بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾.
في هذه الآيات: يقسم سبحانه بالملائكة التي تنزع أرواح العباد من أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدّ، ﴿غَرْقًا﴾ أي: إغراقًا في النزع من أقاصي الأجساد، كما يقسم سبحانه بالملائكة الناشطات السابحات السابقات المدبرات على وقوع المعاد، والقلوب يومئذ خائفة، والأبصار خاشعة، والمنكرون للحساب في حالة خاسرة.
فقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (هي الملائكة تَنْزعُ نفوس بني آدم). وقال علي وابن مسعود ﵄: (النازعات: الملائكة التي تنزع أرواحَ الكفار). قلت: والمقصود بالإغراق المبالغة في النزع، وهو حال أرواح الكفار عند نزعها.
ففي حديث أحمد وأبي داود عن البراء -في نزع روح الكافر أو الفاجر- قال رسول اللَّه ﷺ : [وإنّ العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد، سود الوجوه، معهم المسوح من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من اللَّه وغضب، قال: فتفرّق في
стр. 5147
جسده، فينتزعها كما يُنْتَزع السَّفُود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. قال ابن عباس: (يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن، فتقبضها كما يُنْشَط العِقال من يد البعير: إذا حُلَّ عنه). وقال أيضًا: (هي أنفس المؤمنين عند الموت تَنْشَطُ للخروج، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا وتُعرض عليه الجنة قبل أن يموت، فيرى فيها ما أعدّ اللَّه له من أزواجه وأهله من الحور العين، فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشطَة أن تخرج فتأتيهم).
قلت: والمقصود الملائكة حين تأخذ أرواح المؤمنين عند الاحتضار فتجذبها برفق. فالنزع جذب بشدة و ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ للكافرين. والنشط جذب برِفق ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ للمؤمنين.
وفي حديث البراء السابق: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها] الحديث.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾. قال علي ﵁: (هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين). وقال مجاهد: (هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، كما يقال للفرس الجواد سابح: إذا أسرع في جريه). وعن مجاهد أيضًا: (الملائكة تسبح في نزولها وصعودها).
والمقصود: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر اللَّه، يسبحون في الهواء كما يسبح الغواص في الماء.
وقوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾. قال علي ﵁: (هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء ﵈. وقال مجاهد: (هي الملائكة تسبق ابن آدم بالخير والعمل الصالح). وقيل: تسبق ابن آدم إلى العمل الصالح فتكتبه.
стр. 5148
والمقصود: هي الملائكة تسبق إلى تنفيذ أمر اللَّه، كما تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.
وقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. قال القشيري: (أجمعوا على أن المراد الملائكة). قال الحسن: (تدبّر الأمر من السماء إلى الأرض). والمقصود: تدبير الملائكة للأمر وهو نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما، وبقضاء اللَّه إلى أهل الأرض في الرياح والأمطار والنوازل وغير ذلك. قال النسفي: (وجواب القسم محذوف، وهو لتبعثن، لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. الرجف: شدة الحركة. والردف المتابعة.
يروي البخاري عن ابن عباس: [الراجفة النفخة الأولى. والرادفة: الثانية] (١).
والمقصود: وصفت النفخة الأولى وهي ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ بما يحدث بحدوثها من رجف تضطرب به الأرض حتى يموت كل من عليها، ثم تجيء النفخة الثانية وهي ﴿الرَّادِفَةُ﴾ التي تردف ﴿الرَّاجِفَةُ﴾ والتي يكون عندها البعث.
وقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. قال ابن عباس: (يعني خائفة). وقال السُّدي: (زائلة عن أماكنها). وقال المؤرِّج: (قلقة مُسْتَوْفِزة، مرتكضة (٢) غير ساكنة). وفي لغة العرب: وجَفَ القلب يَجفُ وجِيفًا إذا خفق. والمقصود: القلوب يوم الحشر خائفة وجلة مضطربة تخفق من هول الموقف.
وقوله تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. أي: أبصار أصحابها منكسرة ذليلة من معاينة هذا الحدث الجلل. وهو كقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣].
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. استفهام بمعنى الإنكار، والحافرة: القبور. وقيل: الحالة الأولى. قال ابن كثير: (يعني مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعادِ، يستبعدون وقوعَ البعثِ بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد. وبعد تمزّق أجسادهم وتفتُّت عظامهم ونُخُورها). وقال النسفي: (أي أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر فنعود أحياء كما كنا، والحافرة الحالة الأولى، يقال لمن كان في
стр. 5149
أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، أي إلى حالته الأولى. ويقال النقد عند الحافرة، أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة).
وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (أي بالية). وقال ابن عباس: (وهو العظم إذا بَلِيَ ودخَلت الريحُ فيه). وفي لغة العرب: نَخِرَ العظم: أي بلِيَ وتفتت. والمقصود: استبعاد المشركين البعث بعد الموت وقد صارت العظام بالية متفتِّتة.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾.
قال محمد بن كعب: (قالت قريش: لئن أحيانا اللَّه بعد أن نموت لنخسَرنَّ). والمقصود: قال منكرو البعث: لئن رددنا بعد الموت لنخسرنّ بما يصيبنا مما يقوله محمد.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. قال مجاهد: (صيحة واحدة). وقال الحسن البصري: (زَجْرَةٌ من الغَضَب). وقال إبراهيم التَّيْمِيُّ: (أشَدُّ ما يكون الربُّ غَضَبًا على خَلْقِهِ يومَ يَبْعَثهم). وقال الربيع بن أنس: (زَجْرةٌ واحدة: هي النفخة الآخرة).
والمقصود: فإنما هو -معشر المُنكرين للمعاد والحساب- أمرٌ واحد من الواحد القهار لا مَثْنَوية فيه ولا تأكيد، فإذا جميع الناس قيام ينظرون. وذلك حين يأمر الجبار إسرافيل لينفخ نفخة البعث.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. الساهرة في كلام العرب: وجه الأرض. قال مجاهد: (كانوا بأسفلها، فَأُخرجوا إلى أعلاها). وقال قتادة: (لما تباعد البعث في أعين القوم، قال اللَّه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ يقول: فإذا هم بأعلى الأرض، بعدما كانوا في جوفها). وقال أيضًا: (فإذا هم يخرجون من قبورهم فوق الأرض).
١٥ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ
стр. 5150
الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾.
في هذه الآيات: ذكر قصة موسى مع فرعون الطاغية للاعتبار، ليتعظ بذلك كفار قريش ومن مضى على سبيلهم بالكفر والاستهتار، فقد أهلك اللَّه الطاغية وجنوده وكان للنبوة الظفر والانتصار.
فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾. تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم. قيل: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ أي قد جاءك وبَلَغَك ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾. قال القرطبي: (أي إن فرعون كان أقوى من كفار عصرك، ثم أخذناه، وكذلك هؤلاء). وقيل: "هل" بمعنى "ما" أي ما أتاك، ولكن أخبرت به، فإن فيه عبرة لمن يخشى. وقال النسفي: (﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب أن يشيع، والتشريف للمخاطب به).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. أي: حين ناجاه ربه بالوادي المطهر الذي اسمه ﴿طُوًى﴾. قال ابن جرير: (يعني بالمقدس: المطهَّر المبارك). وعن مجاهد: (قوله ﴿طُوًى﴾ اسم الوادي). قال الفرّاء: (طوَى: واد بين المدينة ومصر. قال: وهو معدول عن طاوٍ، كما عدل عمر عن عامر). وفي الصحاح: (طُوى: بضم الطاء وكسرها اسم موضع بالشأم يُصْرَفُ ولا يُصْرف: فمن صَرَفه جعله اسمَ وادٍ ومكانٍ وجَعَله نكرة. ومن لم يَصْرِفْه جَعَلَهُ بَلْدَةً وبُقْعَة وجعله معرفة). قال الرازي: (وقال بعضهم: طُوًى هو الشيء المثنيُّ، وقال في قوله تعالى: ﴿الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ طُوِيَ مرتين أي قُدِّسَ مرتين). وقال الحسن: (ثُنِيَت فيه البركة والتقديس مرتين).
وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾. أي: ناداه ربه أن اذهب إلى فرعون فقد عتا وتجاوز حدّه في العدوان، والتكبر على ربه.
وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾. قال ابن عباس: (هل لك أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه). وقال ابن زيد: (إلى أن تسلم). قال النسفي: (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان). والمقصود: دعا موسى فرعون ليكون زكيًا مؤمنًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾. أي: وأرشدك إلى تعظيم ربك والتزام طاعته فتخافه وتتقيه. قال ابن كثير: (أي: أدُلّكَ إلى عبادة ربك، ﴿فَتَخْشَى﴾، أي: فيصيرَ قلبُكَ خاضعًا له مطيعً خاشعًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير).
стр. 5151
وقوله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال الحسن: (يده وعصاه). وقال ابن زيد: (العصا والحية). والمقصود: أظهر له موسى حجة بالغة تدل على صدق النبوة.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾. أي فكذب بالآيات والنبوة، وعصى ربه .
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾. أي: ثم ولّى معرضًا عن الحق الذي أُظهر له، ومضى يسعى في معصية اللَّه وفيما يسخطه عليه. قال مجاهد: (﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ قال: يعمل بالفساد). وقيل: مضى في مقابلة الحق بالباطل، فجمع السحرة ليقابلوا معجزة موسى الباهرة.
وقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال ابن زيد: (صرخ وحشر قومه، فنادى فيهم، فلما اجتمعوا قال: أنا ربكم الأعلى، فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى). وقيل: جمع جنوده للقتال والمحاربة، والسَّحرة للمعارضة. وقيل: حشر الناس للحضور فقال لهم بصوت عال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أي لا رب لكم فوقي، يحاول تثبيت اهتزاز سلطانه. قال القاضي: (وقد كان الأليق به، بعد ظهور خزيه عند انقلاب العصا حية، أن لا يقول هذا القول. لأن عند ظهور الذلة والعجز كيف يليق أن يقول ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾؟ فدلت هذه الآية على أنه في ذلك الوقت صار كالمعتوه الذي لا يدري ما يقول).
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. أي: فعاقبه اللَّه وانتقم منه انتقامًا جعله به عبرةً ونكالًا لأمثاله من الطغاة والمتمردين في الدنيا، وإمامًا إلى النار يوم القيامة.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١].
فيكون قوله: ﴿نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ يعني الدنيا والآخرة. وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والراجح الأول، لدلالة الآيات السابقة على ذلك، فهو ملعون في الدنيا والآخرة.
أخرج الترمذي بسند صحيح عن شعبة قال: أخبرني عدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي ﷺ : [أَنَّهُ ذكرَ
стр. 5152
أنَّ جِبرئيل جَعَلَ يَدُسُّ في فِي فرعون الطِّين، خَشْيَةَ أن يقولَ: لا إله إلا اللَّه فَيَرْحَمَهُ اللَّه، أو خَشية أنْ يَرْحَمَهُ] (١).
وروى الترمذي -كذلك- عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: [لما أَغْرَقَ اللَّه فرعون قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. فقال جبرئيلُ: يا محمدُ لو رأيتني وأنا آخُذُ من حالِ البحر وأدُسُّهُ في فيه مَخافةَ أنْ تدرِكَهُ الرحمة] (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. أي إن في ذلك الخزي والعقاب لفرعون وجنده اعتبارًا وعظة من يخاف اللَّه ويخشى عقابه.
٢٧ - ٣٣. قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.
في هذه الآيات: إظهارُ بدائع قدرة اللَّه العظيم، وتقريعٌ بذلك وتوبيخ للمشركين، الذين يغفلون عن آلاء ونعم الرحمان الرحيم.
فقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾. تقريع وتوبيخ للمشركين. قال القرطبي: (يريد أهل مكة، أي أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ فمن قدَر على السماء قَدَرَ على الإعادة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]. قال: ثم وصف السماء فقال: ﴿بَنَاهَا﴾ أي رفعها فوقكم كالبناء).
قلت: وقد أثبت التقدم العلمي والكشوف العلمية الحديثة أن أجرام السماء كأحجار في بناء واحد يشد بعضه بعضًا، ويقوم كل على الآخر في انسجام وتناسق عجيب، فإذا اختل النظام في جرم أو أجرام اختل البناء كله.
وقوله تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾. قال ابن عباس: (﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ يقول بُنيانها).
стр. 5153
وقال مجاهد: (﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾: رفع بناءها بغير عمد). وقال قتادة: (يقول: رفع بناءها فسواها).
قلت: ومن الإعجاز العلمي المعاصر الذي تعكسه دقة هذه الألفاظ القرآنية: أَنَّ الإنسان لم يعرف مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم، فعرفنا أن السماء مرتفعة وليست قريبة كما يظن بالنظر المجرد، فسبحان اللَّه الذي ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. أي أظلم ليلها ونوّر نهارها. قال ابن عباس: (﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ يقول: أظلم ليلها). وهو من غَطِشَ الليل أي ظَلِم، والغَطَش والغَبَشُ الظلمة. وعن قتادة: (﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ يقول: نوّر ضياءها). وقال الضحاك: (﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ قال: نهارها). وقال ابن زيد: (ضوء النهار).
ويؤكد الباحثون المعاصرون أن الأرض والشمس والنجوم كانت جميعًا شيئًا واحدًا لا يتميز عليه ليل أو نهار، فلما حدث الانفصال وأخذت بعض الكواكب تبرد وتدور حول نفسها فببرودتها أصبحت معتمة، وبدورانها أمام الشمس والنجوم المضيئة تميز عليها النهار، كما تميز الليل. وهكذا تبين لنا دقة هذا التعبير القرآني المعجز: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. أي بسطها. من دَحَوْتُ الشيء دحوًا: إذا بسطته. قال القاسمي: (﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد تسوية السماء على الوجه السابق، وإبراز الأضواء ﴿دَحَاهَا﴾ أي بسطها ومهّدها لسكنى أهلها، وتقلبهم في أقطارها).
يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني في كتابِه "توحيد الخالق" (ص ٣٥٥): (دحاها: أي بسطها لتكون صالحة للإنبات ونفع الإنسان. ومن معاني الأدحية: البيض، ومن معاني دحا: دحرج. ويظهر أن الأرض عند انفصالها أخذت تدور وتتدحرج في مسارها ولا تزال تتدحرج وتتقلب وهي تجري في فلكها ومسارها، فهل تلقى هذه الحقيقة العلمية أوضح معنى من قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾).
وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾. قال ابن عباس: (ودَحْيُها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقَّق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبالَ والرِّمالَ والسُّبُلَ والآكام). وقال الضحاك: (﴿وَمَرْعَاهَا﴾: ما خلق اللَّه فيها من النبات، و ﴿مَاءَهَا﴾: ما فجّر فيها من الأنهار). قال القُتَبي: (دَلَّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتًا ومتاعًا
стр. 5154
للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح، لأن النار من العيدان والملح من الماء). وقال القرطبي: (﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ أي أخرج من الأرض ﴿مَاءَهَا﴾ أي العيون المتفجرة بالماء ﴿وَمَرْعَاهَا﴾ أي النبات الذي يُرْعى).
ومن آفاق العلم الحديث أن الأرض يخرج منها ماء المطر، ولا يزال بعض الناس يظنون أن ماء المطر يسكب من خزانات في السماء. وماء البحار الأول كان جزءًا من الأرض نتج عن التفاعلات الكيماوية أثناء تصلب القشرة الأرضية. ولقد كانت هذه التفاعلات بقدر معلوم لتنتج ماء بقدر مناسب (١).
وقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾. قال قتادة: (أي أثبتها لا تميد بأهلها). وتقدير الكلام: والجبال أرساها فيها، أي قرّرها وأثبتها وأكّدها في أماكنها.
وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: دَحَا الأرض فأنْبَعَ عُيونها، وأظهَرَ مكنونها، وأجْرَى أنهارها، وأنْبَتَ زُروعها وأشجارها وثِمارها، وثَبَّتَ جِبَالها لتستقر بأهلِها ويَقِرَّ قرارُها، كلَّ ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكُلَونها ويركَبُونَها مدّةَ احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمدُ، ويَنْقَضِيَ الأجلُ).
٣٤ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾.
في هذه الآيات: وقوعُ الإنسان في شباك كسبه وعمله يوم الدين، وقد أُظهرت أمام الخلق نار الجحيم، فأما من آثر طاعة ربه ورضاه فهو في روضات النعيم، وأما من آثر طاعة الشيطان واتباع الشهوات فهو في العذاب الأليم، وأمر الساعة أمر مباغت لا يعلمه إلا رب العالمين.
стр. 5155
فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾. أي: الداهية العظمى. قال ابن عباس: (من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذَّره عباده). وسميت كذلك لأنها تطمّ على كل هائلة من الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها. كما قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. وجواب "إذا" محذوف يدل عليه التقسيم بعده. والتقدير: ظهرت الأعمال. أو انقسم الناس قسمين.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾. أي: وحينئذ يتذكر الإنسان جميع أعماله، مما عمل من خير أو شر، وذلك بعرضه عليه. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾. أي: وأظهرت نار اللَّه للناظرين فرآها الناس بيانًا.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾. قال مجاهد: (﴿طَغَى﴾: عصى). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأما من عتا على ربه، وعصاه واستكبر عن عبادته).
وقوله تعالى: ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. أي: وقدّم متاعَ الحياة الدنيا وشهواتها، على كرامة الآخرة ونعيمها، فعمل لدنياه، على حساب دينه وأخراه.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. أي: فإن المنزل والمقام في الآخرة في الجحيم، حيث طعام الزقوم، وشراب الحميم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. قال ابن كثير: (أي: خاف القيامَ بين يدي اللَّه وخاف حُكْمَ اللَّه فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدَّها إلى طاعة مولاها).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. أي: فإن المنزل والمقام يوم القيامة في جنة السُّرور والنعيم، حيث الحفاوة والتكريم، والخلود في نعيم مقيم.
وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾. قال القاسمي: (أي إقامتها. أي متى يقيمها اللَّه ويكوّنها. قال الناصر: وفيه إشعار بثقل اليوم كقوله: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، ألا تراهم لا يستعملون الإرساء إلا فيما له ثقل، كمرسى السفينة وإرساء الجبال). وقال الفراء: (رُسُوّها قيامها كرسوّ السفينة). وقال أبو عبيدة: (أي منتهاها، ومرسى السفينة حيث تنتهي). وقال الربيع بن أنس: (متى زمانها)، والمعنى متقارب.
стр. 5156
وقوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.
أخرج الحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين عن عائشة قالت: [لم يزل النبي ﷺ يسأل عن الساعة حتى أنزل اللَّه : ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾] (١).
وأخرج البزار ورجاله رجال الصحيح عن طارق بن شهاب قال: [كان النبي ﷺ لا يزال يذكر شأن الساعة حتى نزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾] (٢).
قال القرطبي: (ويجوز أن يكون إنكارًا على المشركين في مسألتهم له، أي فيم أنت من ذلك حتى يسألوك بيانَه، ولست ممن يعلمه. رُوي معناه عن ابن عباس. والذكْرَى بمعنى الذكر. ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ أي منتهى علمها، فلا يوجد عند غيره علم الساعة).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [قال -جبريل- يا رسول اللَّه! متى تقوم الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل] (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾. قال النسفي: (أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها).
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. قال قتادة: (وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة).
والمعنى: كأن هؤلاء المكذبين بها، وبما فيها من الجزاء والحساب، يوم
стр. 5157
يشاهدون وقوعها، ويعاينون عظيم هولها، يستقصرون مدّة لبثهم في دنياهم وفي قبورهم، إلى ساعة من نهار، بمقدار عشية أو ضحاها.
قال الفرّاء: (يقول القائل: وهل للعشية ضُحًا؟ وإنما الضحا لصدر النهار، ولكن أضيف الضحى إلى العشية، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداةَ أو عشيتَها، وآتيك العشيةَ أو غداتها، فتكون العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أول النهار).
قال النسفي: (وإنما صحت إضافة الضحا إلى العشية للملابسة بينهما لاجتماعهما في نهار واحد، والمراد أن مُدة لبثهم لم تبلغ يومًا كاملًا ولكن أحد طرفي النهار، عشيته أو ضحاه، واللَّه أعلم).
تم تفسير سورة النازعات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الاثنين ١٢/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٢/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: النفخة الثانية.
٢ - أشدُّ ما يكون الرب غضبًا يوم يبعث العباد، ويقف بين يديه الطغاة.
٣ - جعل جبريل يدسُّ الطين في فِي فرعون عند الغرق خشية أن تدركه الرحمة.
٤ - الطامَّة الكبرى: الداهية العظمى، من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذّره عباده، سميت بالطامة لأنها تطمّ على كل هائلة بهولها.
٥ - وقت الدنيا في أعين المكذبين بالآخرة كأحد طرفي النهار، عشيته أو ضحاه.
* * *
стр. 5158
٨٠ - سورة عبس
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤٢).
سبب نزول السورة:
أخرج الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قال: [أنزل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول اللَّه ﷺ فجعل يقول: يا رسول اللَّه أرشدني. وعند رسول اللَّه ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول اللَّه ﷺ يُعرض عنه، ويقبل على الآخر ويقول: "أتَرى بما أقولُ بأسًا؟ " فيقول: لا، ففي هذا أنزل] (١). وفي رواية ابن جرير: [ففي هذا أنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾].
موضوع السورة
المعاتبة على العبس في وجه بعض المؤمنين وامتنان اللَّه على العباد بالنعم العظيمة وتفصيل المصير يوم الدين
- منهاج السورة -
١ - العتاب اللطيف من اللَّه سبحانه لنبيه الكريم، لانشغاله ببعض المشركين عن ابن أم مكتوم.
стр. 5159
٢ - هذه التذكرة والعظة هي في صحف مكرمة مطهرة، بأيدي ملائكة كرام بررة.
٣ - العجب من كفر الإنسان مع إحسان اللَّه إليه، وهو خلقه سبحانه وأعطاه وأماته وأقبره وسيقف غدًا بين يديه.
٤ - حثّ الإنسان على النظر في نعم اللَّه عليه، من الماء والطعام والنبات والفواكه والثمار والحدائق التي سخّرها إليه.
٥ - التهديد بقدوم الصاخة وهي القيامة، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وجميع خلانه.
٦ - الوجوه يوم الحساب ضاحكة مستبشرة، أو عليها غبرة ترهقها قترة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٦. قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾.
في هذه الآيات: عتابٌ لطيف من اللَّه سبحانه لنبيه ﷺ ، وقد انشغل يومًا بتكليم بعض عظماء قريش طمعًا في إسلامه، فأعرضَ عن ابن أم مكتوم الذي جاءه يسأل عن شيء من أمر دينه، وعبس في وجهه وأقبل على الآخر رغبة في هدايته، فكان العتاب تذكرة وعبرة وعظة، في صحف مكرمة مطهرة، بأيدي ملائكة كرام على ربهم، أتقياء صادقين في إيمانهم.
فقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. قال ابن جرير: (﴿عَبَسَ﴾: قبض وجهه تكرُّهًا، ﴿وَتَوَلَّى﴾ يقول: وأعرض). وقال القرطبي: (﴿عَبَسَ﴾ أي كلح بوجهه. ﴿وَتَوَلَّى﴾ أي أعرض بوجهه).
وقوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. "أنْ" في موضع نصب لأنه مفعول له، والتقدير:
стр. 5160
لأن جاءه الأعمى، وهو ابن أم مكتوم ﵁ الذي لا يبصر بعينيه.
أخرج أبو يعلى في المسند، بإسناد حسن، عن قتادة، عن أنس قال: [جاء ابنُ أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكَلِّمُ أُبَيَّ بن خَلَفٍ، فأعرض عنه، فأنزل اللَّه : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فكان النبيُّ ﷺ بعد ذلك يُكْرِمُهُ] (١). قال قتادة: (وأخبرني أنس بن مالك قال: رأيته يوم القادسيَّةِ وعليه درْعٌ ومعه رايةٌ سوداءُ، يعني ابن أمِّ مكتوم).
قلت: فكان العتاب اللطيف من اللَّه سبحانه، لأن ابن أم مكتوم يرجح في ميزان الحق على المئات من أمثال أبي بن خلف وأمثاله من المشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾. أي: وما يدريك يا محمد، لعل هذا الأعمى المؤمن الذي عبست في وجهه يزّكى: أي يتطهر من ذنوبه، ويرتفع في إيمانه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. أي: أو يعتبر ويتعظ فينفعه الاتعاظ والاعتبار، ويشد ذلك من عزيمته ليثبت على سبيل الأخيار.
وقوله: "فتنفعَه" نصبه عاصم جوابًا لِلَعَلّ، ورفعه غيره -"فتنفعُه"- عطفًا على "يذكّر"، وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾. قال النسفي: (أي من كان غنيًا بالمال ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ تتعرض بالإقبال عليه حرصًا على إيمانه). والتصدِّي: الإصغاء. وأصله في كلام العرب من الصَّدَد: القُرب. يقال: دارِي صَدَدَ دارِه أي قُبالتَها، وهو نَصْبٌ على الظَّرف. وقراءة عامة القراء "تَصَدّى" بالتخفيف، على طرح التاء الثانية تخفيفًا.
والمقصود: إنك تقبل -يا محمد- عليه بوجهك وحديثك، وهو يظهر الاستغناء عنك والإعراض عما جئت به، غرّه ماله وجاهه وسلطانه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾. أي: وما أنت -يا محمد- بمطالب بهذا الكافر إذا لم يؤمن ويرشد ويتطهر، فإنما أنت رسول، وما عليك إلا البلاغ. قال مجاهد: (يقول: وأي شيء عليك أن لا يتطهَّرَ من كفره فيسلم؟ ).
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾.
قال مجاهد: (يقول: وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيًا، وهو يخشى اللَّه ويتقيه،
стр. 5161
﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ يقول: فانت عنه تعرض، وتشاغَلُ عنه بغيره وتغافَلُ).
وأصل ﴿تَلَهَّى﴾ تتلهى، جاءت مخففة. والتلهي: التغافل. ولَهِيتُ عن الشيء أي تشاغلت عنه. ولهِيتُ عنه وتَلهيتُ: بمعنى.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾. -كلّا- كلمة ردع وزجر. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: "كلّا" ما الأمر كما تفعل يا محمد، من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى، وتتصدى من استغنى ﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ يقول: إن هذه العظة وهذه السورة تذكرة، يقول: عظة وعبرة).
قال ابن كثير: (ومن هنا أمر اللَّه رسولَه ﷺ ألّا يَخُصَّ بالإنذار أحدًا، بل يُساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسَّادة والعبيد، والرجال والنِّساء، والصِّغار والكبار. ثم اللَّه تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، له الحكمةُ والحُجَّة. قال: وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. أي حفظه، فالذكر خلاف النسيان. أو اتعظ به، فيكون من "التذكير". وفي الآية إثبات مشيئة خلقها اللَّه تعالى للإنسان، لو أحسن استعمالها لنجا وأدرك السعادة في الدارين.
قال الزمخشري: (وذكّر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. وقيل: الضمير للقرآن، والكلام استطراد).
وقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾. أي: إنها تذكرة كائنة في صحف مكرمة عند اللَّه، لما فيها من العلم والحكمة، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ.
وقوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾. قال يحيى بن سلام: (مرفوعة في السماء السابعة). وقال الطبري: (مرفوعة الذكر والقدر). وقيل: مرفوعة عن الشُّبَهِ والتناقض. والمقصود: إنها رفيعة القدر عند اللَّه، ومرفوعة عنده ﵎.
وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾. قال الحسن: (من كل دنس). وقيل: مصانة عن أن ينالها الكفار. وهو معنى قول السُّدّيّ. وعن الحسن أيضًا: (مطهرة من أن تنزل على المشركين). والمقصود: إنها في صحف مكرمة مرفوعة، منزهة لا يمسها إلا المطهرون، مصونة عن الشياطين والكفار.
وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾. السفرة هنا الملائكة، سُمّوا كذلك لأنهم يسفرون
стр. 5162
بالوحي بين اللَّه ورسوله، من السفارة، وهي السعي بين القوم. وعن مجاهد: (﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ قال كَتَبَة). وقال ابن زيد: (السفرة الذين يحصون الأعمال). والمعنى الأول أنسب، فهم الملائكة يسفرون بين اللَّه ورسوله بالوحي، واختاره ابن جرير.
وقوله تعالى: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني الملائكة). والبررة: جمع بارّ، والمقصود: ملائكة كرام على ربهم، أتقياء مطيعون لربهم، صادقون في إيمانهم.
وفي الصحيحين والمسند من حديث عائشة، عن النبي ﷺ قال: [مَثَلُ الذي يَقْرأ القرآنَ وهو حافِظٌ له مع السَّفرة الكرامِ البَرَرَة، ومَثَلُ الذي يَقْرَأُ القرآن وهوَ يتعاهَدُهُ وهو عليه شديدٌ فلهُ أجران] (١).
١٧ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.
في هذه الآيات: تَعَجُّبٌ من كفر الإنسان مع إحسان اللَّه إليه، وقد خلقه وأعطاه وأماته وأقبره ثم سيقف بين يديه، وقد ضيع العمر وتجاهل النعم الجليلة التي لا تحصى من الطعام والماء والنبات والفواكه والثمار والحدائق له ولأنعامه التي سخّرها إليه.
فقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. قال سفيان: (بلغني أنه الكافر). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: لعن الإنسان الكافر ما أكفره! . وفي قوله ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ وجهان: أحدهما: التعجب من كفره، مع إحسان اللَّه إليه، وأياديه عنده. والآخر: ما الذي أكفره، أي: أيُّ شيء أكفره؟ ).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾.
بيانٌ لحقارة الشيء الذي خلقه اللَّه منه، ثم هو يتكبر ويتعظم عن طاعة ربه والإقرار بتوحيده والرجوع إليه يوم المعاد.
стр. 5163
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾. قال ابن عباس: (يعني بذلك خروجه من بطن أمه يسَّره له). وقال مجاهد: (هو كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]). وقال الحسن: (سبيل الخير). وقال ابن زيد: (هداه للإسلام الذي يسَّره له، وأعلمه به، والسبيل سبيل الإسلام).
قلت: وقول مجاهد والحسن وابن زيد أنسب لسياق الآيات، الخلق فإقامة الحجة فالموت فالبعث والحساب، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾. يعني: ثم قبض روحه في نهاية أجله، فأماته بعد ذلك، فوضعه في حفرةٍ وصيّره ذا قبر. قال أبو عبيدة: (﴿فَأَقْبَرَهُ﴾: جعل له قبرًا، وأمر أن يُقْبَر). وعن الفَرَّاء: (أي جعل له قبرًا يوارَى فيه إكرامًا، ولم يجعله مما يُلْقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي (١)).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾. أي: أحياه بعد موته. ومنه يقال البعث والنشور. وفي الصحاح: نَشَرَ الميتُ فهو ناشِرٌ: عاشَ بعد الموت. وأنشره اللَّه تعالى: أحياه.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾. -كلّا- ردع للإنسان عن الكفر. وعن مجاهد: (﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ قال: لا يقضي أحد أبدًا ما افْتُرِض عليه، أو كل ما افترض عليه). وقال النسفي: (لم يفعل هذا الكافر ما أمره اللَّه به من الإيمان). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كلّا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر، من أنه قد أدّى حق اللَّه عليه، في نفسه وماله، لَمَّا يقض ما أمره، لم يُؤَدِّ ما فرض عليه من الفرائض رَبُّه).
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾. قال مجاهد: (وشرابه. قال: إلى مأكله ومشربه. آية لهم). قال ابن كثير: (فيه امتنانٌ وفيه استدلالٌ بإحياء النبات من الأرض الهامِدةَ على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظامًا بالية وتُرابًا مُتَمزقًا).
وقوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾. أي أنزلنا المطر من السماء إنزالًا، وصببناه على الأرض صَبًّا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾. أي: ثم تخلل الماء في الأرض ودخل في تخومها، ولامس الحبّ المودع فيها، ففتقنا الأرض عن الحب أول ما نبت، لصغره وضعفه عن شقها، حتى نبت وارتفع وظهر على وجه الأرض.
стр. 5164
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾. يعني حبّ الزرع، ويشمل جميع ما يُذكر من الحبوب، كالحنطة والشعير وغير ذلك من قوت الناس. والمقصود: أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبًا في حالة الانتفاع والغذاء.
وقوله تعالى: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾. - ﴿وَعِنَبًا﴾ أي: وكرم عنب. والقضب: القتّ الرطب الذي تعلف به الدواب. قال الحسن: (القضب: العَلَف). وقال قتادة: (القضب: الفصافص). وعن ابن عباس: (﴿وَقَضْبًا﴾ يقول: الفِصفِصة). وهي التي تأكلها الدواب رطبة وتدعى القتّ. وسمي "قَضْبًا" لأنه يقضب، أي يقطع مرة بعد أخرى.
وقوله: ﴿وَزَيْتُونًا﴾. أي شجرة الزيتون التي يستخرج من نتاجها الزيت، وهو أُدْمٌ وعصيره أُدْمٌ، ويُدَّهن به ويستصبح به.
أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ائتدِمُوا بالزَّيت وادَّهِنُوا به، فإنه مِنْ شجرة مباركة] (١).
وفي رواية: [كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة].
وفضل الزيت وارد في القرآن الكريم، في قوله تعالى في سورة "النور": ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.
قال ابن القيم في "زاد المعاد": (الزيت حار رطب في الأولى، وغلط من قال: يابس، والزيت بحسب زيتونه، فالمعتصر من النضيج أعدلُه وأجوده، ومن الفج فيه برودة ويُبوسة، ومن الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين، ومن الأسود يُسخن ويرطب باعتدال، وينفع من السموم، ويطلق البطن، ويخرج الدود، والعتيق منه أشد تسخينًا وتحليلًا، وما استُخْرج منه بالماء فهو أقل حرارة، وألطف وأبلغ في النفع، وجميع أصنافه مليّنة للبشرة، وتبطئ الشيب. قال: وماء الزيتون المالح يمنع من تَنفُّط حرق النار، ويشد اللِّثَةَ، وورقُه ينفع من الحمرة والنّملة، والقروح الوسخة، والشَّرى، ويمنع العرق، ومنافعه أضعاف ما ذكرنا).
وقوله: ﴿وَنَخْلًا﴾ -يعني النخيل. قال ابن كثير: (يُؤكَلْ بلحًا بُسرًا وَرْطَبًا، وتَمرًا، ونيئًا، ومَطبوخًا، ويُعْتَصَرُ منه رُبٌّ وَخَلٌّ).
стр. 5165
وقوله تعالى: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾. أي: وبساتين غلاظ الأشجار جمع غلباء، بديعة المنظر ويستظل بظلها. قال ابن عباس: (﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ قال: الحدائق: ما التف واجتمع). وقال ابن زيد: (﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: عظام النخل العظيمة الجذع. قال: والغُلْبُ من الرجال: العظام الرقاب، يقال: هو أغلب الرقبة: عظيمها). وقال ابن عباس أيضًا: (﴿غُلْبًا﴾ أي طوال. قال: الشجر الذي يستظل به). وقال عكرمة: (﴿غُلْبًا﴾ أي غِلاظُ الأوساط. وفي رواية: غِلاظ الرقاب).
وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. الفاكهة ما يتفكه به من الثمار. والأبّ: الكلأ والمرعى، فهو ما أنبتته الأرض مما يخصّ الدواب. قال ابن عباس: (الفاكهة كُلُّ ما أُكِلَ رُطبًا. والأبُّ ما أنبتت الأرض مما تأكلُه الدوابُّ ولا يأكُلُهُ الناس). وفي رواية عنه: (هو الحشيش للبهائم). وقال مجاهد: (الأبُّ: الكلأ). وقال عطاء: (كُلُّ شيء نبتَ على وجه الأرض فهو أبٌّ).
وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. امتنان من اللَّه سبحانه على عباده، فإن إنبات هذه الأشياء إمتاع للناس ولبهائمهم المسخرة لهم. ونصب ﴿مَتَاعًا﴾ على المصدر المؤكِّد.
والخلاصة: يرزق اللَّه تعالى العباد من النباتات والأشجار، التي تصنع الطعام من الماء، والتراب، والهواء، ويُسَخِّرُ اللَّه الشمس للنبات، لإتمام صُنْعِ الغِذاء الذي يحتاجُه الإنسان، والحيوان، وما كان للغذاء أن يُوَفَّرَ، لولا أن اللَّه يسوق الماء العذبَ، ويُهَيِّئُ التربة الصالحة للزراعة، ويوجد الجَوَّ، والظروف المناسبة، لإنتاج الغذاء من النباتات، عيشة لكم أيها الناس ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.
٣٣ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾.
في هذه الآيات: التهديد بقدوم الصَّاخة وهي القيامة، يوم يطلب المرء النجاة ويفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وجميع خِلّانِه، والوجوه يومئذ إما ضاحكة مستبشرة
стр. 5166
وهي وجوه الكرام البررة، أو عليها غبرة وترهقها قترة وهي وجوه الكفرة الفجرة.
فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾. قال ابن عباس: (﴿الصَّاخَّةُ﴾: اسم من أسماء القيامة، عَظَّمَهُ اللَّه، وحَذَّره عباده). قال البغوي: (﴿الصَّاخَّةُ﴾: يعني صيحة القيامة، سُمِّيت بذلك لأنها تَصُحُّ الأسماعَ، أي تُبالِغُ في إسماعها حتى تكاد تُصِمُّها). وفي الصحاح: (﴿الصَّاخَّةُ﴾ الصَّيْحَةُ تُصِمُّ لِشدَّتها تقول: صَخَّ الصوتُ الأذنَ من باب ردَّ). قال الرازي: (ومنه سميت القيامة ﴿الصَّاخَّةُ﴾). واختار القرطبي أنها النفخة الثانية، فهي التي تَصُحُّ الأسماع، أي تُصِمُّها فلا تسمع إلا ما يُدْعَى به للأحياء. وذكر نحوه ابن جرير.
وفي سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [ما من دابة إلا وهي مُصِيخَةٌ يومَ الجمعة من حينِ تُصبحُ حتى تطلعَ الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس] (١).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.
أي: تجيء الصاخة في اليوم الذي يهرب الإنسان من ألصق الناس به وأعزهم عليه لانشغاله بنفسه. قال قتادة: (الأحبّ فالأحبّ، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم).
قال ابن جرير: (ويعني بقوله يفر من أخيه: يفر عن أخيه. ﴿وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ﴾ يعني زوجته التي كانت في الدنيا ﴿وَبَنِيهِ﴾ حذارًا من مطالبتهم إياه بما بينه وبينهم من التبعات والمظالم).
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. أي: كل امرئٍ يومئذ هو في شغل شاغِله عن غيره، فهو يشغله حتى عن الأقرباء ويصرفه عنهم، ويفرّ عنهم حذرًا من مطالبتهم إياه بما بينهم، ولئلا يروا ما هو فيه من الشدة. وعن قتادة: (﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أفضى إلى كل إنسان ما يشغله عن الناس).
أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: ["تحشرون حُفاةً
стр. 5167
عُرَاة غُرْلًا". فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: يا فلانة ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾] (١).
وأخرج النسائي بإسناد صحيح عن عروة: [عن عائشة: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يُبْعث الناسُ يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرلًا". فقالت عائشة: يا رسول اللَّه! فكيف بالعورات؟ فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾. أي: مشرقة مستنيرة مضيئة، وهي وجوه المؤمنين الذين نالوا رضوان اللَّه. وفي لغة العرب: أسفر وجه فلان: إذا حسن وأشرق، وأسفر الصبح: إذا أضاء. وعن ابن عباس: (قوله ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ يقول: مشرقة).
وقوله تعالى: ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾. قال ابن زيد: (هؤلاء أهل الجنة). أي: وجوه أهل السعادة يومئذ ﴿ضَاحِكَةٌ﴾: أي مسرورة فرحة. ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: قد ظهر البِشر عليها بما آتاها اللَّه من الكرامة.
وقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾. أي غبار ودخان وكدورة.
وقوله تعالى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. أي: يغشاها سواد وكسوف وشدّة. قال ابن عباس: (﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ يقول: تغشاها ذلة). وقال: (يغشاها سواد الوجوه). والقَتَر في كلام العرب: الغبار. قال زيد بن أسلم: (القَتَرة: ما ارتفعت إلى السماء. والغَبَرَة: ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغَبَرة: واحد).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾. أي هؤلاء الموصوفون بهذا الخزي هم الكفرة قلوبهم، الفجرةُ في أعمالهم، فجوزوا بخبث نياتهم وبسوء أعمالهم.
تم تفسير سورة عبس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عصر يوم الثلاثاء ١٣/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٣/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
стр. 5168
دروس ونتائج وأحكام
١ - ابن أم مكتوم الأعمى يرجح في ميزان الحق على المئات من أمثال أبي بن خلف.
٢ - يتساوى في الإنذار الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصِّغار والكبار، ثم اللَّه تعالى يهدي من يشاء.
٣ - مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافِظٌ له مع السَّفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران.
٤ - ائتدموا بالزيت وادَّهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة.
٥ - الأبّ: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، فهو يشمل الكلأ والحشيش للبهائم وما نبت على وجه الأرض.
٦ - يحشر الناس حفاة عراة غرلًا, ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
٧ - وجوه المؤمنين يوم الحشر مشرقة مستنيرة ناعمة، ووجوه المشركين يومئذ عليها غبار وسواد وكدورة.
* * *
стр. 5169
٨١ - سورة التكوير
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٩).
ما ورد في ذكرها:
أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه قد شبت! قال: [شَيَّبَتْني هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرَت] (١).
وأخرج أحمد والترمذي والحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ سَرَّه أن ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رَأْيُ عَيْنِ فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾] (٢).
وأخرج النسائي بسند صحيح عن عمرو بن حريث قال: [سمعت النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾] (٣).
موضوع السورة
تكوير الشمس وأهوال الحشر يوم الدين والانتصار للنبي وهذا الوحي العظيم
стр. 5170
- منهاج السورة -
١ - وصف الأحداث الرهيبة التي تسبق قيام الساعة.
٢ - بدء الحشر وحضور جميع الخلق بين يدي اللَّه العظيم، ودنو الجنة وبروز الجحيم، وقد علمت كل نفس ما استحقت من الثواب أو العذاب الأليم.
٣ - قسم اللَّه تعالى بالكواكب والليل والصبح أن القرآن قول رسول عن اللَّه كريم على اللَّه الكريم، ذو قدرة ومكانة رفيعة وقد رآه نبينا في صورته بالأفق المبين.
٤ - ما يضن محمد ﷺ بالخبر اليقين، وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم.
٣ - أين تسلكون معشر المكذبين وتتركون هذا الذكر الحكيم، وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء اللَّه رب العالمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾.
في هذه الآيات: وَصْفُ الأحداث الرهيبة التي تسبق يوم القيامة العظيم، وبدء الحشر وحضور جميع الخلق بين يدي العزيز الحكيم، ودنو الجنة وبروز نار الجحيم، وقد علمت كل نفس ما يقودها عملها إلى الثواب أو العذاب الأليم.
فقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. أي: جُعِلَتْ مثل شكل الكرة، تلفُّ فتجمع فيرمى بها. وفي التفاسير أقوال كثيرة في مفهوم هذه الآية، منها:
١ - قال ابن عباس: (﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، يعني: أظلمت). وفي رواية: (ذهبت).
стр. 5171
٢ - وقال مجاهد: (اضمَحَلّت وذهبت). وقال قتادة: (ذهب ضوؤها).
٣ - وقال سعيد بن جبير: (﴿كُوِّرَتْ﴾: غُوِّرَتْ). وقال أبو صالح: (نُكِّسَت).
٤ - وقال الربيع بن خُثَيم: (﴿كُوِّرَتْ﴾ يعني: رُمِيَ بها). وقال أبو صالح أيضًا: (أُلقيت). وقال زيد بن أسلم: (تقع في الأرض).
قال ابن جرير: (والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جَمْعُ الشيء بعضِه على بعض، ومنه تكوير العِمامة وهو لَفُّها على الرأس، وكتكوير الكارة وهو جمع الثياب بعضِها إلى بعض ولفّها، وكذلك قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لُفَّت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوؤها).
قلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة أن الشمس والقمر ثوران مُكَوّران في النار يوم القيامة.
فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [الشمسُ والقمرُ مُكَوَّرانِ يومَ القيامة] (١).
وأخرج الإمام الطحاوي في "مشكل الآثار" بإسناد صحيح على شرط البخاري عن عبد اللَّه بن الداناج (٢) قال: شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن جلس في مسجد في زمن خالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، قال: فجاء الحسن فجلس إليه فتحدثا، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: [الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة]. فقال الحسن: ما ذنبهما؟ ! فقال: إنما أحدثك عن رسول اللَّه ﷺ ، فسكت الحسن (٣).
قال الإسماعيلي: (لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن للَّه في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذابًا وآلة من آلات العذاب، وما شاء اللَّه من ذلك فلا تكون هي معذبة).
وقال الخطابي: (ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت من
стр. 5172
كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلًا).
ومن ثَمَّ فليس المراد من الحديث ما تبادر لذهن الحسن البصري أن الشمس والقمر يعذبان عقوبة لهما، كلا، فاللَّه تعالى لا يعذب من أطاعه من خلقه وسجد له، والشمس والقمر كانا على ذلك السجود والتعظيم، كما قال جلّت عظمته: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]. وإنما يكوران ويلقيان في النار يوم القيامة تبكيتًا لعُبَّادهما، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. أي: تهافتت وتناثرت فتساقطت. قال ابن عباس: (تساقطت). وقال مجاهد: (تناثرت). وقال أبو صالح: (انتثرت). وعن ابن عباس أيضًا: (﴿انْكَدَرَتْ﴾: تغيرت فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها). قال القرطبي: (ويحتمل أن يكون انكدارها طَمْسُ آثارها. وسميت النجوم نجومًا لظهورها في السماء بضوئها).
قلت: وأصل الانكدار في كلام العرب: الانقضاض والانصباب بسرعة. قال الرازي: ("انكدر" أي أسْرَع وانقضَّ، ومنه انكدرت النُّجوم). وقال أبو عبيدة: (﴿انْكَدَرَتْ﴾ انصبَّت كما تنصب العُقاب إذا انكسرت).
والمقصود: وإذا النجوم تساقطت وتناثرت مغادرة أماكنها تنصب مسرعة كما أمرها ربّها. وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢].
وقوله تعالى: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾. قال مجاهد: (ذهبت). قال النسفي: (سُيِّرت عن وجه الأرض وأبعدت، أو سيرت في الجو تسيير السحاب). والمقصود: وإذا الجبال نسفت فزالت عن أماكنها، وتركت الأرض قاعًا صفصفًا.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها (١). ومعنى ﴿عُطِّلَتْ﴾ أي تركت هملًا بلا راع، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم. وخصّ العشار لأنها أنفس أموال العرب، وموضع رعايتهم المتميزة. فمنعت أهوال القيامة استمرار رعايتها والعناية بها.
وعن مجاهد: (﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قال: سُيِّبَت، تركت). قال الضحاك:
стр. 5173
(يقول: لا راعي لها). وقال الحسن: (سَيَّبَها أهلها فلم تُصَرّ، ولم تُحْلَب. ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: بعثت حتى يقتص بعضها من بعض. وقيل: حشرها موتها. قال ابن عباس: (حشر البهائم: موتها، وحشر كل شيء: الموت، غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة). وقال قتادة: (إن هذه الخلائق موافية يوم القيامة، فيقضي اللَّه فيها ما شاء).
قلت: ولا تعارض بين المعنيين، فإن البهائم تحشر أولًا أمام الخلق يوم القيامة، حتى إذا اقتص بعضها من بعض قضى اللَّه عليها الموت فقال: كوني ترابًا، وعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (١).
وله شاهد عند الإمام أحمد عنه مرفوعًا بلفظ: [يقتصّ الخلق بعضهم من بعض، حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة] (٢).
ومن طريق أبي حجيرة عنه مرفوعًا بلفظ: [ألا والذي نفسي بيده، ليختصمن كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. أي: أوقدت فصارت نارًا تضطرم. قال مجاهد: (﴿سُجِّرَتْ﴾: أوقِدَت). وقال الضحاك: (فُجِّرت). وقيل: غاض ماؤها، وقيل: فاضت. قلت: والراجح الأول، فإنه في لغة العرب: سَجَر التنّورَ أحماه، والسَّجُور: ما يُسْجَرُ به التَّنُّور. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. والمقصود: يوقد اللَّه هذه البحار بالنار قبيل قيام الساعة فيفجرها تفجيرًا، كما قال جلت عظمته في سورة الانفطار: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. أي: قرنت النفوس بأمثالها. فيقرن الرجل
стр. 5174
الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، والطالح مع الطالح في النار. أو تقرن الأرواح بالأجساد أو بكتبها وأعمالها، أو تقرن نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين.
ومن أقوال أئمة التفسير في ذلك:
١ - قال الحسن: (ألحق كل امرئٍ بشيعته: اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس بالمجوس، والمنافقون بالمنافقين. ويلحق المؤمنون بالمؤمنين).
٢ - قال مجاهد: (﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، قال: الأمثالُ من الناس جُمعَ بينهم).
٣ - وروى ابن أبي حاتم بسنده عن سِمَاكِ بن حرب، عن النعمان بن بَشير، أنَّ عُمَرَ خطب الناس فقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، فقال: (تَزَوُّجُها أن تُؤلف كُلُّ شيعةٍ إلى شيعتهم). وفي رواية: (هما الرجلان يعمَلان العمل فيدخلان به الجنة أو النار). وفي رواية عن النعمان قال: سُئِل عُمَر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فقال: (يُقْرَنُ بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويُقرنُ بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويجُ الأنفُسِ). وفي رواية عن النعمان: أنّ عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فسكتوا. قال: (ولكن أعلَمُه هو الرجلُ يُزَوَّجُ نظيِره من أهل الجنة، والرجل يُزَوَّجُ نظيره من أهل النار، ثم قرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]).
٤ - وقيل: زُوِّجَ المؤمنون بالحور العين، وزُوِّجَ الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في "التذكرة".
قلت: وجميع ما سبق يفيد المعنى، وهو جمع كل شكل بنظيره يوم القيامة، فيضمّ المبرز في الطاعة مع السابقين، والمتوسط مع أمثاله من أصحاب اليمين، وأهل المعصية والكفر مع أمثالهم من أصحاب الشمال وأهل الجحيم، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله نعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. توبيخ لقاتلها وتهديد له فيما أقدم عليه. فقد كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة. فيوم القيامة تُسأل الموؤدة على أيِّ ذنب قُتِلت، ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها. قال ابن كثير: (فإنه إذا سُئِل المظلوم فما ظَنُّ الظالم إذن؟ ).
قال قتادة: (كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاب اللَّه ذلك
стр. 5175
عليهم). وقال: (هي في بعض القراءات: "سَأَلتْ. بأي ذنب قُتِلت" لا بذنب). وكذا قال ابن عباس وأبو الضحا "سَألَتْ" أي: طلبت بدمها.
وفي صحيح مسلم عن عائشة، عن جُدامَةَ بنتِ وَهْبٍ، أُخْتِ عُكّاشَةَ قالت: [حَضَرْتُ رسول اللَّه ﷺ في أُناسٍ، وهو يقول: لقد هَمَمْتُ أن أنهى عن الغِيلةِ، فَنَظَرْتُ في الروم وفارِسَ، فإذا هُمْ يُغِيلونَ أولادهم، فلا يَضُرُّ أولادهم ذلك شيئًا. ثم سألوه عن العَزْلِ؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ذلك الوأدُ الخفيّ". وفي رواية: وهي: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾] (١).
وفي مسند أحمد ومعجم الطبراني بسند صحيح عن سلمةَ بن يزيدَ الجُعْفِيِّ قال: [انطلقت أنا وأخي إلى رسول اللَّه ﷺ فقلنا: يا رسولَ اللَّه! إن أُمَّنا مُليكة كانت تَصِل الرَّحِمَ وتَقْري الضيف، وتفعل وتفعل. هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافِعُها شيئًا؟ قال: لا. قلنا: فإنها كانت وَأَدَتَ أُختًا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافِعُها شيئًا؟ قال: الوائدةُ والموؤدةُ في النار، إلا أن يُدرِكَ الوائدةَ الإسلامُ، فيعفو اللَّه عنها] (٢).
قلت: والمقصود أن الموؤودة إن كانت كبيرة تعقل ورضيت بفعل أبيها وأمها بوأدها فتشترك معهم في الإثم وعذاب النار، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾. أي كتب الأعمال إذا نشرت للحساب. قال الضحاك: (أُعطي كلُّ إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله). وقال قتادة: (صحيفتك يا ابنَ آدمَ، تُملي فيها، ثم تُطوَى، ثم تُنْشَرُ عليك يوم القيامة، فنَظرَ رجلٌ ماذا يُملي في صحيفته).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾. أي: تشققت وأزيلت. وعن مجاهد: (﴿كُشِطَتْ﴾ قال: اجتُذبت). وقال السُّدي: (كُشِفَت). وقال الضحاك: (تنكشِطُ فتذهب). وقَال الزجاج: (قلعت كما يقلع السَقف).
قلت: وأصل الكَشْطِ في لغة العرب: قَلْع عن شدّة التزاق، وانكشط: أي ذهب، والمقصود: تُنْزَعُ السماء من مكانها كما ينزع الغِطاء عن الشيء فتطوى، كما قال جلت
стр. 5176
عظمته: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾. أي: وإذا الجحيم أوقد عليها فأحميت. قال قتادة: (سعّرها غضب اللَّه، وخطايا بني آدم).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. أي: وإذا الجنة قرّبت وأدنيت. قال الضحاك وقتادة والربيع بن خُثَيم: (أي قربت إلى أهلها).
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. جواب ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما بعدها.
والمقصود: علمت كل نفس ما أحضرته عند نشر الصحف، من خير أو شر.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].
أخرج الحاكم بإسناد صحيح من حديث معاذ بن جبل مرفوعًا: [تعلمون المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (١).
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: (نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ قال: لهذا أُجري الحديث). والمقصود: إذا الشمس كورت وكانت هذه الأشياء والأهوال التي ذكرت، عملت نفس حينئذ ما أحضرت من عملها وما أعدّت لمستقبلها.
١٥ - ٢٩. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ
стр. 5177
مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾.
في هذه الآيات: يقسم تعالى بالكواكب التي تخنِسُ بالنهار فتختفي وتظهر بالليل، كما يقسم سبحانه بالليل إذا نشأ وأقبل بظلامه، والصبح إذا أضاء وامتد بنوره ونسائمه، إنَّ هذا القرآن لقول رسول عن اللَّه كريم على اللَّه، ذي قدرة عالية، ومكانة رفيعة مكينة، رآه نبينا ﷺ في صورته بالأفق المبين، وما يضن محمد ﷺ بالخبر اليقين، وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، فأين تسلكون وتتركون هذا الذكر الحكيم، وما تشاؤون الاستقامة إلا أن يشاء اللَّه رب العالمين.
فقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾. أي اقسم، و"لا" زائدة. والخُنَّس: هي النجوم تخنِس بالنهار فتختفي تحت ضوء الشمس ولا ترى. قال علي: (هي النجوم تخنِسُ بالنهار، وتَظْهَرُ بالليل). رواه بإسناده ابن جرير.
وفي الصِّحاحِ: (و"الخُنَّسُ" الكواكِبُ كلها. لأنها تخنِس في المغيب، أو لأنها تخنِسُ نهارًا). وخنَسَ عنه: أي تأخَّر. و"أخْنَسَهُ" غيْرُه أي خَلَّفَهُ ومضى عنه. والخُنَّس: جمع خانِس وخانِسة.
وقوله تعالى: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. أي ﴿الْجَوَارِ﴾ تجري في أفلاكها ﴿الْكُنَّسِ﴾ تختفي في وقت غروبها.
يروي ابن جرير بسنده عن سماك بن حرب، قال: سمعت خالد بن عرعرة، قال: سمعت عليًا ﵇، وسئل عن ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ قال: (هي النجوم تخنس بالنهار، وتكنس بالليل).
قلت: والجواري: جمع جارية من جرى يجري. والكُنَّس: جمع كانس وكانِسة. وأصل الكُنُسِ من الكِناس، وهو المكان الذي يختفي فيه الوحش، من غزالٍ أو غيره.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. أي: والليل إذا نشأ وأقبل بظلامه، أو أدبر وانتهت ظلمته. فالآية تحتمل التأويلين:
١ - قال مجاهد: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: أظلم). وقال سعيد بن جبير: (إذا نشأ). وقال الحسن البصري: (إذا غشي الناس).
٢ - وقال ابن عباس: (﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبرِ). وقال ابن زيد: (عسعس: تولى). وروى أبو داود الطيالسي عن أبي عبد الرحمن السلَمِيّ قال: (خرج علينا عليُّ -رضي اللَّه
стр. 5178
عنه- حينَ ثَوَّب المُثَوِّبُ بصلاة الصبح (١) فقال: أين السائلون عن الوَتْرِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، هذا حينُ وَتْرٍ حَسَن).
قلت: والإعجاز القرآني يحتمل الوجهين، فإن لفظة ﴿عَسْعَسَ﴾ تستعمل في الإقبال والإدبار، والسياق يدل على ذلك أيضًا، فإن قوله تعالى في الآية بعدها: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ أي طلع وأضاء وأقبل. فتكون المقابلة بين الآيتين: والليل إذا أدبر، والصبح إذا أقبل. أو والليل إذا أظلم، والصبح إذا أشرق - واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. أي: أقبل بروح ونسيم، وأضاء بنور عميم. قال الضحاك: (﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، قال: إذا طلع). وقال قتادة: (إذا أضاءَ وأقبل). وقال سعيد بن جبير: (إذا نشأ).
وفي لغة العرب: تنفَّس الصبح تَبَلَّج، والتنفُّس: خروج النسيم من الجوف. وقيل للنهار إذا زاد: تنفّس، والمقصود: والصبح إذا امتد بنسيمه وضيائه حتى يصير نهارًا واضحًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. هذا جواب القسم. والرسول الكريم: جبريل ﵇. والمعنى: إنّ هذا القرآن لقول رسول عن اللَّه كريم على اللَّه. قال ابن عباس وقتادة: (يعني جبريل). قال ابن كثير: (يعني: إن هذا القرآن لتبليغُ رسولٍ كريم، أي: مَلَكٍ شريف حَسَن الخَلْقِ، بَهِيّ المنظر، وهو جبريل ﵊.
وقوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. أي: هو ذو قدرة عالية، ومكانة مكينة رفيعة، عند اللَّه جلت عظمته.
وفي التنزيل نحو ذلك: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٥ - ٦].
قال النسفي: (﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ قدرة على ما يكلف لا يعجز عنه ولا يضعف ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ عند اللَّه ﴿مَكِينٍ﴾ ذي جاه ومنزلة، ولما كانت حال المكانة على حسب حال المكين قال: عند ذي العرش، ليدل على عظم منزلته ومكانته).
وقوله تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. أي مطاع هناك بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه، مؤتمن على الوحي وغيره. يعني جبريل ﵇. قال قتادة: (﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾، أي في
стр. 5179
السماوات، يعني: ليس هو من أفناءِ الملائكةِ، بل هو من السادة والأشراف، مُعتنًى به، انتخِبَ لهذه الرسالة العظيمة).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾. تزكية من اللَّه تعالى لعبده ورسوله البشري محمد ﷺ ، بعد تزكية عبده ورسوله المَلَكي جبريل بوصفه بالأمانة.
وعن ميمون بن مهران: (﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ قال: ذاكم محمد ﷺ ). وذِكْرُ اللَّه محمدًا ﷺ بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وبأنه أعقل الناس وأكملهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. أي: قد رأى محمد جبريل في صورته، له ست مئة جناح. قال مجاهد: (رآه نحو أجياد، وهو مشرق مكة).
والأفق المبين: أي البيِّن. قال القرطبي: (لأن هذا الأفق إذا كان منه تطلع الشمس فهو مُبين. أي من جهته تُرى الأشياء).
وفي التنزيل نحو ذلك. قال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٥ - ١٠].
فهذه هي الرؤيا الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المشار إليها هنا في سورة التكوير، والتي يبدو أنها نزلت قبل ليلة الإسراء، لأن الرؤيا الثانية عند سدرة المنتهى لم تذكر فيها، وإنما ذكرت في سورة النجم: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، والتي نزلت بعد الإسراء. أفاده الحافظ ابن كثير.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. أي: وما محمد ﷺ بخبر السماء بباخل، فإنه لا يبخل بالوحي، ولا يقصر في التبليغ، بل يعلّم الخلق كلام اللَّه وأحكامه. قال مجاهد: (ما يضن عليكم بما يعلم). وقد قرأته عامة قراء المدينة والكوفة ﴿بِضَنِينٍ﴾ -والضنين: البخيل-، والمقصود ما سبق، إنه غير بخيل عليهم بتعليمهم ما علّمه اللَّه من الوحي وأحكام الشرع. وأما بعض قراء مكة والبصرة فالقراءة عندهم "بظنين" -والظنين: المُتَّهم-، والمقصود: إنه غير متهم فيما يخبرهم عن اللَّه من الأنباء. وكلاهما قراءتان مشهورتان في الأمصار.
يروي ابن جرير بسنده عن سفيان، عن عاصم، عن زر: ("وما هو على الغيب بظنين" قال: الظنين: المتهم. وفي قراءتكم "بضنين" والضنين: البخيل، والغيب:
стр. 5180
القرآن). قال قتادة: (إن هذا القرآن غيب، فأعطاه اللَّه محمدًا، فبذله وعلّمه ودعا إليه، واللَّه ما ضَنَّ به رسول اللَّه ﷺ ).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. أي: وما هذا القرآن بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب، بل هو كلام اللَّه ووحيه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. أي: فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم، وأين تذهب بكم عقولكم في التكذيب بهذا الوحي الذي يسطع بحججه كالشمس. قال قتادة: (يقول: فأين تعدلون عن كتابي وطاعتي).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. - ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما- أي: وما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين وتذكير لهم. وقيل: ما محمد إلا ذكر. والأول أرجح لدلالة السياق عليه.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال مجاهد: (يتبع الحق). قال ابن جرير: (معنى الكلام: إن هو إلا ذكر من شاء منكم أن يستقيم على سبيل الحق فيتبعه ويؤمن به). وقال القاسمي: (وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بدل من ﴿الْعَالَمِينَ﴾. أي إنه ذكرى من أراد الاستقامة على الطريق الحق، بصرف إرادته وميله إليه والثبات عليه. أما من أعرض ونأى، فمن أين تنفعه الذكرى، وقد زاده الران عمى؟ ).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. إثبات لافتقار مشيئة العباد إلى مشيئة القهار سبحانه، فكل مشيئة في هذا الكون مقهورة بمشيئته تعالى. قال الحسن: (واللَّه ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه اللَّه لها). والمقصود: وما تشاؤون الاستقامة أيها القوم ولا تقدرون على ذلك إلا بمشيئة اللَّه وتوفيقه.
تم تفسير سورة التكوير بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الخميس ١٥/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
стр. 5181
دروس ونتائج وأحكام
١ - سورة التكوير، شَيَّبَتْ نبينا ﷺ مع أخوات هود قبل المشيب.
٢ - الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة.
٣ - العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، والواحدة: عُشراء.
٤ - لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء.
٥ - العزل هو الوأد الخفي، والوائدة -والموؤدة الراضية بالوأد- في النار.
٦ - تعلمون المعاد إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجساد لا تموت.
٧ - الجواري الكُنَّس: هي التي تجري في أفلاكها وتختفي وقت غروبها.
٨ - لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار.
٩ - إثبات مشيئة العبد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾.
١٠ - إثبات افتقار مشيئة العباد إلى مشيئة الواحد القهار، فإن العون والمدد والتوفيق كله من اللَّه.
* * *
стр. 5182
٨٢ - سورة الانفطار
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٩).
أخرج النسائي في "التفسير" بإسناد صحيح عن جابر قال: [قام معاذٌ فَصلَّى العشاء الآخرةَ فطَوَّل، فقال النبي ﷺ : أَفَتَّانٌ يا معاذ؟ أفتَّان يا معاذ؟ ! أين كُنْتَ عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾] (١).
وأخرج أحمد والترمذي والحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ سَرَّه أن ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾] (٢).
موضوع السورة
انفطار السماء وأهوال يوم الحساب وأحوال الناس في الثواب أو العقاب
стр. 5183
- منهاج السورة -
١ - انفطار السماء لنزول الملائكة وتساقط الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور لمشهد الحساب، ونيل الثواب ونكال العقاب.
٢ - تقسيم المآل بحسب الأعمال، فأهل الإيمان في جنات النعيم، وأهل الكفر في نار الجحيم.
٣ - يوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، وحصول العبد على نتائج كسبه من الثواب أو العقاب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾.
في هذه الآيات: تَشقُّق السماء لنزول الملائكة يوم القيامة، وتساقط الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور لخروج الموتى لمشهد الفرح أو الندامة.
فقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾. أي: تشققت لنزول الملائكة. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقيل: تفطّرت لهيبة اللَّه تعالى. كقوله جلت عظمته: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. والفَطْر: الشَّقُ، وتَفَطَّر الشيء: شَقَّقَ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَت﴾. أي: تساقطت متفرقة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. قال ابن عباس: (فجّر اللَّه بعضَها في بعض). -أي فصارت بحرًا واحدًا- أو انفجارها كانفجار البراكين، وهذا قبيل قيام الساعة.
стр. 5184
وقال البخاري: (قال الرَّبيع بن خُثَيْمٍ: "فُجِّرت": فاضت).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي قُلِبَ ترابها، وأخرج الموتى منها. قال ابن عباس: (بُحِثَتْ). وقال السُّدّي: (تُبَعْثَر: تُحَرَّكُ فيخرج مَنْ فيها).
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. أي: علمت حينئذ عند نشر الصحف ما قدّمت من عمل خير أو شرّ، وما أخّرت من حسنة أو سيئة. كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣].
والمقصود: إذا كانت هذه الحوادث الرهيبة قامت القيامة، فحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها. قال القاسمي: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ أي لذلك اليوم من عمل صالح أو سَيِّئٍ ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ أي تركت من خير أو شر. أو المعنى: ما قدمت من عمل طيب لم تقصر فيه، وما أخرت أي قصرت فيه. والمراد بالعلم بالتمَديم والتأخير، وجدان الجزاء عليهما، وتحقق مصداق الوعد عليهما).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. تهديد من تمادى في العصيان، وغرّه عفو الرحمان، إذ لم يعاجله بالعقاب والانتقام. قال ابن عمر: (غرَّه -واللَّه- جهله). وقال قتادة: (غرّ ابن آدم هذا العدو الشيطان). وقال الفضيل بن عياض: (لو قال لي: "ما غرّك بي"، لقلت: سُتورك المُرْخاة). قال ابن كثير: (إنما أتى باسمه ﴿الْكَرِيمِ﴾ لِيُنَبِّهَ على أنه لا ينبغي أن يقابَلَ الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. قال البخاري: (وقرأ الأعمش وعاصم "فَعَدَلك" بالتخفيف، وقرأه أهل الحِجاز بالتشديد، وأراد مُعْتدِل الخَلْق، ومن خَفَّفَ يَعْني: في أي صورة شاء: إمّا حَسَنٌ، وإما قبيحٌ، أو طويلٌ أو قصير).
والمقصود: خلقك ربك أيها الإنسان من نطفة ولم تك شيئًا "فسَوّاك" رجُلًا تسمع وتبصر وتعقل ﴿فَعَدَلَكَ﴾ جعلك معتدلًا قائمًا حسن الصورة، وجعل أعضاءك متعادلة متناسبة، في أحسن الهيئات والأشكال.
أخرج ابن ماجة وأحمد وابن سعد بسند حسن عن جُبَيْر بن نُفَير، عن بُسْر ابن جَحَّاش، أنّ رسول اللَّه ﷺ بصق يومًا على كفِّه، ووضع عليها إصبعه ثم قال: [يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم! أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بردين وللأرض منك وئيدٌ، فجمعت ومَنَعْتَ، حتى إذا بَلَغَتْ
стр. 5185
نفسك هذه -وأشار إلى حلقه- "وفي رواية: حتى إذا بلغت التّراقى" قلتَ: أتصدق، وأنّى أوان التصدق؟ ! ] (١).
وقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. أي: ركبك سبحانه في الصورة التي شاءها من الصور المختلفة، وأنت لم تختر صورة نفسك. قال مجاهد: (﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: في أي شَبَه أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ). وقال مكحول: (إن شاء ذكرًا، وإن شاء أنثى). وقال عكرمة: (إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير). قال قتادة: (قادر -اللَّه- ربنا على ذلك). -والمقصود هنا: ولكنه بلطفه وحلمه اختار لك سبحانه أنسب شكل وأحسن منظر، وكَرَّمك على سائر المخلوقات في أحسن تقويم-.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾. -كلّا- للردع والزجر عن الاغترار بكرم اللَّه وجعله ذَريعة إلى الكفر به. والدين: الجزاء. قال النسفي: (﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ردع عن الغفلة عن اللَّه تعالى ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أصلًا، وهو الجزاء، أو دين الإسلام فلا تصدقون ثوابًا ولا عقابًا).
وعن مجاهد: (﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قال: بالحساب). أو قال: (بيوم الحساب). وقال قتادة: (قوله ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قال: يوم شدّة، يوم يدين اللَّه العباد بأعمالهم).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾. يعني: وإن عليكم لملائكة رقباء حفظة يحفظون أعمالكم، ويحصونها عليكم، كرامًا على اللَّه كاتبين، يكتبون ما يصدر عنكم. والمقصود: فاحرصوا على أعمال الإيمان والطاعة لتكتب لكم، واجتنبوا الشرك والقبائح والآثام أن تسطر في صحائفكم.
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي من خير أو شر. قال القاسمي: (أي يحصونه عليكم، فلا يغفلون ولا ينسون).
قال الرازي: (إنّ اللَّه تعالى أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم. لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم. ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود، خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة. فيخرج لهم كتب