وعن سعيد عن قتادة: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال: يهوي في النار على رأسه). وعن ابن عباس: (﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ وهو مثلها، وإنما جعلت النار أمُّه، لأنها صارت مأواه، كما تؤوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لم يكن له مأوى غيرها، بمنزلة أمّ له).
و﴿هَاوِيَةٌ﴾ اسم من أسماء النار. قال ابن زيد: (الهاويةُ: النار، هي أمُّه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾).
وفي سنن النسائي بسند صحيح من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: [إذا حُضِرَ المؤمن أتَتْهُ ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخْرُجي راضيةً مَرْضيًا عنك، إلى رَوْحِ اللَّه ورَيْحان، وربٍّ غَيْرِ غضبان، فتخرج كأطيب ريح المِسك، حتى أنَّه لَيُناوِلُهُ بَعْضُهم بَعْضًا، حتى يأتون به بابَ السماء، فيقولون: ما أطْيَبَ هذه الريح، التي جاءتكم من الأرض، فيأتونَ به أرواحَ المؤمنين، فلهم أشدُّ فَرَحًا به من أحَدِكُمْ بغائبه يَقْدَمُ عليه. فيسألونه: ماذا فعل فُلان، ماذا فعلَ فُلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غمِّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهِبَ به إلى أُمِّهِ الهاويةِ] الحديث (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾. استفهام للتهويل والتفظيع، ببيان أنها خارجة عن المعهود بحيث لا يدرى كنهها.
وقوله تعالى: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. أي: قد انتهى حرّها وبلغ في الشدة غايته، فهي شديدة الحرّ، قوية اللهيب والسعير.
قال ابن جرير: (يعني بالحامية: التي قد حميت من الوقود عليها).
وقد جاء تفصيل ذلك في أحاديث من السنة المطهرة:
الحديث الأول: أخرج الشيخان عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [ناركم جزء من سبعين جُزءًا من نار جهنم. قيل: يا رسول اللَّه! إن كانت لكافية. قال: فُضِّلت عليهن بتسعة وستين جزءًا كلهنَّ مثلُ حرّها] (٢).
وفي رواية: [ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم].
стр. 5357
وفيها: [فإنَّها فَضَلَتْ عيها بتسعة وستين جزءًا، كُلُّهُنَّ مثلُ حرِّها]. وفي رواية لأحمد في المسند: [لقد فُضِّلت عليها بتسعة وستين جزءًا حرًّا فحَرًّا].
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ ناركم هذه جزءٌ من سبعين جُزءًا من نار جَهَنَّم، وَضُرِبتْ بالبحر مَرَّتين، ولولا ذلك ما جَعَلَ اللَّه فيها مَنْفَعَةً لأحد] (١).
وفي رواية أخرى عند أحمد عنه مرفوعًا: [هذه النار جزء من مئة جزء من جهنم].
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس ﵄ أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: [أهْوَنُ أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو مُنتعِلٌ بنَعْلَيْن من نارٍ يغلي منهما دماغُه] (٢).
وله شاهد في مسند أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ أهونَ أهل النار عذابًا من له نَعلان يغلي منهما دماغُه].
الحديث الرابع: أخرج أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [إذا اشتدَّ الحرُّ فأبْرِدُوا عن الصلاة، فإن شدّة الحر من فَيْحِ جَهنّم] (٣).
الحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [اشتكت النار إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ! أكَلَ بعضي بعضًا، فأذِنَ لها بنفسَين: نفسٌ في الشتاء، ونفسٌ في الصيف. فأشدُ ما تجدون في الشتاء من بَرْدِها، وأشدُّ ما تجدون في الصيف من حَرّها] (٤).
تم تفسير سورة القارعة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه صبيحة يوم الخميس ٥ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٣/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م
стр. 5358
دروس ونتائج وأحكام
١ - القارعة اسم من أسماء يوم القيامة، عظَّمه اللَّه وحذّره عباده.
٢ - يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، ليزن أعمال الصالحين الكبيرة، وآثام المجرمين الخَطيرة.
٣ - كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان: سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم.
٤ - إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة.
٥ - ناركم هذه التي توقد بنو آدم، جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم.
стр. 5359
١٠٢ - سورة التكاثر
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٨).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن مُطَرِّفٍ، عن أبيه قال: [أتيت النبي ﷺ وهو يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقول ابنُ آدم: مالي، مالي، قال: وهَلْ لكَ، يا ابن آدمَ! مِنْ مالِكَ إلا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ ] (١).
موضوع السورة
اختبار التفاخر والتكاثر يوم الدين والسؤال عن النعيم ورؤية الجحيم
- منهاج السورة -
١ - الإخبار عن انشغال أكثر العباد بالتفاخر بالأموال والأولاد وإيثار الدنيا الفانية على الحياة الباقية.
٢ - حصول الاعتبار عند المصير إلى التراب، ومفارقة الأهل والأحباب.
٣ - السؤال حق عن النعيم، أمام أهوال نار الجحيم، ولا ينجو إلا من كتب له الفوز والنجاة من اللَّه الكريم.
стр. 5360
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٨. قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
في هذه الآيات: تقريرُ اللَّه تعالى انشغال أكثر العباد عن طاعته بالأموال والأولاد، والتفاخر والتكاثر، وإيثار الدنيا الفانية، على الحياة الباقية، فلا يحصل الاعتبار إلا عند المصير إلى التراب، ومفارقة الأهل والأحباب، ثم السؤال لا مفر منه في أرض المحشر عن النعيم، أمام أهوال نار الجحيم، ولا ينجو إلا مَنْ كُتب له الفوز والنجاة من اللَّه الكريم.
فقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. تحذير ووعيد. أي: شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد، والتفاخر بزينة هذه الحياة الدنيا، والتغالب فيها، والاستكثار من تحصيلها، عن طاعة اللَّه والعمل للآخرة، وما ينجيكم من سخطه تعالى وعقابه.
قال الحسن البصري: (﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد). وقيل: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: أنساكم. وقال قتادة: (﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ أي: التفاخر بالقبائل والعشائر). وقال الضحاك: (أي: ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة).
وأصل: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ -في كلام العرب- من لَهِيَ عن الشيء لُهِيًّا ولهْيانًا -بضم اللام وكسرها- أي: سلَا عنه وتَرَك ذِكره وأضرَب عنه. و"ألهاه" شغَله، و"لَهّاهُ" به تَلهيةً أي: عَلَّلَهُ.
أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أنَّ لابن آدمَ واديًا مِنْ ذَهَبٍ أحبَّ أن يكونَ لهُ واديان، ولَنْ يَمْلأَ فاهُ إلا التراب، ويتوب اللَّه
стр. 5361
على مَنْ تابَ". قال ثابت عن أنس عن أبَيّ: (كُنّا نُرَى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾)] (١).
قال ابن العربي: (وهذا نصّ صحيح مليح، غاب عن أهل التفسير فَجهِلوا وجَهَّلوا، والحمد للَّه على المعرفة). ومقصود كلام ابن العربي أن الحديث المتقدم ظنه بعض المفسرين من الآيات التي نسخت، وهو ليس بقرآن أصلًا، وإنما دل على ذلك نزول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [يقول العبد: مالي مالي! وإنما له من ماله ثلاثٌ: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تَصَدَّق فاقتنى، وما سِوَى ذلك فذاهِبٌ وتارِكُهُ للناس] (٢).
وفي مسند أحمد وجامع الترمذي من حديث عبد اللَّه بن الشخير قال: [انتهيت إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يقول ابنُ آدمَ: مالي مالي. وهل لك من مالِكَ إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لَبِسْتَ فأبليتَ، أو تصدَّقت فأمضيتَ] (٣).
وفي الصحيحين والمسند عن أنس أن النبي ﷺ قال: [يَهْرَمُ ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرصُ والأمل] (٤).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. أي: ما زلتم في الانشغال بالدنيا عن الآخرة حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال. قال ابن جرير: (وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها، وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر، لأن اللَّه تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدًا منه لهم وتهدّدًا).
وقال النسفي: (﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ حتى أدرككم الموت على تلك الحال، أو حتى زرتم المقابر وعددتم من في المقابر من موتاكم).
стр. 5362
وقال القرطبي: (﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي: حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زوّارًا، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال لمن مات: قد زار قبره).
قلت: والراجح أن المقصود المصير إلى القبور بعد الموت والدفن فيها، وعُبِّر عن دخولها بالزيارة لأن الإنسان ماكث فيها إلى يوم البعث، فهو كالزائر فترة محدودة إلى حين يوم النشور والحساب، ومقايضة الجزاء، والاستقرار في الجنة أو النار، وربما كان هذا من فتح اللَّه علي من روائع الفهم لكتابه، واللَّه تعالى أعلم.
والمقابر: جمع مَقْبَرَة ومَقْبُرَة. والقبور: جمع القبر. ولم يرد ذكر المقابر في التنزيل إلا في هذه السورة، وأما السنة فقد كثر ذكر المقابر فيها والحث على زيارتها، وزيارتها كما قيل من أعظم الدواء للقلب القاسي، لأنها ترققه بذكر الموت والآخرة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: [زارَ النبي ﷺ قَبْرَ أمه، فبَكَى وأَبْكى مَنْ حَوْلَهُ، فقال ﷺ : استأذنْتُ ربي في أن أستغفرَ لها فلم يُؤذَنْ لي، واسْتَأذنْتُه في أن أزور قَبْرَها فَأذِنَ لي، فزوروا القبورَ، فإنها تُذَكِّرُكُم الموت] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [زُوروا القُبور. فإنها تُذَكِّرُكُم الآخِرة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [نَهَيْتكُم عنْ زيارِةِ القبور فزوروها، فإن في زيارتِها تذكرة] (٣).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة قال: [لعن رسول اللَّه ﷺ زَوَّارات القبور] (٤).
والمقصود هنا: لَعْنُ النساء اللاتي يكثرن الزيارة لما لا يسلم ذلك من المخالفات الشرعية، بخلاف غيرهن فلا يشملهن اللعن، وإلا فقد أذن للرجال والنساء بزيارة
стр. 5363
القبور. قال القرطبي: (اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعلّ السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج، وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك، وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء).
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٤/ ٩٥): (وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة الظاهر).
والخلاصة: إن الاعتبار بزيارة القبور من أنفع أنواع الاعتبار، وكذلك شهود الناس عند الاحتضار.
قال العلماء: (ينبغي لمن أراد علاج قلبه، وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتَضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه).
أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ["أكثروا هادم اللذات" -يعني الموت-] (١).
ورواه البيهقي وابن حبان بلفظ: [أكثروا ذكر هادمِ اللذات: الموتُ، فإنه لم يذكُرهُ أحدٌ في ضيقٍ من العيش إلا وسَّعه عليه، ولا ذكَره في سَعة إلا ضَيَّقَها عليه].
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. قال الحسن: (هذا وعيد بعد وعيد). والمقصود: زَجْرٌ لهم على التكاثر، وتَنْبيهٌ على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. أي: لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر. قال النسفي: (﴿كَلَّا﴾ تكرير الردع للإنذار والتخويف ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ -جواب لو محذوف-، أي: لو تعلمون ما بين أيديكم ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ علم الأمر يقين، أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور لما ألهاكم
стр. 5364
التكاثر، أو لفعلتم ما لا يوصف ولكنكم ضلال جهلة).
وقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾. أي: في الآخرة. قال القاسمي: (قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب قسم مضمر، أكّد به الوعيد، وشدّد به التهديد، وأوضح به ما أُنذروه تفخيمًا).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾. ﴿عَيْنَ﴾ هنا بمعنى "نفس". والمقصود: ثم لترون الجحيم الرؤية التي هي نفس اليقين، وهي المشاهدة والرؤية بأعينكم. والتكرار بِثُمَّ -التي تفيد العطف- إنما هو للتغليظ في التهديد، والزيادة في التهويل والوعيد. وقيل: الرؤية الأولى بالقلب والثانية بالعين، والمعنى الأول أرجح، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. أي: ثم لتسألن يوم القيامة عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن شكر اللَّه والعمل للآخرة.
قال مجاهد: (﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: الأمن والصحة). وقال ابن عباس: (النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار). وقال سعد بن طريف عن أبي جعفر: (﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: العافية). وقيل: الطعام والشراب.
قلت: والنعيم كلمة جامعة للأمن، والصحة، والفراغ، وملاذّ المأكول والمشروب، والماء البارد عند الظمأ، وظلال المساكن والأشجار عند تقلب الأجواء. وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها إلا اللَّه.
ففي التنزيل من آفاق ذلك:
١ - نعمة استواء الخلق واكتمال صورته. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
٢ - نعمة الماء والنبات والشجر. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١].
٣ - نعمة الدواب والمسكن والملبس. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ
стр. 5365
الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨٠ - ٨١].
٤ - نعمة اللبن والعسل والثمر. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٦ - ٦٩].
٥ - نعمة الليل والنهار، ونعمة النجوم والجبال وِالبحار والأنهار. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٢ - ١٨].
٦ - نعمة الأمن. قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق هذه الآية أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند حسن عن الزبير بن العوام قال: [لما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الزبير: يا رسول اللَّه، وأيّ النعيم نسأل عنه؟ وإنما هما الأسودان: التمر والماء؟ قال: "أما إنَّهُ سيكون"] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال الناس: يا رسول اللَّه عن أي النعيم نسال؟
стр. 5366
وإنما هما الأسودان، والعدو حاضر وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: "إن ذلكَ سيكون"] (١).
الحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ أَوَّلَ ما يُسْأل عنه يوم القيامة -يَعْني العَبْدُ من النَّعيم- أَنْ يُقالَ: ألَمْ نُصِحَّ لك جِسْمَكَ، ونُرْويكَ من الماء البارد] (٢). وفي رواية: [إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصحّ لك جسمك، وأروِك من الماء البارد؟ ].
الحديث الرابع: أخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحّة الفراغ] (٣).
الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : [يُؤتى بالعبد يومَ القيامة فيقول له: ألمْ أجعلْ لك سمعًا وبصرًا، ومالًا وولدًا، وسخّرت لك الأنعامَ والحرث، وتركتك ترأس وتَرْبَعُ، فكنتَ تظن أنك مُلاقِيَّ يَوْمَكَ هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (٤).
وله شاهد عند الإمام مسلم بلفظ: [فيلقى العبدَ فيقول: أي فُلْ -تصغير فلان-! ألم أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وأُزَوِّجْكَ وأُسخِّر لك الخيل والإبل وأذَرْكَ ترأسُ وتربَعُ؟ فيقول: بلى أي ربّ، قال: فيقول: أَفَظنَنْتَ أنك ملاقِيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني].
الحديث السادس: روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: [خَرَجَ رسولُ اللَّه ﷺ ذاتَ يومٍ أو لَيْلَةٍ، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: ما أخْرَجَكُما مِنْ بُيوتِكُما هذه الساعة؟ قالا: الجوع، يا رسول اللَّه! قال: وأنا، والذي نفسي بيده! لأخْرَجَني الذي
стр. 5367
أخْرَجَكُما، قوموا، فقاموا معه، فأتى رجُلًا من الأنصار، فإذا هو ليسَ في بيتهِ، فلما رأتْهُ المرأةُ قالت: مَرْحَبًا! وأهلًا! فقال لها رسول اللَّه ﷺ : أين فُلانٌ؟ قالت: ذَهبَ يَسْتَعْذِبُ لنا من الماء، إذْ جاءَ الأنصاري فنظرَ إلى رسول اللَّه ﷺ وصاحِبَيْه، ثم قال: الحَمْدُ للَّه، ما أَحَدٌ اليومَ أكْرَمَ أضْيافًا مِنِّي، قال: فانطلق فجاءهم بِعِذقٍ (١) فيه بُسْرٌ وتَمْرٌ ورُطَبٌ، فقال: كُلوا مِنْ هذه، وأخذَ المُدْيَةَ، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "إياك! والحلوبَ" فذبَحَ لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العِذْقِ، وشَربوا، فلما أن شَبِعُوا ورَوُوا، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر وعمرَ: "والذي نَفْسي بيده! لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هذا النعيمِ يومَ القيامة، أَخْرَجَكُم من بيوتكم الجوعُ، ثُمَّ لم تَرْجِعُوا حتى أصابَكُم هذا النعيم"] (٢).
تم تفسير سورة التكاثر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم الخميس ٥ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٥/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - ليس لابن آدم من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لَبِسَ فأبْلى، أو تَصَدَّقَ فأمْضى.
٢ - يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل.
٣ - زوروا القبور، فإنها تذكِّركم الآخرة. وأكثروا ذكر هادم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره أحدٌ في ضيق من العيش إلا وسَّعه عليه، ولا ذكره في سَعة إلا ضَيَّقها عليه.
٤ - نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصِّحة والفراغ.
стр. 5368
١٠٣ - سورة العصر
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٣).
أخرج الطبراني في "الأوسط" والبيهقي في "الشعب" بسند حسن في الشواهد عن ثابت البناني عن أبي مدينة الدارمي -وكانت له صحبة- قال: [كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهُما على الآخر: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، ثم يُسَلّم أحدهما على الآخر] (١).
وفي لفظ: [كان الرجلان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا التقيا لم يتفرّقا إلا على أن يقرأ أحدُهما على الآخر سورة العَصْر إلى آخرها، ثم يُسَلِّم أحدهما على الآخر]. وقال الشافعي ﵀: (لو تَدَبَّرَ الناسُ هذه السورة لَوَسِعَتْهم).
موضوع السورة
الإقسام بالعصر أن الإنسان مظنة الخسران إلا إن كان من أهل الصدق في العمل والإيمان
- منهاج السورة -
١ - قسَمُ اللَّه تعالى بالوقت والزمان، أن الإنسان مظنة الخسران.
٢ - استثناء أهل الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر من الخسارة، فهؤلاء قد كتب اللَّه لهم الفوز والربح في التجارة.
стр. 5369
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾.
في هذه الآيات: يقسم اللَّه سبحانه بالوقت -وهو العمر- أن الإنسان مظنة الخسران، إلا إن كان من أهل الإيمان والعمل الصالح والشكر للَّه بمقابلة الإحسان بالإحسان، وكان من أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -في جماعة الحق- أهل الصبر على الغربة والمحن عبر الأيام.
فقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾. قسَمٌ من اللَّه سبحانه بالدهر. وعن ابن عباس: (﴿وَالْعَصْرِ﴾ قال: العصر: ساعة من ساعات النهار). وقال الحسن: (هو العشي).
قلت: والراجح الأول وهو عموم الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم، من خير وشر. فأقسم تعالى بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب. قال القرطبي: (أيّ عصر أقسم اللَّه به ، لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدّلها، وما فيها من الدلالة على الصانع).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. هو جواب القسم. ويعني بالإنسان جنس الناس. قال الأخفش: (﴿لَفِي خُسْرٍ﴾: لفي هَلكَةٍ). وقال الفراء: (عقوبة). قال ابن جرير: (يقول: إن ابن آدم لفي هلكة ونقصان). وقيل: لفي غَبْن. وقال ابن زيد: (لفي شر). والمعنى متقارب. وهو كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. استثناء من الإنسان، الذي هو مظنة الخسران. قال ابن كثير: (فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم).
стр. 5370
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾. قال القاسمي: (أي أوصى بعضهم بعضًا بما أنزل اللَّه في كتابه من أمره، واجتناب ما نهى عنه من معاصيه).
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قال قتادة: (الصبر: طاعة اللَّه). قال الرازي: (دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأنّ المحن تلازمه. فلذلك قرن التواصي بالصبر). وقال النسفي: (﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به اللَّه عباده). وتخصيص التواصي بالحق والصبر مع دخولهما في مفهوم الأعمال الصالحة، إنما هو لإبراز مكانتهما ليحصل الاعتناء بهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر، والتمييز بينهما. ولابد من العلم بحال المأمور وحال المنهي. قال: ولا بد أيضًا أن يكون حليمًا، صبورًا على الأذى. فإنه لا بد أن يحصل له أذى. فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].
قال: ولهذا أمر اللَّه الرسل -وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بالصبر، كقوله لخاتم الرسل ﷺ ، بل ذلك مقرون بتبليغ الرسالة، فإن أول ما أرسل أنزلت عليه سورة ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بعد أن أنزلت عليه سورة ﴿اقْرَأْ﴾ التي بها نُبِّئَ. فقال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، وختمها بالأمر بالصبر) (١).
فسورة "العصر" سورة جامعة لكل خير، ولذلك كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأها أحدهما على الآخر، كما مضى ذكره. قال الشافعي ﵀: (لو فكّر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم).
قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة": (وبيان ذلك أن المراتب أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله. إحداها معرفة الحق. الثانية عمله به. الثالثة تعليمه من لا يحسنه. الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة. وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر، ﴿إِلَّا الَّذِينَ
стр. 5371
آمَنُوا﴾ وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به، فهذه مرتبة. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه أخرى. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، وصى به بعضهم بعضأ تعليمًا وإرشادًا، فهذه مرتبة ثالثة. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضًا بالصبر عليه والثبات. فهذه مرتبة رابعة. وهذا نهاية الكمال. فإن الكمال أن يكون الشخص كاملًا في نفسه، مكملًا لغيره. وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية. فصلاح القوة العلمية بالإيمان. وصلاة القوة العملية بعمل الصالحات. وتكميله غيره، بتعليمه إياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورة، على اختصارها، هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره. والحمد للَّه الذي جعل كتابه كافيًا عن كل ما سواه، شافيًا من كل داء، هاديًا إلى كل خير) انتهى.
تم تفسير سورة العصر بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الجمعة ٦ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٦/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - لو تَدَبَّرَ الناس سورة العصر لوسعتهم.
٢ - صلاحُ القوة العلمية بالإيمان، وصلاحُ القوة العملية بعمل الصالحات والإحسان.
٣ - سورة العصر من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره.
* * *
стр. 5372
١٠٤ - سورة الهمزة
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٩).
موضوع السورة
مصير الهمزة اللمزة الجامع المال للإثم والمعصية
- منهاج السورة -
١ - التحذير الشديد من الغيبة للمؤمنين والطعن واللمز في السِّر والعلن.
٢ - الوعيد الأكيد على عبيد المال الذين ينفقون أموالهم في المنكرات والفتن.
٣ - نار اللَّه الموقدة تطلع على الأفئدة، ولها أبواب على أهلها مطبقة موصدة.
стр. 5373
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٩. قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾.
في هذه الآيات: التحذير الشديد من الغيبة والطعن واللمز في السر والعلن، والوعيد الأكيد على عبيد المال الذين ينفقون أموالهم في المنكرات والفتن، فإن نار اللَّه الموقدة، تطلع على الأفئدة، ولها أبواب على أهلها مؤصدة، مطبقة بإحكام بعمد ممددة.
فقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. أي: خزي أو عذاب أو هَلَكة للهمزة، وهو الذي يغتاب الرجل في وجهه، واللمزة الذي يغتابه من خلفه. قال ابن عباس: (﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: طعَّان معياب). وكان أمية بن خلف إذا رأى رسول اللَّه ﷺ همزه ولمزه. وقيل فيه نزل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
قال ابن هشام: (الهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، واللمزة الذي يعيب الناس سرًا ويؤذيهم). وقال الربيع بن أنس: (الهُمَزة، يَهْمِزُه في وجهه، واللُّمَزَةُ من خَلْفِه). وقال قتادة: (يَهْمِزُهُ ويلمِزُه بلسانه وعَيْنِه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم). وقيل: الهمّاز بالقول، واللمّاز بالفعل. وقال مجاهد: (الهَمْزَةُ باليد والعين، واللَّمْزَة باللسان).
قلت: وفي لغة العرب: الهمز كاللَّمز وزنًا ومعنى. والهمَّاز العَيَّاب. واللَّمز العيب وأصْلُه الإشارة بالعين ونحوها. ولُمَزَة بوزن هُمَزَة أي: عَيَّاب. والراجح أن اللّمزَ في السر والهمز في العلن. وفي التنزيل: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾. بيان لسبب همزه ولمزه، وهو إعجابه بما جمع من المال، وظنه أن له به الفضل، فهو لذلك يستقصر غيره.
وعن السّدي: (﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: جَمَعَهُ بعضَه على بعض، وأحصى
стр. 5374
عدده، كقوله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾). وقال محمد بن كعب: (﴿جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، ألهاه مالُه بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليلُ نام كأنه جيفة).
وقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾. أي: يظن أن ما جمع من المال يخلِّده في هذه الدار. فهو لشدة إعجابه بماله، أعماه ذلك عن التفكر بمآله.
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾. أي: ليس الأمر على ما يحسبه بل لَيُطْرَحَنَّ هو وماله في النار التي تهشم كل ما يلقى فيها وتحطمه. قال ابن جرير: (والحطمة: اسم من أسماء النار، كما قيل لها: جهنم وسقر ولظى، وأحسبها سميت بذلك لحطمها كل ما ألقي فيها، كما يقال للرجل الأكول: الحطمة).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾. تعجيب وتهويل وتعظيم، لشأن الحطمة وأهوالها وتفخيم لأمرها.
وقوله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾. أي: التي أوقد عليها الأحقاب الطويلة، فهي غير خامدة، أعدّها اللَّه للعصاة.
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. أي: يخلص حرّها إلى القلوب فيعلوها ويغشاها، فيكون ألمها بحسب ما حوت تلك الأفئدة من المقاصد الخبيثة والنيات الزائغة الفاسدة، وسَيِّئِ الأخلاق من الكبر، واحتقار أهل الفضل، والنفاق والرياء وغير ذلك. قال محمد بن كعب: (تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خُلِقوا خلقًا جديدًا، فرجعت تأكلهم).
وقال النسفي: (﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ يعني أنها تدخل في أجوافهم، حتى تصل إلى صدورهم، وتطلع على أفئدتهم وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد ولا أشدّ تألمًا منه بأدنى أذى يمسّه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه، وقيل خصّ الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها).
وقيل: معنى ﴿تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ أي: تعلم مقدار ما يستحِقُّه كل واحد منهم من العذاب، وذلك بما استبقاه اللَّه تعالى من الأمارة الدالة عليه. ويقال: اطَّلع فلان على كذا: أي علمه. ذكره القرطبي وقال: (وقد قال اللَّه تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٧]. وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. فوصفها بهذا، فلا يبعد أن توصف بالعلم).
стр. 5375
قلت: وهذا تأويل لطيف منسجم مع السياق والنصوص، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾. قال الحسن: (أي مُطْبَقَة). وقال مجاهد: (مغلقة). وهو من آصَدْت الباب: إذا أغلقته. وقد مضى تفصيل ذلك في سورة البلد. والمقصود: إن نار اللَّه الموقدة ستكون مطبقة على أهلها، مغلقة عليهم أبوابها، فلا سبيل لهم إلى الخروج منها.
وقوله تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. قيل: أي كائنين في عمد ممدّدة موثقين. وقال مقاتل: (أطبقت الأبواب عليهم ثم شدّت بأوتار من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم رَوْح). وقال عطية العوفي: (﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: عَمَدٍ من حديد). وقال السُّدي: (من نار). وقال عكرمة عن ابن عباس: (يعني: الأبواب هي الممدودة). وقال قتادة: (في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: ﴿إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة﴾). فالفاء هنا بمعنى الباء. وقال العوفي، عن ابن عباس: (أدخلهم في عَمَد فمُدّت عليهم بعمَاد، في أعناقهم السلاسلُ فَسُدّت بها الأبواب). وقال أبو صالح: (﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾: يعني القيودَ الطِّوال). وقال قتادة: (كنا نُحَدَّث أنهم يعذَّبون بعَمَدٍ في النار). واختاره ابن جرير.
قلت: والراجح من السياق أن المقصود تؤصد عليهم الأبواب ثم تمدد العمد على تلك الأبواب استيثاقًا في استيثاق، وإحكامًا في إحكام، وإطباقًا في إطباق، واللَّه تعالى أعلم.
تم تفسير سورة الهمزة بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم السبت ٧ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٧/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - الهمز كاللّمز وزنًا ومعنى، واللمز في السر والهمز في العلن.
٢ - الحطمة اسم من أسماء النار، تحطم كل ما ألقي فيها.
٣ - يُحكم الإطباق على أهل النار، فلا سبيل لهم إلى الخروج منها.
стр. 5376
١٠٥ - سورة الفيل
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٥).
موضوع السورة
قصة أصحاب الفيل
- منهاج السورة -
١ - امتنان اللَّه تعالى على قريش إذ نصرهم يوم الفيل وهم مشركون. فما لهم لا يؤمنون!
٢ - رَدُّ اللَّه كيد الكافرين بكيدهم حين أرادوا تخريب البيت الحرام، ومكره تعالى بهم وإنزال انتقامه الموجع بأصحاب الفيل البغاة اللئام.
٣ - جعلهم كورق الزرع إذا أكلته الدواب، وعبرة للناس على مرّ الزمان.
стр. 5377
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٥. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.
في هذه الآيات: ذِكْرُ قصة أصحاب الفيل، الذين تطاولوا في البغي فحصدهم اللَّه بالطير الأبابيل، ترميهم بالحجارة فصاروا كورق الزرع المأكول.
وقصة أصحاب الفيل كما رواها ابن إسحاق ﵀: كان ذو نواس آخرَ ملوك حمير مشركًا قتَلَ أصحاب الأخدود وكانوا نصارى حوالي عشرين ألفًا، لم يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان، فاستغاث بقيصر ملك الشام فكتب للنجاشي ملك الحبشة فبعث معه أميرين أرياط وأبرهة في جيش كثيف فدخلوا اليمن واستلبوا ملك حمير وهلك ذو نواس غريقًا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم أميران أرياط وأبرهة فاختلفا وتقاتلا كل معه جيش. فقال أحدهما للآخر: (إنه لا حاجة بنا إلى اصطلام الجيشين بيننا ولكن ابْرُزْ إليّ وأبرز إليك فأيهما قتل الآخر استقل بالملك). فتبارزا فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، فحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ورجع أبرهة جريحًا.
فكتب إليه النجاشي يتوعده بما فعل، فاستعطفه فرضي، قد حلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيتَه فترقق وبعث بهدايا وتحف وجراب من تراب اليمن وجز ناصيته ليطأها فيبر قسمه، فَأُعجب النجاشي. ثم أرسل أبرهة للنجاشي يقول: (إني سأبني لك كنيسة باليمن لا مثيل لها).
فبناها بصنعاء رفيعة البناء عالية مزخرفة سمتها العرب "القليس" لارتفاعها، لأن الناظر لها تكاد تسقط قلنسوته من ارتفاعها. وعزم أبرهة أن يصرف حج العرب لها بدل مكة، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية وغضبت قريش. قيل: بعثوا فتى ليلًا
стр. 5378
فأحدث فيها فرأى السدنة ذلك وأعلموا أبرهة فأقسم ليسيرن إلى بيت مكة فيخربنه حجرًا حجرًا.
وذكر مقاتل بن سليمان: (أن فتية من قريش دخلوها فأجّجوا فيها نارًا وكان يومًا فيه هواء شديد فاحترقت وسقطت إلى الأرض).
فسار أبرهة في جيش عرمرم، واستصحب معه فيلًا عظيمًا كبير الجثة، لم يُرَ مثله يقال له "محمود" ومعه ثمانية أفيال غيره أو اثنا عشر -أخرى- ليجعل السلاسل في أركان الكعبة ثم توضع في عنق الفيل فيُزجَر ليُلقى الحائط جملة واحدة. وسمعت العرب فخرج رجل من أشراف اليمن -وهو ذو نفر- فدعا قومه لجهاد أبرهة وحماية بيت اللَّه فأجابوه وقاتلوا أبرهة، لكنهم هزموا وأسر "ذو نفر" فاستصحبه معه، فلما وصل أرض خثعم اعترض له "نفيل بن حبيب الخثعمي" في قومه فقاتلوه فهزمهم أبرهة وأُسر نفيل، فأراد قتله، ثم عفا عنه، واستصحبه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من الطائف خرج له أهلها ثقيف وصانعوه خوفًا على بيتهم المسمى "اللات" فأكرمهم وبعثوا معه دليلًا "أبو رغال". فلما وصل أبرهة "المغمس" قرب مكة نزل به وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل فأخذوها وفيها مئتا بعير لعبد المطلب.
ثم بعث -أي أبرهة- حناطة الحميري يأتيه بأشراف مكة يخبرهم ما جاء لقتالهم إلا إن صدوه عن البيت، فدُلّ على عبد المطلب فأخبره، فقال عبد المطلب: (واللَّه ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت اللَّه الحرام وبيت خليله إبراهيم فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه).
فأقى معه أبرهة، وكان عبد المطلب رجلًا جسيمًا حسن المنظر، فنزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط وقال لترجمانه: (قل له ما حاجتك؟ ) فقال: (إن حاجتي أن يردّ عليّ الملك مئتي بعير أصابها لي). فقال أبرهة لترجمانه: (قل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ ). فقال له عبد المطلب: (إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربًا سيمنعه). قال: (ما كان ليمتنع مني). قال: (أنت وذاك).
فرجع يأمر أهل مكة التحصن برؤوس الجبال، ثم قام عبد المطلب وأخذ بحلقة باب الكعبة هو ونفر من قريش يدعون اللَّه ويستنصرونه على أبرهة.
стр. 5379
قال ابن إسحاق: (ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال).
فلما أصبح أبرهة تهيأ وهيأ فيله "محمودًا" وجيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة، أقبل نفيل بن حبيب وأخذ بأذن الفيل وقال: (ابرك محمود، وارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد اللَّه الحرام).
فبرك ومضى نفيل يشتد في صعود الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ثم وجهوه إلى المشرق ففعل كذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. فبعث اللَّه طيرًا من البحر أمثال الخَطاطيف، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجر بمنقاره، وحجران برجليه، فحلقت عليهم وأرسلت تلك الأحجار فهلكوا.
قال ابن إسحاق: (جاؤوا بفيلين، فأما محمود فربض، وأما الآخر فشجع فحصب). ففرت بقية الفيلة، وهلك أبرهة أثناء هربه وهلك جنده معه.
يروي مقاتل: (أن قريشًا أصابوا مالًا جزيلًا من أسلابهم وما كان معهم، وأنّ عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة).
فقصّ اللَّه في القرآن الكريم، يوم جاء الإسلام، هذه القصة، يمتن بها على قريش ويذكرهم فضله عليهم إذ نصرهم وهم مشركون، وقد كانوا تخلوا عن حماية البيت وهربوا صعودًا في الجبال.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. قال ابن عباس: (ألمْ تسمع؟ ) واللفظ استفهام، والمعنى تقرير. وقيل المعنى: ألم تخْبَر. وقيل: ألمْ تعلم. والخطاب للنبي ﷺ ، ولكنه عام، فيه امتنان من اللَّه تعالى على قريش فما لهم لا يؤمنون؟
وأصحاب الفيل هم أولئك القوم من النصارى من الأحباش الذين ملكوا اليمن، ثم ساروا يريدون تخريب الكعبة، فلما أقبلوا على مكة أرسل اللَّه عليهم الطير المذكورة في هذه السورة فأهلكتهم، وكان ذلك آية، وقد وقع قبل بعثة النبي ﷺ بأربعين عامًا، وكان بعض الذين شهدوا ذلك أحياء عند البعثة.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾. أي: ألم يجعل اللَّه تعالى مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة، ضلالًا منهم أدّى بهم إلى الهلاك. قال القرطبي: (﴿أَلَمْ
стр. 5380
يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ أي: في إبطال وتضييع، لأنهم أرادوا أن يكيدوا قُريشًا بالقتل والسبي، والبيت بالتخريب والهدم).
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾. أي: جماعات متفرقة. وهي طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا، مع كل طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا يصيب شيئًا إلا هشمه.
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: هي التي يتبع بعضها بعضًا). وقال مجاهد: (هي شتى متتابعة مجتمعة). وقال قتادة: (الأبابيل: الكثيرة). وقال ابن زيد: (الأبابيل: المختلفة، تأتي من ها هنا، وتأتي من ها هنا، أتتهم من كل مكان). وقال أبو سلمة: (الأبابيل: الزمر). وعن عبيد بن عمير: (قوله: ﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارة).
وقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. قال ابن عباس: (من طين. قال: طين في حجارة. قال: سجّيل بالفارسية: سنك وكل، حجر وطين). فهي من النوع الشديد الصلب.
وقال قتادة: (كانت مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها). فلا يصيب بها شيئًا إلا هشمه.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. قال مجاهد: (ورق الحنطة). وقال قتادة: (هو التَّبْنُ). وقال الضحاك: (كزرع مأكول). وقال ابن زيد: (ورق الزرع وورق البقل، إذا أكلته البهائم فَراثَتْه فصار روثًا).
والمقصود: فجعلهم اللَّه كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل. أو كورق زرع قد أكلت منه الدواب وبقي منه التبن.
قال ابن جرير: (فجعل اللَّه أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب فراثته، فيبس وتفرقت أجزاؤه. شبَّه تقطع أوصالهم بالعقوبة التي أنزلت بهم، وتفرق آراب أبدانهم بها، بتفرق أجزاء الروث، الذي حدث عن أكل الزرع).
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [إن اللَّه حبس عن مكة
стр. 5381
الفيل، وسُلِّطَ عليهم رسول اللَّه ﷺ والمؤمنون] (١).
وقد كان فضل اللَّه على قريش في ذلك عظيمًا، رغم بعدهم وانهيار مفاهيمهم وتحريفهم لدين إبراهيم ﵊.
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" بسند صحيح عن أم هانِئ مرفوعًا: [فَضَّلَ اللَّه قريشًا بسبع خصال: فضلهم بأنهم عبدوا اللَّه عشر سنين لا يعبده إلا قرشي. وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون. وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيهم غيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. وفضلهم بأن فيهم النبوة والخلافة والحجابة والسقاية] (٢).
تم تفسير سورة الفيل بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه مساء يوم السبت ٧ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٧/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وَسُلِّطَ عليهم رسول اللَّه ﷺ والمؤمنون.
٢ - فضل اللَّه قريشًا بأن نصرهم يوم الفيل وهم مشركون.
٣ - من السنة للحاج أن ينطلق من المزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وهو يلبي، فإذا أتى بطن مُحَسِّر -وهو واد أهلك اللَّه فيه أصحاب الفيل- أسرع السير.
* * *
стр. 5382
١٠٦ - سورة قريش
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٤).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد جاء ذكر قريش وهذه السورة في أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" بسند صحيح عن أم هانِئ مرفوعًا: [فَضَّلَ اللَّه قريشًا بسبع خصال: فَضَّلهم بأنهم عبدوا اللَّه عشر سنين لا يعبده إلا قرشي. وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون. وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيهم غيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾. وفضلهم بأن فيهم النبوة والخلافة والحجابة والسقاية] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن حبان والحاكم بسند جيد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [إنَّ للقرشي مِثْلي قوة الرجل من غير قريش] (٢). فقيل للزهري: بم ذلك؟ قال: بِنبل الرأي.
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: [لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان] (٣).
стр. 5383
وليس المراد بذلك العدد، وإنما المقصود انتفاء حصول ذلك.
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا ولكم عليهم حقًا مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين] (١).
موضوع السورة
آلاء اللَّه على قريش
- منهاج السورة -
١ - امتنان اللَّه على قريش في تذليله لهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف.
٢ - أمره تعالى لهم أن يفردوه بالعبادة والتعظيم، فهو رب البيت العلي العظيم.
٣ - امتنان اللَّه على قريش بنعمة الإطعام من الجوع، ونعمة الأمن من الخوف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٤. قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.
في هذه الآيات: امتنانُ اللَّه تعالى على قريش في تذليل رحلة الشتاء والصيف على مدار السنين، لتعود عليهم بالخيرات بفضل اللَّه العظيم، إضافة إلى نعمة الأمن التي وفّرها لهم ربهم الكريم.
فقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ فيه أكثر من تأويل:
стр. 5384
التأويل الأول: اللام لام التعجب. قال الكسائي: (أي اعجبوا لإيلاف قريش).
التأويل الثاني: اللام متعلقة بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾. والتقدير: فليعبدوا ربَّ هذا البيت، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتيار. قال ابن عباس: (﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ قال: نعمتي على قريش إيلافُهم رحلة الشتاء والصيف. قال: كانوا يَشْتون بمكة، ويَصيفون بالطائف).
التأويل الثالث: أهلك اللَّه أصحاب الفيل، فجعل ذلك لإيلاف قريش، أي ليألفوا الخروج ولا يُجْترأ عليهم. ذكره مجاهد (١).
التأويل الرابع: ألّفَ اللَّه قريشًا إيلافًا فليعبدوا ربَّ هذا البيت - قاله الخليل.
التأويل الخامس: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين - ذكره محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
التأويل السادس: قيل بل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة فى الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم اللَّه، فمن عرفهم احترَمهم بل من ضَوَى إليهم وسار معهم أمن بهم، وهذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال اللَّه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾، بدل من الأول ومفَسِّر له. ولهذا قال تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. ذكره ابن كثير.
التأويل السابع: قيل بل المقصود: سياسة الإيلاف، هَيَّأها اللَّه لرعاية مصالح قريش. فقد أعطى نسب قريش إلى كنانة -التي تسكن قرب مكة- عمقًا استراتيجيًا. ثم إن قريشًا قد حالفت الأحابيش الذين يعيشون قرب مكة فاستخدمتهم في حراسة القوافل المكية، ثم شملت الأحلاف خطوط التجارة المكية إلى الشام والعراق واليمن، فأوجد هاشم بن عبد مناف ما يسمى بالإيلاف، وهي جعالات تشرك زعماء تلك البلاد في تجارتها. حتى إنَّ هاشم بن عبد مناف تمكن من الحصول على حق التجارة داخل
стр. 5385
أراضي الروم والفرس بالاتفاق مع حكامهم. فسياسة الإيلاف والمعاهدات كانت أساس ازدهار اقتصاد مكة ورواج تجارتها في البر والبحر (١).
واختار ابن جرير أن اللام في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ لامُ التعجب، والتقدير عنده: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك.
قلت: بل كل ما سبق من التأويل يظهر بعض وجوه الإعجاز القرآني في هاتين الكلمتين وما يمكن أن تغطي من المعاني والمفاهيم، ومِنْ ثَمَّ فقوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ يدخل في مفهومه جميع ما ذكر، واللَّه تعالى أعلم.
وأصل كلمة "إيلاف" من ألِفَ يألَفُ إلفًا، وألفته إلافًا. أو من آلف يؤالف إيلافًا. فألفت وآلفت لغتان عند العرب. والمفهوم الإلف والتآلف أي التقارب والاجتماع.
وأصل كلمة قريش من القرش وهو الجمع والكسب. وقيل نسبة إلى سمك القرش القوي الخطير الذي يهدد سفن البحر. قال النسفي: (وقريش ولد النضر بن كنانة، سموه بتصغير القرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار، والتصغير للتعظيم، فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيهًا بها. وقيل من القرش وهو الجمع والكسب، لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد).
قلت: والقرشية معتبرة في شروط الإمامة العظمى. لقوله ﷺ : [الأئمة من قريش]- كما مضى ذكره من حديث أنس. وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث علي عن النبي ﷺ قال: [الأئمة من قريش، أبرارها أمراء أبرارِها، وفُجَّارها أمراءُ فُجَّارها، وإنْ أمَّرت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيًا مُجَدَّعًا فاسمعوا له وأطيعوا، ما لم يخيَّر أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه، فإن خُيِّرَ بين إسلامه وضرب عنقه فليقدِّم عُنقَه] (٢).
ومفهوم النسب إلى قريش: قيل - هو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وقيل: هو فهر بن مالك.
قال الشنقيطي: (فالفهري قرشي بلا نزاع، ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو
стр. 5386
أولاد النضر بن كنانة ففيه خلاف، ومن كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع) (١).
ويؤيد هذا ما روى مسلم في صحيحه عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال: [إنَّ اللَّه تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. -إيلافهم- بدل من الأولى. فأطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيمًا لأمر الإيلاف وتذكيرًا بعظيم تلك النعمة التي حباهم اللَّه بها، إذ كانوا يرحلون في الصيف إلى الشام وفي الشتاء إلى اليمن يتَّجِرون آمنين. قال ابن زيد: (كانت لهم رحلتان: الصيف إلى الشام، والشتاء إلى اليمن في التجارة، إذا كان الشتاء امتنع الشام منهم لمكان البرد، وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن).
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. أي فليوحّدوا رب هذا البيت وليفردوه بالعبادة والتعظيم، كما جعل لهم حرمًا آمنًا وبيتًا محرّمًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]. وهو سبحانه إنما عرّفهم أنه ربّ هذا البيت، لأنه كانت لهم أوثان يعبدونها، فميّز تعالى نفسه عنها. وهم بالبيت قد تشرفوا على سائر العرب، ففي ذلك تنبيه لهم أن العراقة بالإيمان باللَّه رب هذا البيت الذي أسس على التوحيد لا بشرف المال والنسب.
وقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾.
أي: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم ورزقهم بدعوة أبيهم إبراهيم وبسبب هاتين الرحلتين فخلّصهم من جوع شديد.
وعن ابن عباس: (قوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ يعني: قريشًا أهل مكة، بدعوة إبراهيم ﷺ حيث قال: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (إبراهيم: ٣٧]).
وقوله: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. أي: وآمنهم من القتل والسبي، وقد كانت العرب
стр. 5387
يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضًا، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم. وقد آمنهم كذلك من خوف الحبشة مع الفيل، ومن أشياء كثيرة أخرى.
وعن ابن عباس: (﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ حيث قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ (إبراهيم: ٣٥]). وعن مجاهد: (﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ قال: آمنهم من كل عدو في حرمهم).
وقال قتادة: (كان أهل مكة تجارًا، يتعاورون ذلك شتاء وصيفًا، آمنين في العرب، وكانت العرب يغير بعضها على بعض، لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه من الخوف، حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في حي من أحياء العرب، وإذا قيل حَرَمِيٌّ خُلِّيَ عنه وعن ماله، تعظيمًا لذلك فيما أعطاهم اللَّه من الأمن). وقال ابن زيد: (كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضُها بعضًا، فأمنوا من ذلك لمكان الحرم، وقرأ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]).
والخلاصة: لقد جَمَعَ اللَّه لقريش بين الأمن والرُّخص، فأطعمهم دون تعب، وآمنهم دون نصب، فليفردوه بالعبادة والتعظيم، ومتابعة هذا النبي الكريم، عليه وعلى الأنبياء أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ثم إن المعظم لدين اللَّه المستجيب لأمره يجمع اللَّه له بين أمن الدنيا والآخرة، أمّا أَمْنُ الدنيا فهي نعمة من أجل نعم اللَّه على العباد، ولاسيما حين تعصف في الأرض رايات الفتن وتهدد البلاد.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن عُبيدِ اللَّه بن مِحْصَن الخطمي، -وكانت له صحبة- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُم آمِنًا في سِرْبِهِ، مُعَافًى في جَسَدهِ، عِنْدَهُ قوتُ يومِه، فكأنما حِيزت له الدنيا] (١). وَحِيزت: أي جُمِعَت.
وأما أَمْنُ الآخرة، فهو أكبَرُ وأعلى وأجَلّ من أمن الدنيا، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ
стр. 5388
يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].
أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن لغيره عن شداد بن أوس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [قال اللَّه : وعزتي وجَلالي، لا أجْمَعُ لعبدي أمْنَيْن ولا خَوْفَين، إنْ هو أمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإنْ هو خافني في الدنيا أَمَّنْتُه يومَ أجمعُ عبادي] (١).
تم تفسير سورة قريش بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه عصر يوم الأحد ٨ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٨/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - فضل اللَّه قريشًا بأن أنزل فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيهم غيرهم ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.
٢ - الأئمة من قريش، وإن للقرشي مِثْلي قوة الرجل من غير قريش.
٣ - نعمتان يغفل عنهما وعن شكرهما كثير من الناس: نعمة الطعام ونعمة الأمن.
* * *
стр. 5389
١٠٧ - سورة الماعون
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (٧).
موضوع السورة
تهديد المكذبين بالحساب في المعاد والوعيد على أهل الرياء ومنع المعونة على العباد.
- منهاج السورة -
١ - التهديد الشديد للمكذب بالجزاء والحساب يوم الدين، الظالم لليتيم والبخيل على المسكين.
٢ - الوعيد الأكيد على المنافقين، المتهاونين في صلاتهم والمفرطين والمنشغلين.
٣ - الرياء من صفات أهل النفاق، وكذلك منع المعونة والمنفعة عن المحتاجين وأهل الاستحقاق.
стр. 5390
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٧. قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾.
في هذه الآيات: التهديد الشديد للمكذب بالجزاء والحساب يوم الدين، الظالم لليتيم والبخيل على المسكين، والوعيد الأكيد على المنافقين، الذين يتهاونون في صلاتهم وينشغلون عنها ويراؤون، ويمنعون المعونة وحصول المنفعة للمحتاجين.
فقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾. أي: أأبصرت يا محمد المكذب بالحساب والجزاء في الآخرة. وعن ابن عباس: (﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ قال: الذي يكذب بحكم اللَّه .
وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾. يَدُعّ: أي يدفع. من دَعَعْتُ فلانًا عن حقه إذا دفعته عنه. قال ابن عباس: (﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ قال: يدفع حق اليتيم). وقال مجاهد: (يدفع اليتيم فلا يطعمه). وقال قتادة: (يقهره ويظلمه). والمقصود: إنّ ذاك المكذب بالدين لو تأملت حاله لوجدته ذلك الذي يدفع اليتيم عن حقه ويقهره ويظلمه، ولا يحسن إليه ولا يطعمه. وقد كان عرب الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول اللَّه، وما هُنّ؟ قال: الشرك باللَّه، والسِّحر، وقَتْلُ النفس التي حَرَّم اللَّه
стр. 5391
إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافلات] (١).
وقوده تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. أي: لا يحضّ نفسه ولا يأمر أهله ولا غيرهم بإطعام المسكين، بخلًا منه بالمال، وتكذيبًا بالحساب والجزاء.
وفي التنزيل: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨]. والمسكين هو الفقير الذي لا يجد ما يكفيه، ولا يقوم فيسأل ما يغنيه.
يروي الطبراني وابن عساكر بسند حسن من حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: [ملعونٌ من سألَ بوجهِ اللَّه، وملعونٌ مَنْ يُسأل بوجْهِ اللَّه ثم مَنَعَ سائِلهُ ما لم يسألْهُ هُجْرًا] (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
قال ابن جرير: (﴿سَاهُونَ﴾: لاهون يتغافلون عنها، وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها، تضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى).
ومن أقوال أئمة التفسير في تفصيل ذلك:
١ - قال ابن عباس: (هم المنافقون يتركون الصلاة في السرّ، ويصلون في العلانية).
٢ - وقال مجاهد: (﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: الترك لها).
٣ - وقال قتادة: (﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: غافلون. قال: ساهٍ عنها، لا يبالي صلى أم لم يصلّ). وقال مجاهد أيضًا: (يتهاونون).
٤ - وعن عاصم، عن مصعب بن سعد: (السهو: الترك عن الوقت). وقال مصعب بن سعد: (قلت لسعد: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾: أهو ما يحدث به أحدنا نفسه في صلاته؟ قال: لا، ولكن السهو أن يؤخرها عن وقتها).
وقال عطاء بن دينار: (الحمد للَّه الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، ولم يقل: في صلاتهم ساهون).
стр. 5392
قلت: فالوعيد يشمل أهل الصلاة الذين أهملوها بالكلية، أو تهاونوا في فِعلها في وقتها المقدّر لها فعُرفوا بتأخيرها، كما يشمل المتهاونين بأدائها بأركانها وشروطها الشرعية، وكذلك المنشغلين عن التدبر والخشوع فيها، وعن أدائها في الجماعة من غير عذر.
ومن صحيح السنة في آفاق هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قال: [أثقلُ الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاةِ فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، ومعهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار] (١).
الحديث الثاني: أخرج مسلم ومالك وأحمد وابن حبان والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : [تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقب الشمس حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني وأبو يعلى بإسناد حسن عن أبي عبد اللَّه الأشعري: [أنَّ رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا لا يتِمُّ ركوعَه، وينقرُ في سجوده، وهو يصلي، فقال رسول اللَّه ﷺ : لو مات هذا على حاله هذه مات على غيرِ مِلّة محمد ﷺ . ثم قال رسول اللَّه ﷺ : مثل الذي لا يتم ركوعه، ويَنْقرُ في سجوده مثلُ الجائع، يأكُلُ التمرةَ والتمرتين، لا يغنيان عنه شيئًا] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الأصبهاني في "الترغيب" بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إنَّ الرجل لَيُصَلِّي ستّين سنةً، وما تُقْبَلُ له صلاةٌ، ولعلّه يُتِمُّ الركوع ولا يُتِمُّ
стр. 5393
السجود، ويُتِمُّ السجودَ ولا يُتِمُّ الركوعَ] (١).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. قال الضحاك: (يعني المنافقين). وقال ابن عباس: (هم المنافقون، كانوا يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا). وقال ابن زيد: (يصلون، وليس الصلاة من شأنهم، رياءً). والمقصود: إنما هم يراؤون الناس بصلاتهم إذا صلوا، وكذلك في جمع أعمالهم التي ظاهرها البِرّ، ليثنوا عليهم. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركه] (٢).
وفي مسند الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد مرفوعًا: [ألا أخبركم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيُزين صلاته، لما يرى من نظر الرجل] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. الماعون: اسم لما يتعاوره الناس بينهم، من الدلو والفأس والقِدْر، وما لا يمنع، كالماء والملح. وقيل الماعون هو الزكاة: أي يمنعون زكاة أموالهم.
قال ابن كثير: (أي: لا أحسنُوا عبادةَ ربهم، ولا أحسنُوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما يُنْتَفَعُ به ويُستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى).
وأصل الماعون في لغة العرب من المَعْن وهو القليل -حكاه الطبري-. أو من المعونة، والألف عوض من الهاء -حكاه الجوهري-. قال قطرب: (أصل الماعون من القلة، والمَعْنُ: الشيء القليل، تقول العرب: ماله سَعْنَة (٤) ولا معنة، أي شيء
стр. 5394
قليل). فيكون الماعون هو المستغل من منافع الأموال، ومن ثمَّ فتكون الزكاة والصدقة ونحوهما من المعروف -على هذا المعنى- ماعونًا.
وقال ابن العربي: (الماعون: مفعول من أعان يعين، والعَوْن: هو الإمداد بالقوة والآلات والأسباب الميسرة للأمر).
وقال الرازي: (والماعون: اسم جامع لمنافع البيت كالقدر والفأس ونحوهما. والماعون أيضًا الماء. والماعون أيضًا الطاعة. وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾. قال أبو عبيدة: الماعون في الجاهلية كُلُّ مَنْفَعَةٍ وعَطِيَّة، وفي الإسلام الطاعة والزكاة).
ومن أقوال أئمة التفسير في ذلك:
١ - قال مجاهد: قال علي: (الماعونُ الزكاة). وروي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير. وقال الحسن البصري: (إن صلى راءى، وإن فاتته لم يَأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله. وفي لفظ: صدقة ماله). وقال زيد بن أسلم: (هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وخفيت الزكاة فمنعوها).
٢ - وقال المسعودي، عن سلمةَ بن كُهَيل، عن أبي العُبَيدين: أنه سأل ابن مسعود عن الماعون فقال: (هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفاس والقدر والدّلو، وأشباه ذلك).
وفي لفظ: (ما يتعاور الناس بينهم: الفأس والدلو وشبهُه). وعن ابن عباس: (أنه العارية).
٣ - وعن محمد بن كعب: (﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ قال: المعروف). وقال البخاري: (و ﴿الْمَاعُونَ﴾: المعروف كله).
٤ - وقال الزهري: (﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: قال: بلسان قريش المالُ).
٥ - وقال الفراء: (سمعت بعض العرب يقول: الماعون: الماء).
قلت: والجامع لهذه الأقوال المتقاربة أن الماعون يشمل أنواع المعاونة بالمال والمنافع، والآية ذمٌّ في حق مانع العارية والمنفعة، والصدقة والزكاة من باب أولى.
стр. 5395
أخرج أبو داود بسند حسن عن عبد اللَّه قال: [كنا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول اللَّه ﷺ عارية، الدَّلو، والقدر] (١).
قال عكرمة: (رأسُ الماعون زكاةُ المال، وأدناه المُنْخُلُ والدَّلْوُ والإبرةُ) - رواه ابن أبي حاتم (٢). وهو قول حسن جامع منسجم مع الحديث قبله، ومع الأقوال المتكاملة التي سبقت ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
تم تفسير سورة الماعون بعون اللَّه وتوفيقه، وواسع منّه وكرمه ظهر يوم عرفة يوم الاثنين ٩ - ذي الحجة - ١٤٢٦ هـ الموافق ٩/ كانون الثاني/ ٢٠٠٦ م
دروس ونتائج وأحكام
١ - ملعونٌ من سأل بوجه اللَّه، وملعونٌ مَنْ يُسأل بوجه اللَّه ثم مَنَعَ سائله ما لم يسألْهُ هُجْرًا.
٢ - أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا.
٣ - قال اللَّه تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه.
٤ - الماعون: هو المعونة والمعاونة بالمال وبذل المنفعة.
* * *