وقد قرأ أهل الحجاز والشام: ﴿فلا يخاف عقباها﴾ بالفاء، وقرأته قراء العراق بالواو ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وهو الأشهر، وكلا القراءتين معروف في الأمصار، واللَّه تعالى أعلم.
تم تفسير سورة الشمس بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الثلاثاء ٢٧ ذي القعدة ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٧/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ في العشاء الآخرة بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور.
٢ - كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانِه أو يُمَجِّسانه.
٣ - كان رسول اللَّه ﷺ يدعو يقول: اللهم إيت نفسي تقواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها.
٤ - ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي عقرها الأشقى. وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله. وكذلك كل عمل يرضى به الإنسان من أعمال البر أو الإفساد يلحقه ثوابه أو وزره.
وفي الحديث: [إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدَها فكرِهها كمنْ غاب عنها، ومَنْ غابَ عنها فرضِيَها كانَ كمن شهدها]- رواه أبو داود بسند حسن عن العرس بن عميرة.
* * *
стр. 5287
٩٢ - سورة الليل
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٢١).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد في ذكرها أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري والنسائي عن جابر قال: [صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطوّل عليهم، فانصرف رجل منا. فَأُخْبِرَ مُعاذ عنه، فقال: إنه مُنافق. فلما بلغ ذلكَ الرجل، دخل على النبي ﷺ فأخبره بما قال معاذ. فقال النبي ﷺ : أتريد أنْ تكون فتَّانًا يا معاذُ، إذا أَممْتَ الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١).
وفي رواية: [فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة].
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن سمرة قال: [كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا دحَضَت الشمسُ صَلَّى الظهر، وقرأ بنحو من ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، والعصر كذلك، والصلوات إلا الصبح، فإنه كان يطيلها] (٢).
стр. 5288
موضوع السورة
القسم بالليل والنهار وبالجنسين، أنّ سعي العباد ومصيرهم شتى في الدارين
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالليل وغشيانه، وبالنهار وضيائه، وبالجنسين الذكر والأنثى، أنَّ سَعْيَ العباد شتى.
٢ - الثناء على الأتقياء المؤمنين المنفقين في وجوه الخير والوعد لهم بجنات النعيم، والتقريع على المنافقين المكذبين الذين يبخلون والوعيد لهم بصلي الجحيم.
٣ - العون من اللَّه تعالى لطالب الهدى واليقين، وكل ما في هذا الكون ملك للَّه العظيم.
٤ - النار مستقر أهل الشقاء الذين استحقوا العقاب، والنجاة لأهل السعادة الذين استحقوا الثواب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالليل إذا غشي الخليقة بظلامه، وبالنهار إذا ظهر بضيائه وإشراقه، وبالجنسين الذكر والأنثى من خلقه، أنّ سعيكم أيها الناس مختلف في مآله ومصيره، فمنه عمل للجنة، ومنه عمل للنار، فساعٍ في فكاك نفسه، وساع
стр. 5289
في عطبها. فأما من بذل ماله في وجوه الخير واتقى محارم اللَّه التي نهى عنها، وصدق بموعود اللَّه بالثواب والجنة فسييسره اللَّه للخصلة اليسرى: العمل بطاعة اللَّه والإنفاق في سبيله حتى بلوغ الجنة. وأما من بخل بالبذل والفضل واستغنى عن ربه، وكذب بموعوده، فسييسره اللَّه للخصلة العسرى، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، فيؤديه ذلك إلى النار.
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. قَسَم من اللَّه بالليل إذا وارى كل شيء بظلامه. قال القاسمي: (أي يغشى الشمس أو النهار بظلمته، فيذهب بِذَاكَ الضياء).
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل. قال ابن كثير: (﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، أي: بضيائه وإشراقه).
وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. فيه تأويلان ممكنان:
التأويل الأول: قَسَمٌ من اللَّه بنفسه. قال الحسن: (معناه والذي خلق الذكر والأنثى).
التأويل الثاني: قَسَمٌ من اللَّه تعالى بخلقه لجنسي الذكر والأنثى من بني آدم وغيرهم. فتكون "ما" مصدرية كما سبق.
أخرج البخاري في صحيحه عن إبراهيم، عن عَلْقَمةَ قال: [دَخَلْتُ في نَفَرٍ مِنْ أصحابِ عبد اللَّه الشَّامَ فَسَمِعَ بنا أبو الدَّرْدَاء فأتانا فقال: أفيكم مَنْ يَقْرَأُ؟ فقُلنا: نعم. قال: فأَيُّكم أقْرأ؟ فاشاروا إليَّ، فقال: اقْرَأ، فقرأت ﴿والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. والذكر والأنثى﴾ قال: آنْتَ سَمِعْتَها مِنْ في صاحِبِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قال: وأنا سَمِعْتُها مِنْ في النبي ﷺ ، وهؤلاء يَأَبُوْن علينا] (١).
وأخرج البخاري ومسلم عن الأعمش عن إبراهيم قال: [قَدِمَ أصحابُ عبدِ اللَّه على أبي الدرداء فَطَلَبَهُم فَوَجَدهم فقال: أَيُّكُمْ يَقْرَأُ على عَبْدِ اللَّه قال: كُلُّنا، قال: فأيُّكم يَحْفَظُ؟ وأشاروا إلى عَلْقَمَةَ، قال: كيف سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ قال علقمة: ﴿والذكر والأنثى﴾ قال: أشهد أنّي سمِعْتُ النبي ﷺ يقرأُ هكذا، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ واللَّه لا أُتَابِعُهُم] (٢).
стр. 5290
ورواه الترمذي وقال: (وهكذا قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ والذكر والأنثى).
قلت: وهذه قراءة شاذة، والقراءة المتواترة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. جواب القسم. والمعنى: إن عملكم لمختلف. أي: كما اختلفت هذه الأشياء المُقْسَم بها اختلف ما وقع عليه القسم. قال عكرمة: (السعي: العمل، فَسَاع في فَكاك نفسه، وساعٍ في عَطبها).
قال القرطبي: (و"شَتّى": واحده شتيت، مثل مريض ومرضى. وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه. أي إنَّ عملكم لمتباعد بعضه من بعض، لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى. أي فمنكم مؤمن وبرّ، وكافر وفاجر، ومطيع وعاصٍ. وقيل: ﴿لَشَتَّى﴾ أي لمختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار. وقيل: أي لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل، وشبه ذلك).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: [كُلُّ الناس يَغْدو، فبايعٌ نَفْسَهُ، فمعتِقُها أَوْ مُوبِقُها] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. قال ابن عباس: (أعطى ما عنده واتقى. قال اتقى ربه). وقال قتادة: (﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ حق اللَّه ﴿وَاتَّقَى﴾ محارم اللَّه التي نهى عنها).
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال ابن عباس: (وصدق بالخَلَفِ من اللَّه). وقال عكرمة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بأن اللَّه سيخلف له). وقال الضحاك: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا اللَّه). وقال مجاهد: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بالجنة). وقال قتادة: (﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بموعود اللَّه على نفسه، فعمل بذلك الموعود الذي وعده اللَّه). قلت: وجميع ما سبق من التأويل متقارب يكمل بعضه بعضًا.
وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. قال ابن عباس: (يعني للخير). وقال زيد بن أسلم: (يعني للجنة). قال ابن جرير: (يقول: فسنهيئه للخَلَّةِ اليسرى، وهي العمل بما يرضاه اللَّه منه في الدنيا، ليوجب له به في الآخرة الجنة).
стр. 5291
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. قال ابن عباس: (بخل بما عنده، واستغنى في نفسه). وقال أيضًا: (وأما من بخل بالفضل، واستغنى عن ربه).
وقال كذلك: (يقول: من أغناه اللَّه، فبخل بالزكاة). وقال قتادة: (وأما من بخل بحق اللَّه عليه، واستغنى في نفسه عن ربه).
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾. قال ابن عباس: (وكذب بالخَلَفِ من اللَّه). وقال قتادة: (وكذّب بموعود اللَّه الذي وعد). وقال الضحاك: (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ بلا إله إلا اللَّه). وقال مجاهد: (﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ قال: بالجنة).
وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. أي لطريق الشر، وللضياع والخذلان، وطريق صِليّ النيران.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤].
وفي صحيح السنة العطرة في آفاق هذه الآيات أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن عَليّ ﵁ قال: [كُنّا مع النبي ﷺ في بقيع الغَرْقَدِ في جنازةٍ، فقال: "ما مِنكم مِنْ أَحَدٍ إلا وقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجنة ومَقْعَدُه من النار". فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نَتَّكِلُ؟ فقال: "اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ"، ثُمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن عن عليٍّ ﵁ قال: [كُنَّا في جَنَازَةٍ في بقيع الغَرقَدِ، فأتانا رسول اللَّه ﷺ ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنا حوْلَهُ ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ. ثُمَّ قال: "ما منكم مِنْ أَحَدٍ، وما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةِ إلا كُتِبَ مكانُها مِنَ الجنة والنَّار، وإلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أو سعيدةً". قال رجل: يا رسول اللَّه، أَفَلَا نَتَّكِلُ على كتابِنا ونَدَعُ العملَ؟ فَمَنْ كانَ مِنّا مِنْ أهل السعادة فسيصيرُ
стр. 5292
إلى أهْلِ السعادة، ومَنْ كانَ مِنّا مِنْ أهل الشَّقاءِ فسيصير إلى عَمَلِ أهل الشقاوة. قال: "أمّا أهْلُ السَّعادَة فَيُيَسَّرُون لِعَمَلِ أهل السَّعادة، وأمّا أَهْلُ الشَّقاوة فَيُيَسَّرون لِعَمَلِ أهل الشّقاء". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآية] (١).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح، وابن جرير في التفسير، عن جابر قال: [جاءَ سُراقةُ بنُ مالك بن جُعْشُم قال: يا رسول اللَّه! بَيِّنْ لنا دينَنا كأنّا خُلِقْنا الآن، فيمَ العملُ اليوم؟ أفيما جَفَّتْ به الأقلامُ وجَرَتْ به المقاديرُ، أمْ فيما نَسْتَقْبِلُ؟ قال: "لا، بلْ فيما جَفَّتْ به الأقلامُ وجَرَتْ به المقاديرُ" قال: ففيم العَمَلُ؟ فقال: "اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ"] (٢).
وفي رواية: [كل عامل مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال مجاهد: (أي: إذا مات). وقال زيد بن أسلم؟ (إذا تردى في النار). والمعنى: وأيّ شيء يدفع مال هذا الذي بخل بماله واستغنى عن ربه إذا هو قضى، ثم سقط في جهنم وهوى، إنه لا ينفعه ماله يومئذ شيئًا.
١٢ - ٢١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.
في هذه الآيات: طالب الهدى يلقى العون من اللَّه الكريم، فجميع ما في الدنيا والآخرة ملك للَّه العظيم، وهذه النار مستقر أهل الشقاء الذين استحقوا العقاب، وسيجنبها أهل السعادة الذين استحقوا أحسن الثواب.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. قال قتادة: (يقول: على اللَّه البيان، بيان حلاله
стр. 5293
وحرامه، وطاعته ومعصيته). وقال الفراء: (من سلك الهدى فعلى اللَّه سبيله، يقول: من أراد اللَّهَ فاللَّهُ على الطريق، من أراده اهتدى إليه). والمقصود: على اللَّه بيان الحلال والحرام، ومن سلك طريق الهدى وصل إلى الرحمان، كما قال جلت عظمته: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. أي: لنا كل ما في الآخرة وكلّ ما في الدنيا، نتصرف به كيف نشاء. فالجميع ملك له .
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. أي: تتوقد وتتوهج. قال مجاهد: (توهَّج). قال القرطبي: (﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ أي حذرتكم وخوّفتكم. ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ أي تَلَهَّب وتتوقد. وأصله تتلظى).
وفي مسند الإمام أحمد على شرط مسلم، عن سماك بن حرب قال: [سمعت النعمان بن بشير يخطبُ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يخطبُ يقول: "أَنْذَرْتُكُم النار، أنْذَرتُكُم النار، أَنْذَرْتُكُم النار" حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسَمِعَه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خَميصة كانت على عاتقه عند رِجليه] (١).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يدخُلها دخولًا تُحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى). والمقصود: هو الكافر الشقي الذي يجد صَلاها، وهو حرّها ولهيبُها، ويخلد فيها.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. أي: كذب بالحق بقلبه، وأعرض عن العمل بجوارحه. وقال النسفي: (إلا الكافرُ الذي كذب الرسل وأعرض عن الإيمان).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [كُلُّ أمتي يدخُل الجنة يوم القيامة إلا مَنْ أبى. قالوا: ومَنْ يأبى يا رسول اللَّه؟ ! قال: من أطاعني دخَل الجنة، ومن عصاني فقد أبى] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. قال ابن جرير: (يقول: وسَيُوَقَّى صِلِيّ النار التي تلظّى التقيّ).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. يتزكى: أي يتطهر بهذا الإنفاق من الذنوب.
стр. 5294
قال القاسمي: (أي ينفق ماله في سبيل الخير، يتزكى عن رجس البخل ودانس الإمساك).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. أي: إنه لا يتصدّق بماله ليجازي بصدقته نعمةً لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾. قال قتادة: (يقول: ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم، إنما عطيته للَّه).
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. أي: وتاللَّه لسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق اللَّه يتزكى بذلك، إذا لقي ربه ﵎، مما يلقى من رفيع الكرامة وعظيم الجزاء وروعة الاستقبال.
قلت: والجمهور على أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر ﵁، وهذا حق تدل عليه الآثار والنصوص العطرة، وإن كانت الآيات بعمومها تشمل كل مماثل بالبذل والصدق والجهاد.
لقد كان أبو بكر بحقٍ فارس البذل في سبيل اللَّه لاستنقاذ المؤمنين الأوائل من التعذيب والاضطهاد، فلقد اشترى بلالًا فأعتقه كما يروي البخاري. وروى ابن أبي شيبة عن قيس بن أبي حازم قال: (اشترى أبو بكر بلالًا بخمس أواق وهو مدفون بالحجارة. قالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعنا، فقال لو أبيتم إلا مئة أوقية لأخذته) وهو مرسل صحيح (١).
ويذكر إمام أهل المغازي عروة بن الزبير فيقول: (أعتق أبو بكر ﵁ ممّن يعذَّبُ في اللَّه سبعة: عامِرُ بن فُهيرة، وبلال، ونُذيرة، وأم عُبيس، والنَّهدية، وأختها، وجارية بني عمرو بن مؤمل) (٢).
ثم ذكر عروة: (أنّ أبا بكر مَرَّ بالنّهدية ومولاتها تعذبها تقول: واللَّه لا أُعْتِقُك حتى تعتقك حياتُك. فقال أبو بكر: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، فقال: قد أخذتها وأعتقتها) (٣).
стр. 5295
وقد أخرج الحاكم في المستدرك بسند حسن: [أنّ أبا قحافة -عثمان بن عامر- قال لابنه أبي بكر: يا بني! أراك تعتق رقابًا ضعافًا. فلو أعتقت قومًا جلدًا يمنعونَك؟ فقال: إني أريد ما أريد (أي أريد وجه اللَّه لا المنعة) فنزلت الآية ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾] (١). والمقصود أبو بكر ﵁.
فكان ﵁ ممن سارع لامتثال قوله : ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠].
وفي صحيح البخاري ومسند أحمد وسنن النسائي والترمذي عن أبي هريرة قال: [قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أنفق زوجين من ماله في سبيل اللَّه دُعِيَ من أبواب الجنة، وللجنة أبوابٌ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الرَّيان". فقال أبو بكر -رضي اللَّه تعالى عنه-: يا رسول اللَّه، ما عَلى أحد من ضَرورةٍ دُعِيَ، من أيها دُعِيَ، فهل يُدعَى منها كلِّها أحدٌ يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم"] (٢).
وفي صحيح البخاري من حديث أبي الدرداء، قال النبي ﷺ : [إن اللَّه بعثني إليكم فقلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صَدَق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أُوذِيَ بعدها] (٣).
تم تفسير سورة الليل بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأربعاء ٢٨ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٨/ كانون الأول/ ٢٠٠٦ م
стр. 5296
دروس ونتائج وأحكام
١ - السنة عدم الإطالة في صلاة العشاء، فإذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
٢ - السعي: العمل، فَسَاعٍ في فكاك نفسه، وساعٍ في عطبها.
٣ - "شتى": واحده شتيت، وقيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه.
٤ - أهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاء. فكل عامل مُيَسَّر لعمله.
٥ - يدعى المؤمنون للجنة من أبواب مختلفة. فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومَنْ كان من أهل الجهاد دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الرَّيان.
* * *
стр. 5297
٩٣ - سورة الضحى
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١).
أخرج النسائي في "التفسير والسنن" بإسناد صحيح عن جابر قال: [قام معاذٌ فَصَلَّى العشاء الآخرةَ فطَوَّلَ، فقال النبي ﷺ : أفَتَّانٌ يا معاذُ؟ أفَتَّانٌ يا معاذُ؟ ! أَيْنَ كُنْتَ عن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾] (١).
موضوع السورة
القَسَمُ بالليل والنهار، أن اللَّه حافظ حبيبه سيد الأخيار
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالليل والنهار، أنه ما وَدَّعَ حبيبه ورسوله سيد الأخيار.
٢ - تأكيد اللَّه لنبيّه ﷺ أن الجنة خير له من هذه الدنيا، وأنه سَيُمَكِّنُه ويعطيه من فضله حتى يرضى.
стр. 5298
٣ - امتنان اللَّه تعالى على نبيه الكريم، أن آواه وهو يتيم، وأغناه وهداه إلى الصراط المستقيم.
٤ - وصية اللَّه لنبيه الرحمة بالأيتام والمساكين، والتحدث بنعمة اللَّه العظيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.
في هذه الآيات: يُقْسِمُ اللَّه تعالى بالليل والنهار، أنه ما وَدَّعَ حبيبه ورسوله سيد الأخيار، وأن الجنة خير له من هذه الدنيا، وأنه سَيُمَكِّنُه ويؤتيه من فضله حتى يرضى، فلقد آواه في يتمه وهداه وأغنى، ليكون لليتيم كالأب الرحيم، وليكون رؤوفًا بالمساكين، وليحدث بنعمة ربه العظيم.
أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني بسند صحيح -واللفظ للحاكم- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [سَأَلْتُ رَبِّي مسألةً وَوَدِدْتُ أنِّي لم أسأَلْه، قُلْتُ: يا ربِّ! كانت قبلي رسلٌ، منهم من سَخَّرْتَ له الرياحَ، ومنهم من كان يُحيي الموتى، وكلّمتَ موسى. قال: أَلَمْ أَجِدْك يتيمًا فآويتُكَ؟ ألم أَجِدْكَ ضالًا فهديتُكَ؟ ألم أجِدكَ عائلًا فأغْنَيْتُكَ؟ ألم أشرحْ لك صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عنكَ وِزْرَكَ؟ قال: فقلت: بلى يا رب! فوددتُ أنْ لم أسألْه] (١).
فقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالنهار. والضُّحا اسم لوقت ارتفاع الشمس. قال قتادة: (﴿وَالضُّحَى﴾ ساعة من ساعات النهار).
стр. 5299
وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالليل إذا غطَّى كل شيء. قال الأصمعي: (سجو الليل تغطيته النهار، مثل ما يُسَجَّى الرجل بالثوب). والعرب تقول: سجا الشيء أي سكن ودام. قلت: وكأن المقصود إقسامٌ من اللَّه تعالى بالنهار إذا أقبل، وبالليل إذا سيطر.
وعن ابن عباس: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يقول: والليل إذا أقبل). وقال الحسن: (إذا لَبِسَ الناس، إذا جاء). وقال مجاهد: (إذا استوى). وقال قتادة: (سكَن بالخلق). وقال الضحاك: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ يعني: استقراره وسكونه). وقال ابن زيد: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ قال: إذا سكن، قال: ذلك سجْوه، كما يكون سكون البحر سجوه).
وقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. هو جواب القسم. أي: ما قطعك ربك -يا محمد- قطع المودِّع، ولم يقطع عنك الوحي ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك. والقِلَى في لغة العرب البُغْض، تقول: قَلاهُ تقْليه قِلًى وقَلاءً، بالفتح والمدّ. وعن ابن عباس: (﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ يقول: ما تركك ربك، وما أبغضك). وقال ابن زيد: (ما قلاك ربك وما أبغضك. قال: والقالي: المبغض).
أخرج البخاري ومسلم والنسائي والترمذي عن جُنْدب بن سُفيانَ قال: [اشتكى رسول اللَّه ﷺ فلم يَقُمْ لَيْلَتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانُكَ قَدْ ترَكَك، لَمْ أرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل اللَّه : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾] (١).
وأخرج الإمام مسلم في الصحيح عن الأسود بن قَيْسٍ أنه سَمِعَ جُنْدُبًا يقول: [أَبْطَأَ جِبْريلُ على رسول اللَّه ﷺ ، فقال المشركون: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فأنزل اللَّه : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. أي: وللجنة خير لك -يا محمد- من هذه الدنيا، هذا مع ما قد أوتي في الدنيا من شرف النبوة وجمال الشوكة والتمكين في الأرض، ولكنه كان أزهد الخلق فيها.
أخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، بإسناد صحيح على شرط مسلم
стр. 5300
عن أبي زُرعة عن أبي هريرة قال: [جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال له جبريل: هذا المَلَكُ ما نزل منذ خُلِقَ قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربُّك: أمَلِكًا أجعلك أم عبدًا رسولًا؟ قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد! فقال رسول اللَّه ﷺ : لا، بل عبدًا رسولًا] (١).
وفي جامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومسند أحمد بسند صحيح عن عَلْقَمةَ، عن عبد اللَّه -وهو ابن مسعود- قال: [اضطجع رسول اللَّه ﷺ على حَصِير، فأثَّرَ في جنبه، فلما استيقظَ جَعَلت أمسح جَنْبَهُ وقلتُ: يا رسولَ اللَّه! ألا آذَنْتَنا حتى نبسُط لك على الحصيرِ شيئًا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "مالي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثلُ الدنيا كراكبٍ ظَلَّ تحت شجرة ثم راحَ وتركَها"] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. أي: ولسوف يُمَكِّنُكَ ربك -يا محمد- ويعطيك من فواضل نعمه حتى ترضى، فيشمل ذلك: الفتح في الدين، والثواب والحوض والشفاعة لأمته في الآخرة.
أخرج الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم بسند حسن عن علي بن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه قال: [عُرِضَ على رسول اللَّه ﷺ ما هو مَفتُوح على أُمَّته من بعده كنزًا كنزًا، فَسُرَّ بذلك، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة أَلْفَ أَلْفَ قَصْرٍ، في كل قَصْرٍ ما ينبغي له من الأزواج والخُدَّام] (٣).
وفي رواية عند الطبراني في "الأوسط" -قال رسول اللَّه ﷺ : [عرض عليَّ ما هو مفتوح لأمتي من بعدي فسرّني، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾].
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. امتنان من اللَّه سبحانه على نبيِّه ﷺ أن رعاه منذ نعومة أظفاره. قال القرطبي: (قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾: لا أب لك قد مات أبوك، ﴿فَآوَى﴾ أي: جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك).
стр. 5301
وقيل لجعفر بن محمد الصادق: (لم أوتِمَ النبي ﷺ من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه حق).
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. أي: غافلًا عما يراد بك من أمر النبوة فهداك اللَّه وأرشدك لذلك. والضلال هنا بمعنى الغفلة، كما قال جل ذكره في سورة طه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وكما قال لنبيِّه في سورة يوسف: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
وقيل: بل المراد وجدك ضالًا لم تكن تدري الشرائع ولا القرآن، فهداك اللَّه إلى القرآن وإلى شرائع الإسلام، كما قال سبحانه في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ. . . .﴾. وقيل: بل المراد تنشئتك في قوم ضلال فهداهم بك سبحانه.
وعن قتادة: (﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ قال: كانت هذه منازل رسول اللَّه ﷺ قبل أن يبعثه اللَّه .
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. أي: وجدك فقيرًا ذا عيال لا مال لك، فأغناك بما أعطاك من الرزق. والعرب تقول: عال الرجل يعِيل عَيلة: إذا افتقر. قال النسفي: (﴿فَأَغْنَى﴾ أغناك بمال خديجة، أو بمال أفاء عليك من الغنائم).
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. قال قتادة: (كُنْ لليتيم كالأب الرحيم). قال ابن كثير: (أي: كما كنتَ يتيمًا فآواك اللَّه فلا تَقْهَر اليتيمَ، أي: لا تُذِلَّهُ وتَنْهَره وتُهنه، ولكن أَحْسِنْ إليه، وتَلَطَفْ به).
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فلا تكن جَبَّارًا، ولا مُتكبِّرًا، ولا فحَّاشًا، ولا فظًا على الضعفاء من عباد اللَّه). وقال قتادة: (يعني ردّ المِسكين برحمةٍ ولين). وعن السدي: (المراد طالب العلم إذا جاءه فلا تنهره). والمقصود: لا تنهر السائل إذا سالك، فكما كنت ضالًا فهداك اللَّه، فارفق بطالب العلم المسترشد. وكما كنت فقيرًا فأغناك اللَّه، فأطعم السائل أو ردَّه ردًّا لينًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. أمْرٌ من اللَّه لنبيّه بالتحدث بنعمة اللَّه عليه، وهو كذلك سُنّة في أمته.
فعن مجاهد: (﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال: بالنبوة). أي: حدِّث بالنبوة التي آتاك
стр. 5302
اللَّه وهي أجل النعم. وفي رواية عن مجاهد أيضًا: (﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ قال بالقرآن). والصحيح أنها تعم كل نعم اللَّه عليه.
وروى ابن جرير بِسنده عن أبي نضرة، قال: (كان المسلمون يرون أَنَّ مِنْ شكرِ النعم أن يحدث بها).
قلت: وهذا معنى مبسوط في روائع من السنة العطرة. ومن ذلك:
الحديث الأول: أخرج عبد اللَّه بن أحمد في "زوائد المسند"، وكذلك أحمد في المسند، والبزار والطبراني بسند حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ على المنبر: [مَنْ لمْ يشكُر القليلَ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناسَ لم يشكر اللَّه. والتحدُّث بنعمةِ اللَّه شكرٌ، وتركُها كفرٌ. والجماعةُ رحمةٌ، والفرقةُ عذابٌ] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لا يشكر اللَّه من لا يشكر الناس] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند حسن عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [من أُعْطِي عَطاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْز به، فإن لم يجد فَلْيُثْنِ به، فمن أثنى به فقد شَكَرَهُ، ومن كتَمَهُ فقد كفَرَه] (٣).
الحديث الرابع: أخرج أبو داود وأبو نعيم بسند صحيح عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [من أبلي بلاء فذكره، فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره] (٤).
الحديث الخامس: أخرج أبو يعلى بسند حسن من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [إنّ اللَّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده] (٥).
стр. 5303
الحديث السادس: أخرج النسائي وأحمد بسند صحيح عن مالك بن نضلة الجُشَمِيّ قال: [كنت عند رسول اللَّه ﷺ جالسًا، فرآني رَثَّ الثياب، فقال: "ألك مال"؟ قلت: نعم، يا رسول اللَّه، من كل المال. قال: إذا أتاك اللَّه مالًا فلْيُرَ أثره عليك] (١).
تم تفسير سورة الضحى بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّة وكرمه عِشاء يوم الخميس ٢٩ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٩/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - سجو الليل تغطيته النهار، والقِلى: البُغْض.
٢ - ما الدنيا في الآخرة إلا كراكب ظلَّ تحت شجرة ثم راحَ وتَرَكها.
٣ - إذا أردت تليين قلبك فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين.
٤ - مَنْ لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه، والتحدث بنعمة اللَّه شكر، وتركُها كفر.
٥ - إن اللَّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
* * *
стр. 5304
٩٤ - سورة الشرح
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨).
موضوع السورة
انشِراحُ صدر النبي ﵊ وإِتْباعُ اللَّه العسر باليسر والوصية بالتفرغ للعبادة والدعاء والقيام
- منهاج السورة -
١ - تذكيرُ اللَّه تعالى نبيّه ﷺ ببعض نعمه عليه كشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر.
٢ - تقرير اللَّه تعالى سنة من سننه العظيمة، وهي: إنَّ مع العسر يسرًا.
٣ - الوصية بالتفرغ للعبادة والقيام والدعاء، بعد الفراغ من الجهاد والبلاغ والبلاء.
стр. 5305
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.
في هذه الآيات: تذكير اللَّه تعالى نبيّه ببعض آلائه عليه، وإحسانه إليه، ليحضّه ذلك على المزيد من شكره، ويستوجب لديه الإكثار من حمده. وتقريره تعالى أن مع العسر يسرًا، وأن بعد الضيق فرجًا. فإذا حصل الفراغ من الجهاد والبلاغ والبلاء، فالخير كل الخير في التفرغ للعبادة والقيام والدعاء.
فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. امتنان من اللَّه تعالى على نبيه ﷺ . قال ابن جرير: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمد، للهدى والإيمان بِاللَّه ومعرفة الحق ﴿صَدْرَكَ﴾ فنلين لك قلبك، ونجعله وعاءً للحكمة). وقال ابن كثير: (يعني أما شرحنا لك صدرك؟ أي نوّرناه وجعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وكما شرحَ اللَّه صدره كذلك جعَلَ شرْعَه فسيحًا واسعًا سمْحًا سهلًا لا حَرَجَ فيه ولا إِصْرَ ولا ضيق).
قلت: والشَّرْحُ في لغة العرب الكَشْف، تقول: شرحَ الغامضَ أي فسَّره، وشرحُ الصدر فتحه وتليينه، ومنه قول ابن عباس: (﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: ألم نُلين لك قلبك). والمراد: قد شرحنا صدرك يا محمد لقبول النبوة، وملأناه حكمًا وعلمًا، لتقوم بأعباء الوحي وبلاغ النبوة.
وقد أخرج الترمذي -في كتاب التفسير عند هذه الآية- بإسناد صحيح عن مالك بن صعصعة: [أنّ نبيَّ اللَّه ﷺ قال: "بَيْنَما أنا عند البَيْتِ بَيْنَ النائم واليَقْظانِ، إذ سَمِعْتُ قائلًا يقولُ: أَحَدٌ بَيْنَ الثلاثَةِ، فأتُيتُ بِطَسْتٍ من ذهب، فيها ماء زَمْزَمَ، فشُرحَ صَدْري إلى كذا كذا". قال قتادة: قلت لأنس ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: "فاسْتُخْرِجَ
стр. 5306
قلبي فَغُسِل قلبي بماء زَمْزم، ثم أعيدَ مكانَهُ، ثم حُشِيَ إيمانًا وحِكْمةً"] (١).
ولا شك أن حدث شقّ صدره في طفولته ﷺ ثم ليلة الإسراء كما ذُكر في السيرة العطرة داخل في مفهوم هذه الآية، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال مجاهد: (ذَنْبَك). والوِزْر: الذنب. والمقصود: حططنا عنك ما سلف منك من زلل في الجاهلية. كما قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. قال النسفي: (﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ وخففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها. وقيل هو زلة لا تعرف بعينها وهي ترك الأفضل مع إتيان الفاضل، والأنبياء يعاتبون بمثلها، ووضعه عنه أن غفر له. والوزر: الحمل الثقيل).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. أي الذي أثقل ظهرك. والإنقاض: الصوت. والمقصود: لو كان حملًا يحمل لسمع نقيض ظهره من ثقل حمله.
وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. أي: في الدنيا والآخرة. قال مجاهد: (لا أُذكر إلا ذُكِرْتَ معي: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه). وقال قتادة: (رفع اللَّه ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة، إلا ينادي بها، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه).
ورُوي عن الضحاك عن ابن عباس، قال: (يقول له لا ذُكِرتُ إلا ذُكِرتَ معي في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجِمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. إخبار من اللَّه تعالى أن اليسر يعقب العسر، ثم أكّد ذلك أروع التأكيد. قال مجاهد: (﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: يتبع اليسرُ العسرَ). وفي الأثر عن عبد اللَّه بن مسعود قال: (لو دخل العسر في حُجْر، لجاء اليسر حتى يدخل عليه، لأن اللَّه يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾). وفي رواية: (والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حُجْر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ولن يغلب عسر يسرين).
стр. 5307
وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم، وما يُتَخَوّف منهم، فكتب إليه عمر ﵄: (أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من مَنزِل شدّة، يجعل اللَّه بعده فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن اللَّه تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]).
والمقصود بالآيات: تسلية للنبي ﷺ عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم، فإن مع الشدة التي أنت فيها -يا محمد- من جهاد هؤلاء المشركين وما في طريق الدعوة من عقبات وآلام، رجاء وفرجًا، ونصرًا قريبًا، وظفرًا مؤكدًا. وهو خطاب يمضي عبر الزمان يحمل الأمن والطمأنينة وبشائر النصر لرجال هذا الدين وعلمائه الذين يقارعون مناهج الكفر والطغيان في الأرضن حتى يُعْبدَ اللَّه تعالى وحده، ويُحكم بشرعه ويعلو منهاجه فوق كل مناهج الدنيا.
أخرج البزار في "مسنده"، وابن عدي في "الكامل"، بإسناد حسن في الشواهد، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ المَعُونَةَ تأتي مِنَ اللَّه على قَدْرِ المُؤْنة، وإن الصبرَ يأتي من اللَّه على قدْرِ البلاء] (١). والمؤنة والمؤونة: القوت.
وأخرج الخطيب في "التاريخ"، والديلمي بإسناد جيد، عن أنس مرفوعًا: [النَّصْرُ مع الصَّبرِ، والفرجُ مع الكَرْبِ، وإنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وإنَّ مع العُسْر يُسْرًا] (٢).
ومما يُروى عن الشافعي أنه قال:
صبرًا جميلًا ما أقْرَبَ الفَرجا ... من راقَبَ اللَّه في الأمور نجَا
مَن صدّق اللَّه لم ينلْه أذى ... ومَنْ رَجَاه يكونُ حَيْثُ رجَا
وقال ابن دُرَيد: أنشدني أبو حاتم السِّجستاني:
إذا اشتملت على اليأس القلوبُ ... وضاقَ لما به الصدرُ الرحيبُ
وأوطأتِ المكاره واطمأنَّت ... وَأَرستْ في أماكِنها الخُطوبُ
стр. 5308
ولم ترَ لانكشاف الضرِّ وجهًا ... ولا أغنى بحيلَتِه الأريب
أتاك على قُنوطٍ منك غَوثٌ ... يَمُنُّ به اللطيف المُسْتجيبُ
وكل الحادثات إذا تناهتْ ... فموصول بها الفرجُ القريبُ
وقال آخر:
ولرُبَّ ضائقة يضيق بها الفتى ... ذَرْعًا، وعند اللَّه منها المَخْرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فُرِجت، وكان يظنها لا تُفْرَجُ
وقال الشيخ خير الدين وانلي ﵀:
صَبَرَ الصحابةُ في الحروب يقودهم ... خيرُ الرجالِ وسيِّدُ الشُّجعان
حتى تقوَّضَتِ الشرور وزُلزلتْ ... أركانُ شركٍ عمَّ كالطوفانِ
وتحرّر البيت الحرامُ وحُطِّمَتْ ... أصنامُهُ فهوتْ على الأذقان
ورقى بلالٌ بالأذان مكبِّرًا ... اللَّه أكبرُ واحدٌ لا ثانِ
نَصْرٌ من اللَّه العزيز لجندِه ... والخِزيُ للطاغوتِ والشيطان
واللَّه ينصرُ ناصرًا لكتابهِ ... مُتَدَرِّعًا بالصبر والإيمان
لا يستحِقُّ النصرَ إلا صابرٌ ... ويبوءُ بالخُسْرانِ كُلُّ جَبانِ
اليُسْرُ يأتي بعدَ كلّ عَسيرة ... والنصرُ بعدَ النصرِ في المَيْدانِ
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. أي: فإذا فرغت من جهاد عدوك، أو من بلاغ دعوتك، أو من سفرك وما شَغَلَكَ، فاجتهد بدعائك وعبادتك، وتفرّغ إلى ربك. والخطاب للنبي ﷺ ، وهو إلى جميع أمته من بعده. فعن ابن عباس: (﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يقول: في الدعاء). وقال أيضًا: (يقول: فإذا فرغت مما فرض عليك من الصلاة فسل اللَّه، وارغب إليه، وانصب له). وقال الحسن: (أمره إذا فرغ من غزوه، أن يجتهد في الدعاء والعبادة). وقال ابن زيد عن أبيه: (فإذا فرغت من الجهاد، جهاد العرب، وانقطع جهادهم، فانصب لعبادة اللَّه ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾).
وقال مجاهد: (إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب، قال: فصلِّ). وقال: (إذا فرغت من أمر الدنيا، وقمت إلى الصلاة، فاجعل رغبتك ونيتك له).
قلت: ونَصَبَ الشيء -في لغة العرب- أقامه، ونَصِبَ: تَعِب. والمقصود: إذا فرغت من الموانع والعوائق فارجع لإقامة ما شُغلت عنه واجتهد في الذكر وطلب العلم
стр. 5309
والإعداد وألوان العبادة التي تحتاجها لنفير آخر، وموقف قادم، ومشهد من مشاهد الملاحم.
أخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا، ولم أسُدَّ فقرك] (١).
وله شاهد أخرجه الحاكم بسند صحيح عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول اللَّه: [يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم! تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غنى، وأملأ يديك رزقًا. يا ابن آدم! لا تباعدْ مني فأملأ قلبك فقرًا، وأملأ يديك شغلًا] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال مجاهد: (اجعل نيتك ورغبتك إلى اللَّه). والمقصود: فإذا فرغت من الموانع فانصب إلى الصلاة والذكر والدعاء، وأخلص رغبتك ونيتك إلى ربك ، فتضرّع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة، إنه تعالى قريب من أوليائه الصالحين، وهو الكريم المنعم البر الرحيم.
تم تفسير سورة الشرح بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الجمعة ٣٠ - ذي القعدة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣٠/ كانون الأول/ ٢٠٠٥ م
стр. 5310
دروس ونتائج وأحكام
١ - الشّرْحُ لغة الكشف، وشرح الصدر فتحه وتليينه.
٢ - النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا.
٣ - من كانت الآخرة همه جعل اللَّه غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.
٤ - يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى، وأسُدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أَسُدَّ فقرك.
* * *
стр. 5311
٩٥ - سورة التين
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد ذكر هذه السورة في السنة الصحيحة في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن البراء: [أنّ النبي ﷺ كان في سَفَرٍ، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج الشيخان وأصحاب السنن عن عَدِيِّ بن ثابت، أنه سمع البراء ﵁ قال: [سمعت النبي ﷺ يقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ في العشاء، وما سمعت أحدًا أحْسَن صوتًا منه أو قِراءةً] (٢).
الحديث الثالث: أخرج النسائي في السنن بإسناد صحيح عن البراء بن عازب قال: [صليت مع رسول اللَّه ﷺ العتمة، فقرأ فيها بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. وفي رواية: [كان رسول اللَّه ﷺ في سفر، فقرأ في العشاء في الركعة الأولى بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾] (٣).
стр. 5312
موضوع السورة
القسم بالتين والزيتون والطور ومكة أَنَّ خَلْقَ الإنسان في أحسن تقويم وأن النجاة بالإيمان والعمل الصالح وإلا كان المَرَدُّ إلى أسفل سافلين
- منهاج السورة -
١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالتين والزيتون والطور المبارك والبلد الحرام أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم.
٢ - مَرَدُّ الإنسان إلى أسفل سافلين، إن لم يكن على منهاج المرسلين.
٣ - التعجب من التكذيب بالدين، واللَّه يحكم وهو أحكم الحاكمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٨. قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه تعالى بالتين والزيتون والجبل المبارك والبلد الحرام أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأن مَرَدَّهُ إلى أسفل سافلين، إنْ لم يكن من المؤمنين على منهاج المرسلين، وهذا هو حكم اللَّه أحكم الحاكمين.
فقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قَسَمٌ من اللَّه بالتين الذي يأكله الناس، والزيتون الذي يعصرون منه الزيت. قال البخاري: (وقال مجاهد: هو التين والزيتون الذي يأكلُ الناس). وقال مجاهد أيضًا: (هو تينكم هذا). وقال عكرمة: (هو هذا الزيتون الذي تعصرون).
стр. 5313
وقوله تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. هو طور سيناء، أقسم اللَّه به. قال مجاهد: (﴿وَطُور﴾: الجبل و ﴿سِينِينَ﴾: المبارك). قال كعب الأحبار: (هو الجبل الذي كلَّم اللَّه عليه موسى). وقال عكرمة: (والسينين: الحسن، كما ينبت في السهل، كذلك ينبت في الجبل). وقال قتادة: (جبل بالشام، مبارك حسن).
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. يعني مكة، وسماه أمينًا لأنه آمِن. والمقصود: يقسم اللَّه تعالى بهذا البلد الحرام الآمن من أعدائه أن يحاربوا أهله، أو يغزوهم.
قلت: وقد جاء في التوراة: أنّ اللَّه تجلّى على الناس في أماكن ثلاثة، هِيَ: سيْنَاء، حيث أُعطي موسى ﵇ التوراةَ. ساعير "جبال في فلسطين"، حيث أُعطي الإنجيل لعيسى ﵇. مكَّة "فاران": حيث نزل القرآن على محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام.
تقول التوراة التي بين يدي اليهود إلى يومنا هذا: "جاء الرَّبُ من سَيناء، وأشرقَ لنا من ساعيرَ، وتلألأ من جبل فاران".
وفاران: هو الاسم القديم لمكة، كما تذكر التوراة نفسها في سِفْر التَّكوين (٢١: ٢٢).
وقد أشار بعض الباحثين، إلى أن القرآن قد أشار إلى هذه الأماكن الثلاثة بقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. التين والزيتون: إشارة إلى منابتهما في فلسطين. طور سينين: سَيْناء. هذا البلد الأمين: مكة.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. هو جواب القسم.
وفي التفاسير أقوال متقاربة متكاملة في مفهوم هذه الآية:
١ - قال ابن عباس: (﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قال: في أعدل خلق). وقال إبراهيم: (في أحسن صورة). وقال مجاهد: (أحسن خلق).
٢ - قال عكرمة: (﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قال: الشاب القوي الجلد). وعن ابن عباس قال: (شبابه أول ما نشأ).
٣ - قال ابن عباس -في رواية-: (خلق كل شيء منكبًّا على وجهه إلا الإنسان).
والمقصود: خلق اللَّه تعالى الإنسان في أكمل هيئة، وأَتَمِّ خَلْقٍ، وأحسن صورة،
стр. 5314
فقد خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، وخلقه عالمًا متكلمًا مدبرًا حكيمًا، جاهزًا لمهمة الاستخلاف في الأرض.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. أي: ثم رددناه إلى دركات النار في الآخرة، مقابل تضييع العمر والشباب في الكفر والآثام، والمعاصي والطغيان، إلا من رحمه الرحمان. فعن مجاهد: (﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ قال: إلى النار). وقال الحسن: (جهنم مأواه).
قلت: فإذا كان هذا الإنسان الذي خلقه اللَّه في أحسن حال وصورة يُرَدّ شرًا من كل دابة، بعد الحُسن والنضارة، وفي حال أسوأ من كل حال، إلى أسفل دركات النار، لمن لم يطع اللَّه ويتبع الرسل، كان هذا تأويل الردّ إلى أسفل سافلين.
وروي عن ابن عباس وعكرمة: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي إلى أرْذَلِ العمر، وإلى الهرم، وهو اختيار ابن جرير، والمعنى الذي ذكرناه أنسب للسياق، لاستثناء المؤمنين من ذلك في الآية بعده، وهو اختيار ابن كثير.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. هو كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
والمقصود: استثناء من اللَّه تعالى للمؤمنين، فلا يردون أسفل سافلين، بل إلى جنة اللَّه الواسعة في عليين. وعن مجاهد: (﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قال: غير محسوب). وقال ابن عباس: (غير منقوص). وقد قدّمنا القول أن المقصود على الأرجح أنه ثواب دائم غير مقطوع، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. أي فما يحملك بعد ذلك أيها الإنسان الذي خلقك اللَّه في أحسن تقويم، وأنه يردك إن عصيته أسفل سافلين، أن تكذب بالبعث والحساب، والثواب والعقاب! وعن عكرمة: (﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ قال: الحساب). وقال ابن عباس: (يقول: ما يكذبك بحكم اللَّه).
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. أي قضاء وعدلًا. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: أليس اللَّه يا محمد بأحكم من حكم في أحكامه، وفصل قضائه بين عباده؟ ).
стр. 5315
ثم روى عن سعيد بن جبير قال. (كان ابن عباس إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؟ قال: سبحانك اللهم، بلى).
قلت: والحديث المرفوع في ذلك أن يقال: (بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين) ضعيف عند المحدثين فيه مجهول، فلا يصح عن رسول اللَّه ﷺ .
تم تفسير سورة التين بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم السبت ١ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣١ - كانون الأول - ٢٠٠٥ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - قرأ رسول اللَّه ﷺ في إحدى ركعتي العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.
٢ - خلق اللَّه تعالى الإنسان في أكمل هيئة وأَتَمِّ خَلق وأحسن صورة.
٣ - مرد الإنسان إلى أسفل سافلين، إن لم يكن على منهاج المرسلين.
٤ - اللَّه تعالى هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ، وهو أحكم الحاكمين.
* * *
стр. 5316
٩٦ - سورة العلق
وهي سورة مكية، وأول شيء نزل من القرآن، وعدد آياتها (١٩).
أخرج الترمذي والنسائي عن جابر قال: [صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء، فطوّل عليهم، فانصرف رجل منا. فَأُخبِرَ مُعاذٌ عنه، فقال: إنه منافق. فلما بلغَ ذلك الرجل، دخل على النبي ﷺ فأخبره بما قال معاذ. فقال النبي ﷺ : أتريد أن تكون فَتَّانًا يا مُعاذُ، إذا أممْت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (١).
موضوع السورة
ضرورة القراءة والكتابة لطلب العلم والحث على الجهاد في حمل الدين ومقارعة أهل الظلم
- منهاج السورة -
١ - الأمر بالقراءة والحث على الكتابة بالقلم، لتثبيت الفهم والعلم.
٢ - الإخبار عن سلوك الإنسان حالة السعة وبسط الرزق والغنى.
٣ - حث اللَّه تعالى نبيه ﷺ على الثبات على الحق والهدى، وتحدي الطاغية الذي كذب وتولى.
стр. 5317
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ اللَّه تعالى رسوله بالقراءة باسم اللَّه الذي خلق، خلق الإنسان من علق، والحث على الكتابة بالقلم، لتثبيت الفهم والعلم.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: [أَوّلُ ما بُدِئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رُؤيا إلا جاءت مثلَ فلقِ الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حِراء فيتحنَّث فيه قبل أن ينزعَ إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزودُ لمثلها، حتى جاءه (وفي رواية: فَجِئَهُ) الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بِقَارِئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْدَ ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بِقَارِئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهدَ ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بِقَارِئ، فأخذني فغطني الثالثة فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ الآيات. فرجع بها رسول اللَّه ﷺ يرجُفُ فؤاده (وفي رواية: ترجف بوادره) فدخل على خديجة بنتِ خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة: مالي؟ وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي. فقالت له خديجة: كلّا أبشر فواللَّه ما يخزيك اللَّه أبدًا، فواللَّه إنك لتَصِل الرحم وتصدقُ الحديث وتحمل الكلَّ وتَكْسِبُ المعدوم وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقةَ بنَ نوفل بنِ أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأً قد تَنَصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتابَ العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية (وفي رواية: الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية) ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره
стр. 5318
رسول اللَّه ﷺ خبرَ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (١) الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذَعًا (٢)، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومُكَ. فقال رسول اللَّه ﷺ : وَمُخْرِجِيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي (وفي رواية: أوذي) وإن يدركني يومُكَ أنصُرْك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشبْ ورقة أن توفي وفتر الوحي] (٣).
فكانت سورة العلق أول شيء نزل من القرآن (٤)، وقد رُوي ذلك عن عائشة ﵂، وكذلك عن بعض الصحابة والتابعين.
قال عبيد بن عمير: (أول سورة نزلت على رسول اللَّه ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾).
وقال عطاء بن يسار: (أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾).
وقد روى ابن جرير في تفسيره بسنده إلى أبي رجاء العطاردي قال: (كنا في المسجد الجامع، ومقرئنا أبو موسى الأشعري، كأني أنظر إليه بين بردين أبيضين، قال أبو رجاء: عنه أخذت هذه السورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكانت أول سورة نزلت على محمد).
قال ابن جرير: (يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ محمدًا ﷺ يقول: اقرأ يا محمد بذكر ربك (٥) ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾. ثم بين الذي خلق فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ يعني: من الدم، وقال: من علق، والمراد به من علقة، لأنه ذهب إلى الجمع. ثم قال: وقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ يقول: اقرأ يا محمد وربك الأكرم ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ خَلْقَهُ الكتاب والخط).
وقال قتادة: (القلم نعمة من اللَّه عظيمة، لولا ذلك لم يقم ولم يصلح عيش). وقال ابن زيد: (﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ قال: عَلَّمَ الإنسان خطًا بالقلم).
стр. 5319
قلت: والعلم لابد لِحِفْظِهِ من الكتابة، وقد ربط اللَّه سبحانه في هذه الآيات التي هي أول ما نزل من القرآن بين القراءة والكتابة على أنهما وسيلتا العلم الأولى لا ينفصلان، فقال جل ذكره: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. وفي ذلك امتنان منه -تعالى- على الإنسان أن علّمه الخط بالقلم، ولم يكن يعلمه، مع أشياء كثيرة غير ذلك، مما علمه ولم يكن يعلمه. والدرس النافع المستنبط هنا هو أهمية الكتابة لطالب العلم.
أخرج الحاكم والطبراني عن أنس عن النبي ﷺ قال: [قَيِّدُوا العِلْمَ بالكتاب] (١).
وله شاهد عند الخطيب وابن عبد البر بسند حسن عن عبد اللَّه بن عمرو قال: [قلتُ: يا رسول اللَّه! أُقَيِّدُ العلمَ؟ قال: نعم. قلت: وما تقييده؟ قال: الكتاب].
ومن ثَمَّ فالقراءة وحدها لا تكفي لتثبيت العلم، وإنما تعتضد بالكتابة، فبالقراءة تتشكل ثقافة عامة، وفرق بين الثقافة وبين العلم، فإن العلم يقتضي استحضار الأدلة على جزئياته وفروعه، وهذا لا يكون إلا بالاستعانة بالكتابة والتصنيف والاستفادة من طريقة العلماء.
٦ - ١٩. قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾.
في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن حال الإنسان عند حصوله السعة وبسط الرزق والغنى، فهو يتقلب في الفرح والأشر والبطر والطغيان، وسرعان ما ينسى المنعم المتفضل المنّان. وحثُّ اللَّه تعالى نبيه ﷺ على الثبات على الحق والهدى، وتحدي الطاغية الذي كذب وتولى.
فقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. أى: حقًا، إن الإنسان ليطغى
стр. 5320
إن رأى نفسه مستغنيًا بماله وقوته. قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ ردع لمن كفر بنعمة اللَّه عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. قال: ومعنى الرؤية العلم).
قلت: وهذه الآيات نزلت في أبي جهل الذي كان يحاول منع رسول اللَّه ﷺ من الصلاة والدعوة وبلاغ الوحي، ويؤذيه أشد الإيذاء. فجاءت هذه الآيات تحمل له التهديد الشديد والوعيد الأكيد.
ففي صحيح مسلم وسنن النسائي عن أبي هريرة قال: [قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول اللَّه ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنّ بيني وبينه لخندقًا من نار وهَوْلًا وأجنحة، فقال رسول اللَّه ﷺ : لَوْ دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا، قال: فأنزل اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ -يعنى قول أبا جهل- ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ. . .﴾] (١).
وفي رواية عند ابن جرير من طريق ابن عباس: [فقال: -أي أبو جهل-: لقد علم أني أكثر هذا الوادي ناديًا. فغضب النبي ﷺ ، فأنزل اللَّه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ فقال ابن عباس: فواللَّه لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه] (٢).
وفي رواية عند الترمذي عن ابن عباس قال: [كان النبي ﷺ يصلي فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ﷺ فزبره -أي أغلظ النبي لأبي جهل القول ونهَره-، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل اللَّه ﵎: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية اللَّه] (٣).
стр. 5321
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. أي: إلى اللَّه المرجع والمصير، وعنده الحساب والثواب والعقاب. ورُجْعى: على وزن فعلى، والرُجعى والمرجع والرجوع مصادر.
وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال مجاهد: (أبو جهل ينهى محمدًا ﷺ إذا صلى). وقد سبق أن هذه الآيات نزلت في أبي جهل حين توعَّد النبي ﷺ إن رآه يصلي ليطأن على رقبته، فأخزاه اللَّه بالوحي والملائكة.
وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾. قال قتادة: (محمد كان على الهدى، وأمر بالتقوى). والمقصود: كان محمد ﷺ على طريق مستقيم يهتدي من اتبعه، وكان يأمر بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تُتقى به النار.
وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. يعني أبا جهل، كذب بما جاء به رسول اللَّه ﷺ من الحق وأعرض عن الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. أي: ألم يعلم بأن اللَّه مطلع على أحواله وسيجازيه بها، فواعجبًا كيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟ !
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. كلّا: ردعٌ لأبي جهل عن معارضته محمدًا ﷺ في عبادة ربه وأمره بعبادة الأصنام. والسفع في كلام العرب: القبض على الشيء وجذبه بشدة. والناصية شعر مقدم الرأس. والمقصود: لنأخذن بناصيته فتطوى مع قدميه فيطرح في النار.
قال ابن جرير: (قوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ يقول: ليس كما قال إنه يطأ عنق محمد، يقول: لا يقدر على ذلك، ولا يصل إليه. يقول: لئن لم ينته أبو جهل عن محمد ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ يقول: لنأخذن بمقدم رأسه، فلنضمنه ولنذلنه. وقيل: إنما قيل: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ والمعنى: لنسودن وجهه، فاكتفي بذكر الناصية من الوجه كله، إذ كانت الناصية في مقدم الوجه. وقيل: معنى ذلك: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
قال القرطبي: (فالآية -وإن كانت في أبي جهل- فهي عِظةٌ للناس، وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة).
وقوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. قال ابن كثير: (يعني: ناصية أبي جهل كاذبةٌ في
стр. 5322
مقالها، خاطئة في فعالها). قلت: وقد أثبت العلم الحديث أن الكذب يُعرف بعلامات وإشارات في الناصية، وهو من الإعجاز العلمي لهذا القرآن العظيم.
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: فليدع ناصره). والمقصود: ليدع قومه وأهل ناديه. والنادي: المجلس الذي يجلس فيه القوم.
وقوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال مجاهد: (الملائكة). والمقصود: ردٌّ على غرور أبي جهل الذي زعم الاستنصار بعشيرته وأهل ناديه، فتحدّاه اللَّه بأمْرِ ملائكته الغلاظ الشداد بأخذه وإلقائه في نار السعير التي تخزيه.
وقد مضى في رواية ابن جرير من طريق ابن عباس: [فقال -أي أبو جهل-: لقد علم أني أكثر هذا الوادي ناديًا. فغضب النبي ﷺ ، فأنزل اللَّه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فقال ابن عباس: فواللَّه لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه].
والزبانية ملائكة العذاب، واحِدهم زِبْنِيّ كما ذكر الكسائي. وقال الأخفش: (زابن). وقال أبو عبيدة: (زِبْنِية). وقيل: زَبَانِيّ. وقال قتادة: (هم الشُّرَط في كلام العرب). قال القرطبي: (وهو مأخوذ من الزَّبْن وهو الدفع، ومنه المزابنة (١) في البيع.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. كلّا: ردع لأبي جهل. أي: لا تطعه يا محمد فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، وصلّ للَّه غير مكترث به، ولا مبال بنهيه ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. قال النسفي: (﴿وَاسْجُدْ﴾ ودُمْ على سجودك يريد الصلاة ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ وتقرب إلى ربك بالسجود، فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد).
قلت: وهذا المعنى مستنبط من الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء] (٢).
وقد ثبتت السجدة -سجدة التلاوة- في آخر هذه السورة: ففي صحيح مسلم عن عطاءِ بنِ ميناءَ، عن أبي هريرة قال: [سَجَدْنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (٣). ورواه أصحاب السنن.
стр. 5323
وفي رواية قال: [سَجَدَ رسول اللَّه ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾].
تم تفسير سورة العلق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الأحد ١ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١ - كانون الثاني - ٢٠٠٦ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - سورة العلق هي أول شيء نزل من القرآن.
٢ - أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.
٣ - القلم نعمة من اللَّه عظيمة، لولا ذلك لم يقم ولم يصلح عيش.
٤ - قيدوا العلم بالكتابة، فإن العلم ينسى دون تقييد بالكتاب.
٥ - إن الإنسان ليطغى، إذا شعر بالترف والغنى.
٦ - سجد رسول اللَّه ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾.
* * *
стр. 5324
٩٧ - سورة القدر
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥).
موضوع السورة
فضائل ليلة القدر
- منهاج السورة -
١ - إخبار اللَّه تعالى عن إنزاله القرآن في ليلة القدر.
٢ - ليلة القدر ليلة مباركة من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أفضل ليالي العمر.
٣ - تنزل الملائكة في تلك الليلة بإذن اللَّه من كل أمر.
٤ - ليلة القدر سلام وخير كلها إلى مطلع الفجر.
стр. 5325
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾
في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن إنزاله القرآن في ليلة القدر، وهي ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان أفضل ليالي العمر، تنزل فيها الملائكة بإذن اللَّه من كل أمر، وهي سلام وخير كلها إلى مطلع الفجر.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. قال ابن عباس: (أنزل اللَّه القرىن جُملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، ثم نزل مُفَصَّلًا بحسب الوقائع في ثلاثٍ وعشرين سنةً على رسول اللَّه ﷺ ).
قلت: وليس في المرفوع إلى النبي ﷺ شيء يؤكد التنزيل على مرحلتين، فاللَّه أعلم بحقيقة هذا التنزيل، ويكفينا إثبات أن اللَّه أنزل هذا القرآن في ليلة القدر.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْ﴾. استفهام يفيد التنبيه. قال النسفي: (ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها، والقدر بمعنى التقدير، أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالي).
وقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. تبيان لفضلها وعظمها. قال مجاهد: (ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر). وقال سفيان، بلغني عن مجاهد: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: (عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر). وقال عمرو بن قيس الملائي: (عملٌ فيها خيرٌ من عمل ألف شهر).
وهذا المعنى الذي اختاره شيخ المفسرين، الإمام ابن جرير ﵀، وتابعه بذلك الحافظ ابن كثير، وتؤيده الأحاديث الصحيحة: