← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾. أي: إلى اللَّه المرجع والمصير، وعنده الحساب والثواب والعقاب. ورُجْعى: على وزن فعلى، والرُجعى والمرجع والرجوع مصادر. وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. قال مجاهد: (أبو جهل ينهى محمدًا ﷺ إذا صلى). وقد سبق أن هذه الآيات نزلت في أبي جهل حين توعَّد النبي ﷺ إن رآه يصلي ليطأن على رقبته، فأخزاه اللَّه بالوحي والملائكة. وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾. قال قتادة: (محمد كان على الهدى، وأمر بالتقوى). والمقصود: كان محمد ﷺ على طريق مستقيم يهتدي من اتبعه، وكان يأمر بالإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تُتقى به النار. وقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. يعني أبا جهل، كذب بما جاء به رسول اللَّه ﷺ من الحق وأعرض عن الإيمان. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾. أي: ألم يعلم بأن اللَّه مطلع على أحواله وسيجازيه بها، فواعجبًا كيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟ ! وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. كلّا: ردعٌ لأبي جهل عن معارضته محمدًا ﷺ في عبادة ربه وأمره بعبادة الأصنام. والسفع في كلام العرب: القبض على الشيء وجذبه بشدة. والناصية شعر مقدم الرأس. والمقصود: لنأخذن بناصيته فتطوى مع قدميه فيطرح في النار. قال ابن جرير: (قوله: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ يقول: ليس كما قال إنه يطأ عنق محمد، يقول: لا يقدر على ذلك، ولا يصل إليه. يقول: لئن لم ينته أبو جهل عن محمد ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ يقول: لنأخذن بمقدم رأسه، فلنضمنه ولنذلنه. وقيل: إنما قيل: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ والمعنى: لنسودن وجهه، فاكتفي بذكر الناصية من الوجه كله، إذ كانت الناصية في مقدم الوجه. وقيل: معنى ذلك: لنأخذن بناصيته إلى النار، كما قال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]. قال القرطبي: (فالآية -وإن كانت في أبي جهل- فهي عِظةٌ للناس، وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة). وقوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. قال ابن كثير: (يعني: ناصية أبي جهل كاذبةٌ في

стр. 5322

مقالها، خاطئة في فعالها). قلت: وقد أثبت العلم الحديث أن الكذب يُعرف بعلامات وإشارات في الناصية، وهو من الإعجاز العلمي لهذا القرآن العظيم. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾. قال ابن عباس: (يقول: فليدع ناصره). والمقصود: ليدع قومه وأهل ناديه. والنادي: المجلس الذي يجلس فيه القوم. وقوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال مجاهد: (الملائكة). والمقصود: ردٌّ على غرور أبي جهل الذي زعم الاستنصار بعشيرته وأهل ناديه، فتحدّاه اللَّه بأمْرِ ملائكته الغلاظ الشداد بأخذه وإلقائه في نار السعير التي تخزيه. وقد مضى في رواية ابن جرير من طريق ابن عباس: [فقال -أي أبو جهل-: لقد علم أني أكثر هذا الوادي ناديًا. فغضب النبي ﷺ ، فأنزل اللَّه ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فقال ابن عباس: فواللَّه لو فعل لأخذته الملائكة من مكانه]. والزبانية ملائكة العذاب، واحِدهم زِبْنِيّ كما ذكر الكسائي. وقال الأخفش: (زابن). وقال أبو عبيدة: (زِبْنِية). وقيل: زَبَانِيّ. وقال قتادة: (هم الشُّرَط في كلام العرب). قال القرطبي: (وهو مأخوذ من الزَّبْن وهو الدفع، ومنه المزابنة (١) في البيع. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. كلّا: ردع لأبي جهل. أي: لا تطعه يا محمد فيما دعاك إليه من ترك الصلاة، وصلّ للَّه غير مكترث به، ولا مبال بنهيه ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ إليه سبحانه بالطاعة والعبادة. قال النسفي: (﴿وَاسْجُدْ﴾ ودُمْ على سجودك يريد الصلاة ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ وتقرب إلى ربك بالسجود، فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد). قلت: وهذا المعنى مستنبط من الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء] (٢). وقد ثبتت السجدة -سجدة التلاوة- في آخر هذه السورة: ففي صحيح مسلم عن عطاءِ بنِ ميناءَ، عن أبي هريرة قال: [سَجَدْنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾. و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾] (٣). ورواه أصحاب السنن.

стр. 5323

وفي رواية قال: [سَجَدَ رسول اللَّه ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾]. تم تفسير سورة العلق بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الأحد ١ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ١ - كانون الثاني - ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - سورة العلق هي أول شيء نزل من القرآن. ٢ - أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. ٣ - القلم نعمة من اللَّه عظيمة، لولا ذلك لم يقم ولم يصلح عيش. ٤ - قيدوا العلم بالكتابة، فإن العلم ينسى دون تقييد بالكتاب. ٥ - إن الإنسان ليطغى، إذا شعر بالترف والغنى. ٦ - سجد رسول اللَّه ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. * * *

стр. 5324

٩٧ - سورة القدر وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥). موضوع السورة فضائل ليلة القدر - منهاج السورة - ١ - إخبار اللَّه تعالى عن إنزاله القرآن في ليلة القدر. ٢ - ليلة القدر ليلة مباركة من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أفضل ليالي العمر. ٣ - تنزل الملائكة في تلك الليلة بإذن اللَّه من كل أمر. ٤ - ليلة القدر سلام وخير كلها إلى مطلع الفجر.

стр. 5325

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٥. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ في هذه الآيات: إخبارُ اللَّه تعالى عن إنزاله القرآن في ليلة القدر، وهي ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان أفضل ليالي العمر، تنزل فيها الملائكة بإذن اللَّه من كل أمر، وهي سلام وخير كلها إلى مطلع الفجر. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. قال ابن عباس: (أنزل اللَّه القرىن جُملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا، ثم نزل مُفَصَّلًا بحسب الوقائع في ثلاثٍ وعشرين سنةً على رسول اللَّه ﷺ ). قلت: وليس في المرفوع إلى النبي ﷺ شيء يؤكد التنزيل على مرحلتين، فاللَّه أعلم بحقيقة هذا التنزيل، ويكفينا إثبات أن اللَّه أنزل هذا القرآن في ليلة القدر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْ﴾. استفهام يفيد التنبيه. قال النسفي: (ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها، والقدر بمعنى التقدير، أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالي). وقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. تبيان لفضلها وعظمها. قال مجاهد: (ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر). وقال سفيان، بلغني عن مجاهد: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال: (عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر). وقال عمرو بن قيس الملائي: (عملٌ فيها خيرٌ من عمل ألف شهر). وهذا المعنى الذي اختاره شيخ المفسرين، الإمام ابن جرير ﵀، وتابعه بذلك الحافظ ابن كثير، وتؤيده الأحاديث الصحيحة:

стр. 5326

الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة قال: [لما حضَرَ رمضان قال رسول اللَّه ﷺ : "قد جاءكم شهرُ رمضان، شهر مبارك، افترض اللَّه عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتُغْلَقُ فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألفِ شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ] (١). الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أنس بن مالك قال: [دخل رمضان، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن هذا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وفيه لَيْلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَنْ حُرِمَها فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ، ولا يُحْرَمُ خَيْرَها إلا مَحْروم"] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: [مَنْ قامَ ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه] (٣). وقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾. أي تهبط الملائكة في تلك الليلة من السماوات إلى الأرض، والروح هو جبريل ﵇، فهو من باب عَطْفِ الخاص على العام، وإنما يكثر تَنَزَّلُ الملائكة تلك الليلة لكثرة بركتها، وكثرة التلاوة للقرآن والذكر فيها، وكل ذلك بأمر ربها. أخرج الطيالسي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إن الملائكة تلك الليلة أكثَرُ من عدد الحصى] (٤). وعن قتادة: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها). وقال مجاهد: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: سَلام هي من كل أمر). قال القاسمي: (﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي إنَّ اللَّه يظهر الملائكة والروح لرسله عند كل أمر يريد إبلاغه إلى عباده. فيكون الإذن مبتدئًا من الأمر على هذا المعنى. والأمر هاهنا هو الأمر في قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ

стр. 5327

حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤ - ٥]. فالكلام في الرسالة والأوامر والأحكام، لا في شيءآخر سواها. ولهذا قال بعضهم: إن ﴿مِنْ﴾ هاهنا بمعنى الباء، أي بكل أمر). وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. قال قتادة: (أي هي خير كلها إلى مطلع الفجر). وقال ابن زيد: (ليس فيها شَرٌّ، هي خير كلها ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾). وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِي﴾ قال: (لا يحدث فيها أمر). وقال مجاهد: (﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: من كل أمرٍ سلام). فضائل ليلة القدر وما ورد في تعيينها من أحاديث: الحديث الأول: أخرج الترمذي بسند صحيح عن زر بن جبيش قال: [قلتُ لأُبي بن كعب: إن أخاك عبد اللَّه بن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، قال: يغفر اللَّه لأبي عبد الرحمن لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين ولكنه أراد أن لا يتكل الناس، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. قال: قلت له: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالآية التي أخبرنا رسول اللَّه ﷺ أو بالعلامة أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها] (١). وفي لفظ أبي داود: [تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة، مثل الطَسْتِ، ليس لها شعاع حتى ترتفع]. الحديث الثاني: أخرج الطيالسي بسند حسن عن عِكرمة، عن ابن عباس: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال في ليلة القدر: "ليلة سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لا حارَّةٌ ولا باردةٌ، وتُصبح شمسُ صبيحتها ضعيفة حمراء"] (٢). الحديث الثالث: أخرج أحمد والطيالسي وابن خزيمة بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [ليلةُ القدرِ ليلةُ سابِعَةٍ أو تاسِعَةٍ وعشرين، إنَّ الملائكةَ تلكَ الليلةَ في الأرض أكثرُ من عددِ الحصى] (٣).

стр. 5328

الحديث الرابع: أخرج الطبراني عن واثلة، وأحمد عن عبادة، بإسناد حسن، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: [ليلة القدْر ليلةٌ بلِجةٌ، لا حارَّة ولا باردة، . . .، ولا يُرمى فيها بنَجمٍ، ومنْ علامة يومِها تطلُعُ الشمس لا شعاعَ لها] (١). الحديث الخامس: أخرج مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: [تحرّوا لَيْلَةَ القَدْر في السبعِ الأواخِر] (٢). وفي رواية: [قال ابن عمر: رأى رجلٌ أنَّ ليلةَ القَدْرِ ليلةُ سبع وعشرين، فقال النبي ﷺ : أَرى رُؤْياكُمْ في العشر الأواخِر، فاطلبوها في الوِتْرِ منها]. وفي رواية: [تحيّنوا ليلة القَدْرِ في العشر الأواخر]. وفي لفظ: [التمسوها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر، فإن ضَعُفَ أحدُكم أو عَجَزَ، فلا يُغْلَبَنَّ على السَّبع البواقي]. الحديث السادس: أخرج الطيالسي وأحمد بسند على شرط مسلم -واللفظ له- عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: [اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، في تسع يبقين، وسبع يبقين، وخمس يبقين، وثلاث يبقين] (٣). الحديث السابع: أخرج الطبراني عن عبد اللَّه بن أنيس مرفوعًا: [تحروا ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين] (٤). الحديث الثامن: أخرج أبو داود بسند صحيح عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي ﷺ في ليلة القدر قال: [ليلةُ القدْرِ ليلةُ سَبْعٍ وعِشْرين] (٥). وله شاهد في مسند أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: [تحروا ليلة القدر، فمن كان مُتَحَّرِّيها فليتحرَّها في ليلة سبع وعشرين].

стр. 5329

الحديث التاسع: أخرج البخاري عن عبادة بن الصامت قال: [خَرَجَ رسولُ اللَّه ﷺ لِيُخْبِرَ الناس بليلةِ القَدْرِ، فتلاحى رَجُلان مِنَ المسلمين، قال النبي ﷺ : خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُم، فتلاحى فلانٌ وفلانٌ، وإنها رُفِعَتْ، وعسى أن يكونَ خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة] (١). قلت: وفي هذ الحديث دلالة أن الخلاف والخصام والشجار شَرٌّ بين المسلمين، قد يُرفع به خيرٌ كثير عنهم، ومن ذلك رفع تعيين ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، ليحرص المسلمون بذلك على الجماعة، وعلى الاجتهاد بالطاعة، واللَّه تعالى أعلم. تم تفسير سورة القدر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الاثنين ٢ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٢ - كانون الثاني - ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - تنزيل اللَّه تعالى القرآن العظيم في ليلة القدر. ٢ - ليلة القدر خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم. ٣ - من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبه. ٤ - تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة مثل الطسْت ليس لها شعاع حتى ترتفع. ٥ - ليلة القدر ليلةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لا حارّة ولا باردة، وتصبح شمسُ صبيحتها ضعيفة حمراء. ٦ - التمسوا ليلة القدر في التاسعة والسابعة والخامسة من العشر الأواخر من شهر رمضان. * * *

стр. 5330

٩٨ - سورة البينة وهي سورة مدنية، ويقال لها سورة ﴿لَمْ يَكُن﴾، وعدد آياتها (٨). فضائلها وما ورد في ذكرها: لقد وَرَدَ ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة المطهرة: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁: [قال النبي ﷺ لأُبَيّ: "إنَّ اللَّه أَمَرَني أَنْ أَقْرأَ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾. قال: وسَمَّاني؟ قال: نَعَمْ. قال: فبكى] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أُبَيِّ بن كعب: [أن رسول اللَّه ﷺ قال: له: "إنَّ اللَّه أمَرني أن أقرأ عليك القرآن" فقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقرأ فيها: إنَّ الدين عند اللَّه الحنيفِيَّةُ المُسْلِمَةُ لا اليهودية، ولا النَّصرانيةُ، ولا المَجُوسيَّة، مَنْ يَعْمَلْ خيرًا فلَن يُكْفَرَهُ. وقرأ عليه: لو أنَّ لابن آدمَ واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، ولا يَمْلأ جَوْفَ ابنِ آدمَ إلا تُراب، ويتوب اللَّه على مَنْ تاب] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن

стр. 5331

أبزى، عن أبيه. [عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "إني أُمِرْتُ أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا". قلتُ: يا رسولَ اللَّه! وقد ذُكِرتُ هناك؟ قال: نعم. فقلت له: يا أبا المنذر! ففرِحت بذلك قال: وما يمنعني واللَّه يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]] (١). موضوع السورة حُجَّةُ البينة والوحي من رب العالمين للفَصْلِ بين المشركين والمؤمنين في الدارين - منهاج السورة - ١ - الإخبار أن تعلق الكفار من أهل الكتاب والمشركين بما هم عليه من الكفر لا ينفك إلا بحجة الوحي وبلاغ الرسل. ٢ - الأمر للناس في الكتب المنزلة بإخلاص العبادة للَّه وحده. ٣ - الإخبار عن مصير كفرة أهل الكتاب والمشركين، أنه في نار جهنم نار الجحيم. ٤ - الإخبار عن مصير المؤمنين الصادقين، الذين رضي اللَّه عنهم ورضوا عنه فاستحقوا الخلود في جنات النعيم.

стр. 5332

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٥. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى أنَّ الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا منتهين عَمَّا هم عليه من الكفر حتى تأتيهم حجة الوحي وبلاغ الرسل، فلما جاءهم الحق آمن بعضهم ومنع أكثرَهُم الكِبرُ، وقد كانوا أمروا أن يخلصوا الدين للَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويستعدوا ليوم الحشر، وذلك هو الدين الكامل الذي ارتضاه اللَّه للبشر. فقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾. قال ابن كثير: (أما أهل الكتاب فهم اليهود والنصارى، والمشركون عَبَدَةُ الأوثان والنيران من العرب والعَجم). وقوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. أي: منتهين ومنفصلين عن الكفر. قال مجاهد: (لم يكونوا لينتهوا حتى يتبين لهم الحق). وقال قتادة: (﴿مُنْفَكِّينَ﴾ قال: منتهين عما هم فيه). وقال البخاري: (﴿مُنْفَكِّينَ﴾: زائلين). وقوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. قال قتادة: (أي: هذا القرآن). قال النسفي: (﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الحجة الواضحة، والمراد محمد ﷺ ، يقول: لم يتركوا كفرهم حتى ببعث محمد ﷺ ، فلما بعث أسلم بعض وثبت على الكفر بعض). وقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾. هو بدل من البينة، والمقصود محمد ﷺ . وقوله: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. أي: القرآن العظيم المكتتبُ في الملأ الأعلى في صحف مطهرة، أي: مصونة عن التحريف واللبس. كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. قال قتادة: (﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ

стр. 5333

يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ ذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء). قال القاسمي: (﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ وهي صحف القرآن المطهرة من الخلط وحشو المدلّسين، فلهذا تنبعث منها أشعة الحق حتى يعرفه طالبوه ومنكروه معًا). وقوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. أي: مستقيمة لا اعوجاج فيها، لاشتمالها على الحق الذي لا يختلط بباطل ولا يميل إليه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. قال ابن زيد: (﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: مستقيمة معتدلة). وأما مفهوم "الكتب" في الصحف ففيه أكثر من تأويل: التأويل الأول: الصحف هي الكتب. والكتب التي في الصحف هي الأحكام. كما قال اللَّه : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنّ﴾ [المجادلة: ٢١]. بمعنى: حكم. وقال ﷺ : [واللَّه لأقضين بينكما بكتاب اللَّه]- ثم قضى بالرجم. ذكره القرطبي وقال: (وليس ذِكر الرجم مسطورًا في الكتاب، فالمعنى لأقضين بينكما بحكم اللَّه تعالى). التأويل الثاني: الكتب التي في صحف القرآن ومصاحفه، هي ما صحّ من كتب الأولين كموسى وعيسى وغيرهما، مما حكاه اللَّه تعالى في كتابه عنهم، فإنه لم يأت منها إلا بما هو قوي سليم. ذكره القاسمي وقال: (وقد ترك حكاية ما لبّس فيه الملبّسون إلا أن يكون ذكره لبيان بطلانه. ولهذا لم يجد الجاحدون لرسالته ﵇ من أهل الكتاب سبيلًا إلى إنكار الحق. وإنما فضلوا عليه سواه). التأويل الثالث: الكتب هي السور المكتوبات -سور القرآن- فكل سورة من سور المصحف كتاب قويم. قال النسفي: (﴿فِيهَا﴾ في الصحف ﴿كُتُبٌ﴾ مكتوبات ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق والعدل). والتقدير: تحتوي صحف القرآن أو صحائفه وأوراق مصحفه على سور مكتوبات من القرآن هي كتب قيمة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. أي: ولم يكن تفرق أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا لاشتباه في الأمر، بل كان بعد وضوح الحق وظهور الصواب، ثم بعث اللَّه محمدًا ﷺ فآمن به بعضهم وكفر آخرون، وكان ينبغي أن يكونوا أمة واحدة في الإيمان باللَّه واتباع رسوله الذي جاءهم بالحق مصدقًا لما معهم، ولكن تحاكم أكثرهم إلى الهوى والشهوات. وقد حذّر اللَّه أمة محمد ﷺ من الوقوع في ما وقع به أهل الكتاب فقال جل ثناؤه:

стр. 5334

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. أخرج الترمذي والحاكم بسند حسن في الشواهد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلًا بمثل حذو النعل بالنعل، حتى لو أن فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي من يفعل مثله. إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة. فقيل: يا رسول اللَّه، ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي] (١). وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾. هو أصل هذا الدين، وركنه القويم. والمقصود: وما أمر الناس في الكتب المنزلة وكذلك في هذا القرآن إلا بعبادة اللَّه وحده عبادة خالصة من كل ألوان الشرك، وليجعلوا أنفسهم خالصة له في الدين. ﴿حُنَفَاءَ﴾ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. قال ابن عباس: (﴿حُنَفَاءَ﴾: على دين إبراهيم ﵇. وقال قتادة: (والحنيفية: الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات والمناسك). وأصله في لغة العرب: من تَحَنَّفَ إلى الإسلام، أي: مال إليه، فهو التحنّف عن الشرك إلى التوحيد. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].

стр. 5335

أخرج الخطيب عن جابر، والديلمي عن عائشة، وأحمد عنها بسند حسن عن النبي ﷺ قال: [بعثت بالحنيفية السمحة] (١). وروى البخاري في كتاب الإيمان، باب: الدين يسر وقول النبي ﷺ : "أحب الدين إلى اللَّه تعالى الحنيفية السمحة"، وكذلك النسائي في "الإيمان وشرائعه" باب: الدين يسر، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة] (٢). وقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾. أي: ويفعلوا الصلوات على الوجه الذي يريده اللَّه، في أوقاتها، ويعطوا الزكاة المفروضة عند محلها. وقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. أي: إن ذلك الدين هو دين الملة القائمة المستقيمة، دين الأمة العادلة المعتدلة. قال قتادة: (﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ هو الدين الذي بعث اللَّه به رسوله، وشرع لنفسه، ورضي به). وقال الزجاج: (أي ذلك دين المِلّة المستقيمة). قال القرطبي: (و ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ نعت لموصوف محذوف. أو يقال: دِين الأمة القيمة بالحق، أي: القائمة بالحق). قال: وقال الخليل: (﴿الْقَيِّمَةِ﴾ جمع القيم، والقيم والقائم واحد). وقال الفراء: (أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته، لاختلاف اللفظين). وعنه أيضًا: (هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة). وقيل: الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة. وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: (﴿الْقَيِّمَةِ﴾ هاهنا: الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف إليها). قلت: فهذه الآية العظيمة تدل أن الدين يشمل الإيمان ولوازمه من الأعمال، وقد استدل بها أئمة كرام كالإمام الزهري والإمام الشافعي مؤكدين أن الأعمال داخلة في مفهوم الإيمان. ٦ - ٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ

стр. 5336

خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾. في هذه الآيات: إخبار اللَّه تعالى عن مصير كفرة أهل الكتاب والمشركين، أنهم في نار جهنم نار الجحيم، خالدين فيها مع أشقياء البرية والمجرمين. ثم تقرير اللَّه جلت عَظمته أن أهل الإيمان والعمل الصالح هم خير العالمين، جزاؤهم عند ربهم الخلود في جنات النعيم، تجري من تحتهم الأنهار ناعمين غانمين، لقد رضي اللَّه عنهم ورضوا عنه فاستحقوا عنده الخلود آمنين مطمئنين. قال ابن جرير: (﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول جلّ ثناؤه: هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هم شرّ من برأه اللَّه وخلقه). والبرية في لغة العرب: الخليقة. قال الرازي: (البَرَى: التراب. والبرِيّة: الخَلْق، وأصله الهمزة، والجمع "البرايا" و"البَرِيّات". وقد "براه" اللَّه أي: خَلَقَه). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾. أي: خير الخليقة حالًا، لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم إخباتًا، ولذلك سيكونون خير الخليقة مصيرًا ومآلًا. وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي عن أنس بن مالك قال: [قال رجل للنبي ﷺ : يا خير البرية، قال: "ذاك إبراهيم"] (١). أخرجه الترمذي عند تفسير هذه الآية. ومن كنوز صحيح السنة في آفاق ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج النسائي وأحمد وابن حبان بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: [أنّ النبي ﷺ خرَج عليهم وهم جلوس فقال: ألا أُخبركم بخير الناس منزلة؟ قلنا: بلى، قال: رجل ممسك برأس فرسه في سبيل اللَّه حتى يموت أو يقتل. قال: فأخبركم بالذي يليه؟ فقلنا: نعم يا رسول اللَّه، قال: امرؤ معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل الناس. قال: فأخبركم بشر الناس منزلة؟ قلنا: نعم يا رسول اللَّه، قال: الذي يسأل باللَّه العظيم، ولا يعطي به] (٢).

стр. 5337

الحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة: [أنّ رسول اللَّه ﷺ وقف على ناس جلوس فقال: "ألا أُخْبِرُكُم بخيركم من شرّكم؟ " قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول اللَّه أخبرنا بخيرنا من شرنا. قال: "خَيْرُكم مَنْ يُرْجَى خيْرُهُ ويُؤْمَنُ شرُّهُ، وشَرُّكُم مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُه، ولا يُؤْمَنُ شَرُّه"] (١). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حَسن لغيره عن عبد اللَّه بن عمر قال: [سئل النبي ﷺ : أي الناس خير؟ قال: أحسنهم خلقًا] (٢). وقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. أي: ثوابهم عند ربهم يوم القيامة بساتين الجنان، تجري تحتهم الأنهار، يطلون عليها ينظرون وينعمون، ولا يحولون ولا يزولون. وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. إثبات تبادل الرضا بينهم وبين ربهم. فقد رضوا عن شرعه وقدره ورضي عن دينهم وأعمالهم. قال ابن عباس: (﴿﵃﴾ أي: رضي أعمالهم). قال ابن جرير: (﴿﵃﴾ بما أطاعوه في الدنيا، وعملوا لخلاصهم من عقابه في ذلك ﴿وَرَضُوا عَنْه﴾ بما أعطاهم من الثواب يومئذ، على طاعتهم ربهم في الدنيا، وجزاهم عليها من الكرامة). وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾. قال القاسمي: (﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا الجزاء الحسن وهذا الرضاء ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: خاف اللَّه في الدنيا، في سرّه وعلانيته، فاتقاه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. فإن الخشية ملاك السعادة الحقيقية). تم تفسير سورة البينة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الثلاثاء ٣ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م

стр. 5338

دروس ونتائج وأحكام ١ - لم يترك الكفار كفرهم حتى بُعِثَ محمد ﷺ ، فلما بعث آمن بعضهم وبقي على الكفر الآخرون. ٢ - تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة. -كما جاء في الحديث-. وفي رواية: [ما أنا عليه اليوم وأصحابي]. ٣ - أحب الأديان إلى اللَّه تعالى: الحنيفية السمحة. ٤ - خيار الناس أحسنهم خُلقًا، وشرار الناس من لا يُرْجى خَيْرُه، ولا يُؤْمَنُ شَرُّه. ٥ - المؤمنون الأوائل ﵃ وعن فهمهم لمراده، ورضوا هم عن اللَّه وعن قضائه وقدره وشرعه وثوابه. * * *

стр. 5339

٩٩ - سورة الزلزلة وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨). أخرج أبو داود بسند حسن عن معاذ بن عبد اللَّه الجهني: [أنّ رجلًا من جهينة أخبره: أنه سمع النبي ﷺ يقرأ فى الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في الركعتين كلتيهما، فلا أدري! أنسيَ رسول اللَّه ﷺ ، أم قرأ ذلك عَمْدًا] (١). موضوع السورة زلزلة الساعة ومشهد الحساب - منهاج السورة - ١ - زلزلة الأرض لقيام الساعة والنشور، وإخراجها الموتى من القبور. ٢ - اندهاش الإنسان لتقلب هذه الأحوال، ونطق الأرض بإذن ربها بما كان على ظهرها من الأعمال. ٣ - صدور الناس لمشهد الحشر والحساب، والوزن الحق للأعمال لنيل الثواب المستحق أو العقاب.

стр. 5340

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٨. قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. في هذه الآيات: تزلزلُ الأرض لقيام الساعة والنشور، وإخراجها الموتى ومن في القبور، واندهاش الإنسان لتقلب هذه الأحوال، ونطق الأرض بإذن ربها بما كان على ظهرها من الأعمال، وصدور الناس أشتاتًا لمشهد الحشر والحساب، ونيل الثواب ونكال العقاب. فقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. قال ابن عباس: (أي: تحرَّكت من أسفلها). والزِلزال مصدر، قال القاسمي: (أي: أصابها ذلك الزلزال الشديد، والاهتزاز الرهيب. فالإضافة للتفخيم أو الاختصاص، بمعنى الزلزال المخصوص بها. وهي الرجّة التي لا غاية وراءها. والأقرب الأول، لآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]). والمقصود: إذا زلزلت الأرض لقيام الساعة فَرُجَّت رجًّا بعد استقرارها، وحُرِّكَت حركة شديدة من أصلها، فاضطرب ما عليها وتكسّر لاهتزازها. وكان ابن عباس ومجاهد يقولان: (في النفخة الأولى يزلزلها - لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦ - ٧] ثم تزلزل ثانية، فتُخرج موتاها وهي الأثقال). وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. قال عكرمة عن ابن عباس: (الموتى). وقال مجاهد: (من في القبور). وقال ابن عباس ومجاهد: (﴿أَثْقَالَهَا﴾: موتاها، تُخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس: الثَّقَلان).

стр. 5341

قال الأخفش: (إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها. وإذا كان فوقها، فهو ثِقل عليها). والمقصود: تخرج الأرض يومئذ ما في جوفها من الأموات والدفائن وما عُمِلَ عليها. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [تَقِيءُ الأرضُ أفلاذَ كبدها أمثال الأُسطوانِ (١) من الذهب والفِضة، فيجيء القاتلُ فيقول: في هذا قَتَلْتُ. ويجيءُ القاطِعُ فيقولُ: في هذا قَطَعْتُ رحمي. ويجيء السارقُ فيقولُ: في هذا قُطِعَتْ يدي، ثم يَدَعونَهُ فلا يأخذون منه شيئًا] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾. أي: وقال الإنسان لما دهمه أمرها وبَهَره خطبها: لأي شيء زلزلت وأخرجت أثقالها؟ وقد كانت قارّة ساكنة بأهلها! لقد تقلبت أحوالها بعدما جاءها من أمر اللَّه ما جاءها. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. أي: يومئذ تخبر بأخبارها، وتحدّث بما عمل عليها، ينطقها اللَّه سبحانه لتشهد على العباد. وعن سفيان: (﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: ما عمل عليها من خير أو شر). وقال ابن زيد: (ما كان فيها، وعلى ظهرها من أعمال العباد). وقال مجاهد: (تخبر الناس بما عملوا عليها). وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. أي: تحدّث أخبارها بوحي اللَّه وأمره لها، بأن تخبر عما جرى عليها، وتَشْهَد على العاملين بما كان منهم على ظهرها. وعن سفيان: (﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قال: أعلمها ذلك). وقال مجاهد: (أمَرَها). وقيل: (أذِن لها). وقال البخاري: (﴿أَوْحَى لَهَا﴾، أوْحى إليها، ووحَى لها، وَوَحَى إليها واحِدٌ). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. أي: يصدر الناس يومئذ من قبورهم إلى موقف الحساب، متفرقين ينصرف بعضهم إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال، إضافة إلى التفرّق في الأديان والأعمال. قال ابنُ جُريج:

стр. 5342

(يتصَدّعون أشتاتًا فلا يجتمعون آخرَ ما عليهم). وقال السدي: (﴿أَشْتَاتًا﴾ فِرقًا). و ﴿أَشْتَاتًا﴾ جمع لست. وفي التنزيل نحو ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]. ٢ - وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُون﴾ [الروم: ٤٣]. وقال النسفي: (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف ﴿أَشْتَاتًا﴾ بيض الوجوه آمنين وسود الوجوه فزعين، أو يصدرون عن الموقف أشتاتًا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. الذّر: ما يرى في شعاع الشمس من الهباء. والمقصود: من يعمل في الدنيا مثقال ذرة من أعمال البر والصلاح يجد ذلك في كتابه يوم القيامة فيفرح به، أو يراه بعينه معروضًا عليه، يحمل البشرى إليه. ومن يعمل كذلك في الدنيا مثقال ذرة من أعمال الفجور والسوء يجد ذلك في كتابه يوم القيامة فيسوؤه، وقد يغفره اللَّه. وفي صحيح البخاري -عند تفسير هذه الآية- عن أبي هريرة ﵁: [أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "الخَيْلُ لِثَلاثَةٍ: لِرَجُلٍ أجْرٌ، ولرَجُلٍ سِتْرٌ، وعلى رَجُلٍ وِزْرٌ، فأمّا الذي له أَجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَها في سبيل اللَّه فأطالَ لها في مَرْجٍ أو رَوْضَةٍ، فما أصابَتْ في طِيَلهِا ذلك في المَرْجِ والرَّوضة كانَ له حَسناتٍ، ولو أنها قَطَعَتْ طِيَلَها فاسْتَنَّتْ شَرَفًا أو شَرَفين كانتْ آثارها وأرْواثُها حَسناتٍ له، وَلَوْ أنَّها مَرّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ولمْ يُردْ أنْ يَسْقِيَ به كان ذلك حسناتٍ له، فهي لذلك الرجل أَجْرٌ، وَرَجُل ربَطها تَغَنِّيًا وتَعَفُّفًا، ولمْ يَنْسَ حقَّ اللَّه في رِقابِها ولا ظهورها فَهِيَ له سِتْرٌ، ورَجُلٌ ربَطها فَخْرًا ورياءً وَنِواءً فهي على ذلك وِزْرٌ". فَسُئِل رسول اللَّه ﷺ عَنِ الحُمُرِ، قال: "ما أنزل اللَّه عليَّ فيها إلا هذه الآيةَ الفاذَّة الجامِعةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾] (١).

стр. 5343

وفي مسند الإمام أحمد ومستدرك الحاكم بسند رجاله رجال الصحيح عن صعصَعَة بن معاوية، عَمِّ الفرزدق: [أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، قال: حسبي! لا أُبالي ألّا أسمع غيرها] (١). وقد حفلت السنة العطرة بروائع من الأحاديث في مفهوم هاتين الآيتين: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إن اللَّه لا يَظلمُ مؤمِنًا حَسَنَةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعمُ بحسنات ما عَمِلَ بها للَّه في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تَكُنْ له حسنة يُجْزى بها] (٢). الحديث الثاني: أخرج أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن عوف بن الحارث بن الطفيل: أن عائشة أخبرته: أنّ النبي ﷺ كان يقول: [يا عائشةُ! إياك ومحقِّرات الذنوب، فإن لها من اللَّه طالبًا] (٣). الحديث الثالث: أخرج أحمد والطبراني بسند حسن في الشواهد عن عبد اللَّه بن مسعود، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: [إياكم ومُحقَّرات الذنوب، فإنهنَّ يَجْتَمِعْنَ على الرجل حتى يُهلكنَه، كرجُلٍ كانَ بأرض فلاة فحضرَ صنيعَ القوم، فجعلَ الرجلُ يجيءُ بالعودِ، والرجل يجيءُ بالعود، حتى جمعوا من ذلك سوادًا وأجَّجوا نارًا فأنضجوا ما فيها] (٤). وله شاهد في المسند ومعجم الطبراني من حديث سهل بن سعد مرفوعًا بلفظ: [إياكم ومحقَّرات الذنوب، فإنما مثل مُحقَّرات الذنوب كمثلِ قومٍ نزلوا بطنَ وادٍ،

стр. 5344

فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنَّ محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تُهلِكه] (١). الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم من حديث عَدِيّ مرفوعًا: [اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة] (٢). الحديث الخامس: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [يا نساءَ المؤمنات، لا تحقِرَنَّ جارة لجارتها ولو فِرسِنَ شاةٍ] (٣) -يعني ظلفها. الحديث السادس: أخرج البخاري في "التاريخ الكبير"، ومالك في "الموطأ"، وأحمد في المسند بإسناد حسن من حديث حواء بنت السكن مرفوعًا: [رُدُّوا السائِلَ ولو بِظِلفٍ مُحرَقٍ] (٤). الحديث السابع: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جابر بن سليم مرفوعًا: [لا تحقرن شيئًا من المعروف، وأن تُكَلِّمَ أخاكَ وأنت مُنْبَسِطٌ إليه وَجْهُكَ إنَّ ذلك من المعروف] (٥). وفي لفظ: [لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاكَ ووجْهُكَ منبسِطٌ، ولوِ أن تُفْرغ من دَلْوك في إناء المُسْتقي، وإن امرؤٌ شتمكَ بما يعلمُ فيك فلا تشتمه بما تَعْلمُ فيه، فإنه يكون لك أجرُه وعليه وِزْرُه] الحديث (٦). والخلاصة: تَحثُّ خاتمة السورة على التسابق إلى مزيد من العمل الصالح ولو كان

стр. 5345

من الأعمال البسيطة التي لا تعب في تحصيلها ولا جهد ولا نصب، ليرجح الميزان يوم الحساب ولو بشعرة إلى الزحزحة عن النار إلى رضوان اللَّه إلى العبور إلى الجنة دار القرار والنعيم والخلود. تم تفسير سورة الزلزلة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأربعاء ٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م دروس ونتائج وأحكام ١ - تخرج الأرض يوم القيامة ما في جوفها من الأموات والدفائن وما عُمِلَ عليها. ٢ - يصدر الناس يومئذ من قبورهم إلى موقف الحساب، متفرقين ينصرف بعضهم إلى جهة اليمين وبعضهم إلى جهة الشمال، إضافة إلى التفرّق في الأديان والأعمال. ٣ - إياكم ومحقِّرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنَه. * * *

стр. 5346

١٠٠ - سورة العاديات وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١). موضوع السورة أثر المباغتة بالعاديات في النصر على الأعداء ووجوب التفكر بنعم اللَّه والبعث والجزاء - منهاج السورة - ١ - قَسَمُ اللَّه تعالى بالخيل المباغتة في الهجوم، يُغِيرُ عليها المجاهدون وهي تحمحم بصوتها وتقدح بحوافرها وتثير الأرض حتى تنزل بساحة القوم. ٢ - جحود الإنسان نِعم ربه الكريم، والحُبّ الشديد للمال والتعظيم. ٣ - الحث على التفكر بالبعث من القبور، وإخراج السرائر من الصدور.

стр. 5347

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾. في هذه الآيات: ثناءُ اللَّه تعالى على المباغتين -في قتال الكفرة- والمهاجمين، فأقسم جلت عظمته بالخيل التي يُغِيرُ عليها القوم إذا أصبحوا ليباغتوا عدوهم، وهي تشتد عند الفجر وتحمحم بصوتها، وتقدح بحوافرها التي تضرب الحصى فيخرج منه النار، وتثير تراب الأرض في الطريق إلى القتال، حتى تنزل فجأة في ساحة القوم المجرمين فتباغتهم بهجوم سريع مفاجِئ، فتكسب الملحمة وتوقع الخسارة بالعدو وتغنم الغنائم، إنّ الإنسان لربه لكفور، وإنه لحب المال لشديد، فهلّا تفكر بالبعث من القبور، وإخراج السرائر من الصدور، فاللَّه تعالى بأعمال العباد خبير بصير. فقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾. مدح من اللَّه تعالى: "العاديات ضَبْحًا" وهي الخيل التي تعدوها وهي تحمحم، والضبح: الحمحمة (١). قال ابن عباس: (﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ الخيل، هو في القتال). وقال عكرمة: (ألم ترَ إلى الفرس إذا جرى كيف يضبح). وقال عطاء: (ليس شيءٌ من الدواب يضبح غير الكلب والفرس). والآية: قسم من اللَّه تعالى بالخيل إذا اجريت في سبيله فعدت وضبحت. وضبحًا: حال، أو مصدر في موضع الحال. وقوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾. قال الكلبي: (تقدح بحوافرها حتى يخرج منها النار). وقال قتادة: (هِجن الحرب بينهم وبين عدوهم).

стр. 5348

والعرب تقول: وَرَى الزند يَرِي وَرْيًا: إذا خرجت ناره. ويجوز بالكسر أيضًا: (وَرِيَ الزند يَرِي وَرْيًا). وأصل القَدْح الاستخراج، ومنه قولهم: قَدَحْتُ العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد. واقتدحْت بِالزند. والمِقْدَحة: ما تُقْدَح به النار. والقدّاحة والقدّاح: الحجر الذي يُوري النار. فَبِعَدْو تلك الخيل في طريقها إلى القتال أثناء المباغتة والهجوم، تضرب الحصى بمناسمها بعضه ببعض، فيخرج منه النار والشرر. أثنى اللَّه سبحانه على ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾. متابعة في الوصف المثير، الموجب للمدح والثناء والكبير. قال قتادة: (أغار القوم بعدما أصبحوا على عدوهم). وعن مجاهد: (﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ قال: هي الخيل). وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: (سألني رجل عن المغيرات صبحًا، فقال: الخيل تغير في سبيل اللَّه). وقال عكرمة: (أغارت على العدو صبحًا). وقوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾. أي: فرفعن بالوادي غبارًا من أثر تلك الحركة المفاجئة السريعة، والنقع: الغبار. فعن مجاهد: (قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ قال: الخيل). وقال عطاء: (النقع: الغبار). وقال عكرمة: (أثارت التراب بحوافرها). وقوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾. أي: فوسطن بركابهن جمع العدو. قال عكرمة: (جمع الكفار). وقال قتادة: (فوسطن جمع القوم). وقال الضحاك: (الجمع: الكتيبة). وعن ابن زيد: (في قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ قال: هذا قسم أقسم اللَّه به. وفي قوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ قال: كل هذا قسم). قلت: وخلاصة القول: لقد وَصف سبحانه بجوامع من الكلم وروائع من البيان تفاصيل معركة كاملة، منذ الإغارة من الفجر، حتى حصول النصر، ليعلم المؤمنين أنّ هذا الدين العظيم دين قوة وعز ونصر، ودين هجوم على الباطل ومباغتة لأهل الكفر، دين قهر لأعداء اللَّه في الأرض لا دين ضعف وعجز وكسل، أو دفاع وانتظار وخجل، وقد أقسم اللَّه تعالى بتلك الخيل المغيرة، واللَّه سبحانه يقسم بما شاء، ولا يقسم جل ثناؤه إلا بعظيم، وأمر هام وكبير. لقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه، بسند صحيح عن

стр. 5349

عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: [كان يحب أن ينهضَ إلى عدوه عند زوال الشمس] (١). وهذا الوقت وقت راحة وتعب وقيلولة، فكان يحب ﵊ أن يباغت به عدوه. وفي رواية أخرى للحديث: [كان يعجبه أن يلقى العدو عند زوال الشمس]. وروى أبو داود والنسائي بسند صحيح عن كعب قال: [كان إذا أراد غزوة وَرَّى بغيرها] (٢). وذلك لتحصل المباغتة والهجوم المفاجئ، فإن الحرب خدعة، والمؤمنون هم أحق الناس في الأرض بتعلم فنون المباغتة وطرق كبت العدو. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. هو جواب القسم. والمعنى: إن الإنسان لربه لكفور. قاله ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن البصري: (هو الكفور الذي يعدّ المصائب، وينسى نعم ربه). وقال: (﴿لَكَنُودٌ﴾ يقول: لوّام لربه يعدّ المصائب). وَكَنَدَ -في لغة العرب- كفَرَ النّعمة فهو كنود. قال النسفي: (﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ لكفور، أي: إنه لنعمة ربه خصوصًا لشديد الكفران). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾. فيه تأويلان حسب موقع الضمير: التأويل الأول: إنّ اللَّه على كنود الإنسان رثه لشهيد: -يعني لشاهد- وهذا من باب الوعيد. قال قتادة: (﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ قال: يقول: إن اللَّه على ذلك لشهيد). وقال سفيان: (يقول: وإنّ اللَّه عليه شهيد). التأويل الثاني: إن الإنسان على كونه كنودًا لشهيد. قال ابن كثير: (أي: بلسان حاله. أي ظاهرٌ ذلك عليه في أقواله وأفعاله). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. فيه تأويلان متكاملان: التأويل الأول: إنه لحب المال لشديد. قال القرطبي: (أي لقوي في حبه للمال). التأويل الثاني: إنه لحريصٌ بخيل، من محبّة المال. قال ابن جرير: (قال بعض

стр. 5350

البصريين: معنى ذلك: وإنه من أجل حبّ الخير لشديد: أي لبخيل. قال: يقال للبخيل: شديد ومتشدد). أخرج ابن أبي خيثمة والبزار بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعًا: [مَنْهومان لا يشبعان: طالِبُ عِلم، وطالب دنيا] (١). والمقصود: أنّ الإنسان لحب المال لشديد قوي يميل كثيرًا إلى البخل والإمساك، وأما لحب عبادة ربه المنعم المتكرم فبطيء ضعيف. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾. قال ابن عباس: (بُحِثَ). والمقصود: أفلا يعلم إذا نُثِرَ ما في القبور من الموتى وأخرجوا من قبورهم للحشر والحساب، كيف يكون مستقبله أفي الثواب أو العقاب! وقوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور﴾. قال ابن عباس: (أُبرِزَ). وقال سفيان: (يقول: مُيِّزَ). والمعنى: ومُيِّز وبُيِّنَ يومئذ ما في الصدور من الخير والشر، وأُبرز ما فيها من السِّر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (يقول: إنَّ ربهم بأعمالهم، وما أسروا في صدورهم، وأضمروه فيها، وما أعلنوه بجوارحهم منها، عليم لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيهم على جميع ذلك يومئذ). أخرج الحاكم بسند صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود! إني رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ : [تعلمون المعادَ إلى اللَّه، ثم إلى الجنة أو إلى النار، وإقامةٌ لا ظعن فيه، وخلودٌ لا موت، في أجسادٍ لا تموت] (٢). تم تفسير سورة العاديات بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه غروب شمس يوم الأربعاء ٤ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٤/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م

стр. 5351

دروس ونتائج وأحكام ١ - كان رسول اللَّه ﷺ يحب أن ينهض إلى عدوه عند زوال الشمس. ٢ - منهومان لا يشبعان: طالِبُ عِلْمٍ، وطالب دنيا. ٣ - يبين يوم الحشر ما في الصدور من الخير والشر، ويبرز ما كان فيها من السِّر. * * *

стр. 5352

١٠١ - سورة القارعة وهي سورة مكية، وعدد آياتها (١١). موضوع السورة أهوال القارعة وأحوال الناس يوم الدين - منهاج السورة - ١ - التخويف من أمر القارعة، تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء اللَّه بالعذاب. ٢ - انتشار الناس كالفراش في أرض المحشر، والجبال كالصوف المنفوش المبعثر. ٣ - أهل الموازين الثقيلة في جنات النعيم، وأصحاب الموازين الخفيفة في نار الجحيم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ١١. قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ

стр. 5353

الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾. في هذه الآيات: تعظيمُ اللَّه أمر القارعة، تقرع العباد بأهوالها، ويكون الناس كالفراش المنتشر في أرض الحشر، والجبال كالصوف المنفوش المبعثر، فمن ثقلت موازينه كان في جنات النعيم، ومن خفت موازينه كان في نار الجحيم. فقوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ﴾. اسم من أسماء القيامة، سميت بذلك لأنها تقرع القلوب بالفزع، وتقرع أعداء اللَّه بالعذاب. قال ابن عباس: (﴿الْقَارِعَةُ﴾ من أسماء يوم القيامة، عَظَّمَهُ اللَّه وحذّره عباده). وقال قتادة: (﴿الْقَارِعَةُ﴾: الساعة). وقال وكيع: (سمعت أن القارعة والواقعة والحاقة: القيامة). قلت: وكذلك الطامّة والصّاخة والغاشية وغير ذلك من أسماء ونعوت القيامة. وقوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾. قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره معظِّمًا شأن القيامة والساعة التي يقرع العباد هولها، أي شيء القارعة، يعني بذلك: أي شيء الساعة التي يقرع الخلق هولها، أي ما أعظمها وأفظعها وأهولها). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾. قال القاسمي: (تأكيد لهولها وفظاعتها، ببيان خروجها عن دائرة علوم الخلق على معنى أن عظم شأنها ومدى شدتها، بحيث لا تكاد تناله دراية أحد، حتى يدريك بها). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾. الفراش: هو الحشرة الطائرة المعروفة. والمبثوث: المنتشر. والمقصود: القارعة يوم يسير الناس على غير هدى في كل اتجاه لشدة الهول حتى يحشروا إلى الموقف. كما قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]. وعن قتادة: (﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ هذا الفراش الذي رأيتم يتهافت في النار). وقال ابن زيد: (هذا شَبَهٌ شبهه اللَّه. وكان بعض أهل العربية يقول: معنى ذلك: كغوغاء الجراد، يركب بعضه بعضًا، كذلك الناس يومئذ، يجول بعضهم في بعض). وقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. العهن: الصوف.

стр. 5354

والمعنى: وتكون الجبال يومئذ كالصوف الملون بالألوان المختلفة الذي نُفِشَ بالندف. وهذا لأنها تتفتت وتطّاير. قال قتادة: (العهن: هو الصوف. وذكر أن الجبال تسير على الأرض وهي في صورة الجبال كالهباء). قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصوف المنفوش. والعهن: هو الألوان من الصوف). وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾. أي: أعماله الصالحة. والموازين: الوزن. والمقصود: رجحت حسناته على سيئاته في الميزان. والميزان كما دلت السنة الصحيحة هو لِوَزْنِ الأعمال يوم القيامة، وله كفتان حسيتان مشاهدتان، وهو ميزان دقيق عالي الحساسية والدقة، يعطي الوزن الصحيح لكل عمل حسب قيمته وظروف القيام به، والغربة التي رافقته، ودواعي النفس والسوء التي صاحبته، وخَلاصُه من الرياء وحبّ السمعة، وبُعده عن الظهور وحب الرياسة، والأذى الذي لحق بصاحبه، والصبر الذي صُرِفَ له، وكظم الغيظ ومعالي الأخلاق وجميل الحلم الذي احتُسِبَ للَّه عنده، فقد هيأ اللَّه هذا الميزان يوم القيامة ليؤشر ويدخل في الحساب هذه الدقة العالية. وفي التنزيل: ١ - قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. ٢ - وقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]. ومن صحيح السنة العطرة في مفهوم ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الحاكم بسند جيد عن سلمان، عن النبي ﷺ قال: [يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت. فتقول الملائكة: يا رب: لِمَنْ يزن هذا؟ فيقول اللَّه تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي. فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال

стр. 5355

رسول اللَّه ﷺ : [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم] (١). الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [الطهور شطرُ الإيمان، والحمد للَّه تملأ الميزان، وسبحان للَّه، والحمد للَّه تملآن ما بين السماوات والأرض] (٢). الحديث الرابع: أخرج أحمد في المسند بإسناد حسن عن ابن مسعود ﵁: [أنه كان يجني سِواكًا من الأراك وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول اللَّه ﷺ : ممَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبي اللَّه من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد] (٣). وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾. قال مجاهد: (يقول: في عيشة قد رضيها في الجنة). والعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، والمقصود: هو في حياة مرضية يرضاها صاحبها. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. أي: خفّ وزن حسناته، ورجح وزن سيئاته. أخرج البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة، وقال اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]] (٤). وقوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾. أي: فمسكنه جهنم، وسمّاها أمّه لأنه يأوي إليها كما يأوى الطفل إلى أمه، وسميت هاوية لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها. فعن قتادة: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ وهي النار هي مأواهم). وقال: (مصيره إلى النار، هي الهاوية). وقال قتادة: (هي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمر شديد قال: هوت أمّهُ). وعن أبي صالح: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال: يهوون في النار على رؤوسهم).

стр. 5356

وعن سعيد عن قتادة: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال: يهوي في النار على رأسه). وعن ابن عباس: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ وهو مثلها، وإنما جعلت النار أمُّه، لأنها صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها، بمنزلة أمّ له). و﴿هَاوِيَةٌ﴾ اسم من أسماء النار. قال ابن زيد: (الهاويةُ: النار، هي أمُّه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾). وفي سنن النسائي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [إذا حُضِرَ المؤمن أتَتْهُ ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخْرُجي راضيةً مَرْضيًا عنك، إلى رَوْحِ اللَّه ورَيْحان، وربٍّ غَيْرِ غضبان، فتخرج كأطيب ريح المِسك، حتى أنَّه لَيُناوِلُهُ بَعْضُهم بَعْضًا، حتى يأتون به بابَ السماء، فيقولون: ما أطْيَبَ هذه الريح، التي جاءتكم من الأرض، فيأتونَ به أرواحَ المؤمنين، فلهم أشدُّ فَرَحًا به من أحَدِكُمْ بغائبه يَقْدَمُ عليه. فيسألونه: ماذا فعل فُلان، ماذا فعلَ فُلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهِبَ به إلى أُمِّهِ الهاويةِ] الحديث (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾. استفهام للتهويل والتفظيع، ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا يدرى كنهها. وقوله تعالى: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. أي: قد انتهى حرّها وبلغ في الشدة غايته، فهي شديدة الحرّ، قوية اللهيب والسعير. قال ابن جرير: (يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها). وقد جاء تفصيل ذلك في أحاديث من السنة المطهرة: الحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [ناركم جزء من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول اللَّه! إن كانت لكافية. قال: فُضِّلت عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهنَّ مثلُ حرّها] (٢). وفي رواية: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم].

стр. 5357

وفيها: [فإنَّها فَضَلَتْ عيها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها]. وفي رواية لأحمد في المسند: [لقد فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءًا حرًّا فحَرًّا]. الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ ناركم هذه جزءٌ من سبعين جُزءًا من نار جَهَنَّم، وَضُرِبتْ بالبحر مَرَّتين، ولولا ذلك ما جَعَلَ اللَّه فيها مَنْفَعَةً لأحد] (١). وفي رواية أخرى عند أحمد عنه مرفوعًا: [هذه النار جزء من مئة جزء من جهنم]. الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: [أهْوَنُ أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو مُنتعِلٌ بنَعْلَيْن من نارٍ يغلي منهما دماغُه] (٢). وله شاهد في مسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ أهونَ أهل النار عذابًا من له نَعلان يغلي منهما دماغُه]. الحديث الرابع: أخرج أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إذا اشتدَّ الحرُّ فأبْرِدُوا عن الصلاة، فإن شدّة الحر من فَيْحِ جَهنّم] (٣). الحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [اشتكت النار إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ! أكَلَ بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنفسَين: نفسٌ في الشتاء، ونفسٌ في الصيف. فأشدُ ما تجدون في الشتاء من بَرْدِها، وأشدُّ ما تجدون في الصيف من حَرّها] (٤). تم تفسير سورة القارعة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الخميس ٥ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م

стр. 5358

دروس ونتائج وأحكام ١ - القارعة اسم من أسماء يوم القيامة، عظَّمه اللَّه وحذّره عباده. ٢ - يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، ليزن أعمال الصالحين الكبيرة، وآثام المجرمين الخَطيرة. ٣ - كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم. ٤ - إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة. ٥ - ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم.

стр. 5359

١٠٢ - سورة التكاثر وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨). أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن مُطَرِّفٍ، عن أبيه قال: [أتيت النبي ﷺ وهو يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقول ابنُ آدم: مالي، مالي، قال: وهَلْ لكَ، يا ابن آدمَ! مِنْ مالِكَ إلا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ ] (١). موضوع السورة اختبار التفاخر والتكاثر يوم الدين والسؤال عن النعيم ورؤية الجحيم - منهاج السورة - ١ - الإخبار عن انشغال أكثر العباد بالتفاخر بالأموال والأولاد وإيثار الدنيا الفانية على الحياة الباقية. ٢ - حصول الاعتبار عند المصير إلى التراب، ومفارقة الأهل والأحباب. ٣ - السؤال حق عن النعيم، أمام أهوال نار الجحيم، ولا ينجو إلا من كتب له الفوز والنجاة من اللَّه الكريم.

стр. 5360

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. في هذه الآيات: تقريرُ اللَّه تعالى انشغال أكثر العباد عن طاعته بالأموال والأولاد، والتفاخر والتكاثر، وإيثار الدنيا الفانية، على الحياة الباقية، فلا يحصل الاعتبار إلا عند المصير إلى التراب، ومفارقة الأهل والأحباب، ثم السؤال لا مفر منه في أرض المحشر عن النعيم، أمام أهوال نار الجحيم، ولا ينجو إلا مَنْ كُتب له الفوز والنجاة من اللَّه الكريم. فقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. تحذير ووعيد. أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بزينة هذه الحياة الدنيا، والتغالب فيها، والاستكثار من تحصيلها، عن طاعة اللَّه والعمل للآخرة، وما ينجيكم من سخطه تعالى وعقابه. قال الحسن البصري: (﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد). وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: أنساكم. وقال قتادة: (﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أي: التفاخر بالقبائل والعشائر). وقال الضحاك: (أي: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة). وأصل: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ -في كلام العرب- من لَهِيَ عن الشيء لُهِيًّا ولهْيانًا -بضم اللام وكسرها- أي: سلَا عنه وتَرَك ذِكره وأضرَب عنه. و"ألهاه" شغَله، و"لَهّاهُ" به تَلهيةً أي: عَلَّلَهُ. أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أنَّ لابن آدمَ واديًا مِنْ ذَهَبٍ أحبَّ أن يكونَ لهُ واديان، ولَنْ يَمْلأَ فاهُ إلا التراب، ويتوب اللَّه
следующие страницы →