو غاية المتعة والتنزّه. وقوله تعالى: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾. قال ابن جرير: (الحدائق ترجمة وبيان عن المفاز). والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان المحوَّط عليه. والأعناب: جمع عنب، أي كروم أعناب. والمعنى: إن المتقين يوم القيامة يتنزهون في حدائق الجنان، وكروم الأعناب، وهم في غاية المتعة والسرور، والأمن والراحة والحُبور. وقوله تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾. الكواعب: النواهد. جمع كاعِب. والأتراب: الأقران في السن، جمع تِرْب. قال ابن زيد: (الكواعب: التي قد نهدت وكعّبَ ثديها). والمقصود: وحورًا نواهد، أي: ثديهن نواهد لم يتدلَّين لأنهن أبكار عُرُب أتراب، أي في سِنِّ واحدة. قال القاسمي: (﴿وَكَوَاعِبَ﴾ أي بنات فلكت ثديّهن، أي استدارت مع ارتفاع يسير ﴿أَتْرَابًا﴾ أي متساويات في السن). وقوله تعالى: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾. قال ابن عباس: (مملوءة متتابعة). وقال عكرمة: (صافية). وقال الحسن: (مُترعة مملوءة). وفي لغة العرب يقال: أَدْهَقْتُ الكأس: أي ملأتها، وكأسٌ دِهاق أي ممتلئة. والمقصود: وَيُقَدَّمُ لهؤلاء الأبرار المتقين في الجنة كأس ملأى من خمرٍ لذة للشاربين، ليجتمع عليهم بذلكَ جمال الحدائق والكواعب ولذة الشراب. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾. اللغو: الباطل. قال القرطبي: (هو ما يُلغى من الكلام ويُطَّرَح. قال: وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا لم تتغير عقولهم، ولم يتكلموا بلغو، بخلاف أهل الدنيا). و ﴿كِذَّابًا﴾ أي مكاذبة. أي لا يُكَذّب بعضهم بعضًا ولا يسمعون كذبًا. قال بعض العلماء: (اللغو والتكذيب مما تألم له أنفس الصادقين، بل هو من أشد الأذى لقلوبهم. فأرادَ اللَّه إزاحة ذلكَ عنهم).

стр. 5139

وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. قال النسفي: (﴿جَزَاءً﴾ مصدر، أي جزاهم جزاء ﴿مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً﴾ مصدر، أو بدل من جزاء ﴿حِسَابًا﴾ صفة، يعني كافيًا، أو على حسب أعمالهم). وفي لغة العرب: أعطاني فلانًا فأحسبني أي: كفاني. ومنه ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: اللَّه كافِيَّ. والمقصود: كُلُّ ما سبق ذكره من ألوان السرور والنعيم، إنما جازى اللَّه به المتقين، فأعطاهم عطاء كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا، مقابل ما قدَّموا من العطاء لهذا الدين وجاهدوا في سبيل اللَّه جهادًا كبيرًا. ٣٧ - ٤٠. قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾. في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن نفسه أنه رب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، ولا يملك أحد أن يتكلم يوم الحشر إلا بإذنه الكريم، فهو يوم رهيب يتمنى الكافر فيهِ لو صار ترابًا وتخلص من العذاب المهين الأليم. فقوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾. إِخْبَارٌ من اللَّه تعالى عن عظمته وجبروته ورحمته. وقرأ ابن مسعود ونافع وأبو عمرو ﴿رَبُّ﴾ بالرفع على الاستئناف، "الرحمنُ" خبره. أو بمعنى هو رب السماوات، ويكونُ "الرحمن" مبتدأ ثانيًا. وقرأ ابن عامر وبعض أهل البصرة والكوفة ﴿رَبِّ﴾ بالخفض، نَعْتًا لقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾. والتقدير: جزاء من ربك ربِ السماواتِ الرحمنِ. وهذه القراءة بالخفض هي الأشهر بين القرّاء. وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ﴾. قال مجاهد: (كلامًا). وقال ابن زيد: (لا يملكون أن يخاطبوا اللَّه. والمخاطب: المخاصم الذي يخاصم صاحبه). والمقصود: لا يملك أحد في ذلك اليوم الرهيب ابتداء مخاطبته سبحانه إلا بإذنه. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥].

стр. 5140

٢ - وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وفي الصحيحين والمسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمِعُهم الداعي وينفذُهم البصر] الحديث (١). وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾. يومَ: نصب على الظرفية، والتقدير: يوم لا يملكون منه خطابًا يوم يقوم الروح. والروح: جبريل عند الجمهور، ويؤيده قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. وهناك أقوال غريبة عجيبة عند المفسرين في تفسير الروح لا دليل عليها. قلت: وإنما خصّه اللَّه سبحانهُ بالإفراد بالذكر من بين سائر الملائكة لشرفه فيهم. والمقصود: يقف جبريل ﵇ والملائكة الكرام في ذلكَ المشهد المهيب مصطفين صامتين لا يتكلمون. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. أي: إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة. أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن، وكان ذلكَ الشخص ممن قال صوابًا في الدنيا: أي شهد بالتوحيد. فالضمير في ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ يرجع إلى الملائكة. وقيل: بل هو أعم، فلا يتكلم أحد يومئذ إلا بإذنه. فعن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ يقول: إلا من أذن له الرب بشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وهي منتهى الصواب). وقال مجاهد: (﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ قال حقًا في الدنيا، وعمل به). وقال أبو صالح: (قال: لا إله إلا اللَّه). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]. قال الزمخشري: (﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ هما شريطتان: أن يكون المتكلم منهم مأذونًا لهُ في الكلام، وأن يتكلم بالصواب، فلا يشفع لغير مرتضى، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يُضْرَبُ الصراط بين ظَهْرانَي

стр. 5141

جَهَنَمَ، فأكونُ أنا وأمتي أوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم! سَلِّمْ، سَلِّم] (١). وفي صحيح مسلم -أيضًا- من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلِّم سلِّم. فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسَلَّم (٢)، ومخدوش مرسَل (٣)، ومكدوس في نار جهنم (٤)، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيدهِ ما من أحد منكم بأشدّ مناشدةً في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين للَّه يوم القيامةِ لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا! كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجّون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا] الحديث (٥). وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾. أي الكائن الواقع لا محالة. يعني يوم القيامة. وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾. قال قتادة: (سبيلًا. قال: اتخذوا إلى اللَّه مآبًا بطاعته، وما يقربهم إليه). وقال سفيان: (مرجعًا منزلًا). والمقصود: فمن أراد النجاة اتخذ مرجعًا وطريقًا إلى اللَّه سبحانهُ، بالتقرب إليه بالإيمان والعمل الصالح. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: إنا حذرناكم أيها الناس عذابًا قد دنا منكم وقرب). قال ابن كثير: (يعني يوم القيامة، لتأكُّد وقوعه صار قريبًا، لأنَّ كلَّ ما هو آتٍ آتٍ). وقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾. أي: ذلكَ العذاب يوم يعرض على الإنسان جميع أعماله أولها وآخرها، قديمها وحديثها، خيرها وشرها.

стр. 5142

وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠]. وأخرج البخاري ومسلم عن عديِّ بن حاتم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَهُ وبينه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُه، فينظُر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ من عمله، وينظُر أشأمَ منهُ فلا يرى إلا ما قدَّمَ، وينظر بين يديهِ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة] (١). وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. وذلكَ حين يرى القصاص بين البهائم، ثم يسمع قول اللَّه لها: كوني ترابًا، فعندئذ يتقطع قلبه ندامة وحسرة، ويقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. فقد ارتسمت أمامه جرائمهُ التي أجَّجَ فيها الحياة الدنيا، وتخيّل لحظات القصاص اليوم، وأيقن أن لا فرار من أمر اللَّه ولا نهايةَ لعذابه ونكاله، وعلم أنَّ البهائم قد اقتصت من بعضها ولكنها سعدت إذ انتهت، وأما من كفر باللَّه من الثقلين فلا سبيلَ اليوم إلى الفرار أو الخلاص. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ مرفوعًا: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامةِ، حتى يفاد للشاةِ الجلحاء من الشاة القرناء] (٢). والجلحاء: التي لا قرن لها. وله شاهد عند الإمام أحمد عنه مرفوعًا بلفظ: [يقتصّ الخلق بعضهم من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٣). والجمّاء: التي لا قرن لها. ومن طريق أبي حجيرة عنه مرفوعًا بلفظ: [ألا والذي نفسي بيده، ليختصمن كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان فيما انتطحتا] (٤).

стр. 5143

وفي مسند أحمد والطيالسي بسند صحيح عن أبي ذر قال: [رأى رسول اللَّه ﷺ شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! أتدري فيمَ تنتطحان؟ قلت: لا. قال: ولكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة] (١). وفي التفاسير عن ابن عمر (ونحوه عن عبد اللَّه بن عمرو وأبي هريرة) قال: (إذا كان يوم القيامةِ مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحوش، ثم يوضع القصاص بين البهائم، حتى يُقْتَصَّ للشاةِ الجماء من الشاة القرناء بنطحتها، فإذا فرغ من القصاص بينها قيل لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾). وعن سفيان قال: (إذ قيل للبهائم: كونوا ترابًا، يقول الكافر يا ليتني كنتُ ترابًا). تم تفسير سورة النبأ بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم السبت ١٠/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٠/ ١٢/ ٢٠٠٥ م.

стр. 5144

دروس ونتائج وأحكام ١ - النبأ العظيم هو أمر القيامة، سمي بذلكَ لأنه يحمل الهول الكبير، والحدث المفظع المثير. ٢ - ليس من شيء من الإنسان إلا يَبْلى إلا عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة. ٣ - ﴿مِرْصَادًا﴾ أي مرصدة معدة مجهزة، فكأنهُ يكثر من جهنم انتظار الكفار. ٤ - ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ من الموافقة، أي جازيناهم جزاء وافق أعمالهم. ٥ - ناركم التي توقدون منها جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، فضِّلت عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهن مثلُّ حرِّها. ٦ - الكواعِبُ: النواهد، جمع كاعِب. والأتراب: الأقران في السن، جمع تِرْب. ٧ - يقف جبريل ﵇ والملائكة الكرام في ذلكَ المشهد المهيب مصطفين صامتين لا يتكلمون. ٨ - يقتص الخلق بعضهم من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة. * * *

стр. 5145

٧٩ - سورة النازعات وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٦). موضوع السورة نزع النازعات أرواح العباد وتقريع المشركين وتفصيل الحياة في دار المعاد - منهاج السورة - ١ - قسم اللَّه تعالى بالملائكة النازعات أرواح العباد، الناشطات السابحات السابقات المدبرات الأمر من السماء إلى الأرض، على وقوع المعاد. ٢ - القلوب يومئذ خائفة، والأبصار خاشعة، والمنكرون للحساب في حالة خاسرة. ٣ - ذكر قصة موسى مع الطاغية فرعون للاعتبار، ليتعظ بها كفار قريش ويدعوا الاستكبار. ٤ - إظهار بدائع قدرة اللَّه العظيم، في السماء والأرض والليل والنهار والجبال مما فيه تقريع للمشركين، الذين يشركون بعبادة اللَّه المنعم الرحمان الرحيم. ٥ - وقوع الإنسان في شباك كسبه وعمله يوم الدين، وبروز جهنم أمام الخلق لتكون مثوًى للمتكبرين، ومن آثر طاعة اللَّه ونهى النفس عن الهوى فالمأوى جنات النعيم. ٦ - أمر الساعة أمر مباغت لا يعلمه إلا رب العالمين.

стр. 5146

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾. في هذه الآيات: يقسم سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح العباد من أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدّ، ﴿غَرْقًا﴾ أي: إغراقًا في النزع من أقاصي الأجساد، كما يقسم سبحانه بالملائكة الناشطات السابحات السابقات المدبرات على وقوع المعاد، والقلوب يومئذ خائفة، والأبصار خاشعة، والمنكرون للحساب في حالة خاسرة. فقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (هي الملائكة تَنْزعُ نفوس بني آدم). وقال علي وابن مسعود ﵄: (النازعات: الملائكة التي تنزع أرواحَ الكفار). قلت: والمقصود بالإغراق المبالغة في النزع، وهو حال أرواح الكفار عند نزعها. ففي حديث أحمد وأبي داود عن البراء -في نزع روح الكافر أو الفاجر- قال رسول اللَّه ﷺ : [وإنّ العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرّق في

стр. 5147

جسده، فينتزعها كما يُنْتَزع السَّفُود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] (١). وقوله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن، فتقبضها كما يُنْشَط العِقال من يد البعير: إذا حُلَّ عنه). وقال أيضًا: (هي أنفس المؤمنين عند الموت تَنْشَطُ للخروج، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتُعرض عليه الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعدّ اللَّه له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشطَة أن تخرج فتأتيهم). قلت: والمقصود الملائكة حين تأخذ أرواح المؤمنين عند الاحتضار فتجذبها برفق. فالنزع جذب بشدة و ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ للكافرين. والنشط جذب برِفق ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ للمؤمنين. وفي حديث البراء السابق: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها] الحديث. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾. قال علي ﵁: (هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين). وقال مجاهد: (هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، كما يقال للفرس الجواد سابح: إذا أسرع في جريه). وعن مجاهد أيضًا: (الملائكة تسبح في نزولها وصعودها). والمقصود: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، يسبحون في الهواء كما يسبح الغواص في الماء. وقوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. قال علي ﵁: (هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء ﵈. وقال مجاهد: (هي الملائكة تسبق ابن آدم بالخير والعمل الصالح). وقيل: تسبق ابن آدم إلى العمل الصالح فتكتبه.

стр. 5148

والمقصود: هي الملائكة تسبق إلى تنفيذ أمر اللَّه، كما تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. وقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. قال القشيري: (أجمعوا على أن المراد الملائكة). قال الحسن: (تدبّر الأمر من السماء إلى الأرض). والمقصود: تدبير الملائكة للأمر وهو نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما، وبقضاء اللَّه إلى أهل الأرض في الرياح والأمطار والنوازل وغير ذلك. قال النسفي: (وجواب القسم محذوف، وهو لتبعثن، لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. الرجف: شدة الحركة. والردف المتابعة. يروي البخاري عن ابن عباس: [الراجفة النفخة الأولى. والرادفة: الثانية] (١). والمقصود: وصفت النفخة الأولى وهي ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ بما يحدث بحدوثها من رجف تضطرب به الأرض حتى يموت كل من عليها، ثم تجيء النفخة الثانية وهي ﴿الرَّادِفَةُ﴾ التي تردف ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ والتي يكون عندها البعث. وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. قال ابن عباس: (يعني خائفة). وقال السُّدي: (زائلة عن أماكنها). وقال المؤرِّج: (قلقة مُسْتَوْفِزة، مرتكضة (٢) غير ساكنة). وفي لغة العرب: وجَفَ القلب يَجفُ وجِيفًا إذا خفق. والمقصود: القلوب يوم الحشر خائفة وجلة مضطربة تخفق من هول الموقف. وقوله تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. أي: أبصار أصحابها منكسرة ذليلة من معاينة هذا الحدث الجلل. وهو كقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. استفهام بمعنى الإنكار، والحافرة: القبور. وقيل: الحالة الأولى. قال ابن كثير: (يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعادِ، يستبعدون وقوعَ البعثِ بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد. وبعد تمزّق أجسادهم وتفتُّت عظامهم ونُخُورها). وقال النسفي: (أي أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا، والحافرة الحالة الأولى، يقال لمن كان في

стр. 5149

أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، أي إلى حالته الأولى. ويقال النقد عند الحافرة، أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة). وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (أي بالية). وقال ابن عباس: (وهو العظم إذا بَلِيَ ودخَلت الريحُ فيه). وفي لغة العرب: نَخِرَ العظم: أي بلِيَ وتفتت. والمقصود: استبعاد المشركين البعث بعد الموت وقد صارت العظام بالية متفتِّتة. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال محمد بن كعب: (قالت قريش: لئن أحيانا اللَّه بعد أن نموت لنخسَرنَّ). والمقصود: قال منكرو البعث: لئن رددنا بعد الموت لنخسرنّ بما يصيبنا مما يقوله محمد. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال مجاهد: (صيحة واحدة). وقال الحسن البصري: (زَجْرَةٌ من الغَضَب). وقال إبراهيم التَّيْمِيُّ: (أشَدُّ ما يكون الربُّ غَضَبًا على خَلْقِهِ يومَ يَبْعَثهم). وقال الربيع بن أنس: (زَجْرةٌ واحدة: هي النفخة الآخرة). والمقصود: فإنما هو -معشر المُنكرين للمعاد والحساب- أمرٌ واحد من الواحد القهار لا مَثْنَوية فيه ولا تأكيد، فإذا جميع الناس قيام ينظرون. وذلك حين يأمر الجبار إسرافيل لينفخ نفخة البعث. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. الساهرة في كلام العرب: وجه الأرض. قال مجاهد: (كانوا بأسفلها، فَأُخرجوا إلى أعلاها). وقال قتادة: (لما تباعد البعث في أعين القوم، قال اللَّه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ يقول: فإذا هم بأعلى الأرض، بعدما كانوا في جوفها). وقال أيضًا: (فإذا هم يخرجون من قبورهم فوق الأرض). ١٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ

стр. 5150

الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾. في هذه الآيات: ذكر قصة موسى مع فرعون الطاغية للاعتبار، ليتعظ بذلك كفار قريش ومن مضى على سبيلهم بالكفر والاستهتار، فقد أهلك اللَّه الطاغية وجنوده وكان للنبوة الظفر والانتصار. فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم. قيل: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أي قد جاءك وبَلَغَك ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾. قال القرطبي: (أي إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء). وقيل: "هل" بمعنى "ما" أي ما أتاك، ولكن أخبرت به، فإن فيه عبرة لمن يخشى. وقال النسفي: (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن يشيع، والتشريف للمخاطب به). وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. أي: حين ناجاه ربه بالوادي المطهر الذي اسمه ﴿طُوًى﴾. قال ابن جرير: (يعني بالمقدس: المطهَّر المبارك). وعن مجاهد: (قوله ﴿طُوًى﴾ اسم الوادي). قال الفرّاء: (طوَى: واد بين المدينة ومصر. قال: وهو معدول عن طاوٍ، كما عدل عمر عن عامر). وفي الصحاح: (طُوى: بضم الطاء وكسرها اسم موضع بالشأم يُصْرَفُ ولا يُصْرف: فمن صَرَفه جعله اسمَ وادٍ ومكانٍ وجَعَله نكرة. ومن لم يَصْرِفْه جَعَلَهُ بَلْدَةً وبُقْعَة وجعله معرفة). قال الرازي: (وقال بعضهم: طُوًى هو الشيء المثنيُّ، وقال في قوله تعالى: ﴿الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ طُوِيَ مرتين أي قُدِّسَ مرتين). وقال الحسن: (ثُنِيَت فيه البركة والتقديس مرتين). وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. أي: ناداه ربه أن اذهب إلى فرعون فقد عتا وتجاوز حدّه في العدوان، والتكبر على ربه. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾. قال ابن عباس: (هل لك أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه). وقال ابن زيد: (إلى أن تسلم). قال النسفي: (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان). والمقصود: دعا موسى فرعون ليكون زكيًا مؤمنًا. وقوله تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. أي: وأرشدك إلى تعظيم ربك والتزام طاعته فتخافه وتتقيه. قال ابن كثير: (أي: أدُلّكَ إلى عبادة ربك، ﴿فَتَخْشَى﴾، أي: فيصيرَ قلبُكَ خاضعًا له مطيعً خاشعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير).
следующие страницы →