← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فاعله بقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. قال ابن جرير: (يعني: فأكسبها بذلك إثمًا، وأوجب لها من الله عقوبة بذلك). وقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. يعني: أحكامه وشرائعه وأمره ونهيه. أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاث جِدُّهن جدّ، وهَزْلُهُنَّ جدّ: النكاح والطلاق والرجعة] (١). وروي عن علي وابن مسعود: (ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جاد: النكاح والطلاق والعتاق). وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أي: بالإسلام، وبيان الأحكام، وترك أمور الجاهلية. وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾. قال القرطبي: (والحكمة: هي السنة المبيِّنة على لسان رسول الله ﷺ مرادَ الله فيما لم ينص عليه في الكتاب). وقوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. أي: يخوفكم مغبة المخالفة والمعصية. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أمر بمراقبة الله سبحانه في السر والعلانية وتعظيم شرعه ودينه، فإنه لا يخفى عليه شيء من أموركم وسيحاسبكم بها يوم ترجعون إليه. ٢٣٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ

стр. 597

أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾. في هذه الآية: النهي عن التضييق على المطلقات بمنعهن من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد. أخرج البخاري في صحيحه عن معقل بن يسار قال: [كانت لي أختٌ تُخْطَبُ إليَّ. وعن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجُها، فتركها حتى انقضت عِدَّتُها فخطبها، فأبى مَعْقِلٌ، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾] (١). قال ابن عباس: (كان الرجل يطلق امرأته فتبين منه وينقضي أجلها، ويريد أن يراجعها وترضى بذلك، فيأبى أهلها، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ذكره ابن جرير. وقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: يعني: لا تضيّقوا عليهن بمنعكم إياهن أيها الأولياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد، تبتغون بذلك مُضَارّتهن. وقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعني: هذا النهي عن عضل النساء في عودتهن لأزواجهن بعقد ومهر جديدين إنما يوعظ به من كان يؤمن بشرع الله ويخاف عذابه. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ قال ابن كثير: (أي: اتباعكم شرْعَ الله في ردّ المولياتِ إلى أزواجهن، وترك الحمِيّة في ذلك، أزكى لكم وأطهر لقلوبكم). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعني بذلك الحكمة من الأمر والنهي التي لا يعلمها إلا هو، فلا يظهر على كامل مصالح التشريع إلا الله .

стр. 598

٢٣٣. قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾. في هذه الآية: يخبر عباده عن المدة المثلى للرضاعة، فيرشد الوالدات أن يرضعن أولادهن كمال المدة، وهي سنتان. وعلى الوالدِ رزق المرضع والكسوة بالمعروف، وعلى وارث المولود ما كان على الوالدِ من أجر الرضاع، إذا كان الوالد لا مال له، ولا حرج عليكم في استرضاع أولادكم خشية الضياع. قال ابن عباس: (فجعل الله سبحانه الرضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين وبعده). وكان ابن عمر وابن عباس يقولان: (لا رضاع بعد الحولين). أخرج الترمذي بسند جيد عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : [لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام] (١). وله شاهد عن ابن ماجة من حديث الزبير بلفظ: [لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء]. وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب قال: [لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : إنّ له مُرضعًا في الجنة] (٢). يعني تكمل له رضاعه، وذلك أن إبراهيم - ابن النبي ﷺ توفي وله سنة وعشرة أشهر. وعند الدارقطني موقوفًا على ابن عباس: [لا يُحَرّم من الرضاع إلا ما كان في

стр. 599

الحولين] (١). وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومالك في رواية عنه. وأما رضاع الكبير فقد جاء في حادثة عين، وهي في شأن سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيرًا، يُحتاج لدخوله وخدمته المستمرة، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة. ففي صحيح مسلم عن عائشة قالت: [جاءت سَهْلَةُ بنتُ سُهَيْلٍ إلى النبي ﷺ . فقالت: يا رسول الله! إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالِمٍ -وهو حَلِيفُهُ- فقال النبي ﷺ : أرضعيه. قالت: وكيف أُرْضِعُهُ؟ وهو رجل كبير، فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: قد علمتُ أنه رجل كبير] (٢). وفي رواية: [قالت أم سلمة لعائشة: إنه يدخل عليك الغلامُ الأيْفَعُ الذي ما أُحِبّ أن يدخل عليَّ. فقالت عائشة: أما لك في رسول الله ﷺ أُسوَةٌ حسنة؟ قالت: إنّ امرأةَ أبي حذيفةَ قالت: يا رسول الله! إن سالمًا يدخُلُ عليَّ وهو رجل، وفي نفس أبي حذيفة منه شيء. فقال رسول الله ﷺ : أرضعيه حتى يدخُلَ عليك]. وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال سفيان: (على الأب طعامها وكسوتها بالمعروف). وقال الضحاك: (إذا طلق الرجل امرأته وهي ترضع له ولدًا، فتراضيا على أن تُرضع حولين كاملين، فعلى الوالد رزق المرضع والكسوة بالمعروف على قدر الميسرة، لا تُكلف نفسًا إلا وسعها). والمقصود أن على والد الطفل النفقة على الوالدات وكسوتهن بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن دون إسراف وإقتار، وهو مفهوم قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. وفي التنزيل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]. وقوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال سفيان: (إلا ما أطاقت).

стр. 600

وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ قال مجاهد: (لا تأبى أن ترضعه ليشق ذلك على أبيه، ولا يضار الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزُنَها). وقال قتادة: (نهى الله تعالى عن الضِّرار وقدَّم فيه، فنهى الله أن يضار الوالد فينتزع الولد من أمه، إذا كانت راضية بما كان مسترضِعًا به غيرها، ونهيت الوالدة أن تقذف الولد إلى أبيه ضرارًا). وقال الضحاك: (لا تضار أم بولدها فتقذفه إليه إذا كان الأب حيًّا، أو إلى عصبته إذا كان الأب ميتًا. ولا يضارّ الأبُ المرأةَ إذا أحبت أن ترضع ولدها ولا ينزعه). وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. قال قتادة: (على وارث المولود ما كان على الوالد من أجر الرضاع، إذا كان الوالد لا مال له، على الرجال والنساء على قدر ما يرثون). أخرج أبو داود وأحمد بسند حسن عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ ملكَ ذا رحِم مَحْرَمٍ فهو حرّ] (١). وفي لفظ: [عُتِقَ عليه]. مما يدل على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض في العسر والضيق، وهو مذهب الجمهور. وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. قال مجاهد: (التشاور فيما دون الحولين، ليس لها أن تفطمه إلا أن يرضى، وليس له أن يفطمه إلا أن ترضى). والمقصود بالفصال: فصال ولدهما من اللبن. قال السدي: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾، يقول: إن أرادا أن يفطماه قبل الحولين). وفي التنزيل: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعني: كما قال ابن جرير: (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضعَ غير أمهاتهم،

стр. 601

إذا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم بالذي يرضعنهم به غيرهن من الأجر، أو من خيفة ضيْعة منكم على أولادكم بانقطاع ألبان أمهاتهم، أو غير ذلك من الأسباب، فلا حرج عليكم في استرضاعهن، إذا سَلَّمتم ما آتيتم بالمعروف). وقوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال السدي: (إن قالت - يعني الأم -: "لا طاقة لي به، فقد ذهب لبني"، فسترضع له أخرى، وليسلَّم لها أجرها بقدر ما أرضعت). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أمر بالرجوع في كل الأحوال إلى سرّ النجاة وأصل القبول وهو التقوى، فإن الله لا تخفى عليه خافية. ٢٣٤. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾. في هذه الآية: بيان الله تعالى عدّة المتوفى عنها زوجها، وهي أربعة أشهر وعشر ليال. قال ابن عباس في هذه الآية: (فهذه عدة المتوفّى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملًا، فعدتها أن تضع ما في بطنها). ولا شك أن اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها - أربعة أشهر وعشر ليال - يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، لعموم هذه الآية ولثبوت ذلك في السنة الصحيحة. فقد أخرج أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عتبة بن مسعود: [أن عبد الله بن مسعود أُتي في رجل - بهذا الخبر -: (في رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصداق). فقال: لها الصداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله ﷺ ، قضى به في بَزوَعَ بنتِ واشق].

стр. 602

وفي رواية: [فاختلفوا إليه شهرًا، أو قال: مرات، قال: فإني أقول فيها: إن لها صداقًا كصداق نسائها، لا وَكْسَ، ولا شَطَطَ، وإنّ لها الميراث، وعليها العدة، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان. فقام ناس من أشجع فيهم الجراح، وأبو سنان فقالوا: يا ابن مسعود! نحن نشهد: أن رسول الله ﷺ قضاها فينا، في بَروعَ بنتِ واشق، وإن زوجها هلال بن مرة الأشجعي، كما قضيت. قال: ففرح عبد الله بن مسعود فرحًا شديدًا حين وافق قضاؤه قضاء رسول الله ﷺ ] (١). ويستثنى في هذه العدة المذكورة بالآية: الأمَةُ والحامل. فإن الزوجة إذا كانت أمة، فإن عِدَّتها حيضة. قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: (عدتها حيضة)، وهو قول ابن عمر. فإن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ قد علّق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة، فدل على أن الأمة بخلافها. ثم إن الأمة موطوءة بمِلْك اليمين فكان استبراؤها بحيضة. فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في سبي أوطاس: [لا توطأ حامل حتى تضمع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة] (٢). وأخرج البخاري تعليقًا عن ابن عمر ﵄ قال: [إذا وهبت الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو عتقت، فليستبرأ رحمها بحيضة، ولا تستبرأ العذراء] (٣). وأما الحامل فعدتها بوضع الحمل. قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فإن وضعت ولو بعد لحظة فقد انقضت عدتها. وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربَّصَ بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين. وقد ثبت انقضاء العدة بوضع الحمل في السنة الصحيحة: فقد أخرج البخاري ومسلم عن المسور بن مخرمة: [أن سُبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال،

стр. 603

فجاءت النبي ﷺ استأذنته أن تنكح، فأذن لها، فنكحت] (١). وقد جاء تفصيل آخر لهذا الحديث في رواية جامعة مفيدة في ذلك: ففي صحيح البخاري من حديث سُبَيْعَة: [أنها كانت تحت سَعْدِ بنِ خولةَ - وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرًا - فتوفي عنها في حَجَّةِ الوداع وهي حامل، فلم تَنشَبْ أنْ وضعت حَمْلَها بعد وفاتِه، فلما تَعَلَّتْ من نِفاسها تَجَمَّلتْ للخُطّاب، فدخل عليها أبو السَّنابل بنُ بَعْكَكٍ، رجل من بني عَبْد الدّار، فقال لها: ما لي أراك تَجَمَّلْت للخُطّاب؟ تُرَجِّين النكاح؟ فإنك والله ما أنت بناكح حتى تَمُرَّ عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سُبيعة: فلمّا قال لي ذلك جَمَعْتُ عليَّ ثيابي حين أمسيت وأتيتُ رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فأفتاني بأني قد حَلَلْتُ حين وضَعْتُ حملي وأمَرَني بالتّزوُجِ إن بدا لي] (٢). ويبدو أن الحكمة من جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا استبراء الرحم من الحمل. ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود: [إن خَلْقَ أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغة مثل ذلك، ثم يُبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح] (٣). قال الحافظ ابن كثير: (فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد تنقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم). ويروي ابن جرير بسنده عن قتادة: سألت سعيد بن المسيّب: ما بال العشر؟ قال: (فيه ينفخ الروح). وبنحوه ذكر الربيع بن أنس عن أبي العالية: (لأنه ينفخ فيها الروح). وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. فيه وجوب الإحداد على المرأة التي توفي عنها زوجها. ففي الصحيحين عن أم حبيبة وزينب بنت جحش، أن رسول الله ﷺ قال: [لا يحل

стр. 604

لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشْرًا] (١). وفي الصحيحين عن أم سلمة: [أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينُها أفَنكحُلُها؟ فقال: لا. كل ذلك يقول - لا - مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعَشْرٌ، وقد كانت إحداكُنَّ في الجاهلية تمكث سنة. قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجُها، دخلت حِفْشًا ولبست شَرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طيبًا ولا شيئًا حتى تمرَّ بها سنة، ثم تخرج فَتُعْطى بَعْرَةً فترمي بها، ثم تُؤتى بدابّة حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ فتَفْتَضُّ به. فقلّما تَفْتَضُّ بشيء إلا مات] (٢). قلت: وترك الزينة من الطيب والثياب والحلي واجب في الإحداد. وقد جاءت النصوص الصحيحة بذلك في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أم عطية قالت: [كنا ننهى أن نُحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا نكتحل، ولا نطيّب، ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نُبذة من كُسْتِ أظفارٍ، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز] (٣). الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال: [المتوفى عنها زوجها لا تلبَسُ المعصفَر من الثياب، ولا الممشَّقة، ولا الحُليَّ، ولا تختضِبُ، ولا تكتحِلُ] (٤). وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. قال الضحاك: (أي انقضت عدتهن). وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. قال الزهري: (أي على أوليائها). ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال مجاهد:

стр. 605

(النكاح الحلال الطيب). وقال ابن عباس: (إذا طلِّقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عِدَّتها فلا جناح عليها أن تتزيّن وتتصنَّع وتتعرّض للتزويج، فذلك المعروف). وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أيها الأولياء، في أمر من أنتم وليُّه من نسائكم، من عَضْلهِنَّ وإنكاحهنّ ممن أردن نكاحَه بالمعروف، ولغير ذلك من أموركم وأمورهم، "خبير"، يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء). ٢٣٥. قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾. في هذه الآية: الخطاب للرجال فيما يعرّضون به من خطبة النساء - للنساء المعتدات من وفاة أزواجهن في عِددهن - دون تصريح بعقد النكاح، فإنه لا جناح في ذلك. يروي البخاري تعليقًا، عن مجاهد، عن ابن عباس: (﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾، هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولَوَدِدْتُ أن ييسر الله لي امرأة صالحة). ويروي ابن جرير بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس قال: (التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني لأحب امرأة من أمرها وأمرها، يعرض لها بالقول المعروف). وقال أيضًا: (التعريض أن يقول للمرأة في عِدَّتها: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله). وقال نحوه: (إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، ولوددت أن الله قد هيّأ بيني وبينك). وفي صحيح مسلم عن فاطمة بنت قيس: [أن أبا عمرو بنَ حَفْصٍ طَلَّقها البتّة وهو غائب، ... فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدّي عند ابنِ أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك، فإذا حَلَلْتِ فآذنيني. قالت: فلما حَلَلْتُ ذكرت له، أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جَهْمٍ خطباني،

стр. 606

فقال رسول الله ﷺ . أما أبو جَهْمٍ فلا يضَعُ عصاه عن عاتِقِه، وأما معاوية فصُعْلوكٌ (١) لا مال له، انكِحي أسامةَ بنَ زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته. فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت (٢) به] (٣). والحديث يدل على جواز التعريض أيضًا للمطلقة المبتوتة، وأما المطلقة الرجعية فلا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها أو التعريض لها. وقو له: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. أي: أخفيتم في أنفسكم من خطبتهن وعزم نكاحهن فأسررتم ذلك ولم تعزموا عقدة النكاح، فهو مباح لكم أيضًا. قال مجاهد: (الإكنان: ذكر خِطبتها في نفسه، لا يُبديه لها. هذا كله حِلٌّ معروف). وفي لغة العرب: كنَّ الرجل الأمر إذا ستره وأخفاه. ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]، أي مخبوء. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩]. وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾. أي: في أنفسكم. قال مجاهد: (ذكرك إياها في نفسك). وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. فيه أقوال: ١ - عن قتادة: (﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال: الزنا). وقال الحسن: (الفاحشة). ٢ - عن ابن عباس: (﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾، القول: لا تقل لها: إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا). وقال عكرمة: (لا يأخذ ميثاقها في عدتها أن لا تتزوج غيره).

стр. 607

٣ - قال مجاهد: (قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك، فإني ناكحك. هذا لا يحل). ٤ - قال ابن زيد: (لا تنكحوهن سرًّا، ثم يمسكها، حتى إذا حلّت أظهرتَ ذلك وأدخلتَها). واختار ابن جرير القول الأول، والظاهر أن الآية عامة في كل ما سبق ونحوه، ويدل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال مجاهد: (يعني التعريض). وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. قال قتادة: (حتى تنقضي العدة). يعني: لا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة. وهو قول ابن عباس ومجاهد والربيع وغيرهم. وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾. قال ابن كثير: (توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يُؤْيِسْهُم من رحمته، ولم يُقْنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾). ٢٣٦. قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾. في هذه الآية: إباحة طلاق المرأة ما لم يسمّ لها صداقًا أو يمسّها إذا عَيّن لها شيئًا من المتعة بالمعروف. قال ابن عباس وطاووس وإبراهيم والحسق البصري: (المسُّ: النكاح). وفي لفظ لابن عباس: (المسّ الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء). وقال: (الفريضة الصداق). والآية تدل على إباحة طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها، بل وقبل

стр. 608

الفرض لها، ولكن عليه مقابل ذلك - جبرًا لكسر قلبها - أن يعوضها لتطيب نفسها بشيء تعطاه. قال ابن عباس: (فهذا الرجل يتزوج المرأة ولم يُسمِّ لها صداقًا، ثم يطلقها من قبل أن ينكحها، فأمر الله سبحانه أن يمتعها على قدر عُسره ويُسره. فإن كان موسرًا متَّعها بخادم أو شبه ذلك، وإن كان معسرًا متعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك) ذكره ابن جرير. وقال الشَّعبي: (وَسَطٌ من المتعة ثياب المرأة في بيتها، درعٌ وخمار وملحفة وجلباب). وقال الربيع بن أنس في الآية: (هو الرجل يتزوج المرأة ولا يسمّي لها صداقًا، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، فلها متاع بالمعروف ولا صداق لها. قال: أدنى ذلك ثلاثة أثواب، درع وخمار، وجلبابٌ، وإزار). وقال الشافعي في الجديد: (لا يُجْبر الزوج على قدر معلوم، إلا على أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إليّ أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة). وقال في القديم: (لا أعرف في المتعة قدرًا، إلا أني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄. وفي صحيح البخاري عق سهل بن سعد وأبي أسيد، أنهما قالا: [تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسَيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازِقِيَّين] (١). ويبدو من الآية أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها، ولم يفرض لها، فإن كان دخل بها وجب لها مهر مثلها، وإن لم يدخل وكان قد فرض لها وطلقها وجب لها عليه نصف المهر، وبغير ذلك فهو على الاستحباب. أخرج البيهقي بسند حسن عن جابر قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، فأتت النبي ﷺ فقال لزوجها: متعها، قال: (لا أجد ما أمتعها، قال: فإنه لا بد من المتاع، قال: [مَتِّعْها ولو نصف صاع من تمر]. وفي رواية: [مَتِّعْها، فإنه لا بُدَّ من المتاع، ولو نِصْفَ صاعٍ من تَمْرٍ] (٢).

стр. 609

٢٣٧. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾. في هذه الآية: دلالة على ما سبق ذكره، إذ أوجب الله نصف المهر على من طلق قبل الدخول ولا شيء آخر، فالمتعة أمر يخص الحالة السابقة حيث لم يسمّ المهر. قال الشافعي: (أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جُرَيج، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاووس، عن ابن عباس، أنه قال - في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها -: ليس لها إلا نصف الصداق، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. وقال الشافعي: (بهذا أقول، وهو ظاهر الكتاب). وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾. يعني: النساء: فتتجاوز عن حقها الذي يجب لها. قال الربيع: (المرأة تدع لزوجها النصف). وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. فيه أقوال: ١ - عن ابن عباس: (أذن الله في العفو وأمر به، فإن عفت فكما عفت، وإن ضَنّت وعفا وليُّها جاز وإن أبت). وقال أيضًا: (﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو أبو الجاريه البكر، جعل الله سبحانه العفو إليه، ليس لها معه أمر إذا طُلقت، ما كانت في حِجره). وقال علقمة: (هو الولي). ٢ - وعن الحسن قال: (هو الذي أنكحها). ٣ - وعن شريح قال: (﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: الزوج يتمّ لها الصداق). يروي الدارقطني عن جبير بن مطعم: [أنه تزوج امرأة من بني نصر - بطن من هوازن - فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملًا وقال: أنا أحق بالعفو

стр. 610

منها، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وأن أحق بالعفو منها]. قلت: والراجح القول الأول والثاني، وأما الثالث فبعيد عن مفاد السياق. ويمكن القول: إنه معلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما، فبيّن الله القسمين فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: إن كنّ لذلك أهلًا، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الولي، لأن الأمر فيه إليه. وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر. وقال عكرمة: (يجوز عفو الذي عقد عقدة النكاح بينهما، كان عمًا أو أبًا أو أخًا، وإن كرهت). وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قال ابن عباس: (أقربهما للتقوى الذي يعفو). والخطاب للرجال والنساء، وقال مجاهد: (المفضل - هاهنا - أن تعفو المرأة عن شطرها، أو إتمام الرجل الصداق لها). وقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. يعني: الإحسان قال قتادة: (يرغبكم الله في المعروف ويحثكم على الفضل). وقال سعيد: (لا تنسوا الإحسان). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أي: لا يخفى عليه أمر وحال، وسيجزي كل محسن بإحسانه، وكل مسيء بإساءته. ٢٣٨ - ٢٣٩. قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ من الله سبحانه بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والتأكيد على الصلاة الوسطى. ومراعاة الأحوال لصلاة القتال حتى يحصل الاستقرار في حالة الأمن.

стр. 611

أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن زيد بن ثابتا قال: [كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشدَّ على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين] (١). ورواه أحمد من وجه آخر: [كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في قائلتهم وفي تجارتهم فنزلت] ذكره الحافظ في الفتح. قلت: وهذا الحديث يأمر بالمحافظة على الصلوات كما تأمر الآية، وليس فيه تحديد لصلاة الوسطى. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: [سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة في وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني] (٢). والصلاة الوسطى على الراجح أنها صلاة العصر، وبه قال أكثر الصحابة والتابعين. قال ابن عبد البر: (هو قول أكثر أهل الأثر). وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا التحديد، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم الخندق: [ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس] (٣). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: [صلاة الوسطى صلاة العصر] (٤). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم

стр. 612

الأحزاب: [شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا] (١). ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء. الحديث الرابع: يروي ابن أبي حاتم في التفسير، وكذلك ابن جرير عن عاصم، عن زر، قال: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: [كنا نراها الفجر أو الصبح، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارًا] (٢). وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. يعني: خاشعين مخبتين غير متبادلين للكلام. قال الشعبي: (﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: مطيعين). وقال السدي: (القنوت، في هذه الآية، السكوت). وقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: [كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت] (٣). وأخرج الإمام أحمد، والطبراني - ورجاله رجال الصحيح - من حديث ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: [كانوا يتكلمون في الصلاة يجيء خادم الرجل إليه فيكلمه بحاجته وهو في الصلاة، فنهوا عن الكلام] (٤). وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: [إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله] (٥). ولذلك امتنع النبي ﷺ من الرد على ابن مسعود حين سلّم عليه وهو في الصلاة - كما يروي البخاري عنه - قال: [كنا نُسَلّم على النبي ﷺ وهو في الصلاة فيردّ علينا، فلما

стр. 613

رجعنا من عند النجاشي سَلَّمْنا عليه فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا] (١). وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. أي: إن خفتم العدو أثناء القتال، فصلوا مشاة أو على ظهور دوابكم، إن خشيتم الصلاة قيامًا على الأرض. قال إبراهيم: (عند المطاردة، يصلي حيث كان وجهه، راكبًا أو راجلًا، ويجعل السجود أخفضَ من الركوع، ويصلي ركعتين يومئ إيماء). وكان قتادة يقول: (إن استطاع ركعتين وإلا فواحدة، يومئ إيماء، إن شاء راكبًا أو راجلًا، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾). وفي صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر - في صفة صلاة الخوف - قال: [فإن كان خَوْفٌ هو أشدَّ من ذلك صَلّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها] (٢). قال مالك: قال نافع: (لا أُرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ ). وأما دليل الركعة الواحدة - عِند اشتداد الالتحام - فهو ما روى مسلم عن ابن عباس قال: [فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة] (٣). وإلى ذلك ذهب الإمام أحمد في أن صلاة الخوف تُفْعل أحيانًا ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان وحمي الوطيس. وقد ذكر البخاري تحت: "باب: الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو": (وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح، ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماءٌ، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا

стр. 614

فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا) (١). وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. قال مجاهد: (خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة). وقال ابن زيد: (فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم - إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة). يعني أتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها حالة الأمن والاستقرار والانتهاء من الخوف والسفر. وقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان وعلّمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾). ٢٤٠ - ٢٤٢. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾. في هذه الآيات: كانت المتوفى عنها زوجها تجلس ببيت المتوفى عنها حولًا حتى نسخ الحول بأربعة أشهر وعشر ليال. ومتعة الطلاق لا بدّ منها. الجمهور على نسخ الآية الأولى بالتي قيلها، فقد كانت المتوفى عنها زوجها تجلس في بيت المتوفّى عنها حولًا، وينُفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها، ثم نُسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقةُ بالرُّبُع والثُّمن في سورة النساء كما ذكر ابن عباس وقتادة

стр. 615

والضحاك وابن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء كما ذكر القرطبي وابن كثير. أخرج البخاري عن ابن الزبير قال: [قلت لعثمان: هذه الآية التي في "البقرة": ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى قوله ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تَدَعُها؟ قال: يا ابن أخي لا أغيّر شيئًا منه من مكانه] (١). وذكر ابن جرير عن مجاهد: (إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرًا، ثم جعل الله لهن وصية منه سُكْنَى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله : ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾). ويؤيد هذا ما أخرج البخاري عن مجاهد: [﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة تعتدّ عند أهل زوجها واجبة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾. قال: جعل الله لها تمام السّنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾] (٢). قلت: والجمع بين القولين ممكن، فالعدة الواجبة أربعة أشهر وعشرة أيام، وينفق عليها من ماله وتجب السكنى في منزله الذي مات عنه، فإن رأت إتمام السنة في بيت الزوجية فلها السكنى وصية من الله لأهل الميت، وأما النفقة فلا تجب. ويدل على ذلك الأحاديث التالية: الحديث الأول: أخرج البخاري عن زينب قالت: وسَمِعْتُ أمَّ سلمةَ تقول: [جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي تُوفِّيَ عنها زوجها وقد اشتكت عَيْنَها أَفَنكْحُلُها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: لا. ثم قال رسول الله ﷺ : إنما هي: أربعة أشهر وعشرًا وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبَعرة على رأس الحول] (٣). قال البغوي في شرح السنة (٢٣٨٩): (أي كان جلوسها في البيت وحبسها نفسها سنة

стр. 616

على زوجها أهون عليها من رمي هذه البعرة، أو هو يسير في جنب ما يجب في حق الزوج). الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن زينب ابنةِ أم سلمة عن أمها: [أن امرأة توفي زوجها، فَخَشُوا على عَينَيْها, فأتَوا على رسول الله ﷺ فاستأذنوه في الكحل، فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكُنَّ تمكثُ في شَرِّ أحلاسِها أو شرِّ بيتها، فإذا كان حَوْلٌ فمرَّ كَلْبٌ رمَتْ بِبَعْرَة، فلا حتى تمضي أربعةٌ أشهر وعَشْرٌ] (١). قال البخاري: [قال حُمَيْدٌ: فقلت لزينب: وما تَرْمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجُها دخلتْ حِفْشًا ولَبِسَتْ شَرَّ ثيابها ولم تمَسَّ طيبًا حتى تمرَّ بها سَنَةٌ، ثم تُؤْتى بدابّةٍ حمارٍ أو شاةٍ أو طائر فتَفْتَضُّ به، فقلّما تَفْتَضُّ بشيء إلا مات، ثم تَخْرُجُ فَتُعطى بَعْرةً فترمي بها ثم تُراجِع بعدُ ما شاءت من طيبٍ أو غيره. سُئل مالكٌ ﵀: ما تَفْتَضُّ به؟ قال: تَمْسَحُ به جلدها] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مالك في الموطأ عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عُجْرة: [أن الفُرَيْعَةَ بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، ﵄، أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ له أَبَقُوا، حتى إذا كانوا بطرف القَدُوم لَحِقَهم، فقتلوه. قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خُدْرةَ، فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نَفَقَة. قالت: فقال رسول الله ﷺ : نعم. قالت: فانصرفتُ، حتى إذا كنتُ في الحُجْرة ناداني رسول الله ﷺ أو أمَرَ بي فَنُوديتُ له فقال: كيف قُلتِ؟ فَرَدَّدْتُ عليه القصَّة التي ذكرت له من شأن زوجي. فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسلَ إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبرتُه، فاتَّبَعَهُ وقضى به] (٣).

стр. 617

قلت: والحديث يدل على وجوب السكنى في منزل الزوج الذي توفي عنه حتى انقضاء العدة. وقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. يعني: لا يمنعن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك فهي وصية الله بهن. فأما إذا انقضت عدتهن بأربعة الأشهر والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. وقوله: ﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾. وهو ما يوافق الشرع. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدّى حدوده من الرجال والنساء. قال القرطبي: (صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدّ في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. ﴿حَكِيمٌ﴾ أي محكم لما يريد من أُمور عباده). وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال الشافعي في أحد قوليه: (إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثمَّ مَسيسٌ ولا فرض، لأن من استحقت شيئًا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة). ثم قال: (والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا مُتعة لها، لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء). قلت: وهذا القول يتلاءم مع قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ويحمل عندئذ قول الله تعالى في زوجات النبي ﷺ : ﴿فَتَعَاليْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] على تطوع من النبي ﷺ لا وجوب له. وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] يحمل على غير المفروضة أيضًا.

стр. 618

وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. يعني: أحكام شرعه وحدوده وحلاله وحرامه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أي: تفهمون وتتدبرون. ٢٤٣ - ٢٤٥. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾. في هذه الآيات: قصة قوم أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم لوباء نزل بهم فخرجوا فرارًا من الموت فنزلوا واديًا أفيح، فأرسل الله إليهم ملكين صاحا بهم فماتوا عن آخرهم ودفنوا وفنوا وتمزقوا، فلما كان بعد دهر مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزِقيل، فسأل الله أن يحييهم، فأحياهم بعد رقدتهم الطويلة ليكونوا عبرة لكل من أنكر المعاد والبعث يوم القيامة. ذكره المفسرون. وفي الآيات كذلك حث على الجهاد والصدقة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾. أي: في إظهار آياته الباهرة وحججه الدامغة. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. أي: ما أنعم الله به عليهم من أمر دنياهم ودينهم. وقيل خرجوا فرارًا من الجهاد. قال ابن عباس: (قوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، فرارًا من عدوهم، حتى ذاقوا الموت الذي فروا منه، فأمرهم فرجعوا، وأمرهم أن يقاتلوا في سبيل الله). وسواء كان سبب خروجهم فرارًا من الجهاد أو الطاعون أو غيره، فإن الآية عبرة ودليل على أنه لا يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ ومنجا من الله إلا إليه، فإن الهروب لا يطيل الحياة، وهؤلاء قوم عوملوا بنقيض قصدهم.

стр. 619

وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ... ﴾ [النساء: ٧٨]. أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس: [أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بِسَرْغَ (١) لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. قال ابن عباس: قال عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم ... فاختلفوا .. ثم قال: ادعُ لي الأنصار (٢)، ... ثم قال: ادعُ لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مُهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقْدِمَهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مُصَبِّحٌ على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفِرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غَيْرُكَ قالها يا أبا عبيدة؟ نَعَم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل هَبَطَتْ واديًا له عُدْوتان، إحداهما خصيبةٌ والأخرى جَدْبة، أليس إن رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان مُتَغَيِّبًا في بعض حاجته، فقال: إنّ عندي في هذا عِلْمًا، سمعت وسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. قال: فحمدَ اللهَ عمرُ ثم انصرف] (٣). وفي لفظ: أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر - وهو في الشام - عن النبي ﷺ : [إن هذا السُّقْمَ عُذِّبَ به الأمم قبلكم، فإذ سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه. قال: فرجع عمر من الشام] (٤). وجاء في ترجمة أمير الجيوش، ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁، أنه قال - وهو في

стр. 620

سياق الموت (١) -: (لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضوٍ من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر! ! فلا نامت أعين الجُبناء). وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال قتادة: (يستقرضكم ربكم كما تسمعون، وهو الولي الحميد ويستقرض عباده). وقال ابن زيد: (هذا في سبيل الله، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾: بالواحد سبع مئة ضعف). وقيل: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾: هو النفقة في سبيل الله. وقيل: هو النفقة على العيال، وقيل: هو التسبيح والتقديس. وقد جاءت السنة الصحيحة بنحو هذا في أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن زيد بن خالد، عن النبي ﷺ قال: [من جهّز غازيًا دي سبيل الله، كان له مثلُ أجره، من غير أن ينقُصَ من أجر الغازي شيئًا] (٢). الحديث الثاني: أخرج البيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود، قال رسول الله ﷺ : [من أقرض ورِقًا مرَّتين، كان كعدلِ صدقة مرّةً] (٣). وله شاهد عند الإمام أحمد وأبي يعلى بلفظ: [إن السَّلف يجري مجرى شطْرِ الصّدقة]. مما يدل على فضل القرض الحسن، وأنه يعدل التصدق بنصفه. الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن خُرَيْم بن فاتك عن النبي ﷺ : [من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتبت له سبع مئة ضعف] (٤). وفي التنزيل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي

стр. 621

كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. الحديث الرابع: أخرج الشيخان وأحمد عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة] (١). الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [ينزل الله تعالى في السماء الدنيا لِشَطْرِ الليل، أو ثلُثِ الليل الآخر، فيقولُ: مَنْ يدعوني فأسجيبَ له! أو يسألني فأعطِيَه، ثم يقول: من يُقْرِض غيرَ عديمٍ ولا ظلوم] (٢). الحديث السادس: أخرج الإمام أحمد والترمذي يسند حسن عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتًا في الجنة] (٣). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. يعني: هو الموسع والمضيق بيده الرزق والخير، فيبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويمسكه عنهم بلطفه، فهو الجامع بين العطاء والمنع. وفي التنزيل: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ... ﴾ [الرعد: ٢٦]. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠]. وفي المسند والسنن إلا النسائي عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى هو الخالق، القابضُ، الباسطُ، الرّازق، المسَعِّرُ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال] (٤).

стр. 622

وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يعني: يوم القيامة، فاتقوا الموقف بين يديه سبحانه. ٢٤٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَال هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾. في هذه الآية: قصة قوم من بني إسرائيل سألوا نبيهم الجهاد في سبيل الله، فلما كتب عليهم تولوا وتخاذلوا. قال وهب بن مُنبِّه: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعَبَدَ بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهاج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم، ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها العل الله يرزقها غلامًا يكون نبيًّا لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله أن يرزقها غلامًا، فسمع الله لها ووهبها غلامًا، فسمته شمويل، أي: سمع الله دعائي. ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سنّ الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكًا ألا تفوا بما التزمتم من القتال معه، ﴿قَالوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ

стр. 623

دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: وقد أُخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد؟ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا، بل نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم. ذكره ابن جرير والحافظ ابن كثير. قلت: لقد علّل هؤلاء القوم من بني إسرائيل قبولهم للقتال في سبيل الله لما نالهم من إخراج من الديار وسبي للذرية، وهي نظرة قاصرة فيها تضييق لمعاني الجهاد الرفيعة التي هدفها الأسمى إعلاء كلمة الله في الأرض والحكم بشرعه ومنهاجه، ومن ثم يكون ما دون هذه الغاية بمثابة تحصيلٍ حاصلٍ. فإذا كان همّ المؤمنين من جهادهم هو كسر رؤوس الكفر ومناهجه في الأرض حتى يوحد الله ويعبد لا شريك له، كانت بقية الغايات تبعًا لذلك يشفي بها الله غيظ المؤمنين المجاهدين ويثلج صدورهم. يروي الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم] (١). وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : [إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًا لا ينزعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم] (٢). ٢٤٧. قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالوتَ مَلِكًا قَالوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾. في هذه الآية. كشف سلوك بعض بني إسرائيل وتنطعهم. فإنه لما طلبوا من نبيهم تعيين ملك منهم، عيّن لهم رجلًا من أجنادهم اسمه طالوت، قيل: ولم يكن من سبط يهوذا أهل الملك فيهم، بل كان فقيرًا لا مال له يقوم

стр. 624

بالملك، فاعترضوا وكان أولى بهم طاعة نبيهم وترك مجادلته، فأجابهم نبيهم: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: اختاره من بينكم ليقودكم، ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: وأعطاه مع ذلك علمًا يقضي به ونبلًا وصلابة في الجسم لتحمل مشاق الحروب. ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: قال مجاهد: (سلطانه). وقال وهب بن منبه: (الملك بيد الله يضعه حيث يشاء، ليس لكم أن تختاروا فيه). وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: واسع الفضل يعلم حيث يضع الملك والقوة والعلم والسلطان في عباده. ٢٤٨. قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾. في هذه الآية: أخبرهم نبيهم أن علامة بركة ملك طالوت عليهم استرداد التابوت الذي سُلب منهم، وبقية من آثار موسى وهارون تجيء به الملائكة. وقوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال قتادة: (أي: وقار)، وقال الربيع: (رحمة)، وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال ابن عباس: (عصاه، ورضاض الألواح). قال عكرمة: (والتوراة). وقال عطية بن سعد: (عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح). وقال الثوري: (ومنهم من يقول: العصا والنعلان). وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال ابن جريج: قال ابن عباس: (جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون). وقال السدي: (أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت). وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾. أي: تثبت النبوة لنبيهم، ووجوب طاعته في اختياره لهم طالوت على الجيش والقيادة. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: بالله واليوم الآخر.

стр. 625

٢٤٩. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالوتُ بِالْجُنُودِ قَال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾. في هذه الآية: إخبار طالوت جنوده حين خرج فيهم بأن الله مختبرهم بنهر، فمن نجح في ذلك الاختبار كان من الفئة القليلة التي تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله. قال ابن عباس: (وهو نهر بين الأردن وفلسطين). ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ يعني: لا يصحبني اليوم في هذا الوجه. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا حرج عليه. قال ابن عباس: (من اغترف منه بيده رَوِي، ومن شرب منه لم يروَ). قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. قال السدي: (كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف). قلت: والصحيح في ذلك ما روى البخاري عن البراء قال: [كنا - أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عِدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن، بضعة عشر وثلاث مئة] (١). وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالوتَ وَجُنُودِهِ﴾. قيل: إن الذين قالوا ذلك هم أهل النفاق الذين عصوا طالوت وشربوا من النهر، فاستقلوا أنفسهم حينئذ عن لقاء عدوهم لكثرتهم. فشجعهم علماؤهم وهم أهل العلم بوعد الله ونصره: ﴿قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

стр. 626

قال السدي فيهم: (الذين يستيقنون). يعني: أنهم ملاقو الله. وقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. هو سنة إلهية قضاها الله في حياة الرسل وأتباعهم المؤمنين، فإن النصر ليس عن كثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ، بل هو تفضل من الله سبحانه يمتن به على المجاهدين إذا رضي عن دينهم وإعدادهم. وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. يعني: الحابسين أنفسهم على رضاه والجهاد في سبيله. أخرجه الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [النصرُ مع الصبر، والفرجُ مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا] (١). ٢٥٠ - ٢٥٢. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالوتَ وَجُنُودِهِ قَالوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره: أنه لما برز أهل الحق والإيمان بقيادة طالوت، لعدوهم من أصحاب جالوت، - وهم كثير، في حين كان أهل الحق بعدد قليل - استغاثوا بالله منزل النصر أن يمتن به عليهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ يعني: أنزل علينا صبرًا وقوِّ قلوبنا على جهادهم، لئلا نفر إذا لاقيناهم. فكان النصر بإذن الله، وكذلك سنة الله تعالى في دفع الناس بعضهم ببعض ليظهر دينه وأولياءه على الدين الباطل وأعوانه.

стр. 627

أخرج البزار في مسنده، وابن عدي في الكامل، بسند صحيح عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [إن المعونة تأتي من الله على قَدْر المُؤْنَة، وإن الصَّبْرَ يأتي من الله على قدْر البلاء] (١). وفي لفظ آخر: [إن الله تعالى يُنزل المعونة على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر البلاء] (٢). وفي مسند أحمد بسند حسن من حديث ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان إذا لقي العدو يقول في القتال: [اللهم بك أصول وأجول] (٣). وله شاهد في المسند أيضًا عن صهيب - في خبر حنين - قال رسول الله ﷺ : [فأنا أقول الآن حيث رأى كثرتهم: اللهم بك أحاول وبك أصاول وبك أقاتل]. (وفي رواية: اللهم يا رب بك أقاتل وبك أصاول ولا حول ولا قوة إلا بالله) (٤). وأخرج أبو داود والنسائي بسند حسن من حديث أبي موسى - كان ﷺ يقول إذا لقي العدو -: [اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم] (٥). وقوله: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. الذين كفروا بك وجحدوا الألوهية والعبودية خالصة لوجهك، وأشركوا بك. وقوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعني: فلّوهم بقضاء الله وقدره وغلبوهم وقهروهم وكسروا شوكتهم. وقوله: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالوتَ﴾. قال القرطبي: (وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلًا قصيرًا مِسقامًا مِصفارًا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان

стр. 628

يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده). قيل: هو داود بن إيشَا. وقيل: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سِبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك. وقوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. قال السدي: (آتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون). والحكمة: الفهم والنبوة، وقوله: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ قال ابن جرير: (يعني: علمه صنعة الدروع والتقدير في السَّرْد، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٨٠]). وقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. قال مجاهد: (يقول: ولولا دفع الله بالبَرِّ عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض، ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ بهلاك أهلها). وقال ابن كثير: (أي: لولا الله يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود، لهلكوا، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ الآية). وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾. أي: منّ عليهم بالدفع. قال القاسمي: (ولذلك قوّى سبحانه هؤلاء الضعفاء وأعطى بعضهم الملك والحكمة ومن سائر العلوم، ليدفع فساد الأقوياء بالسيف). وقال النسفي: (﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾: بإزالة الفساد عنهم، وهو دليل على المعتزلة في مسألة الأصلح). وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. يعني: القصص التي اقتصها سبحانه من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت وإظهاره على الجبابرة، ودفع الفساد برحمته سبحانه والمفسدين، وإعزاز المؤمنين والصالحين. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. توكيد وتوطئة للقسم، والخطاب للنبي محمد ﷺ ، إذ يخبر بها من غير معرفة بقراءة كتاب أو سماع من أهله.

стр. 629

٢٥٣. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾. في هذه الآية: تفضيل الله تعالى بعض الرسل على بعض، واقتتال الناس واختلافهم على حطام الدنيا، والحكمة التامة لله في كل أمر وخلق. فقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾. يعني: الرسل الذين قصّ الله خبرهم في هذه السورة. قال مجاهد في هذه الآية: (يقول: منهم من كلّم الله، ورفع بعضهم على بعض درجات. يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافة). وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: [أُعطيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصرت بالرُّعْب مسيرةَ شهرٍ، وجُعلِتْ لِيَ الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجُلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِي الغنائم ولم تحلَّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعَثُ إلى قومه خاصةً وبُعِثْتُ إلى الناس عامَّة] (١). وأما قوله ﵇: [لا تفضلوني على الأنبياء]، وفي لفظ: [لا تُفَضِّلوا بين الأنبياء]. وهو بتمامه في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: [استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قَسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيثُ، وعلى محمد ﷺ ! فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ : لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يُصْعَقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق،

стр. 630

فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزيَ بِصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء] (١). فقد أجاب العلماء عن الجمع بينه وبين الآية السابقة بإجابات كثيرة، منها: ١ - أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا نظر. ٢ - أن هذا قاله من باب الهَضْمِ والتواضُع. ٣ - أن هذا نهيٌ عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. ٤ - لا تفضلوا بمجرد الأهواء والعصبية. ٥ - ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به. وقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾. يعني: الآيات والمعجزات والحجج القاطعة الدالة على صدق النبوة والعبودية لله، وأنه عبد الله ورسوله. وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يعني: جبريل ﵇. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾. يعني: ما اقتتل الناس بعد كل نَبيّ إلا بمشيئة الله، وهو بسبب الاختلاف في هذه الحياة الدنيا والتكالب على حطامها. قال القرطبي: (وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي، فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيًا وحسدًا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر، وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان، ولكنه المستأثر بِسِرِّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد). وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فكل ما يجري في هذا الكون بحكمته وإرادته وعلمه وعدله.

стр. 631

٢٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾. في هذه الآية: دعوة الله المؤمنين إلى الإنفاق من طيب مارزقهم لمواجهة يوم الحسرة والندامة وانعدام الصاحب والمعين، وتصنيف أهل الكفر في الظالمين. قال ابن جريج: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾: من الزكاة والتطوع). وقال قتادة: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: قد علم الله أن ناسًا يتحابون في الدنيا ويشفع بعضهم لبعض. فأما يوم القيامة، فلا خُلة إلا خُلة المتقين). وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾، إنما هو مرادٌ به أهل الكفر، فلذلك أتبع قوله ذلك: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فدل بذلك على أن معنى ذلك: حرَمنا الكفار النصرةَ من الأخلاء، والشفاعة من الأولياء والأقرباء، ولم نكن لهم في فعلنا ذلك بهم ظالمين، إذ كان ذلك جزاءً منا لما سلف منهم من الكفر بالله في الدنيا، بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأفعال التي أوجبوا لها العقوبة من ربهم). ٢٥٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾. هذه الآية هي أعظم آية في القرآن الكريم، وهي كالنار الحارقة تنزل على الشياطين، وما بين العبد ودخول الجنة إلا قراءتها عقب الصلوات المكتوبات. فما السرّ في ذلك! ؟ . لقد أخبر سبحانه في أولها أنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيم لغيره، ثم ذكر أنه سبحانه لكمال صفاته وعدم شبهها لخلقه، فهو لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما

стр. 632

كسبت، شهيد لا يغيب عنه شيء، ولا تأخذه سنة وهي الوسن والنعاس. روى مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه، عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِض القِسطَ ويرفعُه، ويرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١). ثم أخبر أن كل ما في السماوات وما في الأرض خلق له، وفي ملكه وتحت تصرفه وقهره وجبروته وسلطانه، ومن ثم لا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا أن يأذن له بذلك، وهو الذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، فقد أحاط علمه بجميع مخلوقاته، بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ولا يطلع أحد على علمه سبحانه إلا بما شاء هو سبحانه أن يُطْلِعَهم عليه، ومن ثم فما آتاهم من العلم هو قليل لا حقّ لأحد منهم أن يفخر به، فهو لا يساوي في علم الله قطرة من بحار الكون، لقد وسع كرسيه السماوات والأرض. يروي ابن أبي شَيبة بإسناد صحيح عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن آية الكرسي، فقال رسول الله ﷺ : [والذي نفسي بيده، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، ... ، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد). ثم ختمها بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. أي: الكبير المتعال والجبار القهار، فله الكبرياء وحده في هذا الكون ولا يليق ذلك إلا بوجهه الكريم، فتبارك الله رب العرش العظيم.

стр. 633

فإلى ذكر فضائل هذه الآية العظيمة في هذا السيل العطر من أحاديث النبي ﷺ : الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في معلقاته، وابن خزيمة في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: [وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: إني مُحتاجٌ، وعليّ دينٌ ولي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمتُه فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ : إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود. قال: دعني أُعْلِمْكَ كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: ما هُنَّ؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يَقْرُبكَ شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربُك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تَعْلمُ من تُخاطب منذ ثلاث ليال

стр. 634

يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: ذاك الشيطان] (١). الحديث الثالث: يروي الإمام النسائي في سننه بإسناد صحيح، والطبراني في معجمه بإسناد جيد، واللفظ له، عن أبي بن كعب ﵁: [أنه كان له جُرن من تمر، فكان ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابّة شِبه الغلام المحتلم، فسلم عليه، فردّ ﵇، فقال: ما أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قال: فناولني يدك، فناوله يده، فإذا يده يدُ كلب، وشعره شعر كلب. قال: هذا خَلْقُ الجن؟ قال: قد علمت الجن أن ما فيهم رجلًا أشدُّ مني، قال: فما جاء بك؟ قال: بلغنا أنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامِك. قال: فما يُنْجينا منكم؟ قال: هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. من قالها حين يُمسي أُجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يُصبح أُجير منا حتى يمسي. فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال: صدق الخبيث] (٢). الحديث الرابع: يروي الإمام النسائي في سننه، وابن حبان في صحيحه، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: [من قرأ آية الكرسي دُبُرَ كل صلاة مكتوبة، لم يَمْنَعْهُ من دخول الجنة إلا أن يموت] (٣). وفي لفظ: [لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت]. الحديث الخامس: روى أحمد والنسائي عن أبي ذر ﵁ قال: [أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: يا أبا ذر، هل صليت؟ قلت: لا. قال: قم فصل. قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال: يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن. قال: قلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: نعم. قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر. قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: فرض مجزي وعند الله مزيد. قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة. قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: جهد مِنْ مقل، أُوسِرَ إلى فقير. قلت: يا رسول اللهِ، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم. قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم. قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاث مئة

стр. 635

وبضعة عشر جمًّا غفيرًا. وقال مرة: وخمسة عشر قلت: يا رسول الله، أي: ما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾] (١). الحديث السادس: يروي الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: [سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إن فيهما اسم الله الأعظم] (٢). وله شاهد عند ابن مردويه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: [اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه]. وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: (أما البقرة فـ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وفي آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾). وشاهد آخر عند ابن ماجة والحاكم عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة مرفوعًا: [اسم الله الأعظم في سورٍ من القرآن ثلاث: في "البقرة" و "آل عمران" و "طه"]. قال القاسم أبو عبد الرحمن: (فالتمست في "البقرة" فإذا هو آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي "آل عمران" فاتحتها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي "طه": ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾] (٣). ٢٥٦. قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾. هذه الآية: نزلت في قوم من الأنصار كان لهم أولاد قد هوّدوهم أو نصّروهم، فلما
следующие страницы →