كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبى ألقوه في النار وهم شهود لذلك التعذيب. فبالتأويل الأول ﴿عَلَى﴾ بمعنى "مع" أي: وهم: مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وبالتأويل الثاني: وهم على ما فعلوه بالمؤمنين في الدنيا شهود على أنفسهم يوم القيامة. وكلا التأويلين صحيح.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
أي: وما وجَدَ هؤلاء الكفار -الذين فتنوا المؤمنين- على المؤمنين والمؤمنات إلا أنهم أخلصوا الإيمان باللَّه ﴿الْعَزِيزِ﴾ أي الغالب الشديد في انتقامه من أعدائه ﴿الْحَمِيدِ﴾. أي: المحمود بإحسانه إلى خلقه، والمحمود في كل حال.
وفي السنة الصحيحة حديثان في آفاق هذه الآيات:
الحديث الأول: روى مسلم في الصحيح، والنسائي في السنن والتفسير، وأحمد في المسند، عن صُهَيب، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [كانَ مَلِكٌ فيمَنْ كان قَبْلكُمْ، وكانَ له ساحِرٌ، فَلَمَّا كَبُرَ قال للملك: إني قَدْ كَبُرْتُ فابْعَثْ إليَّ غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْر، فبَعَثَ إليه غُلامًا يُعَلِّمُهُ، فكان في طَريقِهِ، إذا سَلَكَ، راهِبٌ، فَقَعَدَ إليه وسَمِعَ كلامَهُ، فأعْجَبَهُ، فكانَ إذا أتى الساحِرَ مَرَّ بالراهب وقَعَدَ إليه، فإذا أتى الساحِرِ ضَرَبَهُ، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خَشيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حَبَسَنَي أَهْلي، وإذا خَشيتَ أهلكَ فَقُلْ: حَبَسَني السَّاحِرُ، فبينما هو كذلكَ إذْ أتى على دابَّةٍ عَظيمةٍ قَدْ حَبَسَتِ الناس، فقال: اليَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أفضلُ أمِ الراهِبُ أفضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فقال: اللهمَّ! إنْ كانَ أمرُ الراهب أحبَّ إليكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فاقْتُل هذه الدّابةَ، حتى يمضيَ الناسُ، فرَماها فقَتَلها، ومضى الناسُ، فأتى الراهِبَ فأخبَرَهُ، فقال له الراهِبُ: أي بُنَيَّ! أنْتَ، اليومَ، أفْضَلُ مني، قد بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ ما أَرى، وإنَّكَ سَتُبْتَلَى، فإن ابْتُليتَ فلا تَدُلّ عليَّ، وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُداوي الناسَ مِنْ سائِرِ الأدواء، فَسَمِعَ جليسٌ للمَلِكِ كانَ قد عَمِيَ، فأتاه بهدايا كثيرةٍ، فقال: ما هاهُنَا لكَ أَجْمَعُ، إنْ أَنْتَ شَفَيْتَني، فقال: إني لا أَشْفي أحَدًا، إنما يشفي اللَّهُ، فَإنْ أنْتَ آمَنْتَ باللَّه دَعَوْتُ اللَّهَ فشفاكَ، فآمَنَ باللَّهِ، فَشَفَاهُ اللَّهُ، فأتى المَلِكَ فَجَلَسَ إليه كما كان يَجْلِسُ، فقال له المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قال: رَبِّي، قال: أوَلَكَ رَبٌّ غَيْري؟ قال: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذهُ فلمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الغُلامِ، فَجِيءَ بالغُلامِ، فقالَ له المَلِكُ: أيْ بُنَيَّ! قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ ما تُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وتَفْعَلُ وتَفْعَلُ، فقال: إني لا أَشْفِي أحَدًا، إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حتى دَلَّ على الراهِبِ، فَجِيءَ بالراهِبِ،
стр. 5217
فقيل له: ارْجِعْ عَنْ دِينكَ، فأبى فدعا بالمِئْشارِ، فوضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ به حتى وَقعَ شِقَّاهُ، ثم جِيءَ بِجليسِ الملكِ فَقِيلَ لهُ: ارْجِعْ عن دينكَ فأبى، فوضَعَ المِئْشَارَ في مَفْرِق رأسه، فَشَقَّهُ به حتى وقَعَ شِقَّاه، ثم جِيء بالغُلام فقيل له: ارْجِعْ عن دينكَ، فأبى، فَدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِنْ أَصْحابِه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصْعَدوا به الجَبَلَ، فإذا بَلَغْتُم ذِرْوَتَهُ، فإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وإلّا فاطْرَحُوهُ، فذهبوا به فَصَعِدُوا بهِ الجَبَلَ، فقال: اللهُمَّ! اكْفِنيهِمْ بما شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهمُ الجَبَلُ فسقَطُوِا، وجاءَ يمشي إلى الملك، فقال له الملِكُ: ما فَعَلَ أصْحابُك؟ قال: كفانِيهِمُ اللَّهُ، فدَفَعَهُ إلى نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِهِ فقال: اذْهَبُوا به فاحُمِلُوه في قُرْقُور (١)، فتوسَّطُوا به البَحْرَ، فَإنْ رَجَعَ عن دينه وإلا فاقْذِفُوه، فذهبوا به، فقال: اللهمَّ! اكْفِنيهِمْ بما شئت، فانْكَفَأَت بهم السفينةُ فَغَرِقُوا، وجاءَ يَمْشي إلى الملكِ، فقال له الملكُ: ما فَعَلَ أصْحابُكَ؟ فقال: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فقال للمَلِكِ: إنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلي حتى تَفْعَلَ ما آمُرُكَ بِهِ، قال: وما هُوَ؟ قال: تَجْمَعُ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ، وتَصْلُبُني على جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: باسْمِ اللَّه، رَبِّ الغُلامِ، ثم ارْمِني، فإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذلك قَتَلْتَني، فَجمعَ الناسَ في صَعيدٍ واحِدٍ، وصَلَّبَهُ على جِذْعٍ، ثمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ القَوْس ثُمَّ قال: باسْمِ اللَّه، ربِّ الغُلامِ، ثم رَمَاهُ فوضَعَ السَّهم في صُدْغِهِ، فوضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِع السَّهم فماتَ، فقال الناس: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلام، فَأُتِيَ المَلِكُ فَقيلَ له: أَرَأَيْتَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ، واللَّهِ! نزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ الناسُ، فَأَمَرَ بالأُخْدودِ بأفْواهِ السِّكَك (٢) فَخُدَّتْ وأَضْرَمَ النِّيرانَ، وقال: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عن دينِهِ فَأَحْمُوهُ فيها، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا حتى جاءت امرأةٌ ومَعَها صَبِيٌّ لها، فتقاعَسَتْ (٣) أن تَقَعَ فيها، فقال لها الغُلامُ: يا أمَّهِ اصْبِرِي، فإنَّكِ على الحق] (٤).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي في السنن بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن
стр. 5218
صهيب قال: [كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا صلى العصر همس، -والهمس في قول بعضهم: تحرك شفتيه كأنه يتكلم- فقيل له: إنك يا رسول اللَّه إذا صليت العصر همست. قال: "إنَّ نبيًّا من الأنبياء كان أُعْجِبَ بأمَّتِه فقال: مَنْ يقومُ لهؤلاء، فأوحى اللَّه إليه أن خَيِّرْهُم بينَ أنْ أنتقِمَ منهم وبين أنْ أسَلِّطَ عليهم عَدُوَّهُمْ؟ فاختاروا النِّقْمَةَ، فسَلَّطَ عليهم المَوْتَ، فماتَ مِنهم في يوم سبعون ألفًا".
قال: وكانَ إذا حَدَّثَ بهذا الحديث، حَدثَ بهذا الحديثِ الآخَرِ.
عن صهيب أن رسول اللَّه ﷺ قال: "كان مَلِكٌ مِنَ المُلوك، وكان لذَلِكَ المَلِكِ كاهِنٌ يَكْهَنُ لهُ، فقال الكاهِنُ: انظروا إليّ غُلامًا فَهِمًا أو قال: فَطِنًا لقنًا فأَعَلِّمَهُ عِلْمي هذا فإني أخاف أنْ أموتَ فينقطِعَ مِنكمُ هذا العِلْمُ ولا يكونَ فيكُم مَنْ يَعْلَمُهُ. قال: فنظروا لهُ على ما وَصَفَ فأمَرُوه أنْ يَحْضُرَ ذلك الكاهِنَ وأَنْ يَخْتَلِفَ إليه. فَجَعَلَ يختلف إليه وكان على طريقِ الغُلام راهبٌ في صَوْمَعَةٍ. . . فَذَكَرَ القصة السابقة بتمامها إلى أن قال: فوَضَعَ الغلام يَدَهُ على صُدْغِهِ حينَ رُمِيَ ثُمَّ ماتَ، فقال أناسٌ: لقد عَلِمَ هذا الغُلام عِلْمًا ما عَلِمَهُ أحدٌ فإنّا نُؤْمِنُ بِرَبِّ هذا الغُلامِ، قال: فقيل للملِكِ أَجَزِعْتَ أنْ خَالَفَكَ ثلاثَةٌ فهذا العالمُ كُلُّهمُ قد خالفوك، قال: فخَذَّ أخدُودًا ثُمَّ ألقى فيها الحَطَبَ والنار ثُمَّ جَمَعَ الناسَ فقال: مَنْ رَجَعَ عَنْ دينه ترَكناهُ ومَنْ لمْ يرجِعْ أَلْقَيْناهُ في هذه النار، فجعلَ يُلْقيهم في تِلكَ الأخدُودِ. قال: يقول اللَّه ﵎ فيه: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ قال: فأما الغلامُ فإنَّهُ دُفِنَ، قال: فَيُذكَرُ أنه أُخْرِجَ في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّاب وإصْبَعُهُ على صُدْغِهِ كما وَضَعَها حينَ قُتِلَ"] (١).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
أي: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللَّه الذي له ملك السماوات والأرض، فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له. قال النسفي: (لأن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل، وأن الناقمين أهل لانتقام اللَّه منهم بعذاب عظيم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وَعِيدٌ لهم، يعني أنه علم ما فعلوه وهو مجازيهم عليه). وقيل: وهو وَعِيدُ خير -كذلك- لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين.
стр. 5219
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال ابن عباس: (حَرَّقوا المؤمنين والمؤمنات). وقال مجاهد: (عَذّبوا).
وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾. أي: ثم لم يتوبوا من كفرهم، ويقلعوا عن فعلهم بالمؤمنين والمؤمنات ما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا. قال الحسن البصري: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءَه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة).
وقوله: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. أي لهم عذابان منوعان: عذاب على كفرهم، وعذاب على فتنتهم المؤمنين وحرقهم، فإن الجزاء من جنس العمل، فيضاعف لهم العذاب.
وقيل هما واحد، أو من باب عطف الخاص على العام للمبالغة فيه.
قال القاسمي: (والأظهر أنهما واحد، وإنه من عطف التفسير والتوضيح).
قلت: والأول أرجح، فإن تضاعف العذاب على أئمة الكفر والإجرام ثابت في القرآن والسنة.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ١٩ - ٢٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].
أخرج الإمام أحمد في المسند، والطبراني في "المعجم الكبير" بإسناد صحيح من حديث خالد بن الوليد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [أشد الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة أشدُّهم عذابًا للناس في الدنيا] (١).
стр. 5220
وفي رواية: [أشدُّ الناس عذابًا للناس في الدنيا، أشدُّ الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة].
١١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾.
في هذه الآيات: البشرى للمؤمنين أهل الصالحات والقربات بجنات النعيم، والتهديد والوعيد على الطغاة أمثال فرعون وثمود بصلي الجحيم، وهذا القرآن مجيد عزيز ليس بالسحر أو الشعر كما يقولون، مكتوب في اللوح المحفوظ لو كانوا يعلمون.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
تسلية للمؤمنين الصابرين، على جرائم الطغاة الماكرين، فإن لهم البشرى والإقامة في جنات النعيم، في حين يقيم الكافرون في عذاب الحريق ولهيب الجحيم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. قال القرطبي: (أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. أي: إن أخذه تعالى للجبابرة والطغاة والظلمة أليم شديد، كما قال جلت عظمته: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ اللَّه ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِته. قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾] (١).
وقال المبرد: (﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ جواب القسم). والتقدير عنده: والسماء ذات
стр. 5221
البروج إن بطش ربك، وما بينهما مُعْترض مؤكِّد للقسم، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾. قال الضحاك: (يعني الخلق). وقال ابن زيد: (يبدئ الخلق حين خلقه، ويعيده يوم القيامة). فهو دلالة على كمال قدرته وقوته جلت عظمته، وفيه تهديد ووعيد للطغاة المجرمين، على ما يفعلون بالمؤمنين ويحاربون الدين.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. قال البخاري: (وقال ابن عباس: ﴿الْوَدُودُ﴾: الحبيب). والمعنى: إنه تعالى بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه. وقال ابن زيد: (﴿الْوَدُودُ﴾: الرحيم).
قلت: والودود: فعولٌ بمعنى مفعول، من الوُدِّ، فاللَّه تعالى مودود، أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعولٌ بمعنى: فاعل، أي: أن اللَّه تعالى يَودُّ عباده الصالحين، بمعنى: يرضى عنهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إذا أَحَبَّ اللَّه عَبْدًا نادى جِبْرَئيل: إني قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فأحِبَّهُ. قال: فينادي في السماء، ثم تُنْزَلُ لَهُ المَحَبَّةُ في أهل الأرض، فذلك قولُ اللَّه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾] الحديث (١).
وقوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: الكريم).
والمقصود: أي صاحب العرش الكريم، أو صاحب العرش المُعَظَّم العالي على جميع الخلائق.
فالمجيد فيه قراءَتان: الرفع على أنه صفة للرب سبحانه. وهذه قراءة أهل مكة والمدينة والبصرة. والجرِّ على أنه صفة للعرش. وهذه قراءة أهل الكوفة.
قلت: وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار، وإن كنت أفضِّل القراءة بالرفع
стр. 5222
لانسجامها أكثر مع السياق، فاللَّه هو الغفور الودود المجيد الفعال لما يريد، فالآيات في موضع الثناء والمدح للَّه تعالى.
والمجيد: هو الواسع الكرم، وقيل: هو الشريف. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
وفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن أبي ليلى قال: [قال لي كعب بن عُجرة: ألا أُهدي لك هدية؟ قلنا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا كيف السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلّ على محمد، وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. أي: لا يمتنع عليه شيء يريده، فمهما أراد فعله، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل، لكمال جبروته وعلمه وحكمته.
قال الزمخشري: (﴿فَعَّالٌ﴾ خبر ابتداء محذوف. وإنما قيل: "فعّال" لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة).
وقال الفراء: (هو رفع على التكرير والاستئناف، لأنه نكرة محضة).
وعن أبي السّفر -سعيد بن يحمد الهمداني- قال: (دخل ناس من أصحاب النبي ﷺ على أبي بكر ﵁ يعودونه فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني! قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فَعَّالٌ لما أريد).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [إذا أرادَ اللَّه خلقَ شيء لم يمنعه شيء] (٢).
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾. استفهام بمعنى التقرير. أي:
стр. 5223
قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم، التي تجمع لهم الأجناد لقتالهم، وكيف أحل اللَّه بأسه ونقمته بهم. وفيه تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من تكذيب قومه وأذاهم.
وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾. أي: بل هؤلاء المشركون من العرب في تكذيب شديد لك -يا محمد-، ولما جئت به من الوحي، ولم يعتبروا بما حلّ بالأمم المكذبة قبلهم من الهلاك والمصائب والدمار.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾. أي: واللَّه تعالى قادر عليهم، قَاهرٌ لهم، لا يفوتونه ولا يعجزونه، قد أحاط بأعمالهم وآجالهم ومصائرهم.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾. قال قتادة: (يقول: قرآن كريم).
أي: بل هو قرآن عظيم متناه في الشرف والكرم والبركة، وليس كما يقولون إنه شعر وسحر وكهانة.
قوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. قال مجاهد: (في أم الكتاب). قال قتادة: (عند اللَّه).
قال ابن كثير: (أي: هو في الملأ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل).
وقال القرطبي: (أي مكتوب في لوح. وهو محفوظ عند اللَّه تعالى من وصول الشياطين إليه. وقيل: هو أمّ الكتاب، ومنه انتُسِخَ القرآن والكتب).
تم تفسير سورة البروج بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الاثنين ١٩ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١٩/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
стр. 5224
دروس ونتائج وأحكام
١ - اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة.
٢ - الابتلاء حق، وإن اللَّه تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، ومن يرد اللَّه به خيرًا يصب منه.
٣ - أشد الناس عذابًا للناس في الدنيا، أشد الناس عذابًا عند اللَّه يوم القيامة.
٤ - إن اللَّه تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
٥ - إذا أراد اللَّه خلق شيء لم يمنعه شيء.
* * *
стр. 5225
٨٦ - سورة الطارق
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٧).
أخرج الترمذي والنسائي بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة: [أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر، بـ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ ونحوهما] (١).
موضوع السورة
القسم بالسماء والطارق أن كل نفس عليها حفظة من الملائكة الأبرار وفي القيامة تبلى السرائر ويتميز الأخيار من الأشرار
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالسماء ونجومها وكواكبها أن كل نفس عليها حفظة من الملائكة.
٢ - تنبيه اللَّه تعالى الإنسان للنظر في تركيب خلقه ليؤمن برجوعه إلى ربه.
٣ - في القيامة تبلى السرائر، ولا منقذ يدفع عن الإنسان ولا ناصر.
٤ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالسماء ذات النفع والأرض ذات الصدع أن القرآن كلامه الذي يفصل بين الحق والباطل، وما هو بالكلام الهازل.
٥ - مَكْرُ الكفار بدين اللَّه وأوليائه سيرجع عليهم بالوبال والنكال.
стр. 5226
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: يُقسم اللَّه سبحانه بالسماء وما جعل فيها من النجوم والكواكب النيِّرة المضيئة، وتعظيم القَسَم بالسماء متعلق بعظم قدر السماء في أعين الخلق لكونها معدن رزقهم، ومسكن الملائكة، وفيها خلق الجنة، فأقسم بها وبالطارق -والمراد جنس النجوم- التي يرجم بها لعظم منفعتها، ثم فسّره بالنجم الثاقب أي المضيء، أنّ كل نفس عليها حفظة من الملائكة، فحري بالإنسان أن ينظر إلى تركيب خلقه، ليؤمن برجوعه إلى ربه، يوم تبلى السرائر، فماله من منقذ يدفع عنه يومئذ ولا ناصر.
فقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾. قال البخاري: (هو النّجْمُ، وما أتاك ليلًا فهو طارق). وقال قتادة: (إنما سُمِّيَ النجم طارقًا لأنه إنما يُرى بالليل ويختفي بالنهار).
ويؤيد ذلك ما في الصحيحين والمسند من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: [كان النبي ﷺ يَكْرَهُ أن يأتِيَ الرجُلُ أهْلَهُ طُرُوقًا] (١). أي: يأتيهم فجأةً بالليل.
وفي رواية: [إذا أطالَ أحدكم الغَيْبَةَ فلا يَطْرُق أهْلَهُ ليلًا].
ورواه الحاكم من حديث ابن رواحة، والطبراني من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [لا تطرقوا النساء ليلًا] (٢).
وفي المسند ومعجم الطبراني بسند جيد من حديث أبي التياح في تعوذ النبي ﷺ
стр. 5227
الذي علّمه جبريل ﵇: [وَمِنْ شَرِّ فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق، إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمان! ] (١).
قال الشهاب: (الطارق من "الطَّرْق"، وأصل معناه الضرب بوقعٍ وشدة يسمع لها صوت. ومنه المطرقة والطريق، لأن السابلة تطرقها. ثم صار في عرف اللغة اسمًا لسالك الطريق، لتصور أنه يطرقها بقدمه. واشتهر فيه حتى صار حقيقة. وتسمية الآتي ليلًا "طارقًا" لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها).
وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾. تأكيد لأهمية المُقْسَم به، لِيُنْتبَهَ بعد ذلك إلى ما يقع في جواب هذا القسم.
وقوله تعالى: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. تفسير للمبهم بعد تفخيم شأنه، وتنبيه على الاعتبار والاستدلال به. والمراد بالنجم جنس النجوم. وكذلك الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم. قال البخاري: (﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾: المضيء).
وقال مجاهد: (الثاقب: المتوهِّج). وقال السدي: (يثقب الشياطين إذا أرسل عليها). وقال عكرمة: (هو مضيءٌ مُحْرِقٌ للشيطان). ومنه قوله تعالى: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠].
قيل: وسمي بالثاقب لأنه يخترق بشدة ظلمة الليل. قال النسفي: (كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. هو جواب القسم. أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون على كل نفس قولها رفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشر، ويحرسونها من المصائب والآفات بإذن اللَّه.
قال قتادة: (حفظة يحفظون عليك رزقكَ وعملك وأجلك).
وقال أيضًا: (قَرينُهُ يحفظ عليه عمله، من خير أو شر).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
стр. 5228
٣ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
وفي معجم الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إن صاحب الشمال ليرفع القلم ستَّ ساعات عن العبد المسلم المخِطئ، فإن ندم واستغفر اللَّه منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾. استفهام للتنبيه، أي لينظر ابن آدم من أي شيء خُلق؟ قال القرطبي: (وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أوّل أمره وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يُمْلي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره).
وقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾. أي: مصبوب في الرحم. وهو ماء الرجل وماء المرأة، لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدًا لامتزاجهما، وهو يخرج منهما دفقًا.
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. يعني صلب الرجل وترائب المرأة، وهو صَدُرها. قال الرازي: (و"التَّريبة" واحدة "الترائب" وهي عظام الصَّدْر).
وعن ابن عباس: (﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ قال: صلب الرجل وترائب المرأة، أصفَرُ رقيقٌ، لا يكونُ الولدُ إلا منهما). وقال الضحاك عن ابن عباس: (تريبةُ المرأة موضِعُ القِلَادَة). وقال سعيد بن جبير عنه: (الترائب: بين ثَدْيَيْها).
وعن مجاهد: (الترائِبُ ما بين المَنْكِبين إلى الصدر). وقال أيضًا: (الترائب أسفلُ من التَّراقي). وقال سفيان الثوري: (فوق الثديين).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. فيه قولان عند المفسرين:
القول الأول: إنه تعالى على رجْعِ هذا الماء الدافق إلى مقرّه الذي خرج منه لقادر.
قال عكرمة: (﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ قال: إنه على ردّه في صلبه لقادر). وقال مجاهد: (على أن يرد الماء في الإحليل). أو قال: (على ردّ النطفة في الإحليل).
القول الثاني: إنه على بعث هذا الإنسان -المخلوق من ماء دافق- لقادر، لأن من
стр. 5229
قَدَر على البدأةِ قَدَر على الإعادة. قال قتادة: (إن اللَّه تعالى ذكره على بعثه وإعادته قادر).
قلت: والقول الثاني أنسب للسياق، لورود الآية بعده: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وهو اختيار شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير- ﵀.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. قال سفيان: (تختبر). وقال قتادة: (إن هذه السرائر مختبرة، فأسِرُّوا خيرًا وأعلنوه إن استطعتم، ولا قوة إلا باللَّه).
وقال عطاء بن أبي رباح: (﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ قال: ذلك الصوم والصلاة وغسل الجنابة، وهو السرائر، ولو شاء أن يقول قد صمت وليس بصائم، وقد صَلّيت ولم يصل، وقد اغتسلت ولم يغتسل).
والمقصود: في ذلك اليوم تختبر وتعرف سرائر القلوب ونيات الأعمال، فيصبح السر علانية والمكنون مشهورًا، ويتميز الصدق من النفاق، والحسن من القبيح.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠].
ومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [إنَّ الغادِرَ يُنْصَبُ لهُ لِواءٌ يومَ القيامة، فيقال: هذه غَدْرةُ فلانِ بنِ فُلانٍ] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ يُرائي يُرائي اللَّه بِه، ومَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّع اللَّه به] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: حدثني رسول اللَّه ﷺ : ["أنَّ اللَّه تعالى إذا كان يومَ القيامة ينْزلُ إلى العبادِ ليقضِيَ بينهم، وكُلُّ أُمَّةٍ جاثيةٌ، فأوَّلُ من يَدْعو بِهِ رجلٌ جَمعَ القرآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورجلٌ كثير
стр. 5230
المال. فيقول اللَّه للقارئ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ ما أَنْزلْتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟ قال: كنتُ أقومُ به آناء الليل وآناء النهار، فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكةُ: كَذَبْتَ، ويقول اللَّه له: بل أرَدْتَ أنْ يُقالَ: فُلان قارئ، فقد قيلَ ذلِكَ.
ويؤتى بصاحبِ المال، فيقول اللَّه: ألمْ أوسِّعْ عليك حتى لمْ أدَعْكَ تحتاجُ إلى أحَدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عَمِلْتَ فيما آتَيْتُكَ؟ قال: كنتُ أصِلُ الرَّحِمَ وأتصدَّق، فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول الملائكة له: كذَبْتَ، ويقول اللَّه بل أرَدْتَ أن يُقال: فُلانٌ جَوادٌ، وقد قيلَ ذلك.
ويُؤتى بالذي قُتِلَ في سبيل اللَّه، فيقول اللَّه له: في ماذا قُتِلْتَ؟ فيقول: أمرتَ بالجهاد في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلْتُ. فيقول اللَّه له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كذبتَ، ويقول اللَّه، بل أردْتَ أنْ يُقالَ: فَلانٌ جَريءٌ، فقد قيل ذلك". ثم ضرب رسول اللَّه ﷺ على رُكبتي فقال: يا أبا هريرة: أولئك الثلاثةُ أوَّلُ خَلْقِ اللَّه تُسَعَّرُ بهم النارُ يومَ القيامة] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. أي: فما للإنسان يومئذ من قوة في نفسه يمتنع بها من عذاب اللَّه وأليم نكاله، ولا ناصر ينقذه مما نزله به من ألم ومكروه ومصيبة.
قال قتادة: (﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ قال: ينصره من اللَّه). وقال: (من قوة يمتنع بها، ولا ناصر ينصره من اللَّه). وقال سفيان الثوري: (القوة: العشيرة، والناصر: الحليف).
والمقصود: لا ينجيه يومئذ إلا صدق السريرة وصحة العمل، نسأل اللَّه السداد والتوفيق والسلامة في الدنيا والآخرة.
١١ - ١٧. قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.
في هذه الآيات: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالسماء ذات النفع والمطر، وبالأرض ذات
стр. 5231
التصدّع عن الثمار والنبات والشجر، أنّ القرآن كلام اللَّه يفصل بين الحق والباطل، وما هو بالكلام الهازل، وما لكيد الكفار في رجوعه عليهم من حائل.
فقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال ابن عباس: (الرَّجْع: المطر). وقال أيضًا: (السحاب فيه المطر). وقال مجاهد: (السحاب يمطر، ثم يرجع بالمطر). وقال قتادة: (ترجع بأرزاق العباد كل عام، لولا ذلك هلكوا، وهلكت مواشيهم).
قلت: والرَّجع في كلام العرب المطر، سُمِّي بذلك لأنه يجيء ويرجع ويتكرر، فأقسم اللَّه تعالى بالسماء ذات النفع والمطر المتكرر.
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قَسَمٌ آخر. قال ابن عباس: (صَدْعُها إخراج النبات في كل عام).
وقال عكرمة: (هذه تصدع عن الرزق). وقال قتادة: (تصدع عن الثمار وعن النبات، كما رأيتم).
فالمقصود: هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات والثمار والشجر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. هو جواب القسم. أي: إن القرآن لقول يفصل بين الحق والباطل.
وعن ابن عباس: (﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال: حقّ). وقال آخر: (حُكْمٌ عَدْلٌ).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. أي وما هو باللعب ولا باللهو ولا الباطل.
قال ابن عباس: (﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ يقول: بالباطل). وقال مجاهد: (باللعب).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. أي إن أعداء اللَّه يمكرون في إبطال ما جاء به رسول اللَّه ﷺ من الدين الحق.
وقوله تعالى: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: وأمكر مكرًا، ومَكْرُهُ جل ثناؤه بهم: إملاؤه إياهم على معصيتهم وكفرهم به). قلت: وقد حاق بهم يوم بدر من ذلك المكر، فأوقع اللَّه في صفوفهم القتل والأسر، وكالن ذلك استدراجًا لهم مقابل كيدهم برسول اللَّه ﷺ والمؤمنين، فإن من صفاته سبحانه المكر والكيد بالكافرين.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].
стр. 5232
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِته] (١).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إذا أراد اللَّه بعبده الخير عَجَّلَ له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشَّر أمسك عنه بذنبه حتى يُوافى به يوم القيامة] (٢).
وقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾. أي: أنظرهم ولا تستعجل لهم. قال القرطبي: (﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ أي أخرهم، ولا تسأل اللَّه تعجيل إهلاكهم، وارض بما يدبره في أمورهم. ثم نسخت بآية السيف: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]).
وقوله: ﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ تأكيد. قال النسفي: (﴿أَمْهِلْهُمْ﴾ أنظرهم، فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير).
وقوله: ﴿رُوَيْدًا﴾. قال ابن عباس: (أي قريبًا). وقال قتادة: (قليلًا).
والمقصود: أمهلهم إمهالًا قريبًا أو قليلًا. و ﴿رُوَيْدًا﴾: مفعول مطلق نائب عن المصدر لأنه مرادف له في المعنى. والعرب تقول: رادت الريح ترود رودًا إذا تحركت حركة ضعيفة.
وفي الآية وعيد شديد للكفار بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت. ثم فيه تسلية للنبي ﷺ ولكل داع إلى الحق الذي جاء به، بأن الصبر على حمل هذه الأمانة يعقبه الفرج، وبأن اللَّه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن المناوئين لهذا الدين في الأخسرين.
تم تفسير سورة الطارق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر الثلاثاء ٢٠ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢١/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
стр. 5233
دروس ونتائج وأحكام
١ - الطارق النجم، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
٢ - لا تطرقوا النساء ليلًا، فقد كان النبي ﷺ يكره أن يأتي الرجلُ أهلَه طُروقًا -أي يأتيهم فجأة بالليل-.
٣ - إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندِمَ واستغفر اللَّه منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة.
٤ - ترائب المرأة صدرها، والماء الذي يكون منه الولد يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة.
٥ - لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان.
٦ - الرَّجْع: المطر، سمي بذلك لأنه يجيء ويرجع ويتكرر.
٧ - إن اللَّه تعالى ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته.
* * *
стр. 5234
٨٧ - سورة الأعلى
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٩).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد جاء ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث كثيرة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في مواضِعَ من صحيحه عن البَراء بن عازبٍ قال: [أولُ من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مُصْعَب بن عمير وابنُ أم مكتوم، فَجَعلا يقرئاننا القرآن. ثم جاءَ عَمَّار وبلالٌ وسعدٌ. ثم جاء عُمر بن الخطاب في عشرين. ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيتُ أهل المدينة فَرِحوا بشيءٍ فرَحهم به، حتى رأيت الولائِدَ والصِّبيان يقولون: هذا رسولُ اللَّه قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ مِثلها] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم -واللفظ للبخاري- عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: [أقْبَلَ رَجُلٌ بنَاضِحَين وَقَدْ جَنَحَ الليلُ، فوافقَ مُعاذًا يُصَلّي، فَبَرَّكَ ناضِحَهُ وأقبل إلى مُعاذٍ، فَقَرأَ بسور البقرةِ أو النساءِ فانطلق الرجل، وَبَلَغَهُ أنَّ مُعاذًا نالَ مِنْه، فأتى النبيَّ ﷺ فَشَكا إليه مُعاذًا، فقال النبي ﷺ : يا معاذُ، أفَتَّانٌ أنْتَ؟ أوْ أَفاتِنٌ أنْتَ؟ -ثلاث مرات- فَلَوْلا صَلَّيْتَ بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ
стр. 5235
وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، فإنه يصلي وراءكَ الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة] (١).
وفي رواية النسائي: [قام معاذٌ فصَلّى العشاء الآخرة فَطَوَّلَ، فقال النبي ﷺ : أفَتَّانٌ يا معاذ؟ أفَتَّانٌ يا معاذ؟ ! أين كُنْتَ عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾] (٢).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن جابر بن سَمُرة: [أنَّ النبي ﷺ كان يقْرأ في الظُّهْرِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الصُّبح بأطولَ من ذلك] (٣).
الحديث الرابع: أخرج مسلم وأصحاب السنن عن النعمان بن بشير قال: [كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: وإذا اجتمع العيدُ والجمعة، في يوم واحِدٍ، يقرأُ بهما أيضًا في الصلاتين] (٤).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن بشير: [أنّ رسول اللَّه ﷺ قرأ في العيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجُمعة قرأهما جميعًا] (٥).
الحديث السادس: أخرج أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي بن كعب: [أنّ رسول اللَّه ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] (٦). وفي رواية لأبي داود عن عائشة أم المؤمنين فيها زيادة: [والمعوذتين].
стр. 5236
موضوع السورة
تنزيه اللَّه الأعلى، وانتفاع المؤمن بالذكرى وشقاء الكافر في النار الكبرى
- منهاج السورة -
١ - الأمر بتسبيح اللَّه تعالى الذي خلق وقدر وهدى وأخرج المرعى.
٢ - البشرى لنبينا ﷺ أن يتلقى الوحي فيحفظه ولا ينسى، وما عليه إلا الذكرى.
٣ - انتفاع المؤمن بالذكرى، وركوب الشقي الهوى، ليصلى النار الكبرى.
٤ - تأكيد الفلاح لمن تطهر من الشرك وتزكى، وعظم أمر ربه وصلى.
٥ - أكثر الناس يؤثرون الحياة الدنيا، والآخرة خير لهم وأبقى.
٦ - هذا البيان في القرآن كما هو في الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٣. قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.
في هذه الآيات: الأَمْرُ بتنزيه اللَّه تعالى الذي أَحسن كل شيء خلقه ثم هدى، والذي أخرج المرعى فجعله هشيمًا أحوى، والبشرى لنبينا محمد ﷺ أن يتلقى الوحي فيحفظه ولا ينسى، وما عليه إلا الذكرى، فهي تنفع من صلى وتزكى، وتكون حسرة على مستحق النار لا يموت فيها ولا يحيا.
стр. 5237
فقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. أي: نزهه عن كل ما لا يليق به بقولك: "سبحان ربي الأعلى". قال ابن عباس والسُّدي: (معنى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي عَظِّم ربك الأعلى).
أخرج أحمد وأبو داود بسند صحيح عن ابن عباس: [أنّ النبي ﷺ كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "سبحان ربي الأعلى"] (١).
قلت: وقوله جلّت عظمته ﴿الْأَعْلَى﴾ دليل صريح على علوه تعالى على جميع خلقه، وقد فطر سبحانه عباده على ذلك، فالقلوب تتوجه بذلك إليه، والأيدي ترفع عند الدعاء إلى السماء رجاء إجابته وإنزاله الفرج.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٧].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً] (٢).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. أي خلق الخليقة والأشياء، وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات. والتسوية التعديل. قال ابن عباس: (حسَّن ما خلق).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. يعني الهداية العامة لجميع الخلق، وهي أول مراتب الهداية. والمعنى: قدّر أجناس الأشياء، وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له.
قال مجاهد: (قدّر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة). وعنه قال: (هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها). وقيل: قدّر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به.
стр. 5238
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ اللَّه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وكان عرشه على الماء] (١).
ورواه الترمذي عنه بلفظ: [قَدَّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألفَ سنة] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. قال قتادة: (نبت كما رأيتم، بين أصفر وأحمر وأبيض). قال ابن جرير: (يقول: والذي أخرج من الأرض مرعى الأنعام، من صنوف النبات وأنواع الحشيش).
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال ابن عباس: (هشيمًا مُتَغيِّرًا). وقال مجاهد: (غثاء السيل أحوى، قال: أسود). وقال قتادة: (يعود يبسًا بعد خضرة).
وقال ابن زيد: (كان بقلًا ونباتًا أخضر، ثم هاج فيبس، فصار غثاء أحوى، تذهب به الرياح والسيول).
قلت: والغثاء: ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات وفتات الأشياء. فإذا يبس قيل له غثاء. قال الفراء: (الغثاء: اليبيس). والأحوى: المسودّ من القِدَم. قال الرازي: (وبعير أحوى: إذا خالط خُضْرَته سوادٌ وصفرة). وقال الأصمعي: (الحُوَّة حُمْرَة تضرب إلى السواد).
فيكون المعنى: فجعله -تعالى- بعد أن كان أخضر - غثاء، أي: هشيمًا جافًا ﴿أَحْوَى﴾ أي: أسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس اسودّ، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 5239
وقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. فيه تأويلان:
التأويل الأول: أي: سنقرئك يا محمد هذا القرآن فتحفظ ولا تنسى ما تقرؤه. قال القرطبي: (وهذه بُشرى من اللَّه تعالى، بشّره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أُمِّي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه).
التأويل الثاني: قيل بل قوله ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ طلب. أي لا تنسى ما يُتلى عليك.
وقال الجنيد: (﴿فَلَا تَنْسَى﴾ العمل به).
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. فيه تأويلان حسب مفهوم الآية قبله:
التأويل الأول: قال قتادة: (كان رسول اللَّه ﷺ لا ينسى شيئًا إلا ما شاء اللَّه).
قيل: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن ينسخه، فيذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته.
التأويل الثاني: قال النسفي: (وقيل: قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ على النهي والألف مزيدة للفاصلة، كقوله السبيلا. أي فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء اللَّه أن ينسيكه برفع تلاوته).
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾. أي: إنه تعالى يعلم ما ظهر وما بطن، فلا يخفى عليه شيء من أقوال العباد وأعمالهم. قال ابن عباس: (﴿وَمَا يَخْفَى﴾: ما في قلبك ونفسك). وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ هو ما نسخ من صدرك.
وقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾. أي نهون عليك عمل الجنة حتى تبلغها.
قال ابن عباس: (نيسرك لأن تعمل خيرًا). وعن ابن مسعود: (﴿لِلْيُسْرَى﴾ أي للجنة). وعن الضحاك: (نوفقك للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السمحة السهلة).
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. أي: فعِظ يا محمد الناس بهذا الوحي ما كانت الموعظة نافعة والذكرى مُجْدية. قال ابن كثير: (ومن هاهنا يُؤخَذُ الأدب في نَشْر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدِّثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال: حَدِّث الناس بما يَعْرِفون، أتحبون أن يُكَذَّبَ اللَّه ورسوله؟ ).
وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾. أي: سيتعظ بوعظك من يخاف اللَّه ويخشى عقابه، فهذا الذي يزداد بالتذكير خشية وسدادًا.
стр. 5240
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. أي: ويتجنب الذكرى ويبعد عنها الشقي في علم اللَّه. قال قتادة: (فلا واللَّه لا يَتَنَكَّبُ عبد هذا الذكر زهدًا فيه وبغضًا لأهله، إلا شقيٌّ بَيِّنُ الشقاء). قال النسفي: (﴿الْأَشْقَى﴾ الكافر، أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول اللَّه ﷺ ).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. أي الذي يدخل النار العظمى، وهي نار جهنم، وأما النار الصغرى فنار الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. أي: لا يموت فيها فيستريح مما هو فيه من العذاب ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة ينتفع بها.
أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أمّا أهلُ النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فَحْمًا أُذِنَ بالشفاعة، فجيءَ بهم ضبائِرَ ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل] (١).
وأخرج الإمام أحمد في المسند على شرط الشيخين عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ["أمّا أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيَون، وأما أناسٌ يُريد اللَّه بهم الرحمةَ فيميتهُم في النار فيدخُل عليهم الشُفعاء، فيأخذ الرجل الضُبارة فَيُنْبِتهمُ -أو قال: يَنبتون- في نهر الحياءِ -أو قال: الحياة - أو قال: الحيوانِ - أو قال: نهر الجنة، فينبتون- نبات الحبَّة في حميل السيل". قال: وقال النبي ﷺ : "أما تَرَوْنَ الشجرةَ تكون خضراءَ، ثم تكون صفراءَ، أو قال: تكون صفراء ثم تكون خضراء؟ ". قال: فقال بعضهم: كأَنَّ النبي ﷺ كان بالبادية] (٢).
١٤ - ١٩. قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ
стр. 5241
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.
في هذه الآيات: إقرار الفلاح لمن تزكى من الشرك وعظم أمر ربه وصلى، وأكثر الناس يؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير لهم وأبقى، وتقرير هذا في القرآن كما هو في الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى.
فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال ابن عباس: (يقول: مَنْ تزكى من الشرك).
وقال الحسن: (من كان عمله زاكيًا). وقال قتادة: (يعمل وَرِعًا). وقال: (تزكى رجل من ماله، وأرضى خالقه).
والمقصود: يجمع كل ما سبق: أي قد نجح وأدرك أمله مَنْ تَطَهَّرَ من الكفر والآثام، وعمل بطاعة الرحمان.
وقوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. أي ذكر اسم ربه بلسانه، وأقام الصلوات المفروضة وذكر اللَّه فيها بتحميده ودعائه. قال القاسمي: (﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أي تذكر جلال ربه وعظمته، فخشع وأشفق وقام بِما لَهُ وما عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. وجوز أن يحمل ﴿تَزَكَّى﴾ على إيتاء الزكاة و ﴿صَلَّى﴾ على إقامة الصلاة، كآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، لما عهد في كلامه تعالى من الجمع بينهما في عدة آيات، لأنهما مبدأ كل خير وعنوان السعادة).
وقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. قال ابن كثير: (أي: تُقَدِّمونها على أمر الآخرة، وتُبَدُّونها على ما فيه نفعُكم وصلاحُكم في معاشكم ومعادكم).
وقوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال قتادة: (خير في الخير، وأبقى في البقاء). قال ابن جرير: (يقول: وزينة الآخرة خير لكم أيها الناس وأبقى بقاء، لأن الحياة الدنيا فانية، والآخرة باقية، لا تنفد ولا تفنى).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال أبو العالية: (قصة هذه السورة لفي الصحف الأولى). وقال قتادة: (تتابعت كتب اللَّه كما تسمعون، أن الآخرة خير وأبقى).
стр. 5242
والمقصود: أنَّ ما تقدم من مضمون هذه السورة، وتعريف منهاج الفلاح في الدنيا والآخرة، وارد في تلك الصحف المكرمة.
وقوله تعالى: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. بدل من الصحف الأولى. قال ابن زيد: (في الصحف التي أنزلها اللَّه على إبراهيم وموسى: أن الآخرة خير من الأولى).
قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران).
تم تفسير سورة الأعلى بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الأربعاء ٢١ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢١/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وكان يقرأ في العيدين والجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
٢ - كان رسول اللَّه ﷺ إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى.
٣ - قدّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة.
٤ - أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها ولا يحيون، ولا يهلك على اللَّه إلا هالك.
٥ - في هذه السورة إثبات صفة العلو للَّه تعالى.
* * *
стр. 5243
٨٨ - سورة الغاشية
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢٦).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد جاء ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة العطرة:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير قال: [كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في العيدين، وفي الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة، في يوم واحدٍ، يقرأُ بهما أيضًا في الصلاتين] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن النعمان بن بشير: [أن رسول اللَّه ﷺ قرأ في العيدين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن عُبَيْد اللَّه بنِ عبد اللَّه قال: [كتبَ الضحاك بن قَيْسٍ إلى النعمان بن بشير: يسأله: أيَّ شيءٍ قرأ رسولُ اللَّه ﷺ يوم الجُمعةِ، سِوى سورةِ الجُمعة؟ فقال: كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾] (٣).
стр. 5244
موضوع السورة
أهوال الغاشية وأحوال الناس يوم الدين
- منهاج السورة -
١ - التخويف من أهوال الغاشية وهي القيامة، فوجوه الكفار ذليلة منكّسة، لم ينتفع أصحابها من العمل والتعب، والبذل والنصب.
٢ - ذكر حال السعداء بعد ذكر مآل الأشقياء، فوجوه المؤمنين ناعمة سعيدة، يتقلب أصحابها في الملذات والنعم العديدة.
٣ - التنبيه إلى النظر في المخلوقات العجيبة، وتركيباتها الغريبة.
٤ - هذه الذكرى تنفع المؤمنين، وستكون حسرة على الكافرين.
٥ - المرجع إلى اللَّه والجزاء والحساب، والأعمال توزن على الميزان لنيل الثواب والعقاب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٧. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾.
في هذه الآيات: تخويفُ اللَّه تعالى عباده من أهوال الساعة، فوجوه الكفار يومئذ خاشعة ذليلة، لِهَوْلِ ما هي قادمة عليه من حياة مريرة.
فقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال ابن عباس: (﴿الْغَاشِيَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظَّمَهُ اللَّه، وحذّره عباده). وقال قتادة: (الغاشية: الساعة). و ﴿هَلْ﴾
стр. 5245
بمعنى قد، والتقدير: قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، أي القيامة. وسميت بذلك لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها وتَعُمُّهم.
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾. قال قتادة: (أي ذليلة). وقال ابن عباس: (تنخشعُ ولا ينفعها عملُها). والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه، قال يحيى بن سلام: (وجوه الكفار كلهم). والخشوع: الخضوع والتذلل.
والمقصود: وجوه الكفار يومئذ في الموقف ذليلة منكّسة من هول ما تراه وما هي قادمة عليه.
وقوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. أي كانوا في الدنيا في تعب ونصب في العمل والعبادة، لكنهم على منهاج فاسد ودين باطل، فخسروا التجارة وباؤوا بغضب اللَّه. و ﴿نَاصِبَةٌ﴾ أي تَعِبَةٌ. من نَصِب ينصَب نصَبًا: إذا تَعب.
قال البخاري: (وقال ابن عباس: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: النصارى).
وقال عكرمة: (﴿عَامِلَةٌ﴾ في الدنيا بالمعاصي، ﴿نَاصِبَةٌ﴾ في النار بالعذاب والأغلال).
وقال الضحاك عن ابن عباس: (هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية اللَّه ، وعلى الكفر، مثل عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل اللَّه جل ثناؤه منهم إلا ما كان خالصًا له).
وقال الحافظ أبو بكر البَرْقانيُّ: حَدَّثنا إبراهيم بن محمد المُزَكى، حَدَّثنا محمد بن إسحاق السراج، حَدَّثنا هارون بن عبد اللَّه، حَدّثنا سَيَّار، حَدَّثنا جعفر قال: سَمِعتُ أبا عِمران الجَوْني يقول: (مَرَّ عُمَر بن الخطاب ﵁ بدير راهب، قال: فناداه: يا راهبُ! يا راهبُ! فأشرَفَ، قال: فجعل عمر يَنظُرُ إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنينَ، ما يُبكيك من هذا؟ قال: ذكرتُ قول اللَّه في كتابه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، فذاك الذي أبكاني).
وقوله تعالى: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. قال ابن عباس: (أي: حارّة شديدة الحرّ).
والمقصود: يصيبها صِلاؤها وحرّها، فقد أوقدت وأحميت المدة الطويلة.
وقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (أي: قد انتهى حَرُّها وغَليَانُها).
стр. 5246
والمقصود: تسقى من عين ماء شديدة حرارة مائها، قد أوقد عليها حتى وقت متأخّر.
وهو من الإيناء: بمعنى التأخير. وفي لغة العرب: آناه يؤنيه إيناء، أي أخَّرَه وحبسه وأبطأه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].
وفي سنن ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد اللَّه، أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة، ورسول اللَّه ﷺ يخطب. فجعل يتخطى الناس. فقال رسول اللَّه ﷺ : [اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ وآنَيْتَ] (١).
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. الضريع: نوع من الشوك، يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطبًا، فإذا يبس فهو الضريع.
قال ابن عباس: (الضريع: الشِّبرق). وقال عكرمة: (هي شجرة ذات شوك، لاطئة بالأرض، فإذا كان الربيع سَمَّتها قريش الشِّبرق، فإذا هاجَ العود سمتها الضريع). وقال مجاهد: (الشبرق اليابس). وقال قتادة: (﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال: هو الشبرق إذا يبس يسمى الضريع). وقال: (من شرِّ الطعام وأبشَعِهِ وأخبثه).
قال البخاري: (وقال مجاهد: الضريعُ: نَبْتٌ يُقال له: الشِّبْرَقُ، تُسَمِّيه أَهْلُ الحجاز الضريع إذا يَبِسَ، وَهْوَ سُمٌّ).
وقوله تعالى: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. أي: لا يُخْصب البدن ولا يحصل به مقصود، ولا يسكن داعية النفس ولا نهمها ولا يندفع به محذور.
٨ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ حال السعداء، بعد ذكر مآل الأشقياء، فوجوه المؤمنين
стр. 5247
يومئذ وجوه ناعمة سعيدة، يعلوها الفرح والسرور لما بُشِّرت به من حياة متميزة فريدة، كل ما فيها ملذات ورخاء ونعم عديدة.
فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾. أي ذات نعمة وبهجة، وهي وجوه المؤمنين، لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وحسن استقبالهم. قال ابن جرير: (يقول: هي ناعمة بتنعيم اللَّه أهلها في جناته، وهم أهل الإيمان باللَّه).
وقوله تعالى: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. أي: لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، لأنها قد أُعطيت من الثواب والتكريم ما أرضاها.
وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. أي: في جنة رفيعة بَهيّة الروعة والجمال، عالية الغرفات رفيعة القدر والخدمة والاستقبال.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. قال ابن عباس: (يقول: لا تسمع أذى ولا باطلًا). وقال مجاهد: (﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ قال: شتمًا). وقال قتادة: (لا تسمع فيها باطلًا، ولا شاتمًا).
قال القاسمي: (﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ أي لغوًا، أو كلمة ذات لغو. لأن كلامهم الحكمة والعلوم والتسبيح والتحميد).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣].
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -في وصف الزمرة الأولى والثانية في دخول الجنة- قال رسول اللَّه ﷺ : [لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قُلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا] (١).
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: سارحة. وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليسَ المرادُ بها عينًا واحدةً، وإنما هو جِنْسٌ، يعني: فيها عيون جاريات).
وقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. السرر: جمع سرير، و ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ أي عالية ناعمة
стр. 5248
في رقتها وحسن فرشها، وعليها الحور العين. قال النسفي: (﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ من رفعه المقدار أو السَّمْك، ليرى المؤمن بجلوسه عليه -أي السرير- جميع ما خَوَّلَهُ ربه من الملك والنعيم).
وقوله تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾. الأكواب جمع كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها.
والمقصود: قد أعدت أواني الشراب وأرصدت لطالبيها.
قال ابن جرير: (وعني بقوله ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: أنها موضوعة على حافة العين الجارية، كلما أرادوا الشرب، وجدوها ملأى من الشراب).
وقوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. النمارق: الوسائد والمرافق. واحدها نُمْرُقة. قال ابن عباس: (النمارق: الوسائد). أو قال: (المجالس). وقال أيضًا: (﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ يقول: المرافق).
والمقصود: وسائد ومطارح مصفوفة بعضها إلى بعض، أينما أراد المؤمن الجلوس جلس على واحدةٍ منها واستند إلى الأخرى.
وقوله تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. قال ابن عباس: (الزرابي البُسُط). وقال قتادة: (﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾: المبسوطة).
والمقصود: وبسط عراض فاخرة مفرقة في المجالس هَاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها.
١٧ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.
في هذه الآيات: تنبيهُ اللَّه تعالى عباده إلى النظر في مخلوقاته العجيبة، وتركيباتها الغريبة، فالإبل والجبال والسماء والأرض تحتاج إلى نظرة دقيقة، وهذه الذكرى تنفع
стр. 5249
المؤمنين، وستكون حسرة على الكافرين، والموعد للحساب ووزن الأعمال يوم الدين.
فقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. أي: على ما هي عليه من الخلق البديع، والتركيب العجيب، من عظم جثتها، ومزيد قوّتها، وغريب أوصافها، ومع ذلك فهي تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، مع ما تدرّه على الناس من اللحم واللبن والوبر. وكانت الإبل من غالب دواب العرب وأنفس أموالهم، وأكثر ما لصق بحياتهم ومعاشهم.
قال قتادة: (لما نعت اللَّه ما في الجنة، عجّب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل اللَّه ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ فكانت الإبل من عيش العرب ومن خَوَلهِمْ). وكان شريحُ القاضي يقول: (اخرُجوا بنا حتى ننظرَ إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟ ).
قلت: وسرّ هذا الخلق العجيب والقوة الشديدة للإبل متعلق بطبيعة ما خُلقَتَ منه، فإنها خُلِقت من الجن. وفي ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب قال: سُئِل رسول اللَّه ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: [لا تُصلوا في مباركِ الإبل فإنها من الشياطين] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ قال: قال النبي ﷺ : [صَلُّوا في مرابضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أَعْطانِ الإبل. فإنها خُلِقَتْ مِنَ الشياطين] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وصلوا في مرابض الغنم، فإنها بركة] (٣).
стр. 5250
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾. أي فوق الأرض بلا عمد، على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل. كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾. أي: رفعت على الأرض منتصبة، مُرْساةً راسخة، لا تميد ولا تميل ولا تزول.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. أي بُسطت ومُدَّت ومُهِّدت.
قال القرطبي: (وكانوا يسيرون على الإبل منفردين مستوحشين عن الناس، ومَنْ هذا حاله تفكر فيما يحضره، فقد ينظر في مركوبه، ثم يمد بصره إلى السماء، ثم إلى الأرض. فأُمِروا بالنظر في هذه الأشياء، فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر).
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: نُهينا أنْ نَسْأَلَ رسول اللَّه ﷺ عَنْ شيءٍ، فكان يُعْجِبنا أن يَجيءَ الرجلُ مِنْ أَهْلِ البادية، العاقِلُ، فيَسْألَهُ ونحن نسمع، فجاءَ رجلٌ من أهل البادية، فقال: يا محمدُ! أتانا رسولك فزعَمَ لنا أنك تَزْعُمُ أنَّ اللَّه أَرْسَلكَ؟ قال: صَدَق. قال: فمن خلقَ السماء؟ قال: اللَّه. قال: فمن خلقَ الأرض؟ قال: اللَّه. قال: فمن نَصَبَ هذه الجبال، وجَعَل فيها ما جَعَلَ؟ قال: اللَّه. قال: فبالذي خلقَ السماءَ وخلقَ الأرضَ وَنَصَبَ هذه الجبالَ، آللَّه أرسلكَ؟ قال: نعم] الحديث (١).
فسأل الرجل من أهل البادية النبي ﷺ مستدلًا بهذه الأمور والمخلوقات العظيمة التي يراها في حله وترحاله على خالقها ومالكها ومدبِّر شؤونها.
وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. أي: فعظ الناس يا محمد وخَوِّفهم بما جاءك من الوحي، فإنما أنت منذر وعلى ربك الحساب.
وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: لست عليهم بجبار).
وقال ابن زيد: (لست عليهم بمسلط أن تكرههم على الإيمان).
والمقصود: لست تخلق الإيمان -يا محمد- في قلوبهم، ولم تُسَلَّط عليهم حتى يؤمنوا، وإنما عليك البلاغ، وعلى اللَّه الثواب والعقاب.
стр. 5251
أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أُمِرْت أَنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصَموا مني دِماءَهم وأموالهم إلا بِحَقِّها وحسابُهم على اللَّه. ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾] (١).
قال القرطبي: (وقرأ هارون الأعور "بِمُسَيْطَرٍ" بفتح الطاء، و"المسيطرون". وهي لغة تميم). وأصل ذلك في لغة العرب من السَّطر وهو الصَّف من الشيء، وهو الخَطُّ والكتابة أيضًا. قال الرازي: (والمُسَيطر والمُصَيْطر: المُسَلَّطُ على الشيء لِيُشرِفَ عليه ويتعهّد أحواله ويكتبَ عمله، قال اللَّه تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾. الاستثناء منقطع. والتقدير: لكن من تولى عن الوعظ ونَفر، وأعرض عن الإيمان وكفر، فإن للَّه الولاية والقهر، فهو تعالى يعذبه في نار جهنم العذاب الأكبر.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: كُلُّ أمَّتي يدخُلون الجنة إلا مَنْ أبى. قالوا: يا رسول اللَّه، ومَنْ يأبى؟ قال: مَنْ أطاعني دَخَلَ الجنَّة، ومَنْ عَصَاني فَقَدْ أبى] (٢).
وأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن عن علي بن خالد، أنّ أبا أمامة الباهليَّ مَرَّ على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كَلمة سَمِعها من رسول اللَّه ﷺ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [ألا كُلُّكُم يدخل الجنةَ، إلا مَنْ شَرَد على اللَّه شِرَادَ البعير على أهله] (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إنّ إلى اللَّه الإياب، وعليه الحساب).
والتقدير: إلينا مرجعهم ومنقلبهم بعد موتهم، ثم علينا محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم يوم بعثهم ومعادهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ.
стр. 5252
قال النسفي: (﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم بها جزاء أمثالهم. و"على" لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على اللَّه شيء).
تم تفسير سورة الغاشية بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء الخميس ٢٢ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٢/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في العيدين والجمعة بِسَبِّح والغاشية.
٢ - الغاشية من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذّره عباده، وسميت كذلك لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها وتعمهم.
٣ - الكافر إذا عمل أعمال الخير في الدنيا يطعم بحسنات ما عمل في الدنيا من زينتها وبهجتها، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها.
٤ - لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خُلقت من الشياطين.
٥ - تفكروا في آلاء اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه.
٦ - كلكم يدخل الجنة إلا مَنْ شَرَدَ على اللَّه شِرادَ البعير على أهله.
* * *
стр. 5253
٨٩ - سورة الفجر
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٠).
موضوع السورة
القسم بالفجر وليالي العشر والشفع والوتر والليل أن العذاب نازل بأهل الكفر والمؤمنون يفارقون الحياة في أمن وأمان إلى الجنة دار السرور والبِشْر
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر والليل إذا يَسْرِ أن العذاب والنكال نازل بأهل الكفر.
٢ - ذكر عذاب اللَّه لِعَادٍ عقب الإصرار على الكفر، ونقمته من ثمود وفرعون وأهل المكر.
٣ - نعت سلوك الإنسان في فرحه عند الرخاء، وتغيّره عند الضيق والعناء.
٤ - أكثر الناس على البخل على اليتيم، وإهمال إطعام المسكين.
٥ - حرص أكثر الناس على جمع المال، ليكون عليهم حسرة في المآل.
٦ - وصف حال الأرض عند المعاد، ونزول الرحمان والملائكة لفصل الحساب.
٧ - بروز جهنم أمام الكافرين، لينزل بهم عذاب الجحيم.
٨ - المؤمنون يفارقون الحياة في أمن وتسليم، ويدخلون في الآخرة جنات النعيم.
стр. 5254
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالفجر والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل الذي يجري ويذهب أن العذاب نازل بأهل الكفر، وقد مضى عذاب عاد وثمود وفرعون وأهل المكر.
فقوله تعالى: ﴿وَالفَجْرِ﴾. قَسَمٌ من اللَّه سبحانه بالفجر وهو الصبح، لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار. قال عكرمة: (الفجر: فجر الصبح). وقال مجاهد: (المراد به فجرُ يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر). وعن ابن عباس: (﴿وَالفَجْرِ﴾ قال: النهار). قلت: والراجح الأول، وهو الصبح، كما قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]. فبه يحصل انقضاء الليل وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات، لطلب العيش والأرزاق.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال ابن عباس: (إن الليالي العشر التي أقسم اللَّه بها، هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة).
وقال عبد اللَّه بن الزبير: (أول ذي الحجة إلى يوم النحر). وقال مسروق: (ليالي العشر. قال: هي أفضل أيام السنة).
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: [ما العَمَلُ في أيامِ
стр. 5255
العَشْر أفضلُ منها في هذه. قالوا: ولا الجهادُ؟ قال: ولا الجهادُ، إلا رجلٌ خرجَ يُخاطِرُ بنفسه ومالِه فلمْ يرجِعْ بشيء] (١).
ورواه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ: [ما مِنْ أيام العَمَلُ الصالح فيها أحبُّ إلى اللَّه، من هذه الأيام -يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول اللَّه! ولا الجِهادُ في سبيل اللَّه؟ قال: ولا الجهاد في سبيل اللَّه، إلا رجلٌ خرج بنفسه وما له فلم يرجع من ذلك بشيء] (٢).
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، قالت: [كان رسول اللَّه ﷺ يصوم تسعَ ذي الحجة، ويومَ عاشوراء، وثلاثَةَ أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر والخميس] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. الشفع: الزوج، والوتر: الفرد، وذلك من كل الأشياء. وعن عكرمة: (الشفع: يومُ الأضحى، والوَتْر يوم عرفة).
وقال قتادة: (إن من الصلاة شفعًا، وإن منها وترًا). وعن ابن عباس قال: (اللَّه وتر وأنتم شفع. ويقال الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب).
قلت: والآية عامة في كل شفع وَوَتْر، فأقسم اللَّه قسمًا عامًا يشمل الخلق والخالق، فهو وَتْر سبحانه وخلقه شفع، للازدواج فيه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. قال مجاهد: (كل خلق اللَّه شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، والكفر والإيمان، والسعادة والشقاوة، والهدى والضلالة، والليل والنهار).
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ : [للَّه تِسْعَةٌ وتسعون اسمًا -مئةٌ إلا واحدًا- مَنْ حَفِظَها دخَلَ الجنة، وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْر] (٤). وفي رواية: (مَنْ أحصاها).