← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عباس: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾: يقول فيما يصيبون من لذتها وفرحها إذا شربوها). قال ابن جرير: (وأما منافع الميسر، فما يصيبون فيه من أنصباء الجزور. وذلك أنهم كانوا يياسرون على الجزور، وإذا أفلج الرجل منهم صاحبه نحره، ثم اقتسموا أعشارًا على عدد القداح). وقوله: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. قال الضحاك: (يقول: إثمهما بعد التحريم، أكبر من نفعهما قبل التحريم). وقال ابن كثير: (أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فَدُنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته: ونَشْرَبُها فتتركُنا ملوكًا ... وأسْدًا لا يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وكان يُقَمِّشُه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله. ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. وهذه الآية مهّدت لتحريم الخمر، حتى نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم جاء التحريم القطعي بنزول آية المائدة. قال مجاهد: (إن هذه أول آية نزلت في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر). أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: [لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شِفاء، فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية، قال: فدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّنْ لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ... (٤٣)﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ ، إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقْرَبَنَّ الصلاة سَكْرانُ. فَدُعي عمر فقرئت عليه، فقال:

стр. 562

اللهم بين لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. قال عمر: انتهينا] (١). وأخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ نسختها التي في المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ ... ﴾ الآية] (٢). وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ فيه أقوال متقاربة: ١ - عن ابن عباس قال: (العفو ما فضل عن أهلك). وقال قتادة: (أي الفضل). ٢ - عن طاووس قال: (اليسير من كل شيء). قال ابن عباس: (ما لا يتَبَيَّنُ في أموالكم). ٣ - عن عطاء، قال: (العفو في النفقة: أن لا تجهدَ مالك حتى ينفد فتسأل الناس). وقال: (العفو ما لم يسرفوا ولم يقتروا في الحق). وقال مجاهد: (العفو صدقة عن ظهر غنى). والمقصود الوسط من النفقة، ما لم يكن إسرافًا ولا إقتارًا. ٤ - عن ابن عباس: (يقول: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم]. ٥ - عن الربيع، قال: (يقول: الطيِّبَ منه، يقول: أفضلَ مالك وأطيَبَه). ٦ - عن مجاهد: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. قال: الصدقة المفروضة). ورجّح ابن جرير أن معنى العفو: الفضل من مال الرجل عن نفسه وأهله في مؤونتهم ما لا بدلهم منه. والذي ذهب إليه شيخ المفسرين قد جاءت به السنة الصحيحة، في أحاديث، منها: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر، قال رسول الله ﷺ : [ابْدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإنْ فَضَلَ شيء فلأهلِكَ، فإن فَضَلَ عن أهلِكَ شيء فلذي

стр. 563

قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. يقول: فَبَيْنَ يَدَيْكَ وعن يمينك وعن شِمالك] (١). الحديث الثاني: روى مسلم وأبو داود -واللفظ له- عن أبي هريرة، قال: [أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على ولدك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على زوجتك. أو قال: زوجك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به على خادمك. قال: عندي آخر. قال: أنت أبصر] (٢). الحديث الثالث: روى مسلم والترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : [يا ابن آدم! إنك إن تَبْذُل الفضل خيرٌ لك، وأن تمسكه شَرٌّ لك، ولا تُلام على كفاف. وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى] (٣). وله شاهد عند البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أخيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غِنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول] (٤). الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : [كفى بالمرء إثمًا أن يُضيعَ منْ يقوت] (٥). والآية ليست منسوخة بآية الزكاة، وإنما هي إعلام من الله سبحانه عن ما يرضيه من النفقة مما يسخطه، جوابًا منه لمن سأل نبيه محمدًا ﷺ عما فيه له رضًا. أفاده ابن جرير. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾. يعني جل ذكره: كما بينت لكم آياتي وحججي في كل أمر يخصكم في دينكم، من

стр. 564

أمور: التوحيد، والحدود والفرائض والوعد والوعيد، فكذلك أبين لكم في سائر كتابي. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. قال ابن عباس: (يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها). وقال قتادة: (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة، فتعرفون فضل الآخرة على الدنيا). قال: (فكونوا ممن يَصْرم حاجة الدنيا لحاجة الآخرة). وقال ابن جريج: (أما الدنيا، فتعلمون أنها دار بلاء ثم فناء، والآخرة دارُ جزاء ثم بقاء، فتتفكرون فتعملون للباقية منهما). وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس قال: [لما أنزل الله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، الآية- انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضُلُ من طعامه فَيُحْبَسُ له، حتى يأكله، أو يفسد. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامه، وشرابهم بشرابه] (١). قال السدي: (كانت العرب يشددون في اليتيم حتى لا يأكلوا معه في قصعة واحدة، ولا يركبوا له بعيرًا، ولا يستخدموا له خادمًا، فجاؤوا إلى النبي ﷺ فسألوا عنه، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾، يصلح له ماله وأمره له خير، وإن يخالطه فيأكل معه ويطعمه ويركب راحلته ويحمله ويستخدم خادمه ويخدمه، فهو أجودُ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. أي: من يقصد الإفساد من الإصلاح. قال ابن زيد: (الله يعلم حين تخلط مالك بماله: أتريد أن تصلح ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق).

стр. 565

وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾. أي: ضيّق عليكم وأحرجكم، ولكنه برحمته وكرمه وسَّع عليكم بإباحته مخالطتهم. قال ابن عباس: (يقول: لو شاء الله لأحرجكم فضيّق عليكم، ولكنه وسَّع ويسَّر فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]). وقال: (ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقًا). وقال قتادة: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾، يقول: لجهدكم، فلم تقوموا بحق ولم تؤدوا فريضة). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عزيز في سلطانه، حكيم في قدره وشرعه. ٢٢١. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾. في هذه الآية: تحريم الله نكاح المشركات على المؤمنين، ويستثنى نكاح نساء أهل الكتاب بقوله في سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ... ﴾. ثم بيان فضل المؤمنة على المشركة. وتحريم تزويج المشركين من المؤمنات وبيان فضل المؤمن على المشرك، فالمشركون يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة. قال الربيع: (حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنزل في "سور المائدة"، فاستثنى نساء أهل الكتاب). وقال قتادة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، يعني: مشركات العرب اللاتي ليس فيهن كتاب يقرأنه). وقال: (المشركات، من ليس من أهل الكتاب، وقد تزوج حذيفة يهودية أو نصرانية). وقال زيد بن وهب، قال عمر: (المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة) وإسناده صحيح، ذكره ابن جرير. ثم روى بسنده إلى شقيق قال: (تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خلِّ

стр. 566

سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن). وقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾. فيه تفضيل المؤمنة الأمة على المشركة الحرة. أخرج ابن جرير بسنده عن السدي قال: (نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمَةٌ سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرهما، فقال له: "ما هي"؟ قال: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا أبا عبد الله، هذه مؤمنة. فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنَّها ولأتزوجنَّها. ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمة. وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (١). وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفَرْ بذات الدين، تربت يداك] (٢). وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: [الدنيا متاع، وخَيْرُ متاع الدنيا المرأة الصالحة] (٣). وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾. قال عكرمة: (حرم المسلمات على رجالهم- يعني رجال المشركين). وقال قتادة: (لا يحل لك، أن تنكح يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غير أهل دينك). ثم بيّن الله تعالى فضل العبد المؤمن على المشرك الحر: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: ولرجل مؤمن، لو كان عبدًا حبشيًا، خير من مشرك، وإن كان رئيسًا سريًا).

стр. 567

وقوله: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ قال القرطبي: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة للمشركين والمشركات. ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: إلى الأعمال الموجبة للنار، فإن صحبتهم ومعاشرتهم توجب الانحطاط في كثير من هواهم مع تربيتهم النَّسْل. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾ أي: إلى عمل أهل الجنة). وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. قال الزجاج: (أي بأمره). وقوله: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾. يعني: حججه وأدلته في كتابه وعلى لسان نبيّه لعباده، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: أي: ليعتبروا ويتذكروا ويميزوا بين السبيلين: سبيل أهل النار وسبيل أهل الجنة. فائدة: في الآية دليل بالنص على أنه لا نكاح إلا بولي. قال محمد بن علي بن الحسين: (النكاح بولي في كتاب الله، ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وقال ابن المنذر: (ثبت أن رسول الله قال: [ألا نكاح إلا بولي] .. روي هذا الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة). قلت: وبه قال مالك والشافعي وأحمد. ٢٢٢ - ٢٢٣. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾. في هذه الآيات: تحريم إتيان النساء أثناء محيضهن، ثم إباحة إتيانهن من كل وجه بعد الطهر إذا كان في قُبُلِهِن- يعني موضع الولد. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس: [أن اليهود كانوا، إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكِلوها ولم يجامعوهُنَّ في البيوت، فسأل أصحابُ النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : اصنَعُوا كُلَّ شيءٍ إلا النكاح. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يُريد هذا الرجل أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن حُضَيْر وعَبَّادُ بنُ

стр. 568

بشرٍ فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول: كذا وكذا. أفلا نجامِعُهُنَّ؟ فتغَيَّر وجْهُ رسول الله ﷺ حتى ظنَنّا أن قد وَجَدَ عليهما، فخرجا فَاسْتَقْبَلَهُما هديةٌ من لبن إلى النبي ﷺ . فأرسل في آثارهما، فَسقاهما، فعرفا أنْ لم يجد عليهما] (١). فالاعتزال المقصود هو في الجماع. فال ابن عباس: (اعتزلوا نكاح فروجهن). وقال: (إذاجعلت الحائض على فرجها ثوبًا أو ما يكف الأذى، فلا بأس أن يباشر جلدُها زوجَها). أخرج البخاري ومسلم عن ميمونة قالت: [كان رسول الله ﷺ يباشِرُ نساءَه فوق الإزار، وهُنَّ حُيَّضٌ] (٢). وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: [كانت إحدانا، إذا كانت حائضًا، أمَرَها رسول الله ﷺ فتأتَزِرُ بإزارٍ، ثم يباشرها] (٣). وفيه عنها قالت: [كنت أغسِلُ رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض] (٤). وفي صحيح مسلم وسنن النسائي عنها قالت: [كنتُ أتعرّق العَرْق وأنا حائض، فأعطيه النبي ﷺ ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعتُ فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه] (٥). والعَرْق: العظم عليه بقايا من اللحم، وتعرّقه: إذا أكل باقي اللحم الذي عليه. وروى أبو داود بسند جيد عن عائشة قالت: [كنت أنا ورسولُ الله ﷺ نبيتُ في الشعار الواحد وإني حائض طامِث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصابه -يعني ثوبه- شيء غسل مكانه، لم يَعْدُه، وصلّى فيه] (٦).

стр. 569

وأما كفارة إتيان الحائض فهي دينار أو نصف دينار، وتفصيل ذلك: أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد بسند حسن عن ابن عباس: [عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدّق بدينار أو نصف دينار]. وفي لفظ للترمذي: [إذا كان دمًا أحمر فَدينارٌ، وإن كان دمًا أصفرَ فنصف دينار] (١). وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. وهو نزول الطهر: ماء أبيض تعرفه النساء، يُعرف به انتهاء الحيض والنفاس. قال مجاهد: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: انقطاع الدم). وقال عكرمة: (حتى ينقطع الدم). وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. فيه أقوال: ١ - التطهر: هو الاغتسال بالماء. قال مجاهد: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا اغتسلن). وقال ابن عباس: (يقول: فإذا طهرت من الدم وتطهرت بالماء). وعن إبراهيم: (أنه كره أن يطأها حتى تغتسل -يعني المرأة إذا طهرت). وعن الحسن: (في الحائض ترى الطهر، قال: لا يغشاها زوجها حتى تغتسل وتحلَّ لها الصلاة). فقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني بالماء، على مذهب مالك والشافعي والطبري وأهل المدينة. ٢ - التطهر: هو الوضوء للصلاة. فعن طاووس: (إذا طهرت المرأة من الدم فشاء زوجها أن يأمرها بالوضوء قبل أن تغتسل- إذا أدركه الشَّبَق فليصب). وقال عكرمة: (انقطاع الدم يحلّها لزوجها ولكن بأن تتوضأ). ٣ - التطهر: التيمّم. قال يحيى بن بُكَيْر ومحمد بن كعب القُرظي: (إذا طهرت الحائض وتيمّمت حيث لا ماء حلَّت لزوجها وإن لم تغتسل). ٤ - التطهر: ولو بغسل موضع الدم. قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: (إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام له أن يطأها قبل الغسل). قلت: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: يشمل غسل موضع الدم، والوضوء، والتيمم

стр. 570

إن عدمت الماء، والغسل، كما سبق ذكره. ومن ثم فالاقتصار على تفسير الآية بالغسل لا دليل عليه تقوم به الحجة. فإذا طهرت الحائض وغسلت موضع الدم منها، جاز لزوجها أن يجامعها ولو لم تغتسل، وبهذا أفتى كبار علماء التابعين كمجاهد وعطاء وقتادة، وهو مذهب الأوزاعي وابن حزم وأبي سليمان وجميع أهل الظاهر. وأما قول ابن كثير في التفسير: (وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضُها لا تحلُّ حتى تغتسل بالماء، أو تتيمّم إن تعذر ذلك عليها بشرطه). فدعوى الاتفاق غير صحيحة، بعد أن علمت أن كبار علماء التابعين على خلاف هذا الاتفاق. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (في الفرج، لا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدى). وقال مجاهد: (أمروا أن يأتوهن من حيث نُهوا عنه). وقال: (إذا تطهرن فأتوهن من حيثُ نهي عنه في المحيض). وقال: (من حيث نهيتم عنه، واتقوا الأدبار). ٢ - قال عكرمة: (يقول: إذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله. يقول: طواهر غير حُيَّض). وقال الضحاك: (ائتوهن طاهرات غير حُيَّض). ٣ - عن ابن الحنفية: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، قال: من قِبل الحلال، من قِبل التزويج). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾. أي: من الذنب والمعصية وإن تكرر الوقوع والزلل. وقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. قال ابن كثير: (أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نُهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتي). قال مجاهد: (من أتى امرأته في دبرها فليس من المتطهرين). وقال ابن جرير: (إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة). وذكر قول عطاء: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، من الذنوب، لم يصيبوها، ﴿وَيُحِبُّ

стр. 571

الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ بالماء للصلوات). وقال ابن جريج: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الذنوب، لا يعودون فيها). قلت: وكل هذه الأقوال يحتملها البيان الإلهي، وهي اختلافات تنوع لا اختلافات تضاد. قال القاسمي: (وفي ذكر التوبة إشعارٌ بمساس الحاجة إليها -بارتكاب بعض الناس لما نُهوا عنه- وتكرير الفعل لمزيد العناية بأمر التطهّر). وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. يعني: هن مُزْدَرَعُ أولادكم. قال ابن عباس: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُم﴾: منبت الولد). وقال السدي: (أما الحرث: فهي مزرعة يحرث فيها). قال ابن جرير: (والحرث هو الزرع، ولكنهن لما كن من أسباب الحرث، جعلهن حرثًا). وقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال ابن عباس: (يأتيها كيف شاء، ما لم يكن يأتيها في دبرها أو في الحيض). وقال عكرمة: (يأتيها كيف شاء، ما لم يعمل عمل قوم لوط). وقال الضحاك: (يقول: متى شئتم). وقال سعيد بن المسيب: (إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بتفسير آفاق معنى هذه الآية، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: [كانت اليهود تقول إذا جَامَعَها من ورائها جاء الولد أحْوَلَ، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] (١). وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج وسفيان الثوري عن ابن المنكدر. قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله ﷺ : "مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج" (٢).

стр. 572

الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند حسن عن بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: [حَرْثك، ائت حرثك أنّى شئت، غير أن لا تضربَ الوجه، ولا تُقَبِّح ولا تهجر إلا في البيت] (١). وفي لفظ آخر: [ائت حرثك أنّى شئت، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تقبح الوجه ولا تضرب]. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أم سلمة ﵂ قالت: [لما قدم المهاجرون المدينة على الأنصار تزوجوا من نسائهم، وكان المهاجرون يُجِبُّون، وكانت الأنصار لا تُجَبِّي (٢)، فأراد رجل من المهاجرين امرأته على ذلك، فأبت عليه حتى تسأل رسول الله ﷺ . قال: فأتته فاستحيتْ أن تسأله، فسألته أم سلمة، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وقال: لا، إلا في صمامٍ واحد] (٣). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن ابن عباس، قال: [جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما الذي أهلكك؟ قال: حَوَّلْتُ رَحْلي البارحة، قال: فلم يردَّ عليه شيئًا. قال: . فأوحى الله إلى رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. "أَقْبِلْ وأَدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَة"] (٤). الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند حسن عن مجاهد، عن ابن عباس قال: [إن ابن عمر -والله يغفر له- أوْهَمَ وإنما كان أهل هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يَهودَ، وهم أهل كتاب، وكانوا يرَوْن لهم فَضْلًا عليهم في العِلم، فكانوا يقتدون بكثير من فِعْلِهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حَرْف، وذلك أستر ما تكون المرأةُ، فكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بذلك

стр. 573

من فِعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يَشْرَحُون النساء شَرْحًا مُنكرًا، ويتلذَّذون بهن مُقبلات ومُدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تَزَوَّجَ رجُلٌ منهم امرأةً من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فشري أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد] (١). قلت: ولا مانع من نزولها في جميع ما ذكر، فقد تتعدد أسباب النزول، وأما ما ورد عن ابن عمر أنها نزلت في إتيان النساء في أدبارهن فردّه العلماء، ولا يصح بأسانيده. وأما أدبار النساء فقد جاء تحريم إتيانهن من أعجازهن بالأحاديث الصحيحة: ١ - أخرج النسائي وأحمد بسند حسن عن خُزيمة بن ثابت، أن رسول الله ﷺ قال: [استحيوا، إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن] (٢). وفي لفظ: [لا تأتوا النساء في أدبارهن]. وفي لفظ آخر: [استحيُوا فإن الله لا يستحي من الحق، لا يحلُّ مأتى النساء في حشوشهِنّ] (٣). ٢ - وأخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [ملعون من أتى امرأة في دبرها] (٤). وفي حديث آخر: [ملعون من وقع على بهيمة، وملعون من عمل بعمل قوم لوط]. ٣ - أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال

стр. 574

رسول الله ﷺ : [من أتى كاهنًا فصدّقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضًا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد] (١). وقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾. قال السدي: (فالخير). وقال ابن عباس: (يقول: "باسم الله"، التسمية عند الجماع). وقال القرطبي: (أي قدموا ما ينفعكم غدًا). وقال ابن كثير: (أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما نهاكم عنه من ترك المحرمات). واختار ابن جرير قول السدي، بتقديم الخير والصالح من الأعمال ليوم المعاد. وفي التنزيل: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ١١٠]. قلت: ويمكن الجمع بين القولين: بتقديم الخير والعمل الصالح يوم المعاد، وتقديم ذكر الله عند الجماع ومقدمات إتيان الحرث قبل إتيانه. ففي الصحيحين عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال: باسم الله اللهم جنِّبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رَزَقْتَنا، فإنه إن يُقَدَّر بينهما ولدٌ لم يضرّه شيطان أبدًا] (٢). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾. يعني: يوم الحساب فيجازيكم. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [إنكم ملاقو الله حُفاة عُراة مُشاةً غُرْلًا] (٣). ورواه مسلم وأحمد وبعض أهل السنن، وفي لفظ: (ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾).

стр. 575

وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعني بكرامة الآخرة، والخلود في الجنة. قال القرطبي: (تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى). ٢٢٤ - ٢٢٥. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى عباده كيف يتحللون من أيمانهم ويأتون الذي هو خير، فإن الاستمرار على اليمين آثمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، ومن ثم فإن الأيمان لا تمنع من البر وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم يخبر تعالى عباده أنه لا يؤاخذهم في لغو الأيمان وإنما فيما كان فيه تعقيد وتأكيد، إنه بعباده غفور حليم. قال ابن عباس: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ولا يتصدق، أو أن يكون بينه وبين إنسان مغاضبة فيحلف لا يُصلح بينهما ويقول: "قد حلفت". قال: يكفر عن يمينه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾). وقال إبراهيم: (يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين، فلا يمنعه يمينه). وقال الربيع: (ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس. فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس). وفي التنزيل: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]. وأما السنة الصحيحة فقد حفلت بآفاق رائعة لهذه الآية الكريمة، فإلى ذكر بعض هذه الأحاديث: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 576

[مَنْ حلفَ على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خيرٌ وتَحلَّلْتُها] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري من حديث أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [والله لأَنْ يَلِجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يُعْطِيَ كفارته التي افترض الله عليه] (٣). وله شاهد في الباب بلفظ: [من اسْتَلَجَّ في أهله بيمين فهو أعظم إثمًا لِيَبَرَّ. يعني الكفارة]. ومفهوم الحديث: إن من يلج -من الإلجاج- وهو أن يقيم على يمينه ولا يحنث بها، (في أهله) الذين يتضررون بعدم حنثه، (آثم) يعني أكثر إثمًا من الحنث الذي يمحى بالكفارة. الحديث الرابع: أخرج الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي ﷺ : [يا عبد الرحمن بن سمُرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإنْ أوتيتها من غير مسألة أعِنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها فَكَفِّرْ عن يمينك وائت الذي هو خير] (٤). وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: يسمع حلف الحالف ويعلم مقصده. وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (هي: "بلى والله" و"لا والله"). وقالت عائشة: (هو قول

стр. 577

الرجل: "لا والله" و"بلى والله"، ما لم يعقد عليه قلبه). ذكره ابن جرير بسنده إلى عطاء وعبيد بن عمير. ٢ - قال الشعبي: (هو الرجل يقول: "لا والله، وبلى والله"، يصل حديثه). ٣ - قال مجاهد: (الرجلان يتبايعان، فيقول أحدهما: "والله لا أبيعك بكذا وكذا"، ويقول الآخر: "والله لا أشتريه بكذا وكذا"، فهذا اللغو، لا يؤاخذ به). ٤ - قال ابن عباس: (واللغو: أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقًّا، وليس بحق). ٥ - قال مكحول: (اللغو الذي لا يؤاخذ الله به، أن يحلف الرجل على الشيء الذي يظن أنه فيه صادق، فإذا هو فيه غير ذلك، فليس عليه فيه كفارة، وقد عفا الله عنه). ٦ - قال طاووس: (لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان). ذكره عن ابن عباس. ٧ - قال سعيد بن جبير: (لغو اليمين: أن يحلف الرجل على المعصية لله، لا يؤاخذه الله بإلغائها). والخلاصة كما قال الحافظ ابن كثير: (أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صَدَر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد). وقد حفلت السنة الصحيحة بنحو هذا المعنى: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ قالت: (أنزلت في قوله: لا والله، وبلى والله) (١). وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [من حلف فقال في حلْفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله] (٢). وهذا في شأن قوم أسلموا وألسنتهم قد اعتادت على حلف الجاهلية من غير قصد، فأمروا بالتلفظ بكلمة التوحيد لتمحو أثر ما علق من أيام الجهل. وفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب: أن أخوين من

стр. 578

الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدُهما صاحبَه القسمة، فقال: إن عُدْتَ تسألني عن القِسْمَةِ فكلُّ مالٍ لي في رِتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غَنيّةٌ عن مالِك، كَفِّرْ عن يمينك، وكلِّمْ أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب ، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك] (١). وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يعني: ما تعمدت به الكذب. قال مجاهد: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ما عقدت عليه). وقال: (وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. وقال ابن عباس: (هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب). قال عطاء: (لا تؤاخذ حتى تُصْعِدَ للأمر، ثم تحلف عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فتعقد عليه يمينك). وقال قتادة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، يقول: بما تعمدت قلوبكم، وما تعمدت فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة). وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. أي: غفور لعباده ما لَغَوْا من أيمانهم، حليم في تركه معاجلة العصاة بعقوبتهم. ٢٢٦ - ٢٢٧. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاق فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. في هذه الآيات: بيان حكم الإيلاء وما يلزم صاحبه من الفيئة أو الطلاق، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والله سميع عليم. والإيلاء: الحلف والقسم. قال سعيد بن المسيب: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: يحلفون). والمقصود: حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة. فإذا حلف الرجل على ذلك فله مدة أقصاها أربعة أشهر، وعليها أن تَصْبِرَ، وليس لها مطالبته بالفَيئة في هذه المدة. فإن زاد الأمر عن أربعة أشهر فللزوجة حق المطالبة بالرجعة أو الطلاق. وللحاكم أو

стр. 579

القاضي أن يجبره على اختيار أحد الأمرين، خشية الإضرار بالزوجة. قال ابن عباس: (كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت لهم أربعة أشهر). أخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن رسول الله ﷺ آلى من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: [الشهر تسع وعشرون] (١). وقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾. دليل عند الجمهور على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء. وقوله: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. قال إبراهيم: (كل يمين منعت جماعًا حتى تمضي أربعة أشهر، فهي إيلاء). فللزوج أن ينتظر أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يطالب بعدها بالفيئة أو الطلاق. ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾. قال ابن عباس: (الفيء الجماع). وقال سعيد بن جبير: (لا عذر له حتى يغشى). والمقصود رجعوا إلى ما كانوا عليه. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال الحسن: (إذا فاء فلا كفارة عليه)، فكفارته فيؤه. قلت: والراجح وجوب الكفارة لقوله ﵊ فيما روى مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة: [من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه] (٢). فالأولى لمن حلف ألا يطأ زوجته مدة دون الأربعة أشهر أن يكفر عن يمينه ويطأها. قال ابن عباس: (فإن هو نكحها كفر يمينه بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام). ويكون حينئذ تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: غفور للمولين فيما

стр. 580

حنثوا فيه من إيلائهم بأن رجعوا وكفَّروا عن أيمانهم، رحيم بإسقاطه العقوبة عنهم. وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. دليل أن الطلاق لا يقع بمجرد انتهاء الأربعة أشهر. روى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: [إذا آلى الرجلُ من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يُوقف، فإما أن يُطَلِّقَ وإما أن يفيء]. ورواه البخاري عنه بلفظ: [إذا مضت أربعة أشهر يوقَفُ حتى يُطَلِّقَ ولا يقعُ عليه الطلاقُ حتى يُطلِّقَ] (١). وهو مروي عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة وغيرهم. وروى البخاري عن نافع: [أن ابن عمرَ ﵄ كان يقول في الإيلاء الذي سمّى الله تعالى: لا يحلّ لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزِمَ بالطلاق كما أمر الله ] (٢). فإن طلّق فالطلقة تكون رجعية، له رجعتها في العِدَّة. وهو قول مالك والشافعي. روى مالك في الموطأ عن عمرو بن دينار، قال: [خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول: تطاولَ هذا الليلُ واسْوَدَّ جانِبُه ... وأرَّقني أنْ لا خليلَ ألاعِبُه فوالله لولا الله أني أراقِبُه ... لَحُرِّكَ من هذا السرير جوانِبُهْ فسأل عمرُ ابنته حفصة ﵂: كم أكثرُ ما تصبرُ المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر، أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبسُ أحدًا من الجيوش أكثرَ من ذلك]. وقد ذكره الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر، وهو من المشهورات، ورواه محمد بن إسحاق من حديث السائب بن جبير مولى ابن عباس قريبًا مما سبق، وذكره بطوله الحافظ ابن كثير في التفسير. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال أبو حنيفة: (سميع لإيلائه، عليم بعزمه الذي دلّ عليه مضيّ أربعة أشهر) - ذكره

стр. 581

القرطبي. وقال ابن جرير: (سميع لطلاقهم إياهن إن طلقوهن، عليم بما أتوا إليهن، مما يحل لهم ويحرُم عليهم). ٢٢٨. قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾. في هذه الآية: تشريع الله سبحانه للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء بتربص ثلاثة قروء ثم تتزوج بعد ذلك إن شاءت، ووجوب الإخبار بدقة وأمانة عن الرحم بحقيقة ما فيه، وتأكيد حق الزوج الذي طلّق بِرَدِّ زوجته ما دامت في عدتها، ووجوب العشرة بالمعروف. واختلف المفسرون في المقصود من "القرء" على قولين: ١ - الحيض. عن مجاهد: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، قال: حِيَضٍ). وقال الربيع: (تعتد ثلاث حِيض). وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، والثوري. ٢ - الطهر. عن الزهري، عن عائشة قالت: (الأقراء الأطهار). وقال زيد بن ثابت: (إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلّت للأزواج). وهو مذهب مالك والشافعي وأبي ثور، ورواية عن أحمد. روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: [انتقلتْ (١) حفصةُ بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها

стр. 582

في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار]. قال ابن جرير: (وأصل القرء في كلام العرب: الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم). قلت: والراجح أن القرء هو الحيضة، لثبوت ذلك من حديث النبي ﷺ . ففي صحيح سنن أبي داود عن عائشة: [أن أم حبيبة كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها] (١). وروى عن عائشة موقوفًا: [المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل]. ثم روى عن أبي جعفر: [أن سودة استحيضت فأمرها النبي ﷺ ، إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت، "المستحاضة تجلس أيام قرئها"] (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال مجاهد: (الحمل والحيض). وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وعيد شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه، فسبيل المؤمنات ألا يكتمن الحق. ووجه ذلك: لما كان لا اطلاع على أمر الحيض والأطهار -من أجل العدة- إلا من جهة النساء، جُعل القول قولها إذا ادّعت انقضاء العدة أو عدمها، وجعلن مؤتمنات على ذلك. قال القرطبي: (ومعنى النهي عن الكتمان النهيُ عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة: حِضت، وهي لم تحض، ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحض، وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا تُرتَجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه، وكذلك الحامل تكتم الحمل لتقطع حقه من الارتجاع. قال قتادة: كانت عادتهنّ في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليُلحقن الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية).

стр. 583

وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾. قال قتادة: (أحق برجعتهن في العدة). والمقصود: أن الزوج الذي طَلَّقَ زوجته أحقّ بردها ما دامت في عدتها، إذا كان يبغي في ذلك الإصلاح والخير. وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال ابن كثير: (أي: ولهن على الرجال من الحق مثلُ ما للرجال عليهن، فليؤد كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف). قلت: ويشمل ذلك أداء الرجل لزوجته ما أمره الله به من حسن الصحبة والنفقة والعشرة بالمعروف، مقابل ما أمرها الله به أن تؤديه من الطاعة وحسن القيام على حقه وخدمته ورعاية شؤون بيته وولده. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: [فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْن فُرُشَكُم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهنّ رزقهن وكسوتهن بالمعروف] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند حسن عن بَهْز بن حكيم بن معاوية بن حَيْدَة القشيري عن أبيه عن جده أنه قال: [يا رسول الله، ما حقُ زوجة أحدنا؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّح، ولا تَهْجُرْ إلا في البيت] (٢). الحديث الثالث: يروي الطحاوي في "المشكل" بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي] (٣). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي ﷺ قال: [والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها

стр. 584

حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قَتب لم تمنعه نفسها] (١). الحديث الخامس: أخرج ابن أبي شيبة والنسائي بإسناد صحيح عن حصين بن محصن قال: [حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة فقال: أي هذه! أذات بعل؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (٢) إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك] (٣). والخلاصة: إن للنساء على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فلا بد أن يؤدي كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، وقد تألق فهم السلف الصالح لهذه الآية فعاملوا زوجاتهم برفيع المعاملة، حتى إن ابن عباس كان يقول: (إني لأحبُّ أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾) - رواه ابن جرير عن وكيع عن بشير بن سليمان عن عكرمة عن ابن عباس. وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. فيه أقوال: ١ - قال مجاهد: (فَضْلُ ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفَضْل ميراثه على ميراثها، وكل ما فُضِّلَ به عليها). ٢ - قال ابن زيد: (﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾: طاعة، قال: يطعن الأزواج الرجال، وليس الرجال يطيعونهن). ٣ - قال الشعبي: (بما أعطاها من صداقها، وأنه إذا قذفها لاعنَها، وإذا قذفته جُلدت وأُقِرَّتْ عنده). ٤ - وقال حميد: (﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ قال: لحية). وقيل غير ذلك، كما فصّل ابن جرير.

стр. 585

قلت: والراجح أنها عامة في أشياء كثيرة، فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته وبالإنفاق وبالدية والميراث والجهاد والصداق وطاعة الأمر والقيام بالمصالح وتلبيته إلى فراشه وغير ذلك. ففي التنزيل: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... ﴾ [النساء: ٣٤]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [أيّما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح] (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: منيع السلطان لا معترض عليه، حكيم في أقواله وأفعاله وقدره وشرعه، فهو عالم مصيب فيما يفعل ويشرع. ٢٢٩ - ٢٣٠. قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾. في هذه الآيات: إثبات أن الطلاق مرتان، وتحريم المضايقة والظلم في ذلك، وتحريم نكاح الرجل مطلقته المبتوتة إلا بعد نكاحها غيره ثم مفارقتها مفارقة رغبة. يروي ابن جرير بسنده إلى ابن زيد قال: (كان الطلاق -قبل أن يجعل الله الطلاق ثلاثًا- ليس له أمد، يطلق الرجل امرأته مئة، ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحلّ، كان ذلك له. وطلق رجلٌ امرأته، حتى إذا كادت أن تحلّ ارتجعها. ثم استأنف بها طلاقًا بعد ذلك ليضارّها بتركها، حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها. وصنع ذلك مرارًا،

стр. 586

فلما علم الله ذلك منه جعل الطلاق ثلاثًا: مرتين، ثم بعد المرتين إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). فكانت هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر أول الإسلام، من أن الرجل أحق برجعة امرأته، وإن طلقها مئة مرة ما دامت في العدة، فقصر الله الطلاق على ثلاث طلقات دفعًا للضرر عن المرأة، فأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال جل ذكره: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. أخرج أبو داود بسند حسن عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ ... الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلّق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ .. الآية] (١). وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال ابن عباس: (إذا طلّق الرجل امرأته تطليقتين، فليتّق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يُسَرِّحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا). والمقصود أن الزوج مخيّر فيها إذا طلقها واحدة أو اثنتين، ما دامت عِدّتها باقية، إما يردّها لنفسه يريد الإصلاح أو يتركها حتى تنقضي عدتها، فتبيق منه فيطلق سراحها محسنًا إليها. وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. قال ابن كثير: (أي: لا يحل لكم أن تُضَاجِروهُنَّ وتضيّقوا عليهن، ليفتدين منكم بما أعطيتموهُنَّ من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ... ﴾ [النساء: ١٩]، فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]. وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا حرج عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ... الآية).

стр. 587

قلت: وأما إن كان بغضها له عن هوى، دون سبب شرعي تقوم به الحجة، ففي سؤالها له الطلاق مخالفة شرعية تستوجب الوعيد الشديد. وقد جاءت السنة الصحيحة بذلك في أحاديث كثيرة، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: [أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ المختلعات والمنتزعات هُنَّ المنافقات] (٢). الحديث الثالث: أخرج أبو نعيم في الحلية بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: [المختلعات والمتبرجات هنّ المنافقات] (٣). وله شاهد صحيح أخرجه البيهقي عن أبي أذينة الصدفي أن رسول الله ﷺ قال: [خير نسائكم الودودُ الولودُ، المواتيةُ، المواسية، إذا اتّقَيْنَ الله، وشرُّ نسائكم المُتَبرِّجاتُ المتخيلات، وهن المنافقات، لا يدخل الجنة منهق إلا مثلُ الغراب الأعصم] (٤). والأعصم: هو أحمر المنقار والرجلين، وهو كناية عن قلة من يدخل الجنة من النساء، لأن هذا الوصف في الغربان قليل، ويدل على هذا الشاهد الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، بسند صحيح عن عمارة بن خزيمة قال: بينا نحن مع عمرو بن العاص في حج أو عمرة، فإذا نحن بامرأة عليها حبائر لها -يعني أسورة- وخواتيم، وقد بسطت يدها على الهودج، فقال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في هذا الشِعب إذ قال: انظروا! هل ترون شيئًا؟ فقلنا: نرى غربانًا فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين، فقال رسول الله ﷺ : [لا يدخل

стр. 588

الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان] (١). وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. ترك إقامة حدود الله هو استخفاف المرأة بحق زوجها، وسوء طاعتها إياه. قاله ابن عباس ومالك بن أنس وجمهور الفقهاء. وقال الحسن بن أبي الحسن: (إذا قالت المرأة لا أطيع لك أمرًا، ولا أغتسل لك من جنابة، ولا أبرّ لك قسمًا، حل الخلع). وقال الشعبي: ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ألا يطيعا الله، وذلك أن المغاضبة تدعو إلى ترك الطاعة). وقال عطاء بن أبي رباح: (يحل الخلع والأخذ أن تقول المرأة لزوجها: إني أكرهك ولا أحبك، ونحو هذا ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس: [أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُق ولا دين، ولكن لا أطيقه! فقال رسول الله ﷺ : أتردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم] (٢). وأخرجه ابن ماجة بسند جيد من حديث عكرمة عن ابن عباس: [أن جميلة بنت سَلُول أتت النبي ﷺ فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خُلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقهُ بغضًا! فقال لها النبي ﷺ : أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد] (٣). وأخرجه الإمام مالك في الموطأ: [عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، أنها أخبرته عن حَبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس، وأن رسول الله ﷺ خرج إلى الصُّبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلس، فقال رسول الله ﷺ : من هذه؟ قالت: أنا حبيبة بنتُ سهل. فقال: ما شأنك؟ فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس -لزوجها-، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول الله ﷺ : هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر. فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 589

خُذْ منها. فأخذ منها وجلست في أهلها] (١). وقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس وزوجته، وروى بسندٍ حسن عن عَمْرة، عن عائشة: [أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس، فضربها فكسر بعضها -وفي رواية أبي داود: نُغْصَها (٢) -، فأتت رسول الله ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله ﷺ ثابتًا، فقال: خُذْ بعض مالها وفارقها. قال: ويصلحُ ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فإني أصدَقْتُها حديقتين، فهما بيدها. فقال النبي ﷺ : خذهما وفارقها. ففعل] (٣). وقد روى ابن جرير نحوه من حديث جميلة -وهي حبيبة نفسها بالاسم المشهور-: [أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي ﷺ فقال: يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ قالت: والله ما كرهت منه دينًا ولا خُلُقًا، إلا أني كرِهْتُ دمامته! فقال لها: أتردين الحديقة؟ قالت: نعم. فردّت الحديقة، وفرَّق بينهما] (٤). ويبدو أنّ ذلك كان أول خُلْعٍ في الإسلام، كما ذكر ابن عباس وغيره. فقد أخرج ابن جرير بسنده عن أبي جرير، أنه سأل عكرمة: هل كان للخُلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: [إن أول خُلْعٍ كان في الإسلام في أخت عبد الله بن أبيّ، أنها أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعتُ جانب الخباء، فرأيته قد أقبل في عِدّة، فإذا هو أشدّهم سوادًا، وأقصرهم قامةً، وأقبحهم وجهًا. فقال زوجها: يا رسول الله، إني قد أعطيتها أفضل مالي، حديقةً لي. فإن ردَّت علي حديقتي. قال: ما تقولين؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته. قال: ففرّق بينهما] (٥). فائدة (١): الراجح أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ.

стр. 590

قال الشافعي: (وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق). وقال الشافعي: (اختلف أصحابنا في الخُلْع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت بعد منه: يتزوجها إن شاء الله، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾). قال ابن كثير: (وروى غير الشافعي، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله فقال: رجل طلّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: فعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾). وهو المأثور (١) عن عثمان بن عفان، وابن عمر. وهو قول طاووس، وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، والشافعي في القديم. قال ابن القيم ﵀: (والذي يدل على أنه ليس بطلاق: أن الله رتّب على الطلاق بعد الدخول الذي لم يستوف عدده ثلاثة أحكام، كلها منتفية عن الخلع: أحدها: أن الزوج أحق بالرجعة فيه. الثاني: أنه محسوب من الثلاث، فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد زوج وإصابة. الثالث: أن العدة فيه ثلاثة قروء. وقد ثبت بالنص والإجماع أنه لا رجعة في الخلع. وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة. وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين، ووقوع ثالثة بعده. وهذا ظاهر جدًّا في كونه ليس بطلاق، فإنه سبحانه قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ... ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وهذا وإن لم يختص بالمطلقة تطليقتين، فإنه يتناولها وغيرها، ولا يجوز أن يعود الضمير إلى من لم يُذكر، ويُخلى منه المذكور، بل إما أن يختص بالسابق أو يتناوله

стр. 591

وغيره، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ وهذا يتناول من طلقت بعد فدية وطلقتين قطعًا لأنها هي المذكورة، فلا بد من دخولها تحت اللفظ، وهكذا فهم ترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله ﷺ أن يعلمه الله التأويل، وهي دعوة مستجابة بلا شك. وإذا كانت أحكام الفدية غير أحكام الطلاق، دلّ على أنها من غير جنسه، فهذا مقتضى النص، والقياس، وأقوال الصحابة) (١). فائدة (٢): عدة المختلعة حيضة واحدة. ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد -في الرواية المشهورة عنه- إلى أن عدة المختلعة عدة المطلقة بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، والسبب أنهم رأوا الخلع طلاقًا. والصحيح أن الخلع فسخ ويلزمه حيضة واحدة للعدة، وقد ثبت هذا في التحقيق: فقد أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن ابن عباس: [أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ أن تعتدَّ بحيضة] (٢). وأخرج الترمذي بسند جيد عن الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ بن عفراء: أنها اختلعَتْ على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي ﷺ أو أُمِرَت- أن تعتدَّ بحيضة] (٣). وله شاهد عند ابن ماجة عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء قال: قلت لها: حدثيني حديثَك. قالت: [اختلعتُ من زوجي، ثم جئت عثمان، فسألت عثمان: ماذا عليَّ من العدة؟ قال: لا عِدَّة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة. قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مَرْيمَ المَغَالِيَّة، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه] (٤). وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. المقصود: تعظيم شرائع الله التي ذكرها، والوقوف عند حدودها وعدم تجاوزها.

стр. 592

أخرج الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله فرض فرائضَ فلا تُضَيّعوها، وحرَّم حُرمات فلا تنتهكوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها] (١). وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أنس بن مالك: [أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده رجلًا، فطلّقها قبل أن يدخل بها: أتحِلّ لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عُسَيْلَتِها وذاقت من عُسَيْلَتِه] (٢). والمقصود: لا بد لمن طلق امرأته طلقة ثالثة أنها قد حرمت عليه حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، ودخول بها. وفي الصحيحين عن عائشة: [أن رجلًا طَلّقَ امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا، فطلقها قبل أن يَمَسَّها، فَسُئِل رسول الله ﷺ أتحلُّ للأول؟ فقال: لا، حتى يذوق من عُسَيْلتها كما ذاق الأول] (٣). وأخرج أبو داود من طريق أخرى عن عائشة قالت: سئل النبي ﷺ عن رجل طَلّقَ امرأته، فتزوّجت رجلًا غيره، فدخل بها ثم طلّقها قبل أن يواقِعَها: أتحِلُّ لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ : [لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق عُسَيْلتها وتذوق عُسَيْلته] (٤). فإن امتنع الرجل -الزوج الثاني- من جماعها فلا يغيّر ذلك من المسألة شيئًا، إذ لا يجوز لها الرجوع للزوج الأول حتى يطلقها الزوج الثاني بعد الدخول بها. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة: [أنّ رفاعة القُرَظي تزوّج امرأة ثم طلقها، فتزوجت آخر فأتت النبي ﷺ فذكرت له أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مِثْلُ

стр. 593

هُدْبة الثوب، فقال: لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسيلتك] (١). ورواه أحمد عنها بلفظ: [دخلت امرأة رفاعةَ القُرَظي، وأنا وأبو بكر عند النبي ﷺ ، فقالت: إن رفاعة طَلَّقني البتَّة، وإن عبد الرحمن بن الزُّبير تزوَّجني، وإنَّ ما عنده مثل الهُدْبَة، وأخَذَتْ هُدْبَة من جلبابها -وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له- فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تَجْهَرُ به بين يدي رسول الله ﷺ ! فما زاد رسول الله ﷺ على التَّبَسُّم، فقال رسول الله ﷺ : كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عسيلتك] (٢). قلت: وقد ذمّ الله التلاعب بهذا الحكم ولعن من كان قصده من النكاح المؤقت أن يعيدها للأول، فإن اشترك الأول بذلك الاحتيال أصابه اللعن أيضًا، إذ لا بد من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو مقصود التزويج. فقد أخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: [لعن الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّل له] (٣). وله شاهد في سنن النسائي من حديث الحارث الأعور، عن عبد الله بن مسعود قال: [آكل الربا ومُوكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه أعرابيًا بعد هجرته، والمحلِّل والمحلِّل له، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة] (٤). وأخرج الحاكم في المستدرك بسند حسن عن عمر بن نافع عن أبيه أنه قال: [جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طَلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوّجَها أخ له من غير مؤامرة منه لِيُحِلَّها لأخيه، هل تحلُّ للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رَغْبَةٍ، كنا نَعُدُّ هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ ] (٥).

стр. 594

وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عمر أنه قال: (لا أوتى بِمحلِّل ولا محلَّلٍ له إلا رجمتهما). وروى البيهقي عن سليمان بن يسار: (أن عثمان بن عفانَ رُفِعَ إليه رجل تزوّج امرأة لِيُحِلَّها لزوجها، ففرّق بينهما) ذكرهما الحافظ ابن كثير. وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. أي: الزوج الثاني رغبة منه بذلك بعد دخوله بها كما نكحها رغبة منه بالنكاح، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أي: المرأة والزوج الأول بعقد ومهر جديدين. قال ابن عباس: (إذا تزوجت بعد الأول فدخل الآخر بها، فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها، فقد حلّت له). وقوله: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (إن ظنا أن نكاحهما على غير دُلْسَةٍ). وقال ابن كثير: (أي: يتعاشرا بالمعروف). وهو قول طاووس: (إن ظنا أن كل واحد منهما يُحسن عشرة صاحبه). وقيل: حدود الله فرائضه. وقيل: يدخل في ذلك خدمة المرأة زوجها وقيامه بالنفقة والرعاية. قال القرطبي: (وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا -يعني أمر خدمة المرأة زوجها-، ألا ترى أن أزواج النبي ﷺ وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك، ويأخذونهن بالخدمة، فلولا أنها مستحقة لما طالبوهنّ ذلك). قلت: ومما يؤيد وجوب خدمة المرأة زوجها وبيته وذريته بالمعروف، ما أخرج النسائي في "عشرة النساء"، وأحمد في المسند بسند صحيح عن حصين بن محصن قال: [حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة فقال: أي هذه! أذات بعل؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه (١)، إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك] (٢). وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. أي: شرائعه وفرائضه وأحكامه. ﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يوضحها لأهل العلم.

стр. 595

قال القرطبي: (وإنما قال: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده. والعالم يحفظ ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال). ٢٣١. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾. في هذه الآية: النهي عن الإضرار بالزوجة حالة الطلاق، والأمر بذكر نعمة الله وما أنزل من الكتاب والحكمة، والحث على التقوى فهي عماد الفلاح. قال مجاهد: (نهى الله عن الضرار، أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل، حتى يفي لها تسعة أشهر، ليضارها به). وقال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية: (هذا أمر من الله للرجال، إذا طلَّق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عِدَّتُها، ولم يبْقَ منها إلا مقدار ما يُمكنه فيه رجْعَتُها، فإما أن يُمسكَها، أي يرتجعها إلى عِصْمَةِ نكاحه بمعروف، وهو أن يُشْهِدَ على رجعتها، وينوي عِشْرَتَها بالمعروف، أو يسرِّحَهَا، أي يتركها حتى تنقضي عِدَّتها ويُخْرِجُها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شِقاق ولا مخاصمة ولا تقابُح). وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾. إنكار لما كانوا عليه أيام الجاهلية في شأن الطلاق. قال ابن عباس: (كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها، ثم يطلقها. يفعل ذلك يضارُّها ويعضُلها، فأنزل الله هذه الآية). وقال الضحاك: (هو الرجل يطلق امرأته واحدة ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، ليضارها بذلك، لتختلع منه). ومقصود الرجل بذلك أن يضرها لئلا تذهب لغيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول علمها العدة، وهذا هو الضرر الذي نهى الله عنه وتوعد

стр. 596

فاعله بقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. قال ابن جرير: (يعني: فأكسبها بذلك إثمًا، وأوجب لها من الله عقوبة بذلك). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. يعني: أحكامه وشرائعه وأمره ونهيه. أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاث جِدُّهن جدّ، وهَزْلُهُنَّ جدّ: النكاح والطلاق والرجعة] (١). وروي عن علي وابن مسعود: (ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جاد: النكاح والطلاق والعتاق). وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أي: بالإسلام، وبيان الأحكام، وترك أمور الجاهلية. وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾. قال القرطبي: (والحكمة: هي السنة المبيِّنة على لسان رسول الله ﷺ مرادَ الله فيما لم ينص عليه في الكتاب). وقوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. أي: يخوفكم مغبة المخالفة والمعصية. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أمر بمراقبة الله سبحانه في السر والعلانية وتعظيم شرعه ودينه، فإنه لا يخفى عليه شيء من أموركم وسيحاسبكم بها يوم ترجعون إليه. ٢٣٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ

стр. 597

أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾. في هذه الآية: النهي عن التضييق على المطلقات بمنعهن من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد. أخرج البخاري في صحيحه عن معقل بن يسار قال: [كانت لي أختٌ تُخْطَبُ إليَّ. وعن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجُها، فتركها حتى انقضت عِدَّتُها فخطبها، فأبى مَعْقِلٌ، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾] (١). قال ابن عباس: (كان الرجل يطلق امرأته فتبين منه وينقضي أجلها، ويريد أن يراجعها وترضى بذلك، فيأبى أهلها، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ذكره ابن جرير. وقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: يعني: لا تضيّقوا عليهن بمنعكم إياهن أيها الأولياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد، تبتغون بذلك مُضَارّتهن. وقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعني: هذا النهي عن عضل النساء في عودتهن لأزواجهن بعقد ومهر جديدين إنما يوعظ به من كان يؤمن بشرع الله ويخاف عذابه. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ قال ابن كثير: (أي: اتباعكم شرْعَ الله في ردّ المولياتِ إلى أزواجهن، وترك الحمِيّة في ذلك، أزكى لكم وأطهر لقلوبكم). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعني بذلك الحكمة من الأمر والنهي التي لا يعلمها إلا هو، فلا يظهر على كامل مصالح التشريع إلا الله .

стр. 598

٢٣٣. قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾. في هذه الآية: يخبر عباده عن المدة المثلى للرضاعة، فيرشد الوالدات أن يرضعن أولادهن كمال المدة، وهي سنتان. وعلى الوالدِ رزق المرضع والكسوة بالمعروف، وعلى وارث المولود ما كان على الوالدِ من أجر الرضاع، إذا كان الوالد لا مال له، ولا حرج عليكم في استرضاع أولادكم خشية الضياع. قال ابن عباس: (فجعل الله سبحانه الرضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده). وكان ابن عمر وابن عباس يقولان: (لا رضاع بعد الحولين). أخرج الترمذي بسند جيد عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : [لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام] (١). وله شاهد عن ابن ماجة من حديث الزبير بلفظ: [لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء]. وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: [لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : إنّ له مُرضعًا في الجنة] (٢). يعني تكمل له رضاعه، وذلك أن إبراهيم - ابن النبي ﷺ توفي وله سنة وعشرة أشهر. وعند الدارقطني موقوفًا على ابن عباس: [لا يُحَرّم من الرضاع إلا ما كان في

стр. 599

الحولين] (١). وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومالك في رواية عنه. وأما رضاع الكبير فقد جاء في حادثة عين، وهي في شأن سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيرًا، يُحتاج لدخوله وخدمته المستمرة، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة. ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت: [جاءت سَهْلَةُ بنتُ سُهَيْلٍ إلى النبي ﷺ . فقالت: يا رسول الله! إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالِمٍ -وهو حَلِيفُهُ- فقال النبي ﷺ : أرضعيه. قالت: وكيف أُرْضِعُهُ؟ وهو رجل كبير، فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: قد علمتُ أنه رجل كبير] (٢). وفي رواية: [قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلامُ الأيْفَعُ الذي ما أُحِبّ أن يدخل عليَّ. فقالت عائشة: أما لك في رسول الله ﷺ أُسوَةٌ حسنة؟ قالت: إنّ امرأةَ أبي حذيفةَ قالت: يا رسول الله! إن سالمًا يدخُلُ عليَّ وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله ﷺ : أرضعيه حتى يدخُلَ عليك]. وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال سفيان: (على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف). وقال الضحاك: (إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدًا، فتراضيا على أن تُرضع حولين كاملين، فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة، لا تُكلف نفسًا إلا وسعها). والمقصود أن على والد الطفل النفقة على الوالدات وكسوتهن بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن دون إسراف وإقتار، وهو مفهوم قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. وفي التنزيل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]. وقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال سفيان: (إلا ما أطاقت).

стр. 600

وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ قال مجاهد: (لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه، ولا يضار الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزُنَها). وقال قتادة: (نهى الله تعالى عن الضِّرار وقدَّم فيه، فنهى الله أن يضار الوالد فينتزع الولد من أمه، إذا كانت راضية بما كان مسترضِعًا به غيرها، ونهيت الوالدة أن تقذف الولد إلى أبيه ضرارًا). وقال الضحاك: (لا تضار أم بولدها فتقذفه إليه إذا كان الأب حيًّا، أو إلى عصبته إذا كان الأب ميتًا. ولا يضارّ الأبُ المرأةَ إذا أحبت أن ترضع ولدها ولا ينزعه). وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال قتادة: (على وارث المولود ما كان على الوالد من أجر الرضاع، إذا كان الوالد لا مال له، على الرجال والنساء على قدر ما يرثون). أخرج أبو داود وأحمد بسند حسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ ملكَ ذا رحِم مَحْرَمٍ فهو حرّ] (١). وفي لفظ: [عُتِقَ عليه]. مما يدل على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض في العسر والضيق، وهو مذهب الجمهور. وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. قال مجاهد: (التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى). والمقصود بالفصال: فصال ولدهما من اللبن. قال السدي: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾، يقول: إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين). وفي التنزيل: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعني: كما قال ابن جرير: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضعَ غير أمهاتهم،
следующие страницы →