أخرج الترمذي بسند صحيح عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [أُمِرْت أَنْ أقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصَموا مني دِماءَهم وأموالهم إلا بِحَقِّها وحسابُهم على اللَّه. ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾] (١).
قال القرطبي: (وقرأ هارون الأعور "بِمُسَيْطَرٍ" بفتح الطاء، و"المسيطرون". وهي لغة تميم). وأصل ذلك في لغة العرب من السَّطر وهو الصَّف من الشيء، وهو الخَطُّ والكتابة أيضًا. قال الرازي: (والمُسَيطر والمُصَيْطر: المُسَلَّطُ على الشيء لِيُشرِفَ عليه ويتعهّد أحواله ويكتبَ عمله، قال اللَّه تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾. الاستثناء منقطع. والتقدير: لكن من تولى عن الوعظ ونَفر، وأعرض عن الإيمان وكفر، فإن للَّه الولاية والقهر، فهو تعالى يعذبه في نار جهنم العذاب الأكبر.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: كُلُّ أمَّتي يدخُلون الجنة إلا مَنْ أبى. قالوا: يا رسول اللَّه، ومَنْ يأبى؟ قال: مَنْ أطاعني دَخَلَ الجنَّة، ومَنْ عَصَاني فَقَدْ أبى] (٢).
وأخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن عن علي بن خالد، أنّ أبا أمامة الباهليَّ مَرَّ على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كَلمة سَمِعها من رسول اللَّه ﷺ فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [ألا كُلُّكُم يدخل الجنةَ، إلا مَنْ شَرَد على اللَّه شِرَادَ البعير على أهله] (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. قال قتادة: (يقول: إنّ إلى اللَّه الإياب، وعليه الحساب).
والتقدير: إلينا مرجعهم ومنقلبهم بعد موتهم، ثم علينا محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم يوم بعثهم ومعادهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ.
стр. 5252
قال النسفي: (﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ رجوعهم، وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ فنحاسبهم على أعمالهم، ونجازيهم بها جزاء أمثالهم. و"على" لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على اللَّه شيء).
تم تفسير سورة الغاشية بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء الخميس ٢٢ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٢/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في العيدين والجمعة بِسَبِّح والغاشية.
٢ - الغاشية من أسماء يوم القيامة، عظّمه اللَّه وحذّره عباده، وسميت كذلك لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها وتعمهم.
٣ - الكافر إذا عمل أعمال الخير في الدنيا يطعم بحسنات ما عمل في الدنيا من زينتها وبهجتها، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها.
٤ - لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خُلقت من الشياطين.
٥ - تفكروا في آلاء اللَّه، ولا تفكروا في اللَّه.
٦ - كلكم يدخل الجنة إلا مَنْ شَرَدَ على اللَّه شِرادَ البعير على أهله.
* * *
стр. 5253
٨٩ - سورة الفجر
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣٠).
موضوع السورة
القسم بالفجر وليالي العشر والشفع والوتر والليل أن العذاب نازل بأهل الكفر والمؤمنون يفارقون الحياة في أمن وأمان إلى الجنة دار السرور والبِشْر
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر والليل إذا يَسْرِ أن العذاب والنكال نازل بأهل الكفر.
٢ - ذكر عذاب اللَّه لِعَادٍ عقب الإصرار على الكفر، ونقمته من ثمود وفرعون وأهل المكر.
٣ - نعت سلوك الإنسان في فرحه عند الرخاء، وتغيّره عند الضيق والعناء.
٤ - أكثر الناس على البخل على اليتيم، وإهمال إطعام المسكين.
٥ - حرص أكثر الناس على جمع المال، ليكون عليهم حسرة في المآل.
٦ - وصف حال الأرض عند المعاد، ونزول الرحمان والملائكة لفصل الحساب.
٧ - بروز جهنم أمام الكافرين، لينزل بهم عذاب الجحيم.
٨ - المؤمنون يفارقون الحياة في أمن وتسليم، ويدخلون في الآخرة جنات النعيم.
стр. 5254
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٤. قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالفجر والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل الذي يجري ويذهب أن العذاب نازل بأهل الكفر، وقد مضى عذاب عاد وثمود وفرعون وأهل المكر.
فقوله تعالى: ﴿وَالفَجْرِ﴾. قَسَمٌ من اللَّه سبحانه بالفجر وهو الصبح، لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار. قال عكرمة: (الفجر: فجر الصبح). وقال مجاهد: (المراد به فجرُ يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر). وعن ابن عباس: (﴿وَالفَجْرِ﴾ قال: النهار). قلت: والراجح الأول، وهو الصبح، كما قال تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]. فبه يحصل انقضاء الليل وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات، لطلب العيش والأرزاق.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. قال ابن عباس: (إن الليالي العشر التي أقسم اللَّه بها، هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة).
وقال عبد اللَّه بن الزبير: (أول ذي الحجة إلى يوم النحر). وقال مسروق: (ليالي العشر. قال: هي أفضل أيام السنة).
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: [ما العَمَلُ في أيامِ
стр. 5255
العَشْر أفضلُ منها في هذه. قالوا: ولا الجهادُ؟ قال: ولا الجهادُ، إلا رجلٌ خرجَ يُخاطِرُ بنفسه ومالِه فلمْ يرجِعْ بشيء] (١).
ورواه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ: [ما مِنْ أيام العَمَلُ الصالح فيها أحبُّ إلى اللَّه، من هذه الأيام -يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول اللَّه! ولا الجِهادُ في سبيل اللَّه؟ قال: ولا الجهاد في سبيل اللَّه، إلا رجلٌ خرج بنفسه وما له فلم يرجع من ذلك بشيء] (٢).
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، قالت: [كان رسول اللَّه ﷺ يصوم تسعَ ذي الحجة، ويومَ عاشوراء، وثلاثَةَ أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر والخميس] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾. الشفع: الزوج، والوتر: الفرد، وذلك من كل الأشياء. وعن عكرمة: (الشفع: يومُ الأضحى، والوَتْر يوم عرفة).
وقال قتادة: (إن من الصلاة شفعًا، وإن منها وترًا). وعن ابن عباس قال: (اللَّه وتر وأنتم شفع. ويقال الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب).
قلت: والآية عامة في كل شفع وَوَتْر، فأقسم اللَّه قسمًا عامًا يشمل الخلق والخالق، فهو وَتْر سبحانه وخلقه شفع، للازدواج فيه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]. قال مجاهد: (كل خلق اللَّه شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، والكفر والإيمان، والسعادة والشقاوة، والهدى والضلالة، والليل والنهار).
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ : [للَّه تِسْعَةٌ وتسعون اسمًا -مئةٌ إلا واحدًا- مَنْ حَفِظَها دخَلَ الجنة، وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْر] (٤). وفي رواية: (مَنْ أحصاها).
стр. 5256
فاللَّه تعالى وتر -أي واحد- في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، ليس كمثله شيء.
قال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن اللَّه تعالى ذكره أقسم بالشفع والوتر، ولم يخصِّص نوعًا من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكل شفع ووتر فهو مما أقسم به، مما قال أهل التأويل إنه داخل في قسمه هذا، لعموم قسمه بذلك).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾. أي: إذا يمضي. قال ابن عباس: (أي إذا ذهب). وقال مجاهد: (إذا سار). وقال الضحاك: (أي: يجري). قلت: فقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ثم ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ فيه مقابلة لطيفة، فيكون قَسَمًا بإقبال النهار وإدبار الليل، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾. الحِجْر: العقل: لأنه يحجر صاحبه، أي يمنعه من ارتكاب ما لا ينبغي. والمقسَم عليه محذوف، تقديره "ليعذبن" كما يدل عليه ما بعده. قال ابن عباس: (﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ ذي النهى والعقل).
وعن قتادة: (﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ قال: لذي حجى، لذي عقل ولُبّ).
قال الرازي: (المراد من الاستفهام التأكيد. كمن ذكر حجة باهرة ثم قال: هل فيما ذكرته حجّة؟ والمعنى أن من كان ذا لُبّ علم أن ما أقسم اللَّه تعالى به من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية. فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾. إرم: اسم آخر لعاد الأولى، فهو على سبيل زيادة التعريف بهم. قال ابن إسحاق: (يقول اللَّه: بعاد إرم، إن عاد ابن إرم بن عوص بن سام بن نوح). وهم الذين بعث اللَّه فيهم هودًا ﷺ فكذبوه، وعتوا في الأرض متمردين جبارين، فأهلكهم اللَّه بريح صرصر عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧ - ٨].
قال مجاهد: (إِرَمُ أُمَّةٌ قديمة -يعني عادًا الأولى-). وقال السدي: (إن إرمَ بيتُ مَمْلكةِ عاد).
فقوله تعالى: ﴿بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ عطف بيان، زيادة تعريف بهم. قال ابن عباس: (﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عَمُود لا يقيمون). قال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾؛ لأنهم كانوا يسكنون بُيوت الشعر التي تُرفع بالأعمدة الشِّداد، وقد
стр. 5257
كانوا أشدَّ الناس في زمانهم خِلْقَةً وأقواهم بَطْشًا، ولهذا ذَكَّرهم هودٌ بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. وقال هاهنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، أي: القبيلة التي لم يُخلق مثلُها في بلادهم، لقوتهم وشِدَّتهم وعظم تركيبهم).
وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. أي: وثمود الذين كانوا ينحتون الجبال وينقبونها بيوتًا يسكنون فيها. وواديهم هو الحِجْر، أو وادي القرى، على طريق الشام من المدينة المنورة. وفي لغة العرب: اجتاب الثوب أي فتحه، ومنه الجيب.
و﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: أي يقطعون الصخر بالوادي. قال ابن عباس: (ينحتونها ويخرقونها). وقال قتادة: (جابوها ونحتوها بيوتًا).
وهو كما قال تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩].
وقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. أي: وفرعون صاحب الأوتاد. قيل: هي الأهرام التي بناها الفراعنة لتكون لهم قبورًا بعد موتهم، وسخروا في بنائها أقوامهم. وقيل: ذي الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد. وقيل غير ذلك.
فعن ابن عباس: (الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد في أيديهم وأرجلهم أوتادًا من حديد، يعلقهم بها). وقال عبد الرحمن بن زيد: (كانت له صخرة ترفَعُ بالبكرات، ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم تُرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه).
قلت: والراجح بوصف فرعون ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: صاحب الجنود والعساكر والجموع والجيوش الكثيرة والعُدَد الرهيبة التي تشدّ ملكه، وهذا يعمّ كل ما سبق.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾. صفة لِعَادٍ وثمود وفرعون، أي: طغت كل طائفة منهم في بلادهم، وتمردوا وعَتوا وعاثوا في الأرض بالفساد والإفساد والأذِيَّة للناس.
وقوله تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. أي: فأفرغ عليهم ربك وألقى على تلك الطوائف عذابًا موجعًا. وهو من قول العرب: صَبَبْتُ السوط على المجرم، أي:
стр. 5258
جَلَدْتُهُ به جلدًا شديدًا. وقد كان السوط عندهم نهاية ما يُعَذَّبُ به. وقال القرطبي: (﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي نصيب عذاب).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: يرى ويسمع). قال ابن كثير: (يعني: يَرْصُدُ خَلْقَهُ فيما يعملون، ويجازي كُلًا بِسَعْيِهِ في الدنيا والأخرى، وسَيُعْرَضُ الخلائق كُلُّهم عليه، فيحكُم فيهم بعدله، ويقابِلُ كلًا بما يَسْتَحِقُّهُ. وهو المُنَزَّهُ عن الظُلم والجور).
١٥ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: نَعْتُ اللَّه تعالى سلوك الإنسان في العسر واليسر، فهو يفرح بالنعم عند الرخاء، ويتنكر لآلاء ربه عند الضيق والعناء. وليته إذا أنعم اللَّه عليه أكرم اليتيم، وحرص على إطعام المسكين، بل أكثر الناس يبخلون ويحرصون على جمع المال، ليكون عليهم حسرة في المآل.
فقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأما الإنسان إذا ما امتحنه ربه بالنعم والغنى ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ بالمال، وأفضل عليه، ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ بما أوسع عليه من فضله ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ فيفرح بذلك، ويسرُّ به ويقول: ربي أكرمني بهذه الكرامة).
والمقصود: إنكارٌ على الإنسان ظنه أن ورود الوان النعيم والرزق عليه علامة إكرام له من اللَّه، بل هي ابتلاء واختبار وامتحان، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾.
أي: وأمّا إذا ما اختبره سبحانه بضيق الرزق وقلة المال فيظن أن ذلك إهانة له.
وقوله: ﴿كَلَّا﴾ أي ليس الأمر كما يظنون، فليس الإكرام والإهانة في كثرة المال
стр. 5259
وقلته، بل الإكرامُ في توفيق الطاعة والإهانةُ في الخذلان.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
قال النسفي: (أي بل هناك شر من هذا القول، وهو أن اللَّه يكرمهم بالغنى فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرامهم اليتيم بالمبرة، وحض أهله على طعام المسكين).
وفي الآيات: أمر بإكرام اليتيم، وحضّ على الإحسان إلى الفقراء والمساكين، والحثّ والتشجيع على ذلك، وفي السنة الصحيحة أمثال ذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري عن سَهْلٍ قال: [قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا وكافِلُ اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالسَّبابَةِ والوُسْطى وفَرَّجَ بينَهما شيئًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعًا: [يا معشر المهاجرين والأنصار إن من إخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن سلمان بن عامر الضَّبِّيِّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [الصدقة على المسكينِ صَدَقَةٌ، وعلى ذي القرابةِ اثنتان: صَدَقَةٌ وصِلَةٌ] (٣).
ولفظ الترمذي: [الصدقةُ على المسكين صدقةٌ، وهي على ذي الرحم ثِنْتانِ: صدقةٌ وصِلة].
وقوله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال قتادة: (﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ أي الميراث). وقال ابن عباس: (﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ يقول: تأكلون أكلًا شديدًا).
قال الحسن: (نصيبه ونصيب صاحبه). وقال مجاهد: (اللمّ: السفّ، لفّ كل شيء).
стр. 5260
والمقصود: وتأكلون الميراث من أي جهة تحصل لكم، من حلال أو حرام.
أخرج النسائي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يأتي على الناس زمان ما يبالي الرَّجل من أين أصابَ المال؟ من حلالٍ أو حرامٍ] (١).
وقوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. الجمّ الكثير. والمعنى: وتحبون المال حبًا كثيرًا، حلاله وحرامه. قال النسفي: (﴿حُبًّا جَمًّا﴾ كثيرًا شديدًا مع الحرص ومنع الحقوق).
٢١ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾.
في هذه الآيات: وصف اللَّه تعالى حال الأرض عند المعاد، ونزول الرحمان والملائكة للفصل والحساب، وبروز جهنم أمام أهلها لينزل بهم العقاب، فالكفار في حسرة وندامة، والمؤمنون في طمأنينة وسلامة.
فقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. كَلَّا: ردع وزجر، وإنكار لما هم عليه من الفعل. والدّك: الكسر والدقّ. قال القرطبي: (أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو ردٌّ لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تُدَكُّ الأرض، ولا ينفع الندم). وقال الزجاج: (﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا﴾: أي زلزلت فَدَكّ بعضها بعضًا). وقال المبرد: (أي ألصقت وذهب ارتفاعها).
والمقصود: زلزلت وحركت تحريكًا بعد تحريك، أو دُكَّتْ جبالها حتى استوت، وهو إخبار من اللَّه تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. أي: وجاء اللَّه سبحانه لفصل القضاء بين عباده، والملائكة جاؤوا بين يديه صفوفًا صفوفًا.
стр. 5261
قلت: وصفة المجيء والإتيان والاطلاع ثابتة للَّه تعالى في القرآن والسنة الصحيحة.
ففي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
٣ - وقال هنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وفي صحيح السنة العطرة أحاديث في ذلك، منها:
الحديث الأول: أخرج ابن خزيمة بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إذا جمع اللَّه الأولى والآخرة يوم القيامة جاء الرب ﵎ إلى المؤمنين فوقف عليهم. . . .] الحديث (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [يجمعُ اللَّه الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطَّلِعُ عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتَّبع كلُّ إنسانٍ ما كان يعبد] الحديث (٢).
وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. أي جيء بها يومئذ مزمومة والملائكة يجرّونها. وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلك يجرّونها] (٣).
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾. أي: يومئذ يتذكر الإنسان ماضيه وعمله وما صدر عنه في أيام عمره في الحياة الدنيا.
وقوله: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. أي: ومن أين له اليوم منفعة الذكرى وقد مضى زمان التذكر والاتعاظ والاعتبار.
стр. 5262
وقوله: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. قال النسفي: (هذه وهي حياة الآخرة، أي ياليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية). وقال القرطبي: (﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي في حياتي. فاللام بمعنى في. وقيل: أي قدمت عملًا صالحًا لحياتي، أي لحياة لا موت فيها. وقيل: حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم، فالمعنى: يا ليتني قدّمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون فيمن له حياة هنيئة).
وأخرجَ الإمام أحمد في المسند، والبخاري في "التاريخ الكبير" بسند صحيح عن عتبة بن عبد قال: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: [لو أنَّ رجلًا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة اللَّه لحقَّره يوم القيامة] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾. قال ابن كثير: (أي: ليس أحدٌ أشدَّ عذابًا من تعذيب اللَّه من عَصاه).
والمقصود: لا يعذِّب كعذاب اللَّه أحد، ولا يوثق كوثاقِه أحد. فالكناية ترجع إلى اللَّه تعالى، وهو قول ابن عباس والحسن.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. أي: ولا يوثق الكافِرَ بالسلاسل والأغلال كوثاق اللَّه أحد.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
أي: والصورة المقابلة لحال أولئك الكفرة الفجرة، هي صورة الأتقياء السعداء البررة، أصحاب النفوس الساكنة الموقنة بربها، المطمئنة لثوابه، الآمنة من عذابه، يقال لها عند الاحتضار -أو البعث أو دخول الجنة-: ارجعي إلى جوار ربك وثوابه ونعيم جنانه، راضية عن ربها، مرضية عنده.
فعن ابن عباس: (﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، يقول: المصدقة). قال الحسن: (المطمئنة إلى ما قال اللَّه، والمصدّقة بما قال). وقال مجاهد: (النفس التي أيقنت أن اللَّه ربها، وضربت جأشًا لأمره وطاعته). وقال أيضًا: (المنيبة المخبتة التي قد أيقنت أن اللَّه ربها، وضربت لأمره جأشًا). وقال: (المخبتة والمطمئنة إلى اللَّه).
стр. 5263
وعن ابن عباس: (﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ قال: تردُّ الأرواح المطمئنة يوم القيامة في الأجساد).
وعن أبي صالح: (﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ قال هذا عند الموت).
وفي سنن أبي داود ومسند أحمد والطيالسي بسند صحيح من حديث البراء -في احتضار المؤمن- قال رسول اللَّه ﷺ : [ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة -وفي رواية: المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان] الحديث (١).
وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال أبو صالح: (هذا يوم القيامة). وقال قتادة: (قال: ادخلي في عبادي الصالحين).
والمقصود: يقال لها: ادخلي في زمرة عبادي الصالحين وكوني في جملتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. أي: وادخلي جنتي معهم، وهي دار الخلود مَسْكَنُ الأبرار، ودار الصالحين والأخيار، وهذا هو التكريم الذي لا ينافسه كل تكريم كان في الدنيا، فنسأل اللَّه السلامة، وبلوغ هذه الكرامة.
تم تفسير سورة الفجر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه عصر يوم السبت ٢٤ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٤/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
* * *
стр. 5264
دروس ونتائج وأحكام
١ - الليالي العشر التي أقسم اللَّه بها هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة.
٢ - ما مِنْ أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى اللَّه من أيام العشر.
٣ - أقسم اللَّه بالشفع والوتر، وهو سبحانه وِتْرٌ يحب الوِتْر.
٤ - ليس الإكرام والإهانة مرتبط بكثرة المال أو قلته، بل التوفيق إلى مرضاته تعالى وطاعته.
٥ - الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثِنتان: صدقة وصلة.
٦ - يجمع اللَّه الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يتبع كل إنسان ما كان يعبد.
٧ - يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها.
٨ - يجيء ملك الموت فيجلس عند رأس المؤمن فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى مغفرة من اللَّه ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء.
* * *
стр. 5265
٩٠ - سورة البلد
وهي سورة مكّية، وعدد آياتها (٢٠).
موضوع السورة
القَسَمُ بمكة والوالد والولد أن الإنسان في شدة وعناء وأن سعادته في طاعة اللَّه واقتحام الموانع وإلا كان الشقاء
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بمكة أم القرى وبالوالد وأولاده أن ابن آدم في شدة وعناء، ثم مصيره إن كفر وعصى ربه إلى الشقاء.
٢ - حث الإنسان على إخلاص العبادة لربه الذي أغدق عليه نعمه الكثيرة، كالعينين واللسان والشفتين والنجدين والآلاء الكبيرة.
٣ - توجيه الإنسان لاقتحام موانع الطاعة، من النفس والشيطان والشهوات والهوى بالبذل والعمل والإيمان والجهاد والشجاعة.
٤ - المؤمنون هم أصحاب الميمنة، والكفار هم أصحاب المشأمة.
стр. 5266
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾.
في هذه الآيات: يقسِمُ تعالى بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حلالًا، تنبيهًا لعظمة قدرها حالة إحرام أهلها، كما يقسم جلت عظمته بالوالد وأولاده، أن ابن آدم في شدة وعناء، ثم مصيره إن كفر وعصى ربه إلى الشقاء، فهلا أخلص العبادة لربه الذي أغدق عليه نعمه الكثيرة، كالعينين واللسان والشفتين والنجدين والآلاء الكبيرة.
فقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال الأخفش: (﴿لَا﴾ زائدة). والتقدير: أقسم بهذا البلد -وهي مكة-. قال القرطبي: (أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه، لكرامتك عليّ وحبّي لك). وقال مجاهد: (﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: ﴿لَا﴾: رَدٌّ عليهم).
وقد أقسم اللَّه به في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. فيه تأويلان:
التأويل الأول: أي في المستقبل. قال مجاهد: (أحل لرسول اللَّه ﷺ ما صنع فيه ساعة). وقال قتادة: (يقول: وأنت به حل لست بآثم).
وقد فصّل ذلك ابن عباس حيث قال: (﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني بذلك نبي اللَّه ﷺ ، أحلّ اللَّه له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحيي من شاء، فقتل يومئذ ابن خطل صَبْرًا وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم تحل لأحد من الناس بعد رسول اللَّه ﷺ أن يقتل فيها حرامًا حرّمه اللَّه، فأحلّ اللَّه له ما صنع بأهل مكة).
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ -
стр. 5267
افْتَتَحَ مَكَّةَ: [لَا هِجْرةَ ولكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُم فانْفِروا، فإن هذا بلدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يومَ خلق السماوات والأرضَ، وهو حرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّه إلى يومِ القيامة، وإِنَّهُ لا يَحِلُّ القِتالُ فيه لأحَدٍ قبلي ولمْ يَحِلَّ لي إلا ساعةً مِنْ نَهارٍ، فهو حرامٌ بحُرْمَةِ اللَّه إلى يوم القيامة] الحديث (١).
والتأويل الثاني: أي أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به، تشريفًا لك وتعظيمًا لقدرك، لأنه صار بحلولِكَ فيه عظيمًا شريفًا.
قلت: وكلا المعنيين حق، سواء أكان القسم تأويله في الحاضر أو المستقبل، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالوالد وأولاده، كآدم وما تناسل من ولده، وبكل والد ومولود من جميع الحيوانات، تنبيهًا على عظم آية التناسل والتوالد، ودلالتها على قدرة اللَّه وحكمته وعلمه.
فعن ابن عباس: (﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: هو الوالد وولده). وقال أيضًا: (الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له). وقال مجاهد: (الوالد: آدم، وما ولد: ولده). وعن عطية العوفي: (هو عموم في كل والد وكل مولود).
وقال الماوردي: (ويحتمل أن الوالد النبي ﷺ ، لتقدّم ذكره، وما ولد أمته، لقوله ﵇: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم". فأقسم به وبأمّته بعد أن أقسم ببلده، مبالغة في تشريفه ﵇.
قلت: والراجح العموم، فيدخل في ذلك كل والد ومولود، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هو جواب القسم. والإنسان هنا ابن آدم. والكَبَد: الشدة والمعاناة (٢). والتقدير: لا يزال الإنسان في مكابدة شدائد هذه الدنيا ومقاساة آلامها حتى يموت، فإذا مات كابد شدائد القبر والبرزخ وأهوالهما، ثم إذا بُعث كابد شدائد الآخرة. وفيه تسليةٌ للنبي ﷺ مما كان يكابده من قريش، فإن الأنبياء أشُد الناس بلاء.
стр. 5268
وعن ابن عباس: (﴿فِي كَبَدٍ﴾ قال: في شدَّة خَلْقٍ، ألم تر إليه وذكر مَوْلِدَه ونبات أسنانه). وقال مجاهد: (﴿فِي كَبَدٍ﴾ نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، يتكبَّدُ في الخلق). وقال ابن عباس أيضًا: (﴿فِي كَبَدٍ﴾ يقول: في نصب). أو قال: (في انتصاب، يعني القامة). قال الضحاك: (خُلِقَ منتصبًا على رجلين، لم تخلق دابة على خلقه). وعن قتادة: (﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ حين خلق، في مشقة، لا يُلقى ابن آدم إلا مكابد أمر الدنيا والآخرة). وعن الحسن: (يكابد أمرًا من أمر الدنيا، وأمرًا من أمر الآخرة). وقال أيضًا: (يكابِدُ مضايقَ الدنيا وشدائدَ الآخرة). قلت: وإنما تهوين هذه الشدائد أو عبورها وتجاوزها يكون اختصاصًا من اللَّه تعالى لأوليائه وأحبابه المؤمنين، فإنما استراح من غُفر له، ولا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه ورضاه.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
وفي صحيح السنة العطرة من آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أحمد في المسند، وأبو نعيم في الحلية، بسند حسن في الشواهد عن عائشة قالت: قيل: يا رسول اللَّه ماتت فلانة واستراحت! فغضب رسول اللَّه ﷺ وقال: [إنما يستريح من غُفِرَ له] (١).
وفي رواية: [إنما استراحَ من غُفِرَ له].
الحديث الثاني: أخرج مالك وأحمد والشيخان عن أبي قتادة: أن رسول اللَّه ﷺ مُرَّ عليه بجنازة، فقال: مستريحٌ أو مستراحٌ منه. قالوا: يا رسول اللَّه ما المتسريحُ والمستراحُ منه؟ قال: [العبدُ المؤمن يستريح من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى ﵀، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ
стр. 5269
قال: [إنَّ الميتَ يصيرُ إلى القبر، فَيُجْلَسُ الرجلُ الصالحُ في قبرِهِ، غَيْرَ فَزِعٍ ولا مشعوف. ثم يُقال له: فيمَ كُنتَ؟ فيقول: كنتُ في الإسلام. فَيُقالُ له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمدٌ رسول اللَّه ﷺ ، جاءَنا بالبينات مِن عند اللَّه فصَدَّقْناه. فيُقالُ له: هل رأيتَ اللَّه؟ فيقول: ما ينبغي لأَحَدٍ أن يرى اللَّه، فَيُفْرَجُ له فُرْجَةٌ قِبَلَ النار. فينظُر إليها يَحْطِمُ بَعْضُها بعْضًا. فيُقال له: انظُرْ إلى ما وقاكَ اللَّه. ثم يُفْرَجُ له قِبَلَ الجنة. فينظرُ إلى زَهْرَتها وما فيها. فيقال له: هذا مَقْعَدُكَ، ويُقال له: على اليقين كُنْتَ، وعليه مُتَّ، وعليه تُبْعَثُ، إن شاءَ اللَّه] (١).
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾. أي: أيظن الإنسان أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد، مهما اقترف من السيئات، حتى ولا ربِّه ؟ !
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. أي يقول ابن آدم: أنفقت مالًا كثيرًا مجتمعًا. وهو من تلبَّد الشيء: إذا اجتمع.
والمقصود: ما أنفقه من الأموال للافتخار والمباهاة والرياء. قال ابن عباس: (يعني باللبد: المال الكثير). وقال مجاهد: (﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ قال: مالًا كثيرًا). قال القاسمي: (كقولهم: "خسرت عليه كذا وكذا" إذا أنفق عليه. يتفضل على الناس بالتبذير والإسراف، ويحسبه فضيلة لاحتجابه عن الفضيلة وجهله).
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. كشف لحقيقة ما كان عليه من النفاق والرياء.
قال النسفي: (﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ حين كان ينفق ما ينفق رياء وافتخارًا، يعني أن اللَّه تعالى كان يراه وكان عليه رقيبًا).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾. قال قتادة: (نِعَمٌ من اللَّه متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره). وقال القاشانّي: (أي ألم ننعم عليه بالآلات البدنية التي يتمكن بها من اكتساب الكمال، ليبصر ما يعتبر به، ويسأل عما لا يعلم، ويتكلم فيه؟ ).
والمقصود: تذكير من اللَّه تعالى عباده بنعمه عليهم، في سلامة الآلات التي يتوصلون بها إلى تحصيل منافعهم الدينية والدنيوية، فالحاجة إلى العينين للرؤية، واللسان للنطق والتعبير عما في الضمير، والتكلم بالحجة والحق، والشفتين لحبس
стр. 5270
الطعام والشراب وإمساكهما في الفم، والنطق أيضًا، وفيهما جمالٌ للوجه والفم.
وقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. النجد: الطريق المرتفع -أو ما ارتفع من الأرض-.
فمفهوم الآية: وهديناه الطريقين: طريق الخير وطريق الشر.
والمقصود: امتنان من اللَّه تعالى على الإنسان في معرض ذكر النعم الجليلة عليه. أي: ألم نعرِّفه طريق الخير وطريق الشر، مبينتين واضحتين كتبيّن الطريقين العاليتين! فهو يدرك ذلك بفطرته التي فطره اللَّه عليها.
يروي ابن جرير عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قال: (الخير والشر). وعن ابن عباس: (يقول: الهدى والضلالة). وقال الضحاك: (نجد الخير، ونجد الشر).
قلت: وفي تسميتهما بالنجدين إشارة إلى وعورة وصعوبة كل مسلك منهما، فليس الشر بأهون من الخير، وإنما في كل طريق ما فيه من المحن، وإنما النجاة بمجاهدة النفس ألا تقع في الآثام، وأن تسلك سبيل تعظيم أوامر الرحمان.
١١ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾.
في هذه الآيات: توجيهُ اللَّه تعالى الإنسان لاقتحام موانع الطاعة، من النفس والشيطان والشهوات والهوى بالبذل والعمل والإيمان والجهاد والشجاعة، فالمؤمنون أصحاب الميمنة، والكفار أصحاب المشئمة.
فقوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾. أي: فهلا اجتهد واخترق الموانع التي تحول بينة وبين طاعة اللَّه، من تسويل النفس واتباع الهوى والشيطان. وقال قتادة: (إنها عقبة
стр. 5271
قُحْمَةٌ (١) شديدة فاقتحموها بطاعة اللَّه تعالى). وقال الحسن: (هي واللَّه عقبة شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان). وقيل: العقبة خَلاصُه من هول العرض.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾. استفهام لزيادة التقرير والاهتمام. قال القاسمي: (أيْ أيّ شيء أعلمك ما اقتحام العقبة؟ وفي الاستفهام زيادة تقريرها وكونها عند اللَّه تعالى بمكانة رفيعة).
وقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾. فكّها خلاصها من الأسر. وقيل: من الرِّق.
قال القرطبي: (والفكّ: هو حل القيد، والرِّق قيد. وسمي المرقوق رقبة، لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته، وسمِّي عتقها فَكًّا كفك الأسير من الأسْر).
وقد حفلت السنة العطرة بأحاديث كثيرة في فضائل العتق، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [أَيَّما رَجُلٍ أعتقَ امرأً مسلمًا اسْتَنْقَذَ اللَّه بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوًا من النار] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بإسناد صحيح عن سعيد بن مُرجانَةَ: [أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أَعْتَقَ رقبةً مؤمنة أعتقَ اللَّه بكل إِرْبٍ منها إرْبًا منه من النار، حتى إنه ليُعْتِقُ باليدِ اليدَ، وبالرجلِ الرجلَ، وبالفرجِ الفرجَ". فقال عليُّ بن الحسين: أنت سمعتَ هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له أفْرَهُ غلمانه: ادعُ مِطْرَفًا. فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حُرٌّ لوجهِ اللَّه] (٣).
وروى البخاري نحوه وفيه: (فعمد عليّ بن الحسين ﵄ إلى عَبْدِ له قد أعطاهُ به عبد اللَّه بنُ جَعفر عَشَرَةَ آلافِ درهم، أو ألْفَ دينار فأعتقه).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: سمعت
стр. 5272
رسول اللَّه ﷺ يقول: [مَنْ أعتقَ رقَبةً مؤمنة أعتقَ اللَّه منه بكل عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا من النار، حتى يُعْتِقَ فرْجَهُ بِفرْجِهِ] (١).
الحديث الرابع: أخرج الطبري بسند على شرط مسلم عن أبي نَجِيح قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [أَيَّما مُسلِمٍ أعتقَ رجُلًا مُسلمًا فإنَّ اللَّه جاعِلٌ وقاءَ كل عَظْمٍ من عِظامه عظْمًا من عِظام مُحَرِّرِه من النار. وَأَيُّما امرأة مُسلمة أعتقتْ امرأة مسلمةً فإن اللَّه جاعل وقاءَ كلِّ عظم من عِظامِها عظمًا من عِظامها من النار] (٢).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن كثير بن مُرَّة، عن عمرو بن عَبَسَةَ: أنه حدَّثهم: أنَّ النبي ﷺ قال: [مَنْ بنى مسجدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فيه بنى اللَّه له بيتًا في الجنة. ومن أعتق نفسًا مسلمةً كانت فِديته من جهنّم. ومن شابَ شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة] (٣).
الحديث السادس: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن البراء بن عازب قال: [جاء أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! عَلّمني عملًا يدخلني الجنةَ. فقال: لئن كُنْتَ أقصرت الخطبةَ لقد أعرضت المسألة. أعتق النسمةَ، وفكّ الرقبة. فقال: يا رسول اللَّه! أوليستا بواحدةٍ؟ قال: لا، إن عِتْقَ النسمة أن تنفرد بِعِتْقها، وفَكَّ الرقبة أن تُعين في عِتقها. والمِنْحة الوكوفُ، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تُطِق ذلك فأطعم الجائعَ، واسقِ الظمآن "واؤْمُر بالمعروف وانه عن المنكر"، فإن لم تطق ذلك فَكُفَّ لسانك إلا من الخير] (٤).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾. السَّغَبُ: الجوع، والساغب الجائع. قال ابن عباس: (﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: ذي مَجاعةٍ). وقال إبراهيم النَّخَعِيُّ: (في يومٍ الطعامُ فيه عزيز). وقال قتادة: في يومٍ يُشتهى فيه الطعام).
والمقصود: إن من سبل اقتحام العقبة إطعام الطعام وخاصة عند انتشار الجوع ووجود الحاجة إليه، فإطعامه فضيلة وهو مع الجوع أفضل.
стр. 5273
أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد اللَّه بن سلام قال: [لما قدم رسول اللَّه ﷺ ، يعني: المدينة، انجفل الناس إليه، وقيل قدم رسول اللَّه ﷺ فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول اللَّه ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: يا أيها الناس أفشوا السلامَ، وأطعموا الطعام، وصَلُّوا والناسُ نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام] (١).
وقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾. قال ابن زيد: (ذا قرابة). والمعنى: أي يطعم اليتيم -وهو الصغير الذي لا أب له-، ويكون اليتيم من أقارب هذا المقتحم الذي يبغي النجاة في الآخرة.
أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن سلمان بن عامر يبلغ به النبي ﷺ قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحِم ثِنْتان: صدقةٌ وصلة] (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾. أي لا شيء له، حتى كأنه لشدة فقره قد لصِقَ بالتراب. وهو من "ترب الرجل" إذا افتقر، والمتربة: المسكنة والفاقة. قال ابن عباس: (﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب). وفي رواية: (هو الذي لَصِقَ بالدقعاء من الفقر والحاجة، ليس له شيء). والدقعاء: التراب. وقال عكرمة: (هو الفقير المديونُ المحتاجُ). وقال سعيد بن جبير: (هو الذي لا أحدَ له). وقال قتادة: (هو ذو العيالى). وقيل: هو البعيدُ التربة -قاله ابن عباس- يعني الغريب عن وطنه. وكل ما سبق داخل في مفهوم الآية، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾.
أي: ثم إن ذلك المقتحم للعقبة إضافة إلى ما سبق من الأوصاف الجميلة فهو مؤمن يوصف بالتحلي برفيع الإيمان في قلبه، وجميل الأعمال على جوارحه، مع الاحتساب ثواب الابتلاء عند ربه، ورحمته عباد اللَّه جميعًا.
стр. 5274
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وفي الصحيحين عن جرير بن عبد اللَّه مرفوعًا: [لا يرحم اللَّه مَنْ لا يرحم الناس] (١).
وله شاهد صحيح رواه الحافظ العراقي عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده لا يضع اللَّه رحمته إلا على رحيم. قالوا: كلنا يرحم. قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة] (٢).
وأخرج البخاري في الأدب المفرد بسند قوي عن عبد اللَّه بن عمرو يرفعه: [مَنْ لَمْ يرحَمْ صغيرَنا، ويعرِفْ حَقَّ كبيرنا، فليسَ منا] (٣).
وأخرج الديلمي بسند حسن في الشواهد عن معقل بن يسار مرفوعًا: [أفضل الإيمان الصبرُ والسماحة] (٤).
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾. أي المتصفون بهذه الصفات هم أصحاب اليمين، الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. وقال يحيى بن سلام: (لأنهم ميامينُ على أنفسهم).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. أي: أصحاب الشمال. قال محمد بن كعب: (أي يأخذون كتبهم بشمائلهم). قال يحيى بن سلام: (لأنهم مشائيم على أنفسهم).
وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. قال ابن عباس: (مغلقة الأبواب).
стр. 5275
وقال سعيد بن جبير: (أي مُطبقةٌ). وقال مجاهد: (أصَد الباب بلغة قريش: أي أغلقه). وقال الضحاك: (﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: حيطٌ لا باب له).
وقال قتادة: (﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مطبقة فلا ضوءَ فيها ولا فُرَج، ولا خروج منها آخر الأبد).
قلت: وفي الصحاح: أوصَدْت الباب وآصَدْته أي أغلقته.
والقصود: تُطبق أبواب النار وتغلق على الكفار، لحبسهم فيها، وسدّ سبل الخلاص منها، أعاذنا اللَّه والمؤمنين من نار جهنم، بفضله ورحمته وكرمه.
تم تفسير سورة البلد بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأحد ٢٥ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٥/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
стр. 5276
دروس ونتائج وأحكام
١ - أقسم اللَّه بالبلد الحرام، تشريفًا لنبيه المقيم فيه ﵊.
٢ - الكبد من المكابدة، والعرب تقول كبد الرجل كبدًا إذا وجعت كبده وانتفخت، ثم استعمل في كل تعب ومشقة.
٣ - النجد: الطريق المرتفع الواضح، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾: أي طريق الخير وطريق الشر.
٤ - العقبة: موانع الطاعة، من النفس والهوى والشيطان وغير ذلك.
٥ - من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه منه بكل عُضْوٍ منه عُضْوًا من النار، حتى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ.
٦ - السَّغَب: الجوع، والمسغبة: المجاعة، والساغب: الجائع.
٧ - الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة.
٨ - من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا، فليس منا.
* * *
стр. 5277
٩١ - سورة الشمس
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١٥).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد في ذكرها أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر قال: [مر رجل من الأنصار بناضحين (١) على معاذ، وهو يصلي المغرب، فافتتح بسورة البقرة، فصلى الرجل ثم ذهب. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: أَفَتَّانٌ يا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ يا معاذُ، ألا قرأت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوهما] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال: [كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور] (٣).
الحديث الثالث: أخرج البخاري والنسائي عن جابر قال: [صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطول عليهم، فانصرف رجل منا. فأُخبر مُعاذ عنه، فقال: إنه مُنافق. فلما بلغ ذلكَ الرجلَ، دخل على النبي ﷺ فأخبره بما قال معاذ. فقال النبي
стр. 5278
- ﷺ : أتريدُ أنْ تكون فتَّانًا يا معاذُ، إذا أمَّمْتَ الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١).
الحديث الرابع: أخرج النسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: [ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول اللَّه ﷺ من فلان، فصلينا وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف في الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها] (٢).
موضوع السورة
القسم بالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض أن سعادة النفس في الدارين لمن زكاها، والشقاوة لمن دساها
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض والنفس أن الفلاح بتزكية هذه النفس والشقاء لمن دساها.
٢ - الإخبار عن تكذيب ثمود وطغيانهم، وخروج أشقاهم لعقر الناقة التي حذرهم نبيهم.
٣ - مقابلة اللَّه تعالى لهم بالغضب والانتقام، وإنزال العقاب والآلام.
стр. 5279
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١٠. قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالشمس ذلك الخلق العظيم، ويقسم بضوئها مبعث الحياة في عالمها الفخيم. ويقسم بالقمر والنهار والليل والسماء والأرض والنفس ومن خلقها في أحسن تقويم، أن الفلاح والسعادة لمن زكاها، والخيبة والشقاء لمن دساها.
فقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾. قسَمٌ من اللَّه بالشمس ونهارها. فإن الضحا وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تمّ ضياؤها. فهما قَسَمان: أقسم اللَّه بالشمس، وأقسم بضحا الشمس. قال مجاهد: (﴿وَضُحَاهَا﴾ أي ضوؤها وإشراقها). وقال قتادة: (بهاؤها). وقال السدي: (حرّها). وروى الضحاك عن ابن عباس: (﴿وَضُحَاهَا﴾ قال: جعل فيها الضوء وجعلها حارة).
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾. أي: إذا تبعها بعد غروب الشمس. فهو قسم بالقمر عند امتلائه أو قربه من الامتلاء. إذ يضيء الليل كله مع غروب الشمس إلى الفجر. وهذا في الحقيقة قسم بالضياء في طور آخر من أطواره. وعن ابن عباس: (﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ قال: يتلو النهار). وقال قتادة: (﴿تَلَاهَا﴾ ليلةَ الهلالِ، إذا سقطت الشمسُ رُئيَ الهلالُ). وقال ابن زيد: (هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه. وهو يتقدَّمها في النصف الأخير من الشهر).
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار إذا جلّى الشمس، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء. وعن مجاهد: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ قال: أضاء). وقال قتادة: (إذا غشيها النهار). وقيل: والنّهار إذا جلّى البسيطة، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ - ذكره مجاهد.
стр. 5280
قال القاسمي: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ أظهر الشمس. وذلك عند انتفاخ النهار وانبساطه. لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء). قلت: وهذه الأقسام كلها في تعظيم النور والضياء ليلتفت الإنسان إلى قيمة هذه النعمة الجليلة وآثارها في الإيمان والعلم، والنور والهداية في القلب، وإشراقة النفس.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالليل إذا يغشى الشمسَ حين تغيبُ فتظلمُ آلافاق. قال القرطبي: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ أي يغشى الشمس، فيذهب بضوئها عند سقوطها، قاله مجاهد وغيره. وقيل: يغشى الدنيا بالظُّلَم، فتُظلم الآفاق. فالكناية ترجع إلى غير مذكور).
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. فيه تأويلان حسب وقوع "ما" من الإعراب:
التأويل الأول: "ما" مصدرية. والتقدير: والسماء وبنيانها، أو: والسماء وبنائِها. كقوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس: ٢٧] أي بغفران ربي. قال قتادة: (﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وبناؤها: خَلْقُها).
التأويل الثاني: "ما" بمعنى "مَنْ". والتقدير: والسماء وبانيها، أو: والسماء ومَنْ بناها. قال مجاهد: (﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ قال: اللَّه بنى السماء). قلت: واختار التأويل الثاني ابن جرير، وكلا التأويلين صحيح.
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. الطَّحْوُ: البسط -قال الجوهري: طَحَوْتُه مثل دَحَوْتُه، أي: بسطته-. والمقصود: قسَمٌ من اللَّه بالأرض التي بُسطت من كل جانب. وعن مجاهد: (﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ دحَاها). وعن ابن عباس: (﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ أي: خلق فيها). أو قال: (قسَّمها). وقال ابن زيد: (بسَطها).
قلت: ومفهوم الطَّحْو والدَّحْو للأرض يفيد بسطها وتمهيدها للسكنى للضرب في أكنافها والتقلب في أقطارها، كما يشير اللفظ إلى كروية شكلها، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. قَسَمٌ من اللَّه تعالى بالنفس وتسويتها، أو بالنفس ومن سوّاها، حسب وقوع "ما" من الإعراب كما سبق. والمعنى: يقسم تعالى بالنفس التي أنشأها وسوّى أعضاءها وركب فيها الروح، وأودعها القوى النفسية الهائلة، والإدراكات الحسية العجيبة، وجعلها مستقيمة على الفطرة القويمة.
стр. 5281
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
ومن صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كُلُّ مولودٍ يولد على الفِطْرةِ، فأبواه يهوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمةُ بهيمة جمْعاء هل تُحسُّون فيها من جدعاء] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: [نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ] (٢).
الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح، وأحمد في المسند، عن عياض بن حِمَار قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [قال اللَّه : إني خلقت عبادي حُنَفاءَ، فجاءتهم الشياطين فاجتالَتْهُم عن دينهم] (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. أي عَرَّفها طريق الفجور وطريق التقوى ومآل كل منهما. قال ابن عباس: (﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: بَيَّنَ لها الخيرَ والشر). وقال سعيد بن جبير: (ألهمها الخير والشر). وقال مجاهد: (عَرَّفها الطاعة والمعصية). وقال ابن زيد: (جعل فيها فجورها وتقواها).
وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدِّيلِيِّ قال: قال لي عِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ: أَرأَيْتَ ما يَعْملُ الناسُ اليومَ ويكدحونَ فيه، أشيْءٌ قُضِيَ عليهم ومضى عليهم مِنْ قَدَرِ ما سَبَقَ؟ أو فيما يُسْتَقْبَلُونَ به ممَّا أَتاهم به نبيُّهم وثَبَتَت الحُجَّةُ عليهم؟ فقلتُ: بل شيءٌ قُضِيَ عليهم، ومضى عليهم، قال: فقال: أفلا يكونُ ظُلْمًا؟ قال: فَفَزِعْتُ مِنْ ذلكَ فَزَعًا
стр. 5282
شديدًا، وقلتُ: كُلُّ شيءٍ خَلْقُ اللَّهِ ومِلْكُ يَدِهِ، فلا يُسْأَلُ عمَّا يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُون. فقال لي: يَرْحَمُكَ اللَّه! إني لَمْ أُرِدْ بما سَأَلْتُكَ إلا لأَحْزِرَ عَقْلَكَ (١)، إنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيا رسول اللَّه ﷺ فقالا: يا رسولَ اللَّه! أَرَأَيْتَ ما يَعْمَلُ الناسُ اليومَ، ويَكْدَحُون (٢) فيه، أشيءٌ قُضِيَ عليهم وَمَضَى فيهم مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ ، أَوْ فيما يُسْتَقْبَلُونَ به مِمَّا أَتَاهُم به نَبِيُّهمْ، وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟ فقال: "لا، بل شيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم، وتصديقُ ذلك في كتاب اللَّه : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾] (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. هو جواب القسم. وأصل الزكاة: النموّ والزيادة، ومنه زكا الزرع، إذا كثر ريْعُه، ومنه تزكية القاضي للشاهد، لأنه يرفعه بالتعديل، وذكر الجميل. قال القرطبي: (فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمالِ البر، شَهَرَ نفسه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبا وارتفاعَ الأرض، ليشتهر مكانُها للمُعْتِفِين (٤)، وتوقد النار في الليل للطارقين. وكانت اللئام تنزل الأَوْلاج والأطراف والأهضام (٥)، ليخفى مكانها عن الطالبين. فاولئك عَلَّوا أنفسهم وزَكَّوها، وهؤلاء أخفَوا أنفسهم ودَسُّوها).
وفي الآية تأويلان متكاملان يقتضيهما الإعجاز البياني للقرآن:
التأويل الأول: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة اللَّه، وطهّرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. قال قتادة: (من عمل خيرًا زكّاها بطاعة اللَّه). وقال أيضًا: (قد أفلح من زكّى نفسه بعمل صالح). وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
التأويل الثاني: قد أفلح من زكّى اللَّه نفسه. وهو قول ابن عباس. وقال ابن جرير: (يقول: قد أفلح من زكى اللَّه نفسه، فكثر تطهيرها من الكفر والمعاصي، وأصلحها بالصالحات من الأعمال).
وقوله تعالى: (﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال أهل اللغة: (والأصل: دسَّسَها، من
стр. 5283
التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء، فأبدلت سينه ياء، كما يقال: قَصَّيتُ أظفاري، وأصله قَصَّصْتُ أظفاري). ذكره القرطبي، وقال: (وكذا الفاجر أبدًا خَفِيّ المكان، زَمِرُ (١) المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي. وقيل: دساها: أغواها).
وللآية تأويلان متكاملان كما سبق:
التأويل الأول: قد خاب من أهمل نفسه وتركها تركب المعاصي والآثام، وتخوض في معصية الرحمان. قال مجاهد: (﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ قال: أضَلَّها). وقال سعيد بن جبير: (أغواها). وقال قتادة: (أثَّمها وأفجرها).
التأويل الثاني: قد خاب من دسَّى اللَّه نفسه. قاله ابن عباس، وابن زيد.
في صحيح السنة من آفاق هذه الآيات أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن أبي عاصم بسند حسن عن أبي هريرة، أنه سمع النبي ﷺ يقول: [﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: اللهم إيت نفسي تقواها. زكها أنت خير من زكّاها. أنت وليها ومولاها] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس قال: [كان رسول اللَّه ﷺ إذا مرَّ بهذه الآية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقف ثم قال: اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكّاها] (٣).
الحديث الثالث: خَرَّجَ مُسْلِمٌ في الصحيح عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول اللَّه ﷺ يقول، قال: [كان يقول: اللهم! إني أعوذ بك من العجز والكَسَل، والجُبْنِ والبُخْلِ، والهَرَمِ وعذاب القبر، اللهم! آتِ نفسي تَقْواها، وزَكِّها أنْتَ خيرُ من زَكَّاها، أنت وَلِيُّها ومَوْلَاها، اللهُمَّ! إني أعوذ بكَ مِنَ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، ومِنْ قلبِ لا يخشعُ، ومِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ومَنْ دَعْوَةٍ لا يُستجاب لها] (٤).
стр. 5284
١١ - ١٥. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾.
في هذه الآيات: إخبارٌ من اللَّه تعالى عن تكذيب ثمود رسولهم، بسبب ما كانوا عليه من بغيهم وكبرهم وطغيانهم، حتى انبعث أعتاهم وأشقاهم، فعقر الناقة التي جعلها اللَّه اختبارًا لهم، فقابلهم اللَّه تعالى بغضبه وسخطه، ونقمته وعقابه.
فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. الطغيان: مجاوزة الحد في المعاصي. قال ابن زيد: (بطغيانهم وبمعصيتهم). قال البخاري: (وقال مجاهد: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: بمعاصيها). والمقصود: بسبب المعاصي والطغيان، الذي حملهم على تكذيب نبي الرحمان، صَالِحٍ ﵊.
وقوله تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. أي: حين قام أشقى ثمود، أو أشقى البرية، وهو قُدار بنُ سالف، وهو أحيمر ثَمود، وكان عزيزًا في قومه شريفًا نسيبًا رئيسًا مطاعًا، فعقر الناقة. ومعنى انبعثَ: انتدب لذلك وقام به.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧].
وفي صحيح البخاري عن عبد اللَّه بن زَمْعَةَ: [أنّه سمعَ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ وذكَرَ الناقة والذي عَقَر، فقال رسول اللَّه ﷺ : ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: انبعثَ لها رجُلٌ عَزيزٌ عارِمٌ مَنيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبي زَمْعَةَ] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾. قال قتادة: (قسْم اللَّه الذي قَسَمَ لها من هذا الماء). والمقصود: فقال لهم رسول اللَّه -صالحٌ ﵊ احذروا ناقة اللَّه وذروها، وأعطوها حقّها من شِربها من الماء، فلا تتعرضوا لها يوم شربها.
стр. 5285
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. أي: فكذبوا صالحًا ﵇ فيما جاءهم به من الحق، حتى حملهم تكذيبهم على عقر الناقة التي أخرجها من الصخرة آية لهم وحجّة عليهم. قال القرطبي: (﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله).
وقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. دَمْدَمْتُ الشيء -في لغة العرب- أي ألزقته بالأرض وطَحْطَحْتُه. ودمدم اللَّه عليهم: أي أهلكهم. قال القُشَيري: (وقيل: دَمْدَمْتُ على الميت التراب: أي سَوَّيْتُ عليه (١)). والمقصود: أهلكهم اللَّه وأطبق عليهم العذاب، فسَوّى الأرض عليهم فجعلهم تحت التراب.
وعن ابن عباس: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ قال: دمَّرَ عليهم ربهم بذنبهم، أي بجُرمهم). وقال الفرّاء: (دمْدَم: أي أرجف). وقال المؤرِّج: (الدمدمة: إهلاك باستئصال). وقيل: حقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده. وكل ما سبق يقارب بعضه بعضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. فيه تأويلان:
التأويل الأول: لا يخاف من عقر الناقة عاقبة ما أقدم عليه. قال الضحاك: (﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لم يَخَفِ الذي عَقَرَها عقباها). وقال السدي: (لا يخاف الذي صنع عقبى ما صنع).
التأويل الثاني: لا يخاف اللَّه عاقبةً ولا تبعةً مِمَّا فَعَلَ بهم، فهو العظيم الجبار الذي يخافُه كل شيء. قال ابن عباس: (﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال: لا يخاف اللَّه من أحَدٍ تَبِعَةً). وقال الحسن: (ذاك ربنا ﵎، لا يخاف تبعةً مما صنعَ بهم). وقال أيضًا في رواية: (ذاك الرب صنَعَ ذلك بهم، ولم يخف تبعة). وقال قتادة: (لا يَخاف أن يُتْبَعَ بشيء مما صنعَ بهم). وعن مجاهد: (اللَّه لا يخاف عقباها).
قلت: والتأويل الثاني هو الأنسب للسياق، والمقصود الاستهزاء بهم وبالطغاة من أمثالهم، إذ كان ينبغي لهم تعظيم أمر اللَّه والخوف منه قبل أن يدكّهم العذاب، أمَا وَلَمْ يَفْعَلوا فإن اللَّه تعالى أنزل نقمته بهم، وانتصر لرسله منهم، وهو العزيز الجبار المنتقم الذي لا يمانعه أحد، ولا يخشى تبعة فعله من أحد.
стр. 5286
وقد قرأ أهل الحجاز والشام: ﴿فلا يخاف عقباها﴾ بالفاء، وقرأته قراء العراق بالواو ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وهو الأشهر، وكلا القراءتين معروف في الأمصار، واللَّه تعالى أعلم.
تم تفسير سورة الشمس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الثلاثاء ٢٧ ذي القعدة ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور.
٢ - كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانه.
٣ - كان رسول اللَّه ﷺ يدعو يقول: اللهم إيت نفسي تقواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها.
٤ - ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله. وكذلك كل عمل يرضى به الإنسان من أعمال البر أو الإفساد يلحقه ثوابه أو وزره.
وفي الحديث: [إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدَها فكرِهها كمنْ غاب عنها، ومَنْ غابَ عنها فرضِيَها كانَ كمن شهدها]- رواه أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة.
* * *
стр. 5287
٩٢ - سورة الليل
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢١).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد في ذكرها أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري والنسائي عن جابر قال: [صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطوّل عليهم، فانصرف رجل منا. فَأُخْبِرَ مُعاذ عنه، فقال: إنه مُنافق. فلما بلغ ذلكَ الرجل، دخل على النبي ﷺ فأخبره بما قال معاذ. فقال النبي ﷺ : أتريد أنْ تكون فتَّانًا يا معاذُ، إذا أَممْتَ الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١).
وفي رواية: [فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة].
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن سمرة قال: [كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا دحَضَت الشمسُ صَلَّى الظهر، وقرأ بنحو من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، والعصر كذلك، والصلوات إلا الصبح، فإنه كان يطيلها] (٢).
стр. 5288
موضوع السورة
القسم بالليل والنهار وبالجنسين، أنّ سعي العباد ومصيرهم شتى في الدارين
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالليل وغشيانه، وبالنهار وضيائه، وبالجنسين الذكر والأنثى، أنَّ سَعْيَ العباد شتى.
٢ - الثناء على الأتقياء المؤمنين المنفقين في وجوه الخير والوعد لهم بجنات النعيم، والتقريع على المنافقين المكذبين الذين يبخلون والوعيد لهم بصلي الجحيم.
٣ - العون من اللَّه تعالى لطالب الهدى واليقين، وكل ما في هذا الكون ملك للَّه العظيم.
٤ - النار مستقر أهل الشقاء الذين استحقوا العقاب، والنجاة لأهل السعادة الذين استحقوا الثواب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه، وبالنهار إذا ظهر بضيائه وإشراقه، وبالجنسين الذكر والأنثى من خلقه، أنّ سعيكم أيها الناس مختلف في مآله ومصيره، فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار، فساعٍ في فكاك نفسه، وساع
стр. 5289
في عطبها. فأما من بذل ماله في وجوه الخير واتقى محارم اللَّه التي نهى عنها، وصدق بموعود اللَّه بالثواب والجنة فسييسره اللَّه للخصلة اليسرى: العمل بطاعة اللَّه والإنفاق في سبيله حتى بلوغ الجنة. وأما من بخل بالبذل والفضل واستغنى عن ربه، وكذب بموعوده، فسييسره اللَّه للخصلة العسرى، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار.
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. قَسَم من اللَّه بالليل إذا وارى كل شيء بظلامه. قال القاسمي: (أي يغشى الشمس أو النهار بظلمته، فيذهب بِذَاكَ الضياء).
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. قال ابن كثير: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، أي: بضيائه وإشراقه).
وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. فيه تأويلان ممكنان:
التأويل الأول: قَسَمٌ من اللَّه بنفسه. قال الحسن: (معناه والذي خلق الذكر والأنثى).
التأويل الثاني: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بخلقه لجنسي الذكر والأنثى من بني آدم وغيرهم. فتكون "ما" مصدرية كما سبق.
أخرج البخاري في صحيحه عن إبراهيم، عن عَلْقَمةَ قال: [دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِنْ أصحابِ عبد اللَّه الشَّامَ فَسَمِعَ بنا أبو الدَّرْدَاء فأتانا فقال: أفيكم مَنْ يَقْرَأُ؟ فقُلنا: نعم. قال: فأَيُّكم أقْرأ؟ فاشاروا إليَّ، فقال: اقْرَأ، فقرأت ﴿والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى﴾ قال: آنْتَ سَمِعْتَها مِنْ في صاحِبِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: وأنا سَمِعْتُها مِنْ في النبي ﷺ ، وهؤلاء يَأَبُوْن علينا] (١).
وأخرج البخاري ومسلم عن الأعمش عن إبراهيم قال: [قَدِمَ أصحابُ عبدِ اللَّه على أبي الدرداء فَطَلَبَهُم فَوَجَدهم فقال: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ على عَبْدِ اللَّه قال: كُلُّنا، قال: فأيُّكم يَحْفَظُ؟ وأشاروا إلى عَلْقَمَةَ، قال: كيف سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قال علقمة: ﴿والذكر والأنثى﴾ قال: أشهد أنّي سمِعْتُ النبي ﷺ يقرأُ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ واللَّه لا أُتَابِعُهُم] (٢).
стр. 5290
ورواه الترمذي وقال: (وهكذا قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى).
قلت: وهذه قراءة شاذة، والقراءة المتواترة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. أي: كما اختلفت هذه الأشياء المُقْسَم بها اختلف ما وقع عليه القسم. قال عكرمة: (السعي: العمل، فَسَاع في فَكاك نفسه، وساعٍ في عَطبها).
قال القرطبي: (و"شَتّى": واحده شتيت، مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه. أي إنَّ عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى. أي فمنكم مؤمن وبرّ، وكافر وفاجر، ومطيع وعاصٍ. وقيل: ﴿لَشَتَّى﴾ أي لمختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل، وشبه ذلك).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: [كُلُّ الناس يَغْدو، فبايعٌ نَفْسَهُ، فمعتِقُها أَوْ مُوبِقُها] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. قال ابن عباس: (أعطى ما عنده واتقى. قال اتقى ربه). وقال قتادة: (﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ حق اللَّه ﴿وَاتَّقَى﴾ محارم اللَّه التي نهى عنها).
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال ابن عباس: (وصدق بالخَلَفِ من اللَّه). وقال عكرمة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بأن اللَّه سيخلف له). وقال الضحاك: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا اللَّه). وقال مجاهد: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بالجنة). وقال قتادة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بموعود اللَّه على نفسه، فعمل بذلك الموعود الذي وعده اللَّه). قلت: وجميع ما سبق من التأويل متقارب يكمل بعضه بعضًا.
وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. قال ابن عباس: (يعني للخير). وقال زيد بن أسلم: (يعني للجنة). قال ابن جرير: (يقول: فسنهيئه للخَلَّةِ اليسرى، وهي العمل بما يرضاه اللَّه منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة).