← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

دروس ونتائج وأحكام ١ - سورة التكوير، شَيَّبَتْ نبينا ﷺ مع أخوات هود قبل المشيب. ٢ - الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة. ٣ - العشار: النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، والواحدة: عُشراء. ٤ - لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. ٥ - العزل هو الوأد الخفي، والوائدة -والموؤدة الراضية بالوأد- في النار. ٦ - تعلمون المعاد إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجساد لا تموت. ٧ - الجواري الكُنَّس: هي التي تجري في أفلاكها وتختفي وقت غروبها. ٨ - لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار. ٩ - إثبات مشيئة العبد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. ١٠ - إثبات افتقار مشيئة العباد إلى مشيئة الواحد القهار، فإن العون والمدد والتوفيق كله من اللَّه. * * *

стр. 5182

٨٢ - سورة الانفطار وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٩). أخرج النسائي في "التفسير" بإسناد صحيح عن جابر قال: [قام معاذٌ فَصلَّى العشاء الآخرةَ فطَوَّل، فقال النبي ﷺ : أَفَتَّانٌ يا معاذ؟ أفتَّان يا معاذ؟ ! أين كُنْتَ عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾] (١). وأخرج أحمد والترمذي والحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ سَرَّه أن ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾] (٢). موضوع السورة انفطار السماء وأهوال يوم الحساب وأحوال الناس في الثواب أو العقاب

стр. 5183

- منهاج السورة - ١ - انفطار السماء لنزول الملائكة وتساقط الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور لمشهد الحساب، ونيل الثواب ونكال العقاب. ٢ - تقسيم المآل بحسب الأعمال، فأهل الإيمان في جنات النعيم، وأهل الكفر في نار الجحيم. ٣ - يوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، وحصول العبد على نتائج كسبه من الثواب أو العقاب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٢. قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾. في هذه الآيات: تَشقُّق السماء لنزول الملائكة يوم القيامة، وتساقط الكواكب وتفجر البحار وتبعثر القبور لخروج الموتى لمشهد الفرح أو الندامة. فقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾. أي: تشققت لنزول الملائكة. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقيل: تفطّرت لهيبة اللَّه تعالى. كقوله جلت عظمته: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. والفَطْر: الشَّقُ، وتَفَطَّر الشيء: شَقَّقَ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَت﴾. أي: تساقطت متفرقة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. قال ابن عباس: (فجّر اللَّه بعضَها في بعض). -أي فصارت بحرًا واحدًا- أو انفجارها كانفجار البراكين، وهذا قبيل قيام الساعة.

стр. 5184

وقال البخاري: (قال الرَّبيع بن خُثَيْمٍ: "فُجِّرت": فاضت). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. أي قُلِبَ ترابها، وأخرج الموتى منها. قال ابن عباس: (بُحِثَتْ). وقال السُّدّي: (تُبَعْثَر: تُحَرَّكُ فيخرج مَنْ فيها). وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. أي: علمت حينئذ عند نشر الصحف ما قدّمت من عمل خير أو شرّ، وما أخّرت من حسنة أو سيئة. كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]. والمقصود: إذا كانت هذه الحوادث الرهيبة قامت القيامة، فحوسبت كل نفس بما عملت، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها. قال القاسمي: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ أي لذلك اليوم من عمل صالح أو سَيِّئٍ ﴿وَأَخَّرَتْ﴾ أي تركت من خير أو شر. أو المعنى: ما قدمت من عمل طيب لم تقصر فيه، وما أخرت أي قصرت فيه. والمراد بالعلم بالتمَديم والتأخير، وجدان الجزاء عليهما، وتحقق مصداق الوعد عليهما). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. تهديد من تمادى في العصيان، وغرّه عفو الرحمان، إذ لم يعاجله بالعقاب والانتقام. قال ابن عمر: (غرَّه -واللَّه- جهله). وقال قتادة: (غرّ ابن آدم هذا العدو الشيطان). وقال الفضيل بن عياض: (لو قال لي: "ما غرّك بي"، لقلت: سُتورك المُرْخاة). قال ابن كثير: (إنما أتى باسمه ﴿الْكَرِيمِ﴾ لِيُنَبِّهَ على أنه لا ينبغي أن يقابَلَ الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. قال البخاري: (وقرأ الأعمش وعاصم "فَعَدَلك" بالتخفيف، وقرأه أهل الحِجاز بالتشديد، وأراد مُعْتدِل الخَلْق، ومن خَفَّفَ يَعْني: في أي صورة شاء: إمّا حَسَنٌ، وإما قبيحٌ، أو طويلٌ أو قصير). والمقصود: خلقك ربك أيها الإنسان من نطفة ولم تك شيئًا "فسَوّاك" رجُلًا تسمع وتبصر وتعقل ﴿فَعَدَلَكَ﴾ جعلك معتدلًا قائمًا حسن الصورة، وجعل أعضاءك متعادلة متناسبة، في أحسن الهيئات والأشكال. أخرج ابن ماجة وأحمد وابن سعد بسند حسن عن جُبَيْر بن نُفَير، عن بُسْر ابن جَحَّاش، أنّ رسول اللَّه ﷺ بصق يومًا على كفِّه، ووضع عليها إصبعه ثم قال: [يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم! أنّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بردين وللأرض منك وئيدٌ، فجمعت ومَنَعْتَ، حتى إذا بَلَغَتْ

стр. 5185

نفسك هذه -وأشار إلى حلقه- "وفي رواية: حتى إذا بلغت التّراقى" قلتَ: أتصدق، وأنّى أوان التصدق؟ ! ] (١). وقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. أي: ركبك سبحانه في الصورة التي شاءها من الصور المختلفة، وأنت لم تختر صورة نفسك. قال مجاهد: (﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: في أي شَبَه أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ). وقال مكحول: (إن شاء ذكرًا، وإن شاء أنثى). وقال عكرمة: (إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير). قال قتادة: (قادر -اللَّه- ربنا على ذلك). -والمقصود هنا: ولكنه بلطفه وحلمه اختار لك سبحانه أنسب شكل وأحسن منظر، وكَرَّمك على سائر المخلوقات في أحسن تقويم-. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾. -كلّا- للردع والزجر عن الاغترار بكرم اللَّه وجعله ذَريعة إلى الكفر به. والدين: الجزاء. قال النسفي: (﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ردع عن الغفلة عن اللَّه تعالى ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أصلًا، وهو الجزاء، أو دين الإسلام فلا تصدقون ثوابًا ولا عقابًا). وعن مجاهد: (﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قال: بالحساب). أو قال: (بيوم الحساب). وقال قتادة: (قوله ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قال: يوم شدّة، يوم يدين اللَّه العباد بأعمالهم). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾. يعني: وإن عليكم لملائكة رقباء حفظة يحفظون أعمالكم، ويحصونها عليكم، كرامًا على اللَّه كاتبين، يكتبون ما يصدر عنكم. والمقصود: فاحرصوا على أعمال الإيمان والطاعة لتكتب لكم، واجتنبوا الشرك والقبائح والآثام أن تسطر في صحائفكم. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أي من خير أو شر. قال القاسمي: (أي يحصونه عليكم، فلا يغفلون ولا ينسون). قال الرازي: (إنّ اللَّه تعالى أجرى أموره مع عباده على ما يتعاملون به فيما بينهم. لأن ذلك أبلغ في تقرير المعنى عندهم. ولما كان الأبلغ عندهم في المحاسبة إخراج كتاب بشهود، خوطبوا بمثل هذا فيما يحاسبون به يوم القيامة. فيخرج لهم كتب

стр. 5186

منشورة، ويحضر هناك ملائكة يشهدون عليهم، كما يشهد عدول السلطان على من يعصيه ويخالف أمره). ١٣ - ١٩. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. في هذه الآيات: تقسيم المآل بحسب الأعمال، فأهل الإيمان والبر في نعيم الجنان، وأهل الكفر والعصيان في صِلِيِّ النيران، إنه يوم الدين والحساب، يوم نيل الثواب ونكال العقاب. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه: إنّ الذين برّوا بأداء فرائض اللَّه، واجتناب معاصيه، لفي نعيم الجنان ينعمون فيها). والأبرار جمع "بَرّ" وهو المتصف بالبِرّ -أي الطاعة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. أي: وإن الذين فجروا عن أمر اللَّه -أي انشقوا عنه وخالفوه- سيصيرون إلى الجحيم. وقوله تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾. أي يصلى هؤلاء الفجار الجحيم يوم القيامة، يوم يُدان العباد بالأعمال، فيجازون بها. قال ابن عباس: (﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظّمهُ اللَّه، وحذّره عباده). وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾. أي: لا يفارق أصحاب الجحيم النار أبدًا، ولا يغيبون عنها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يومًا واحدًا، بل هم فيها أبدَ الآبدين. كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال قتادة: (تعظيمًا ليوم القيامة، يوم تدان فيه الناس بأعمالهم). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. تأكيد لِعِظَم ذلك اليوم عن طريق التكرار، وتفخيم لأهواله التي تحمل الفضيحة والخزي على الكفرة والمجرمين والفجار. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. تفسير لما يكون في

стр. 5187

ذلك اليوم الرهيب، حيث لا تغني نفس عن نفس شيئًا، وتنتهي فيه الرياسات، والممالك والقرارات، والأمر يومئذ للجبار، الواحد القهار. وعن قتادة: (﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ قال: ليس ثم أحد يومئذ يقضي شيئًا ولا يصنع شيئًا إلا رب العالمين). وقال أيضًا: (والأمر واللَّه اليوم للَّه، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد). وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [قام رسول اللَّه ﷺ حين أنزل اللَّه : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من اللَّه شيئًا، يا عباسُ بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، ويا صفية عمةَ رسول اللَّه لا أغني عنك من اللَّه شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمد سليني من مالي لا أغني عنك من اللَّه شيئًا] (١). تم تفسير سورة الانفطار بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عشاء الخميس ١٥/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٥/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م

стр. 5188

- دروس ونتائج وأحكام - ١ - انفطار السماء تشققها لنزول الملائكة، والفَطْر: الشَّق. ٢ - يوم الدين: يوم يدين اللَّه العباد بأعمالهم، وهو يوم شدة على الناس. ٣ - الأبرار: جمع بَرّ، وهو المتصف بالبِرّ، أي الطاعة. ٤ - الأمر دومًا للَّه، ولكنه يوم القيامة لا ينازعه فيه أحد. * * *

стр. 5189

٨٣ - سورة المطففين وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٣٦). ما ورد في ذكرها: أخرج ابن ماجة والنسائي بسند حسن عن ابن عباس: [لما قدم النبي ﷺ المدينةَ، كانوا من أَخْبَثِ الناس كيلًا. فأنزل اللَّه سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسنوا الكيل بعد ذلك] (١). وأخرج البخاري في "التاريِخ الصغير"، وأحمد وابن حبان والبزار، بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: [خَرَجَ ﷺ إلى خيبر حين استخلف سباع بن عرفطة على المدينة، قال أبو هريرة: قدمتُ المدينة مهاجرًا فصليتُ الصبحَ وراء سباع، فقرأ في الركعة الأولى ﴿كهيعص﴾، وقرأ في الركعة الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قال أبو هريرة: فأقول في الصلاةِ: ويلٌ لأبي فلان! له مكيالان، إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كالَ كالَ بالناقص، فلما فرغنا من صلاتِنا أتينا سباعًا فزودنا شيئًا حتى قدمنا على رسول اللَّه ﷺ وقد افتتح خيبر، فكلم المسلمين، فأشركونا في سهمانهم] (٢). موضوع السورة تهديد المطففين وخزي المجرمين يوم الدين ونَعْتُ حال السعداء الأتقياء المؤمنين

стр. 5190

- منهاج السورة - ١ - تهديد اللَّه تعالى المطففين، الذي يعبثون بالكيل والميزان ولا يوفون. ٢ - تثبيت كتاب الفجار في سجين، في سجل أهل النار أسفل الأرضين. ٣ - طبع اللَّه على قلوب المكذبين، وحجبهم عن ربهم يوم الدين، ثم مصيرهم إلى الجحيم. ٤ - تثبيت كتاب الأبرار في عليين، وهم يوم القيامة في النضارة والنعيم. ٥ - نَعْت حال المجرمين في الدنيا وهم بالمؤمنين يسخرون، وانعكاس هذه الحال ليصبح المؤمنون يوم القيامة هم من الكفار يضحكون. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾. في هذه الآيات: التحذير الشديد والوعيد الأكيد للمطففين، الذين يعبثون بالكيل والميزان ويسلكون سبيل المنافقين، فالخزي والفضيحة والقصاص والعذاب يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين. فقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. التطفيف: النقص من الكيل أو الوزن شيئًا طفيفًا، أي نزرًا حقيرًا. وربما كان لأحدهم صاعان يكيل للناس بأحدهما ويكتال لنفسه بِالآخر. قال الزجاج: (إنما قيل للفاعل من هذا مُطفِّف، لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف، وإنما أخذ من طَفِّ الشيءِ وهو جانبه).

стр. 5191

قال القرطبي: (﴿وَيْلٌ﴾ أي شدة عذاب في الآخرة) - ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. وقال ابن عباس: (إنه وادٍ في جهنم يسيل فيه صديد أهل النار، فهو قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أي الذين ينقصون مكاييلهم وموازينهم). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن. قال الفراء: (﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾: أي من الناس، يقال: اكتلت منك: أي استوفيت منك، ويقال اكتلت ما عليك: أي أخذت ما عليك). وقال الزَّجاج: (أي إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل). والمقصود: الذين إذا استوفوا أخذوا الزيادة، وإذا أوفوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا، فلا يرضون للناس ما يرضون لأنفسهم. - ذكره القرطبي. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. أي: وإذا كالوا لغيرهم من الناس ينقصون الكيل، وإذا وزنوا لغيرهم من الناس ينقصون الوزن. قلت: والآيات في موضع التوبيخ الشديد، وتَحْمِلُ التهديد والوعيد الأكيد، فإن الأصل الوفاء في الكيل والميزان، وقد أهلك اللَّه تعالى قوم شعيب عبر الزمان، لما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. ٤ - وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩]. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سويد بن قيس قال: [جلبتُ أنا ومخرَفة العبدي بَزًّا من هَجَر. . . فجاءنا رسول اللَّه ﷺ فساومنا سراويل. وعندنا وَزَّان

стр. 5192

يزن بالأجر. فقال له النبي ﷺ : يا وَزانُ! زِنْ وأرجِحْ] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة -كذلك- في الباب عن سِماك بن حرب قال: سمعت مالكًا، أبا صفوان بن عُمَيْرة، قال: [بعت من رسول اللَّه ﷺ رِجْلَ سراويل قبل الهجرة. فوزن لي. فأرجح لي] (٢). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة في الباب -أيضًا- بإسناد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا وَزَنتم فَأَرْجِحُوا] (٣). الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ ، مرَّ برجل يبيع طعامًا، فسأله: كيف تبيع؟ فأخبره، فأوحى إليه: أن أدخل يدك فيه، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال رسول اللَّه ﷺ : لَيْسَ منّا مَنْ غَشَّ] (٤). وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ألا يظن هؤلاء المطففون الناس في مكاييلهم وموازينهم، أنهم مبعوثون من قبورهم بعد مماتهم، ليوم عظيم شأنه، هائل أمره، فظيع هوله). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي يوم يقوم الناس واقفين منتظرين لأمر رب العالمين، أو لجزائه، أو لحسابه. وفي الآية دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه وفظاعة عقابه. وفي السنة الصحيحة من ذكر آفاق هذه الآية أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم ومالك، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: [أنّ النبي ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: حتى يغيبَ أحَدُهم في رَشْحِهِ إلى أَنْصافِ أُذُنَيْه] (٥). وفي رواية: [يقوم أحدهم في رَشْحِه إلى أَنْصَاف أُذُنَيْه].

стр. 5193

الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن نافع، عن ابن عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: لعظمة الرحمن يوم القيامة، حتى إنَّ العرقَ لَيُلْجِمُ الرجالَ إلى أنصاف آذانهم] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: [يَعْرَقُ الناس يوم القيامة حتى يذهبَ عَرَقُهُم في الأرض سبعين ذراعًا، ويُلجمهم حتى يَبْلغ آذانهم] (٢). وله شاهد في صحيح مسلم من حديث المقداد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد، حتى تكونَ قِيدَ مَيلٍ أو مَيلين. قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرقِ كقَدْرِ أعمالهم، وفي رواية: (فيكون الناس على قَدْر أعمالهم في العرق). فمنهم من يكون إلى كَعْبَيْهِ، ومنهم من يكون إلى رُكبَتَيْهِ، ومِنْهُم من يكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهم من يُلْجِمُهُ العَرَقُ إلجامًا. قال: وأشار رسول اللَّه ﷺ بيده إلى فيه] (٣). الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة: بأي شيء كان يفتتح رسول اللَّه ﷺ قيام الليل؟ فقالت: [لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قَبْلَكَ، كان إذا قام كبَّر عَشْرًا، وحمد اللَّه عشرًا، وسَبَّحَ عشرًا، وهَلَّلَ عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: "اللهم اغفِر لي، واهْدني، وارزقني، وعافني" ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة] (٤). ٧ - ١٧. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ

стр. 5194

آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾. في هذه الآيات: تثبيتُ كتاب الفجار في سجين، في سجل أهل النار أسفل الأرضين، الذين يكذبون بيوم الدين، وقد طبع اللَّه على قلوبهم وهم عن ربهم يوم القيامة من المحجوبين، ثم مصيرهم ومستقرهم إلى نار الجحيم. فقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال قتادة: (في أسفل الأرض السابعة). وقال الضحاك: (يقول: في الأرض السفلى). وسِجِّين: فِعِّيلٌ من السِّجن، وهو الضيق، كما يقال: فِسِّيق وسِكِّير. والمقصود: حقًا إن كتاب أعمال الفجار مكتوب في سجل أهل النار في الأرض السفلى ليناسب سفالة نياتهم وتوجهاتهم. وفي حديث البراء -في خروج روح الكافر والفاجر لا تفتح لها أبواب السماء- فيقول اللَّه : [اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى] (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾. تعظيم لأمر سجين، وتهويل لمصير أهله. وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. قال قتادة: (كتاب مكتوب). قال النسفي: (وفسّر سجينًا بكتاب مرقوم، فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم فما معناه! قلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشّر دوّن اللَّه فيه أعمال الشياطين والكفرة من الجن والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بيّن الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، من رقم الثياب علامتها، والمعنى أنّ ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجينًا فِعّيلًا من السجن، وهو الحبس والتضييق، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم). وقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. أي: الهلاك والدمارُ للمكذبين، يوم يخرج المكتوب، وتصدر النتائج، ويحين وقت النكال والقصاص. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. أي: الذين يكذبون بيوم الحساب والمجازاة. قال ابن زيد: (أهل الشرك يكذبون بالدين). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾. أي: فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه. قال قتادة: (﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ﴾: أي بيوم الدين، إلا كل معتد في

стр. 5195

قوله، أثيم بربه). وقال ابن كثير: (أي: مُعْتد في أفعاله، من تَعاطي الحرامِ والمجاوزةِ فِي تناول المُباح، والأثيم في أقواله إن حَدَّثَ كذب، وإن وعَدَ أخلف، وإن خاصَمَ فَجَر). وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: إذا تتلى عليه آياتنا المنزلة على محمد ﷺ قال: هذا ما سطّره الأولون فكتبوه في كتبهم، من أحاديثهم وأباطيلهم وخرافاتهم. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. -كلّا- رَدْعٌ وزجر، أي ليس الأمر كما يصف ذلك المعتدي الأثيم، وإنما هي المعاصي والذنوب والآثام، تزاحمت وتكاثرت فأحاطت بقلوبهم حتى غَطّاها الران. أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ العبدَ إذا أخطأ خطيئةً نُكِتَتْ في قلبه نُكْتَةٌ سَوْداء، فإذا نَزَعَ واستَغْفَر وتابَ صُقِلَ قَلبُهُ، وإنْ عادَ زيدَ فيها حتى تَعْلُو قلبَهُ، وهو الرّان الذي ذكر اللَّه ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾] (١). قال ابن عباس: (طبع على قلوبهم ما كسبوا). وعن الحسن: (﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال: الذنب على الذنب، حتى يعمى القلب فيموت). وقال مجاهد: (العبد يعمل بالذنوب، فتحيط بالقلب، ثم ترتفع، حتى تغشى القلب). وقال أيضًا: (انبثت على قلبه الخطايا حتى غمرته). وقال الضحاك: (الرين موت القلب). وعن أبي سليمان: (الرين والقسوة زماما الغفلة). وقيل: الرينُ يعتري قلوبَ الكافرين، والغيمُ للأبرار، والغينُ للمقرَّبين. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. أي: بل هم ممنوعون عن رؤيته تعالى يوم القيامة. قال قتادة: (هو لا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم). وقال الحسين بن الفضل: (كما حَجَبَهُم في الدنيا عن توحيده حَجَبَهُم في العقبى عن رؤيته). وقال الزجاج: (في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم، وإلا لا يكون التخصيص مفيدًا). وقال مالك بن أنس: (لما حجب أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رأوه). قلت: و ﴿كَلَّا﴾ رَدْعٌ عن الكسب الرائن على القلب، فهو الذي منعهم من رؤية

стр. 5196

وجهه سبحانه يوم الحساب. وإلا فالمؤمنون ينعمون بلذة النظر إلى وجهه الكريم. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه العظيم. ٣ - وقال تعالى هنا -في شأن الكفار-: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. قال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى]. وفي رواية: [ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ] (١). وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وجامع الترمذي عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللَّه تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب، فينظرون إلى وجه اللَّه، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (٢). وفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: [إن اللَّه يتجلّى للمؤمنين يضحك] (٣) -يعني في عرصات القيامة- مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾. أي: ثم إنهم مع هذا الحرمان، عن رؤية وجه الرحيم المنّان، لواردو الجحيم فمشويون في النيران، ليجمعوا بذلك بين تعاسة النفس وعذاب الأبدان.

стр. 5197

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. أي: ثم يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير: هذا التكذيب للرسل في الدنيا أوصلكم إلى عذاب السعير. ١٨ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾. في هذه الآيات: تثبيتُ كتاب الأبرار في عليين، وإثبات نضارة وجوههم يوم الدين، فهم في الملذات في جنات النعيم. فقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. أي حقًا إن كتاب الأبرار مختلف عن كتاب الفجار، فهؤلاء كتابهم في عليين، وأولئك كتابهم في سجين. والأبرار: جمع بَرّ، وهم الذين بروا اللَّه بأداء فرائضه، واجتناب محارمه. و ﴿عليون﴾ معناه علوّ في علوّ مضاعف، كأنه لا غاية له. قال النسفي: (هو علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقول من جمع عِلِّيّ، فِعِّيل من العلو، سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في السماء السابعة). يروي ابن جرير بسنده عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر عن العليين، فقال كعب: (هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين). وقال قتادة: (في السماء العليا). وقال الضحاك: (﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾: في السماء عند اللَّه). وفي سنن أبي داود ومسند أحمد من حديث البراء مرفوعًا -في ارتفاع روح المؤمن بعد نزعها إلى طبقات السماء-: [فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول اللَّه : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فيكتب كتابه في عليين] (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. أي: وما أعلمك يا محمد أيّ شيء عِلّيون؟

стр. 5198

على جهة التفخيم والتعظيم لعليين في المنزلة العالية. أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن أهل الدرجات العُلا ليَراهم من تَحْتَهم كما تَرَوْنَ النَّجْمَ الطالِعَ في أُفُقِ السَّماء، وإنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ منهم وأنْعَما] (١). وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. أي: الكتاب الذي فيه أسماء الأبرار كتاب مسطور. وقوله تعالى: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾. قال قتادة: (وهم الملائكة). وقال العوفي، عن ابن عباس: (يشهُده من كلِّ سماء مقرّبوها). والمقصود: أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم ويرونه. وقيل: يشهدون بما فيه يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. الأرائك: الأسِرّة التي في الحجال، وهي الكِلَل. قيل: ينظرون إلى ما أعدّ اللَّه لهم من الكرامات. وقيل: ينظرون إلى وجهه ﷻ . وقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. قال ابن كثير: (أي: تَعْرِفُ إذا نظرتَ إليهم في وجوههم نَضْرَة النعيم، أي: صِفَة الترافة والحِشْمَةِ والسُرور والدَّعةِ والرِّياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم). وقوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾. أي: يُسْقون من خمر من الجنة. قال ابن عباس: (يعني بالرحيق: الخمر). قلت: والرحيق من أسماء الخمر، وهو من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده (٢). والمختوم الذي له ختام، فهو ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار. وقوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. قال ابن مسعود: (أي: خَلْطُه مِسْكٌ). وقال ابن عباس: (طيَّبَ اللَّه لهم الخمر، فكانَ آخرَ شيء جُعِلَ فيها مسكٌ، خُتِمَ بِمِسْك). وقال الحسن: (﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، أي: عاقِبتُه مِسْك). وقال مجاهد: (طِيْبُهُ مِسْك). والمقصود: أنَّ آخر طعمه ريح المسك، فإذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك. وقيل: مختومة أوعيته بمسك، ليجمع بذلك بين الرائحة العطرة والمذاق اللذيذ.

стр. 5199

وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. أي: وفي ذلك فليرغب الراغبون. والتنافس: التنازع في الشيء والتشاجر عليه، فيريده كل واحد لنفسه، وينفس به على غيره: أي يضنّ به. وهو مأخوذ من الشيء النفيمس، والذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. قال القرطبي: (وقيل: الفاء (١) بمعنى إلى، أي: وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، نظيره: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]). والمقصود: التنافس بالمسارعة إلى الخيرات والانتهاء عن السيئات، فهو التسابق المحمود إلى طاعة اللَّه ونيل رضاه. وقوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾. أي: ويمزج ذلك الرحيق من تسنيم، وهو شراب ينصبّ عليهم من علوّ، وهو أشرف شراب الجنة. فعن مجاهد: (﴿تَسْنِيمٍ﴾ قال: تسنيم، يعلو). وعن معمر، عن الكلبي قال: (تسنيم ينصب عليهم من فوقهم، وهو شراب المقربين). والتسنيم مصدر سنّمه إذا رفعه. قال ابن جرير: (والتسنيم: التفعيل من قول القائل: سنمتهم العين تسنيمًا: إذا أجريتها عليهم من فوقهم، فكان معناه في هذا الموضع: ومزاجه من ماء ينزل عليهم من فوقهم فينحدر عليهم). والخلاصة: ومزاج ذلك الرحيق من ﴿تَسْنِيمٍ﴾ وهو علم لعين بعينها، سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنّمه إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنها تاتيهم من فوق وتنصب في أوانيهم - ذكره النسفي. وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾. عَيْنًا: حال، أو نصب على المدح. والمعنى: يسقون الرحيق من عين التسنيم يمزجون بها كؤوسهم. قال ابن عباس وابن مسعود: (عين في الجنة يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين). ٢٩ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى

стр. 5200

الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. في هذه الآيات: نَعْتُ حال المجرمين في دار الدنيا وهم بالمؤمنين يسخرون، وإذا مروا بهم يتغامزون ويلمزون، ثم انعكاس هذه الحال ليصبح المؤمنون يوم القيامة هم من أعدائهم يضحكون، على الأرائك ينظرون، وقد نزل بالكفار سخط اللَّه ونالوا نكال ما كانوا يفعلون. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾. قال قتادة: (في الدنيا، يقولون: واللَّه إن هؤلاء لكذبة، وما هم على شيء، استهزاءً بهم). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾. أي: وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، بقصد احتقارهم. وهو من الغمز: الإشارة بالجفون والحواجب، فهم يعيِّرونهم بالإسلام ويعيبونهم به. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾. أي: وإذا رجع الكفار إلى أهلهم من مجالسهم رجعوا معجبين بما هم فيه متلذذين به، يتفكهون بالطعن في المؤمنين، والاستهزاء بهم. قال ابن عباس: (فاكهين: معجبين). وقال ابن زيد: (انقلب ناعمًا، هذا في الدنيا، ثم أعقب النار في الآخرة). قال ابن كثير: (أي: وإذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدُوا، ومع هذا ما شكروا نعمة اللَّه عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقِرونهم ويحسُدونهم). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾. أي: لكونهم على غير دينهم. قال النسفي: (﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ وإذا رأى الكافرون المؤمنين ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ أي خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا الحقيقة بالخيال، وهذا هو عين الضلال). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾. أي: ولم يرسل هؤلاء الكفار على المسلمبن من جهة اللَّه موكلين بهم يحفظون عليهم ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، وإنما كُلِّفوا بالإيمان باللَّه والعمل بطاعته، ولم يجعلوا رقباء على غيرهم. وفي التنزيل نحو ذلك: قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ

стр. 5201

تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١]. وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾. أي: ففي ذلك اليوم يضحك المؤمنون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوبين، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، فقلب اللَّه الصورة وحاق المكر بأهله، فعزّ المؤمنين وأخزى الكافرين. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾. أي: ينظرون إلى وجه ربهم وهم على سررهم، وإلى خزي وعذاب الكافرين. قال النسفي: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ حال، أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار، بعد العزة والاستكبار، وهم على الأرائك آمنون). وقال ابن كثير: (﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾، أي: إلى اللَّه في مُقابلةِ من زَعَم فيهم أنهم ضالّون، وليسوا بضالين، بل هم أولياء اللَّه المُقَرَّبين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته). وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. قيل معنى ﴿هَلْ﴾ التقرير. والتقدير: قد وقع الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم. وقيل: هو إضمار على القول. قال القرطبي: (والمعنى، يقول بعض المؤمنين لبعض ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ﴾ أي أثيب وجُوزي. وهو من ثاب يثوب أي رجع، فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر). وخلاصة القول: هل جوزي الكفار على استهزائهم بالحق والمؤمنين؟ ! نعم، قد جوزوا أتم الجزاء وأكمله، وقوبلوا في الآخرة بنقيض مسلكهم، وحصدوا نتاج زرعهم: البكاء بعد الضحك، والندم بعد الفرح، والحصار في عذاب النار، بعد الانطلاق بالفساد والإفساد في دار الاختيار. تم تفسير سورة المطففين بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم السبت ١٧/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٧/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م

стр. 5202

دروس ونتائج وأحكام ١ - إذا وزنتم فأرجِحوا. وليس منا من غشّ، والمكر والخداع في النار. ٢ - إن العَرَقَ ليلجِمُ الرجال يوم القيامة إلى أنصاف آذانهم، وتفاوت الناس يومئذ في العَرَقِ بحسب أعمالهم. ٣ - إذا أخطأ العبد خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا نزعَ واستغفر وتاب صُقِلَ قلبه، وإن عاد زيدَ فيها حتى تعلو قلبه، وذلك هو الران. ٤ - كما حجب اللَّه الكفار في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. ٥ - الرحيق من أسماء الخمر، وهو من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده. ٦ - جزاء الكفار يوم الحساب: البكاء بعد الضحك، والندم بعد الفرح، والعذاب في النار، بعد الانطلاق في الفساد والإفساد في دار الاختيار. * * *

стр. 5203

٨٤ - سورة الإنشقاق وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٥). الأحاديث الواردة في ذكرها: الحديث الأول: أخرج أحمد والترمذي والحاكم بإسناد حسن عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ سَرَّه أنْ ينظرَ إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي رافع قال: [صَلَّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَةَ فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سَجَدْتُ بها خلْفَ أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسْجُدُ فيها حتى ألقاه] (٢). الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن: [أنَّ أبا هريرة قرأ لهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. فسجد فيها. فلما انصرف أَخبرهم أنَّ رسول اللَّه ﷺ : سَجَدَ فيها] (٣). الحديث الرابع: أخرج مسلم وأصحاب السنن عن عطاءِ بنِ ميناءِ، عن أبي هريرة

стр. 5204

قال: [سَجَدْنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١). وفي رواية قال: [سجدَ رسول اللَّه ﷺ : في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾]. موضوع السورة انشقاق السماء ومد الأرض يوم الدين وسعادة المؤمنين وشقاء الكافرين - منهاج السورة - ١ - تشقق السماء ودكّ الجبال وبسط الأرض وإخراج الأموات من بطنها لمشهد الحشر. ٢ - كل ما يلقى الإنسان في هذه الدنيا من العناء والجهد في سبيل اللَّه يلقى ثوابه عند ربه الكريم. ٣ - من أوتي كتاب أعماله بيمينه فقد ظفر بالفوز العظيم، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يصلى نار الجحيم. ٤ - قَسَمُ اللَّه بالشفق، والليل وما جمع، والقمر إذا استوى واجتمع، أن العباد مدعوون لتتابعٍ في الأحوال: من الغنى والفقر والموت والبعث ثم العرض، فما لأكثرهم لا يؤمنون. ٥ - الكفار موعدهم إلى نار الجحيم، والمؤمنون مستقرهم في جنات النعيم.

стр. 5205

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾. في هذه الآيات: تصدُّع السماء ودَكُّ الجبال وبسط الأرض وإخراجها ما فيها من الأموات لمشهد الحشر العظيم، وكل ما يلقى الإنسان في هذه الدنيا من العناء والجهد في سبيل اللَّه يقابله به الرحمان الكريم، فمن أوتي كتاب أعماله بيمينه فقد ظفر بالفوز العظيم، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يصلى نار الجحيم. فقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. أي انصدعت، وتفطّرت، وكانت أبوابًا. وذلك يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. أي: أطاعت ربها واستمعت لأمره لها بالانشقاق، وحُقَّ لها أن تطيع وتنقاد وتسمع. قال ابن عباس: (﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾: سمعت لربها. قال: حقّقت لطاعة ربها). وقال سعيد بن جبير: (﴿وَحُقَّتْ﴾: وحقّ لها). والمقصود: وحُقَّ لها أن تطيع أمر ربها، فهو العظيم الواحد القهار الذي لا يمانع أمره ولا يخالف. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي بُسِطت، ودكت جبالها، حتى صارت قاعًا صفصفًا. قال ابن كثير: (﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: بُسْطَتْ وَفُرِشَت وَوُسِّعت). وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾. أي: أخرجت ما فيها من الأموات وطرحته على ظهرها، ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ أي: تبرأت منهم وتخلّت عنهم إلى اللَّه لينفذ فيهم أمره. قال قتادة: (﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾: أخرجت أثقالها وما فيها). وقال سعيد بن جبير: (ألقت

стр. 5206

ما في بطنها من الموتى، وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء). وقال النسفي: (﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾: ورمت ما في جوفها من الكنوز والموتى. ﴿وَتَخَلَّتْ﴾: وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو). وقوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: وسمعت الأرض في إلقائها ما في بطنها من الموتى إلى ظهرها أحياء، أمرَ ربها وأطاعت ﴿وَحُقَّتْ﴾ يقول: وحَقَّقها اللَّه للاستماع لأمره في ذلك، والانتهاء إلى طاعته). وقال القاسمي: (﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ أي انقادت له في التخلية، وحق لها ذلك، وإعادة الآية للتنبيه على أن ذلك تحت سلطان الجلال الإلهي وقهره ومشيئته. وجواب ﴿وَإِذَا﴾ محذوف للتهويل بالإبهام. أي: كان ما كان مما لا يفي به البيان. أو لاقى الإنسان كدحه، كما قال). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. هو خلاصة هذه الحياة. والمراد جنس الإنسان، فيشمل المؤمن والكافر. والمعنى: إنك أيها الإنسان ساع إلى ربك سعيًا، وعاملٌ عملًا، وسوف تلاقي ربك بعملك. قال ابن عباس: (﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ يقول: تعمل عملًا تلقى اللَّه به خيرًا كان أو شرًا). فالضمير في ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ يعود على ﴿رَبِّكَ﴾ أي: فملاق ربك، أو يعود على الكدح والعمل، وكلا المعنيين متلازم. أخرج الحاكم والطيالسي بسند حسن عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [قال جبريل: يا محمدُ! عِشْ ما شِئت فإنك مَيِّت، وأحْبِبْ ما شِئت فإنك مُفَارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه] (١). قلت: والآية تنبيه للعاقل أن يلتمس في كدحه طاعة اللَّه ويجتنب ما يسخطه. كما قال قتادة: (إن كَدْحَكَ -يا ابن آدمَ- لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحُه في طاعة اللَّه فليفعَلْ، ولا قوة إلا باللَّه). وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. أي: من أعطي كتاب أعماله بيمينه، تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها اللَّه من غير أن يناقشه الحساب.

стр. 5207

فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [قال رسول اللَّه ﷺ : "ليسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلا هَلَكَ"، قالت: قلتُ: يا رسول اللَّه، جعلني اللَّه فِداءَكَ، أليس يقول اللَّه : ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قال: ذاكَ العَرْضُ يُعْرَضونَ، ومن نوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ] (١). وفي رِواية: [ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، مَنْ نوقِشَ الحساب يوم القيامة عُذِّب]. وفي لفظ: [ذاكِ العرض، ولكن من نوقِشَ المحاسَبَةَ هلك]. وأخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ حُوسِبَ عُذِّب] (٢). وأخرج أحمد والطبري بسند صحيح عن عائشة قالت: [سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا". فلما انصرف قلتُ: يا رسول اللَّه! ما الحساب اليسير؟ قال: أن يُنْظَرَ في كتابه فَيُتجاوزَ له عنه، إنه من نوقش الحساب -يا عائشة- يومئذ هلك] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. أي: وينصرف إلى أهله في الجنة ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: مغتبطًا قرير العين. قال قتادة: (إلى أهل أعدّ اللَّه له في الجنة). وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾. أي بشماله من وراء ظهره. قال مجاهد: (يجعل يده من وراء ظهره). وقال ابن كثير: (تُثْنى يدُه إلى ورائه ويُعْطى كتابه بها كذلك). وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾. قال الضحاك: (يدعو بالهلاك). قال ابن جرير: (يقول: فسوف ينادي بالهلاك، وهو أن يقول: واثبوراه! واويلاه! وهو من قولهم: دعا فلان لهفه: إذا قال: والهفاه). وقوله تعالى: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾. أي: يدخلها ويقاسي حرّ نارها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. أي: إنه كان فرحًا باتباع هواه وركوب

стр. 5208

شهوته، بَطِرًا أشِرًا لعدم خطور الآخرة بباله. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾. أي: إنه ظن أنه لا يرجع إلى اللَّه للحساب. قال قتادة: (﴿أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ قال: أن لن ينقلب. يقول: أن لن يبعث). وقال أيضًا: (أن لا معاد له ولا رجعة). وقال مجاهد: (أن لا يرجع إلينا). والحَوْر: هو الرجوع: من حارَ يحور إذا رجع، قال ابن عباس: (ما كنت أدري: ما يحور؟ حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها: حُوري، أي ارجعي إليّ). وفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عبد اللَّه بن سرجس قال: [كان رسول اللَّه ﷺ إذا سافر، يتعَوَّذُ مِن وَعْثاءِ السَّفر، وكآبة المُنْقَلب، والحَوْرِ بَعْد الكون -وفي رواية: بعد الكَوْر-، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال] (١). فهو يتعوذ من الحَوْر بَعْد الكَوْر: يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، فأصل الحور الرجوع. وقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. أي: ليس الأمر كما يظن أن لا رجعة ولا حساب، بل إنه سيحور إلى ربه ويرجع، إن ربّه عالم به قبل أن يخلقه، وقضى له الرجوع إليه، والوقوف للجزاء بين يديه، وقد علم بما سبق له في أي الفريقين يستقر: في أهل السعادة أم أهل الشقاء. قال النسفي: (﴿بَلَى﴾ إيجاب لما بعد النفي في ﴿لَنْ يَحُورَ﴾ أي بلى ليحورن ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ﴾ وبأعماله ﴿بَصِيرًا﴾ لا يخفى عليه، فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها). ١٦ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾. في هذه الآيات: قَسَمُ اللَّه تعالى بالشفق والليل وما جمع، والقمر إذا استوى واجتمع، أن عباده مَدْعوُّونَ إلى أحوال ومنازل تتابع، من الغنى والفقر والموت

стр. 5209

والبعث والعرض الرهيب، فما لأكثرهم لا يؤمنون ولا يستعدون لذلك المشهد المهيب، فالكفار موعدهم نار الجحيم، والمؤمنون مستقرهم في جنات النعيم. فقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾. أي: فأقسم، و"لا" صلة. والشفق: الحمرة التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة. قال مالك: (الشَّفَقُ الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد خرجت من وقت المغرب ووجبت صلاة العشاء). وقال الجوهري في الصحاح: (الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب من العَتَمة). وأصل الكلمة من رقة الشيء، يقال: شيء شفِق أي لا تماسك له لرقته، والمقصود: هنا رقة ضوء الشمس عند الغروب. وفي صحيح الإمام مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: [وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس، ما لم يسقط الشّفق] (١). وفيه أيضًا من حديث بريدة مرفوعًا: [وصَلّى المغرب قبْلَ أن يغيبَ الشَّفَقُ] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾. أي: والليل وما جَمَعَ وحَمَلَ، فإنه جمع وضمّ ما كان منتشرًا بالنهار في تصرّفه، وذلك أنّ الليل إذا أقبل آوى كل شيء إلى مأواه. قال ابن عباس: (﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمع). وقال قتادة: (وما جمع من نجم ودابة)، وكأنه -تعالى- أقسم بالضياء والظلام. قال ابن جرير: (أقسم اللَّه بالنهار مدبرًا، وبالليل مقبلًا). وقال عكرمة: (﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾، يقول: ما ساقَ من ظُلمة، إذا كان الليل ذهب كلُّ شَيء إلى مأواه). قلت: وأصل الوَسْق في لغة العرب: من وَسَقَ الشيء إذا جَمعه وحمله وضَمّه. وأوْسَق البعير أي: حَمَّلَهُ حِمله. ومنه قيل للطعام الكثير المجتمع: وَسْقٌ، وهو ستون صاعًا. قال الرازي: (ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ فإذا جَلَّلَ الليلُ الجبالَ والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له فقد وسَقَها). وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. أي: والقمر إذا تَمَّ واجتمع واستوى وتكامل في منتصف الشهر القمري. قال ابن عباس: (﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: إذا اجتمع واستوى). وقال الحسن: (اتسق: أي امتلأ واجتمع). وقال قتادة: (إذا استدار). والاتساق افتعال

стр. 5210

من الوسْق الذي هو الجمع، يقال: وسقته فاتسق. ويقال: أمر فلان متسق: أي مجتمع على الصلاح منتظم. والمقصود في الآية: أنه يقسم تعالى بالقمر إذا تكامل نورُه وأبْدَرَ، فجعله مقابلًا لليل وما وسق. وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. اللام واقعة في جواب القسم. والمعنى: لتركبن أيها الناس حالًا بعد حال، من الغنى والفقر، والموت والحياة، ودخول الجنة أو النار. قال ابن عباس: (الشدائد والأهوال: الموت، ثم البعث، ثم العَرْض). وأخرج البخاري في "كتاب التفسير" من صحيحه، عند هذه الآية عن مجاهد قال: قال ابن عباس: [﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالًا بَعْدَ حالٍ. قال هذا نبيّكُم ﷺ ] (١). والطبق واحد الأطباق، وطبقات الناس مراتبهم. قال الرازي: (و"الطَبَقُ" الحال) (٢). ومن أقوال أئمة المفسرين في تفصيل ذلك: ١ - قال الحسن: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: أمرًا بعد أمر، رخاء بعد شدّة، وشدّة بعد رخَاء، وغنًى بعد فقر، وفقرًا بعد غِنًى، وصحة بعد سُقْم، وسقمًا بعد صحة). ٢ - وقال سعيد بن جبير: (منزلة بعد منزلة، قومٌ كانوا في الدنيا متضعين فارتفعوا في الآخرة، وقوم كانوا في الدنيا مرتفعين فاتضعوا في الآخرة). ٣ - وقال ابن زيد: (ولتصيرُن من طبقِ الدنيا إلى طبقِ الآخرة). قال القاسمي: (﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ أي حالًا بعد حال. والمعنيّ بالحال الأولى البعث للجزاء على الأعمال. وبالثانية الحياة الأولى. وفيه تنبيه على مطابقة كل واحدة لأختها. فإن الحياة الثانية تماثل الأولى وتطابقها من حيث الحسّ والإدراك والألم واللذة، وإن خفي اكتناهها. وجوز أن يكون ﴿طَبَقًا﴾ جمع طبقة وهي المرتبة. أي لتركبن مراتب شديدة مجاوزة عن مراتب وطبقات، وأطوارًا مرتبة بالموت وما بعده من مواطن البعث والنشور. قال الشهاب: الطبق معناه ما طابق غيره مطلقًا في الأصل، ثم إنه خص بما ذكر، وهو الحال المطابقة أو مراتب الشدّة المتعاقبة). وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾.

стр. 5211

أي: فما لهم لا يؤمنون باللَّه ورسوله واليوم الآخر وهذا الوحي مع وجود موجبات الإيمان! وما يمنعهم من السجود إذا تليت عليهم آيات الرحمان! ؟ . قال ابن زيد: (﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: بهذا الحديث، وبهذا الأمر). وهذا استفهام إنكار. وقيل: بل هو تعجب، والمعنى: اعجبوا منهم في تركهم الإيمان مع هذه الحجج والآيات، وتركهم السجود إذا تليت عليهم آيات القرآن إعظامًا وإكرامًا واحترامًا؟ ! وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: [سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾] (١). وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: من سَجِيَّتهم التكذيب والعناد والمخالفةُ للحق). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. قال مجاهد وقتادة: (يكتمون في صدورهم). وهو مأخوذ من الوعاء الذي يَجْمع ما فيه. والعرب تقول: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. والمقصود: واللَّه أعلم بما يضمرونه في صدورهم من المكر والتكذيب. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. أي: فبشر يا محمد هؤلاء المكذبين بعذاب موجع أعدّه اللَّه لهم. وقد جعله بشارة تهكّمًا بهم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال ابن عباس: (غير منقوص). وقال مجاهد: (غير محسوب). والاستثناء هنا منقطع، والتقدير: لكن الذين آمنوا حق الإيمانِ بقلوبهم، وصدّقوا ذلك بأقوالهم وأعمالهم، لهم أجر عند اللَّه غير منقوص ولا مقطوع (٢)، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. تم تفسير سورة الانشقاق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة الأحد ١٨/ ذي القعدة/ ١٤٢٦ هـ الموافق ١٨/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م

стр. 5212

دروس ونتائج وأحكام ١ - من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. ٢ - ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فمن نوقش الحساب عُذِّب. ٣ - أصل الحَوْرِ الرجوع. من حار يحور إذا رجع. ٤ - ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: أي حالًا بعد حال. ٥ - سجد النبي في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وسجد معه أصحابه. * * *

стр. 5213

٨٥ - سورة البروج وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٢). وثبت في السنة الصحيحة أن رسول اللَّه ﷺ كان يجعل الركعتين الأخيرتين من صلاة الظهر أقصر من الأوليين، و [كان -أحيانًا- يقرأ بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ وبـ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوهما من السور] (١). وأخرج النسائي بسند صحيح عن جابر بن سمرة: [أنَّ النبي ﷺ ، كان يقرأ في الظهر والعصر، بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوهما] (٢). موضوع السورة القسم بالسماء ذات البروج وأيام الجمعة وعرفة والقيامة أن العذاب واقع بالمجرمين، وأن المؤمنين أهل البر والعمل الصالح مُسْتَقَرّهُم في جنات النعيم. - منهاج السورة - ١ - قسم اللَّه تعالى بالسماء ويوم القيامة ويوم الجمعة ويوم عرفة، أن أصحاب الأخدود الذين فتنوا المؤمنين سيلقون عذابه وسخطه.

стр. 5214

٢ - البشرى للمؤمنين أهل الصالحات والقربات بجنات النعيم، والوعيد الشديد على الطغاة أمثال فرعون بنار الجحيم. ٣ - هذا القرآن مجيد عزيز ليس بالسحر ولا بالشعر كما يقولون، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ لو كانوا يعلمون. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾. في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالسماء ذات النجوم العظام، وباليوم الموعود يوم القيامة الذي فيه يكون الثواب أو الانتقام، وبالشاهد يوم الجمعة أعظم الأيام، وبالمشهود يوم عرفة يوم حجّ أهل الإسلام، أنه قد لُعن الطغاة أصحاب الأخدود وأمثالهم، الذين قهروا المؤمنين وفتنوهم عن دينهم. فقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. أي: النجوم العظام. قال ابن عباس: (البروج: النجوم). وفي التنزيل نحو ذلك، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. قسم آخر من اللَّه ﵎ باليوم الموعود -وهو القيامة-، وبالشاهد -وهو يوم الجمعة-، وبالمشهود -وهو يوم عرفة. فقد أخرج الترمذي بسند حسن -عند تفسير هذه الآيات- عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [اليوم الموعود يومُ القيامة، واليوم المشهودُ يومُ عرفةَ، والشاهِدُ يومُ

стр. 5215

الجمعة. قال: وما طلعت الشَّمسُ ولا غربت على يَوْمٍ أفضلَ مِنْهُ، فيه ساعةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مؤمِنٌ يدعو اللَّه بخير إلا استجابَ اللَّه لهُ، ولا يَستعيذُ مِنْ شيءٍ إلا أعاذَهُ اللَّه مِنْهُ] (١). وله شاهد عند الطبراني بسند حسن لغيره عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [اليوم الموعود يوم القيامة، وإن الشاهد يوم الجمعة، وإن المشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره اللَّه لنا، وصلاة الوسطى صلاة العصر] (٢). قلت: فاليوم الموعود هو اليوم الذي وُعِدَ به الخلائق للحشر والحساب، والشاهد يوم الجمعة وفيه تقوم الساعة ويشهد محمد ﷺ وأمته على الأم، واليوم المشهود يوم عرفة تشهده الملائكة، واللَّه تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. هذا جواب القسم. أي لعن الطغاة أصحاب الأخدود. قال ابن عباس: (كل شيء في القرآن ﴿قُتِلَ﴾ فهو لُعِنَ). والأخدود: الحفيرُ في الأرض. قال البخاري: (قال مجاهد: ﴿الْأُخْدُودِ﴾: شقٌّ في الأرض). والآية خبرٌ من اللَّه تعالى عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين فقهروهم ليرجعوا عن دينهم، فلما أبوا، عمدوا إلى تأجيج النار في أخاديد حفروها فقذفوهم فيها وهم ينظرون إليهم. وهو قوله تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾. النار: بدل اشتمال من الخدود. والوقود: الحطب الذي توقد به. وقوله: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. أي: لُعِنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين على الكراسي عند الأخدود ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ من عرض المؤمنين على النار ليرجعوا عن دينهم ﴿شُهُودٌ﴾ أي حضور، وهم كذلك يشهدون على أنفسهم بما فعلوا يوم القيامة، ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. وعن قتادة: (﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ يعني بذلك الكفار). والمراد بهذا التأويل: حضور، أي

стр. 5216

كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبى ألقوه في النار وهم شهود لذلك التعذيب. فبالتأويل الأول ﴿عَلَى﴾ بمعنى "مع" أي: وهم: مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وبالتأويل الثاني: وهم على ما فعلوه بالمؤمنين في الدنيا شهود على أنفسهم يوم القيامة. وكلا التأويلين صحيح. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. أي: وما وجَدَ هؤلاء الكفار -الذين فتنوا المؤمنين- على المؤمنين والمؤمنات إلا أنهم أخلصوا الإيمان باللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾ أي الغالب الشديد في انتقامه من أعدائه ﴿الْحَمِيدِ﴾. أي: المحمود بإحسانه إلى خلقه، والمحمود في كل حال. وفي السنة الصحيحة حديثان في آفاق هذه الآيات: الحديث الأول: روى مسلم في الصحيح، والنسائي في السنن والتفسير، وأحمد في المسند، عن صُهَيب، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [كانَ مَلِكٌ فيمَنْ كان قَبْلكُمْ، وكانَ له ساحِرٌ، فَلَمَّا كَبُرَ قال للملك: إني قَدْ كَبُرْتُ فابْعَثْ إليَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْر، فبَعَثَ إليه غُلامًا يُعَلِّمُهُ، فكان في طَريقِهِ، إذا سَلَكَ، راهِبٌ، فَقَعَدَ إليه وسَمِعَ كلامَهُ، فأعْجَبَهُ، فكانَ إذا أتى الساحِرَ مَرَّ بالراهب وقَعَدَ إليه، فإذا أتى الساحِرِ ضَرَبَهُ، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خَشيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنَي أَهْلي، وإذا خَشيتَ أهلكَ فَقُلْ: حَبَسَني السَّاحِرُ، فبينما هو كذلكَ إذْ أتى على دابَّةٍ عَظيمةٍ قَدْ حَبَسَتِ الناس، فقال: اليَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أفضلُ أمِ الراهِبُ أفضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فقال: اللهمَّ! إنْ كانَ أمرُ الراهب أحبَّ إليكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقْتُل هذه الدّابةَ، حتى يمضيَ الناسُ، فرَماها فقَتَلها، ومضى الناسُ، فأتى الراهِبَ فأخبَرَهُ، فقال له الراهِبُ: أي بُنَيَّ! أنْتَ، اليومَ، أفْضَلُ مني، قد بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ ما أَرى، وإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فإن ابْتُليتَ فلا تَدُلّ عليَّ، وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُداوي الناسَ مِنْ سائِرِ الأدواء، فَسَمِعَ جليسٌ للمَلِكِ كانَ قد عَمِيَ، فأتاه بهدايا كثيرةٍ، فقال: ما هاهُنَا لكَ أَجْمَعُ، إنْ أَنْتَ شَفَيْتَني، فقال: إني لا أَشْفي أحَدًا، إنما يشفي اللَّهُ، فَإنْ أنْتَ آمَنْتَ باللَّه دَعَوْتُ اللَّهَ فشفاكَ، فآمَنَ باللَّهِ، فَشَفَاهُ اللَّهُ، فأتى المَلِكَ فَجَلَسَ إليه كما كان يَجْلِسُ، فقال له المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قال: رَبِّي، قال: أوَلَكَ رَبٌّ غَيْري؟ قال: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذهُ فلمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الغُلامِ، فَجِيءَ بالغُلامِ، فقالَ له المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ، فقال: إني لا أَشْفِي أحَدًا، إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الراهِبِ، فَجِيءَ بالراهِبِ،

стр. 5217

فقيل له: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فأبى فدعا بالمِئْشارِ، فوضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ به حتى وَقعَ شِقَّاهُ، ثم جِيءَ بِجليسِ الملكِ فَقِيلَ لهُ: ارْجِعْ عن دينكَ فأبى، فوضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِق رأسه، فَشَقَّهُ به حتى وقَعَ شِقَّاه، ثم جِيء بالغُلام فقيل له: ارْجِعْ عن دينكَ، فأبى، فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِنْ أَصْحابِه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصْعَدوا به الجَبَلَ، فإذا بَلَغْتُم ذِرْوَتَهُ، فإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وإلّا فاطْرَحُوهُ، فذهبوا به فَصَعِدُوا بهِ الجَبَلَ، فقال: اللهُمَّ! اكْفِنيهِمْ بما شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهمُ الجَبَلُ فسقَطُوِا، وجاءَ يمشي إلى الملك، فقال له الملِكُ: ما فَعَلَ أصْحابُك؟ قال: كفانِيهِمُ اللَّهُ، فدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ فقال: اذْهَبُوا به فاحُمِلُوه في قُرْقُور (١)، فتوسَّطُوا به البَحْرَ، فَإنْ رَجَعَ عن دينه وإلا فاقْذِفُوه، فذهبوا به، فقال: اللهمَّ! اكْفِنيهِمْ بما شئت، فانْكَفَأَت بهم السفينةُ فَغَرِقُوا، وجاءَ يَمْشي إلى الملكِ، فقال له الملكُ: ما فَعَلَ أصْحابُكَ؟ فقال: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فقال للمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلي حتى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ بِهِ، قال: وما هُوَ؟ قال: تَجْمَعُ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ، وتَصْلُبُني على جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: باسْمِ اللَّه، رَبِّ الغُلامِ، ثم ارْمِني، فإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلك قَتَلْتَني، فَجمعَ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ، وصَلَّبَهُ على جِذْعٍ، ثمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْس ثُمَّ قال: باسْمِ اللَّه، ربِّ الغُلامِ، ثم رَمَاهُ فوضَعَ السَّهم في صُدْغِهِ، فوضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِع السَّهم فماتَ، فقال الناس: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلام، فَأُتِيَ المَلِكُ فَقيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ، واللَّهِ! نزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ الناسُ، فَأَمَرَ بالأُخْدودِ بأفْواهِ السِّكَك (٢) فَخُدَّتْ وأَضْرَمَ النِّيرانَ، وقال: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عن دينِهِ فَأَحْمُوهُ فيها، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حتى جاءت امرأةٌ ومَعَها صَبِيٌّ لها، فتقاعَسَتْ (٣) أن تَقَعَ فيها، فقال لها الغُلامُ: يا أمَّهِ اصْبِرِي، فإنَّكِ على الحق] (٤). الحديث الثاني: أخرج الترمذي في السنن بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن

стр. 5218

صهيب قال: [كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا صلى العصر همس، -والهمس في قول بعضهم: تحرك شفتيه كأنه يتكلم- فقيل له: إنك يا رسول اللَّه إذا صليت العصر همست. قال: "إنَّ نبيًّا من الأنبياء كان أُعْجِبَ بأمَّتِه فقال: مَنْ يقومُ لهؤلاء، فأوحى اللَّه إليه أن خَيِّرْهُم بينَ أنْ أنتقِمَ منهم وبين أنْ أسَلِّطَ عليهم عَدُوَّهُمْ؟ فاختاروا النِّقْمَةَ، فسَلَّطَ عليهم المَوْتَ، فماتَ مِنهم في يوم سبعون ألفًا". قال: وكانَ إذا حَدَّثَ بهذا الحديث، حَدثَ بهذا الحديثِ الآخَرِ. عن صهيب أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كان مَلِكٌ مِنَ المُلوك، وكان لذَلِكَ المَلِكِ كاهِنٌ يَكْهَنُ لهُ، فقال الكاهِنُ: انظروا إليّ غُلامًا فَهِمًا أو قال: فَطِنًا لقنًا فأَعَلِّمَهُ عِلْمي هذا فإني أخاف أنْ أموتَ فينقطِعَ مِنكمُ هذا العِلْمُ ولا يكونَ فيكُم مَنْ يَعْلَمُهُ. قال: فنظروا لهُ على ما وَصَفَ فأمَرُوه أنْ يَحْضُرَ ذلك الكاهِنَ وأَنْ يَخْتَلِفَ إليه. فَجَعَلَ يختلف إليه وكان على طريقِ الغُلام راهبٌ في صَوْمَعَةٍ. . . فَذَكَرَ القصة السابقة بتمامها إلى أن قال: فوَضَعَ الغلام يَدَهُ على صُدْغِهِ حينَ رُمِيَ ثُمَّ ماتَ، فقال أناسٌ: لقد عَلِمَ هذا الغُلام عِلْمًا ما عَلِمَهُ أحدٌ فإنّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هذا الغُلامِ، قال: فقيل للملِكِ أَجَزِعْتَ أنْ خَالَفَكَ ثلاثَةٌ فهذا العالمُ كُلُّهمُ قد خالفوك، قال: فخَذَّ أخدُودًا ثُمَّ ألقى فيها الحَطَبَ والنار ثُمَّ جَمَعَ الناسَ فقال: مَنْ رَجَعَ عَنْ دينه ترَكناهُ ومَنْ لمْ يرجِعْ أَلْقَيْناهُ في هذه النار، فجعلَ يُلْقيهم في تِلكَ الأخدُودِ. قال: يقول اللَّه ﵎ فيه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال: فأما الغلامُ فإنَّهُ دُفِنَ، قال: فَيُذكَرُ أنه أُخْرِجَ في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّاب وإصْبَعُهُ على صُدْغِهِ كما وَضَعَها حينَ قُتِلَ"] (١). وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللَّه الذي له ملك السماوات والأرض، فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له. قال النسفي: (لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل، وأن الناقمين أهل لانتقام اللَّه منهم بعذاب عظيم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وَعِيدٌ لهم، يعني أنه علم ما فعلوه وهو مجازيهم عليه). وقيل: وهو وَعِيدُ خير -كذلك- لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين.

стр. 5219

وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال ابن عباس: (حَرَّقوا المؤمنين والمؤمنات). وقال مجاهد: (عَذّبوا). وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾. أي: ثم لم يتوبوا من كفرهم، ويقلعوا عن فعلهم بالمؤمنين والمؤمنات ما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا. قال الحسن البصري: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءَه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة). وقوله: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. أي لهم عذابان منوعان: عذاب على كفرهم، وعذاب على فتنتهم المؤمنين وحرقهم، فإن الجزاء من جنس العمل، فيضاعف لهم العذاب. وقيل هما واحد، أو من باب عطف الخاص على العام للمبالغة فيه. قال القاسمي: (والأظهر أنهما واحد، وإنه من عطف التفسير والتوضيح). قلت: والأول أرجح، فإن تضاعف العذاب على أئمة الكفر والإجرام ثابت في القرآن والسنة. ففي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ١٩ - ٢٠]. ٢ - وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. ٣ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]. أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في "المعجم الكبير" بإسناد صحيح من حديث خالد بن الوليد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [أشد الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة أشدُّهم عذابًا للناس في الدنيا] (١).

стр. 5220

وفي رواية: [أشدُّ الناس عذابًا للناس في الدنيا، أشدُّ الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة]. ١١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: البشرى للمؤمنين أهل الصالحات والقربات بجنات النعيم، والتهديد والوعيد على الطغاة أمثال فرعون وثمود بصلي الجحيم، وهذا القرآن مجيد عزيز ليس بالسحر أو الشعر كما يقولون، مكتوب في اللوح المحفوظ لو كانوا يعلمون. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. تسلية للمؤمنين الصابرين، على جرائم الطغاة الماكرين، فإن لهم البشرى والإقامة في جنات النعيم، في حين يقيم الكافرون في عذاب الحريق ولهيب الجحيم. وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. قال القرطبي: (أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذه تعالى للجبابرة والطغاة والظلمة أليم شديد، كما قال جلت عظمته: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]. وفي صحيح البخاري عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ اللَّه ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١). وقال المبرد: (﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ جواب القسم). والتقدير عنده: والسماء ذات
следующие страницы →