← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٢٥٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾. في هذه الآية: دعوة الله المؤمنين إلى الإنفاق من طيب مارزقهم لمواجهة يوم الحسرة والندامة وانعدام الصاحب والمعين، وتصنيف أهل الكفر في الظالمين. قال ابن جريج: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾: من الزكاة والتطوع). وقال قتادة: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: قد علم الله أن ناسًا يتحابون في الدنيا ويشفع بعضهم لبعض. فأما يوم القيامة، فلا خُلة إلا خُلة المتقين). وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. قال ابن جرير: (﴿وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾، إنما هو مرادٌ به أهل الكفر، فلذلك أتبع قوله ذلك: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فدل بذلك على أن معنى ذلك: حرَمنا الكفار النصرةَ من الأخلاء، والشفاعة من الأولياء والأقرباء، ولم نكن لهم في فعلنا ذلك بهم ظالمين، إذ كان ذلك جزاءً منا لما سلف منهم من الكفر بالله في الدنيا، بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأفعال التي أوجبوا لها العقوبة من ربهم). ٢٥٥. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾. هذه الآية هي أعظم آية في القرآن الكريم، وهي كالنار الحارقة تنزل على الشياطين، وما بين العبد ودخول الجنة إلا قراءتها عقب الصلوات المكتوبات. فما السرّ في ذلك! ؟ . لقد أخبر سبحانه في أولها أنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيم لغيره، ثم ذكر أنه سبحانه لكمال صفاته وعدم شبهها لخلقه، فهو لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما

стр. 632

كسبت، شهيد لا يغيب عنه شيء، ولا تأخذه سنة وهي الوسن والنعاس. روى مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه، عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِض القِسطَ ويرفعُه، ويرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١). ثم أخبر أن كل ما في السماوات وما في الأرض خلق له، وفي ملكه وتحت تصرفه وقهره وجبروته وسلطانه، ومن ثم لا يتجاسر أحد أن يشفع عنده إلا أن يأذن له بذلك، وهو الذي يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، فقد أحاط علمه بجميع مخلوقاته، بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ولا يطلع أحد على علمه سبحانه إلا بما شاء هو سبحانه أن يُطْلِعَهم عليه، ومن ثم فما آتاهم من العلم هو قليل لا حقّ لأحد منهم أن يفخر به، فهو لا يساوي في علم الله قطرة من بحار الكون، لقد وسع كرسيه السماوات والأرض. يروي ابن أبي شَيبة بإسناد صحيح عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن آية الكرسي، فقال رسول الله ﷺ : [والذي نفسي بيده، ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة] (٢). وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي: لا يثقله ولا يكترثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، ... ، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد). ثم ختمها بقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. أي: الكبير المتعال والجبار القهار، فله الكبرياء وحده في هذا الكون ولا يليق ذلك إلا بوجهه الكريم، فتبارك الله رب العرش العظيم.

стр. 633

فإلى ذكر فضائل هذه الآية العظيمة في هذا السيل العطر من أحاديث النبي ﷺ : الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري في معلقاته، وابن خزيمة في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: [وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: إني مُحتاجٌ، وعليّ دينٌ ولي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمتُه فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ : إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود. قال: دعني أُعْلِمْكَ كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: ما هُنَّ؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يَقْرُبكَ شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربُك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي ﷺ : أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تَعْلمُ من تُخاطب منذ ثلاث ليال

стр. 634

يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: ذاك الشيطان] (١). الحديث الثالث: يروي الإمام النسائي في سننه بإسناد صحيح، والطبراني في معجمه بإسناد جيد، واللفظ له، عن أبي بن كعب ﵁: [أنه كان له جُرن من تمر، فكان ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابّة شِبه الغلام المحتلم، فسلم عليه، فردّ ﵇، فقال: ما أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قال: فناولني يدك، فناوله يده، فإذا يده يدُ كلب، وشعره شعر كلب. قال: هذا خَلْقُ الجن؟ قال: قد علمت الجن أن ما فيهم رجلًا أشدُّ مني، قال: فما جاء بك؟ قال: بلغنا أنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامِك. قال: فما يُنْجينا منكم؟ قال: هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. من قالها حين يُمسي أُجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يُصبح أُجير منا حتى يمسي. فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال: صدق الخبيث] (٢). الحديث الرابع: يروي الإمام النسائي في سننه، وابن حبان في صحيحه، عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: [من قرأ آية الكرسي دُبُرَ كل صلاة مكتوبة، لم يَمْنَعْهُ من دخول الجنة إلا أن يموت] (٣). وفي لفظ: [لم يحل بينه وبين دخول الجنة إلا الموت]. الحديث الخامس: روى أحمد والنسائي عن أبي ذر ﵁ قال: [أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: يا أبا ذر، هل صليت؟ قلت: لا. قال: قم فصل. قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال: يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن. قال: قلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: نعم. قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: خير موضوع، من شاء أقل ومن شاء أكثر. قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: فرض مجزي وعند الله مزيد. قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: أضعاف مضاعفة. قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: جهد مِنْ مقل، أُوسِرَ إلى فقير. قلت: يا رسول اللهِ، أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم. قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: نعم نبي مكلم. قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاث مئة

стр. 635

وبضعة عشر جمًّا غفيرًا. وقال مرة: وخمسة عشر قلت: يا رسول الله، أي: ما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾] (١). الحديث السادس: يروي الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: [سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إن فيهما اسم الله الأعظم] (٢). وله شاهد عند ابن مردويه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: [اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه]. وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: (أما البقرة فـ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وفي آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾). وشاهد آخر عند ابن ماجة والحاكم عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة مرفوعًا: [اسم الله الأعظم في سورٍ من القرآن ثلاث: في "البقرة" و "آل عمران" و "طه"]. قال القاسم أبو عبد الرحمن: (فالتمست في "البقرة" فإذا هو آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي "آل عمران" فاتحتها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي "طه": ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾] (٣). ٢٥٦. قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾. هذه الآية: نزلت في قوم من الأنصار كان لهم أولاد قد هوّدوهم أو نصّروهم، فلما

стр. 636

جاء الإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام. أخرج أبو داود وابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس قال: [كانت المرأة تكون مِقْلاتًا، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّده، فلما أُجلِيَت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾] (١). وقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. نهي عن إجبار أحد على دين الإسلام، فإن هذا الدين العظيم بين واضح لا يدخله إلا من شرح الله صدره له، ونوّر بصيرته، وأما من كان قلبه أعمى متخبطًا تائهًا قد ختم الله عليه كما ختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا. أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل] (٢). وقوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. قال ابن عباس: (وذلك لما دخل الناس في الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الجزية). وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾. فيه أقوال في المراد بالطاغوت: ١ - الطاغوت: الشيطان. قال مجاهد: (الطاغوت الشيطان). ٢ - الطاغوت: الساحر. قال أبو العالية: (الطاغوت الساحر). ٣ - الطاغوت: الكاهن. قال سعيد بن جبير: (الطاغوت الكاهن). قلت: والراجح أن الطاغوت يشمل كل ما عبد من دون الله، وصرف له شيء من

стр. 637

التعظيم الذي لا يليق إلا لله. قال ابن جرير: (والصواب من القول عندي في "الطاغوت"، أنه كل ذي طغيان على الله، فعُبِدَ من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وَثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء). وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. فيه أقوال متقاربة: ١ - قال مجاهد: (الإيمان). ٢ - قال السدي: (﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، هو الإسلام). ٣ - قال سعيد بن جبير: (﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: لا إله إلا الله). ٤ - وقال أنس بن مالك: (العروة الوثقى: القرآن). ٥ - وقال سالم بن أبي الجَعْد: (هو الحب في الله، والبغض في الله). وقوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. يعني: لا انكسار لها. قال مجاهد: (﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). وقال السدي: (لا انقطاع لها). أخرج الإمام أحمد في المسند من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [إن نبي الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ "لا إله إلا الله" فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر] (١). وأخرج البخاري عن قَيْسِ بن عُبَاد قال: [كنت جالسًا في مسجد المدينة فدخل رجلٌ على وجهه أثرُ الخشوع فقالوا: هذا رجلٌ من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوّز فيهما، ثم خرج وتَبِعْتُهُ فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة،

стр. 638

قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقولَ ما لا يَعْلَمُ، فَسَأُحَدِّثُكَ لم ذاكَ، رأيتُ رؤيا على عَهْد النبي ﷺ فقصصتها عليه، ورأيت كأني في رَوْضَة -ذَكَرَ من سَعَتِها وخُضْرَتِها- وَسْطها عمودٌ من حديد أسفلُهُ في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عُرْوةٌ، فقيل لي: ارْقَ، فقلتُ: لا أستطيع، فأتاني مِنْصَفٌ - قال ابن عون: هو الوصيف. يعني: الخادم - فرفع ثيابي من خلفي، فَرَقِيتُ حتى كنتُ في أعلاها، فأخذت بالعروةِ، فقيل لي: استمسكْ، فاستيقظتُ وإنها لفي يدي، فَقَصَصْتُها على النبي ﷺ فقال: تلك الرَّوضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة الوثقى فأنت على الإسلام حتى تموت. وذلك الرجل عبد الله بن سلام] (١). ورواه أحمد من طريق خَرَشَةَ بن الحُرّ قال: [قدمت المدينة فجلست إلى مَشيَخَةٍ في مسجد النبي ﷺ ، فجاء شيخٌ يتوكأ على عصا له، فقال القوم: من سَرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين، فقمت إليه فقلت له: قال بعض القوم: كذا وكذا. فقال: الجنة لله يُدْخِلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول الله ﷺ رؤيا، رأيت. كأن رجلًا أتاني فقال: انطلق. فذهبت معه، فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعَرَضَتْ لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا على ذروته، فلم أتقارّ ولم أتماسك، فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك، فقلت: نعم. فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ . فقال: رأيت خيرًا، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزَّلَق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت. قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبد الله بن سلام] (٢). فائدة: وأما الحديث الذي رواه أحمد عن أنس: [أن رسول الله ﷺ قال لرجل:

стр. 639

أسلم، قال: إني أجدني كارهًا. قال: وإن كنت كارهًا] (١). قال ابن كثير: (فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: أسلمْ وإن كنت كارهًا، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص). وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال القرطبي: (ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات "سميع" من أجل النطق "عليم" من أجل المعتقد). ٢٥٧. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾. في هذه الآية: تقرير ولاية الله تعالى للمؤمنين، يخرجهم من ظلمات الجاهلية والكفر إلى نور العلم والإيمان، والذين كفروا في ظلمات الكفر وعبادة الطاغوت وفي النار هم خالدون. قال الخطابي: (الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين). وفي التنزيل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. وقال قتادة: (الظلمات الضلالة، والنور الهدى). وقال الحسن: (الطواغيت: الشياطين). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. قال ابن القيم: (فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه، منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات). أخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح، عن عبد الله بن

стр. 640

عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: [إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل] (١). والظلمة هي ظلمة الطباع والأهواء والجهل والخضوع للشهوات، والنور هو نور الوحي والعلم والفطرة والميثاق والنبوة والرسالات، فالخروج من الظلام لا يكون إلا بالوحي والتزام الشريعة، فَمَنْ حرمه الله من نور السنة بقي في الظلمة، وقلبه وعمله وقوله وأحواله وقبره في ظلمة. وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعني: الذين كفروا، يخلدون في نار جهنم دون غيرهم من أهل الإيمان، إلى غير غاية ولا نهاية أبدًا. فائدة: لقد وحّد الله تعالى لفظ النور وجمع الظلمات، لأن سبيل الحق واحد، وسبل الشياطين كثيرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ... ﴾ [الأنعام: ١]. وقال أيضًا: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ... ﴾ [النحل: ٤٨]. وفي سنن ابن ماجة عن ابن مسعود قال: [خط لنا رسول الله ﷺ خطًّا وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره ثم قال هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعى إليه ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾] (٢). ٢٥٨. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ

стр. 641

اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾. في هذه الآية: ذكر محاججة إبراهيم ﵇ النمرود المتجرئ على صفات الإلهية بحقائق كونية توجب إفراد الله تعالى بالتعظيم. قال الفراء: (﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى: هل رأيت). أي: هل رأيت الذي حاجّ إبراهيم، وهو النُّمْروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحبُ النار والبعوضة - كما ذكر ابن عباس ومجاهد -. وقيل هو نمروذ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. قال مجاهد: (وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمروذُ وبختنصَّر) والله أعلم. وقوله: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. أي: وجود ربه، إذ أنكر أن يكون ثم إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وإنما حمله على ذلك الطغيان والكبر وطول المدة في الملك، وهو مفهوم قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، فطلب من إبراهيم الدليل على وجودِ الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فمن يفعل ذلك يستحق وحده العبادة، فأجابه النمروذ: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾. قال قتادة: (وذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر، فقال: أنا أحيي هذا! أنا أستحيي من شئت، وأقتل من شئت! قال إبراهيم عند ذلك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾). قال محمد بن إسحاق: (﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة، لما هم عليه من الضلالة). ٢٥٩. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ

стр. 642

إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾. في هذه الآية: التنبيه على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم بعد فنائهم. فقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. عطف على ما سبق: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ يعني: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه، ومثل الذي مرّ على تلك القرية: قيل هو عُزير. ذكره ابن جرير عن ابن عباس وقتادة. وقيل هو أورميا بن حلقيا - وقيل: هو الخضر -، وقيل اسمه: حزقيل بن بورا. وقيل بل هو رجل من بني إسرائيل، والله أعلم. قال ابن كثير: (وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها). وقوله ﴿خَاوِيَةٌ﴾: أي: ليس فيها أحد. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾. أي: ساقطة سقوفها وجدرانها ومهدّمة أركانها. فنظر إليها متأملًا فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. فامتحنه الله سبحانه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾. قال وهب بن منبه: (ثم ردّ الله من ردّ من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته، يعمرونها ثلاثين سنة تمام المئة، فلما ذهبت المئة ردّ الله روحه، وقد عمِّرت على حالها الأولى، فجعل ينظر إلى العظام كيف تلتام بعضها إلى بعض، ثم نظر إلى العظام كيف تكسى عصبًا ولحمًا). وقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾. قال قتادة: (ذكر لنا أنه مات ضحى، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، فقال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾). وقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾. قال قتادة: (لم يتغير).

стр. 643

قلت: وإنما خاطبه الله تعالى عن طريق الملك. وقال مجاهد: (﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم ينتن). وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾. قال وهب بن منبه: (فنظر إلى حماره ياتصل (١) بعضٌ إلى بعض، وقد كان مات معه، بالعروق والعصب، ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى، ثم جرى فيه الروح فقام ينهق، ونظر إلى عصيره وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير، فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾). وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾. أي: عبرة وحجة. قال الأعمش: (شابًّا وولده شيوخ). وقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. قال ابن عباس: (كيف نخرجها). وقال السدي: (نحرِّكها). وقال مجاهد: (انظر إليها حين يحييها الله). وقوله: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. أي: العظام نُلبسها لحمًا ونواريها به. وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾. أي: أنا عالم بهذا فقد رأيته عيانًا. ٢٦٠. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾. هذه الآية في سياقها تناسب ما سبق قبلها: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾، ﴿قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، فأحبَّ إبراهيم ﵊ أن يبصر علم اليقين بأم عينيه ليزداد إيمانًا ويقينًا.

стр. 644

أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أو لم تؤمِنْ؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي] (١). قال البغوي في تفسيره (١/ ١٨٦): (أي: ليسكن قلبي بالمعاينة والمشاهدة). وقال ابن خزيمة: (لم يشك النبي ﷺ ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى وإنما شكّا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا). قال ابن عباس: (﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ما في القرآن آية أرجى عندي منها. قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان). وقوله: ﴿قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال ابن عباس: (أي: قَطِّعْهُنَّ). وقال في رواية: (أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا). وقوله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾. فدعاهن فركبهن الله في صورتهن الأولى. وقوله: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: لا يغلبه شيء، وهو الحكيم في أمره وقدره. ٢٦١. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾. في هذه الآية: تمثيل رائع لتضاعف الإنفاق والبذل في سبيل الله وبعض الحسنات عند الله إلى سبع مئة ضعف. قال ابن عباس: (الجهاد والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبع مئة ضعف).

стр. 645

وقال مكحول: (﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني به: الإنفاق في الجهاد، من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك). وقال سعيد بن جبير: (يعني: في طاعة الله). وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث كثيرة، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي مسعود قال: [جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والإمام مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [كل عمل ابن آدم يُضاعِفُ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْف، إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن خزيم بن فاتك قال: قال رسول الله ﷺ : [من أنفق نفقة في سبيل الله، كُتبت له سبع مئة ضعف] (٣). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال ابن جرير: (والله يضاعف على السبع مئة (٤) إلى ما يشاء من التضعيف، لمن يشاء من المنفقين في سبيله). وقال ابن كثير: (أي: بحسب إخلاصه في عمله). وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن زيد: (﴿وَاسِعٌ﴾ أن يزيد من سعته، ﴿عَلِيمٌ﴾ عالم بمن يزيده). ٢٦٢ - ٢٦٤. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 646

آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾. في هذه الآيات: بيان أثر المنّ والأذى في إفساد وإبطال الصدقة. قال الضحاك: (﴿لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾: أن لا ينفق الرجل ماله، خيرٌ من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذىً). قال قتادة: (علم الله أن أناسًا يمنّون بعطيتهم، فكره ذلك وقدّم فيه فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾). قال ابن كثير: (﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: عفوٌ وغفر عن ظُلم قولي أو فعلي). فمدح الله ﵎ المنفقين من المؤمنين دون منٍّ ولا إساءة، ووعدهم على ذلك جزيل الثواب، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الأولاد والذرية، ولا على ما فاتهم من زينة هذه الدنيا، فإن ما أفضوا إليه من النعيم خير لهم من هذه الفانية المتقلبة. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث كثيرة منها: الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّانُ بما أعطى، والمُسْبِلُ إزاره، والمُنْفِقُ سلعته بالحَلِفِ الكاذب] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة عاق، ولا منَّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذِّب بقدر] (٢). الحديث الثالث: أخرج النسائي وأحمد بسند جيد عن سالم بن عبد الله بن عمر،

стр. 647

عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى] (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾. يعني: والله غني عما يتصدقون به، حليم بتأخير العقوبة عمن يمتن بصدقته ويؤذي، فيعطيه الفرصة ليستعتب من إساءته وظلمه. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. إخبار أن المنّ بالصدقة والأذى بها يبطل ثوابها. ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾: أي: كما يبطل الرياء الصدقة إذا ما أريد بها المدح بالكرم وطلب الشهرة والدنيا، ولذلك أتبعها بقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾. وهو الصفا، أي: الحجارة الملس، والصفوان واحدٌ وجميع، فمن جمعه جعل الواحدة "صفوانة". ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: أملس يابسًا قد ذهب ما عليه من التراب، وهو تمثيل رائع لذهاب أعمال أهل الرياء. ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لا ينتفعون بأعمالهم يوم القيامة إذ لم تكن خالصة لوجه الله فأحبطها. ٢٦٥. قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾. في هذه الآية: ذكر مثل طريقة إنفاق أهل الصدق والتقوى يريدون بإنفاقهم وبذلهم رضوان الله ومغفرته. قال الشعبي: (﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: تصديقًا ويقينًا). وقال قتادة: (احتسابًا من أنفسهم).

стр. 648

وقال مجاهد: (يتثبتون أين يضعون أموالهم). وهو تأويل بعيد، فالأول أقرب للسياق. ونظيره في الصحيحين عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه] (١). وقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾. قال مجاهد: (﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾: الربوة المكان الظاهرُ المستوي). وقال الحسن: (هي الأرض المستوية التي تعلو فوق المياه). وقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾. أي: مطر شديد. ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾: أى: أضعفت ثمرها ضعفين حين أصابت الوابل من المطر. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: (هو الرَّذاذ، وهو اللين من المطر). وقال الربيع: (أي: طشّ). والمعنى: إن هذه الجنة بهذه الربوة لا تصحر أبدًا، فإنه إن لم يصبها مطر شديد فرذاذ وطش يكفي لاستمرار ثمرتها وبهجتها، وكذلك المؤمن لا يبور عمله أبدًا، فإنه لا يزال يرفع له عمل صالح، يتقبله الله وينميه له، مهما كان ضئيلًا طالما بذل ما في وسعه وأراد به وجه الله خالصًا لا شريك له، ولذلك ختم سبحانه الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربِّيها كما يُرَبّي أحدكم فُلُوَّه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم] (٢). ٢٦٦. قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ

стр. 649

فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾. أخرج البخاري في صحيحه عن عبيد بن عمير، قال [قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي ﷺ : فيمن ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؟ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي، قل ولا تَحْقِرْ نفسك. قال ابن عباس ﵄: ضربت مثلًا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله] (١). وقال مجاهد في الآية: (أيود أحدكم أن يكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنات تجري من تحتها الأنهار، ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾، فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير لا يغني عنها شيئًا، وولده صغار لا يغنون عنها شيئًا، وكذلك المفرِّط بعد الموت، كل شيء عليه حَسْرة). فالآية تمثيل بديع لحال من أحسن العمل أولًا ثم انعكس بعد ذلك منهجه، فبدل الحسنات بالسيئات، فأبطل بعمله الجديد ما كان أحسن أول شبابه، فقدم يوم القيامة وقد فرّط بالعمل الصالح أحوج ما يكون إليه للنجاة من عذاب الجحيم والعياذ بالله. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يعني: في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها). وقال مجاهد: (لعلكم تتفكرون: تطيعون). ٢٦٧ - ٢٦٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ

стр. 650

بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾. في هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالصدقة والبذل والإنفاق من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها والزروع والثمار التي أخرجها لهم من الأرض، ويحذرهم مغبة طاعة الشيطان الذي يأمر بالفحشاء ويعد بالفقر، ويرغبهم في التماس الحكمة من الله الذي بيده الرزق والنصر. فعن ابن عباس: (﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، يقول: تصدَّقوا). وقال السدي: (من هذا الذهب والفضة). وعن مجاهد في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، قال: (من التجارة). وقال أيضًا: (التجارة الحلال). وقوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال مجاهد: (من الثمار). وقال السدي: (هذا في الثمر والحب). وقال مجاهد أيضًا: (من ثمر النخل). قال شيخ المفسرين الإمام ابن جرير ﵀: (يعني بذلك جل ثناؤه: وأنفقوا أيضًا مما أخرجنا لكم من الأرض، فتصدّقوا وزكّوا من النخل والكرم والحنطة والشعير، وما أوجَبْتُ فيه الصدقة من نبات الأرض). قلت: والآية دليل قوي على زكاة عروض التجارة ومنتوجات الأرض عمومًا، مما لم يأت النص بوجوب الزكاة فيه، فإن في المال حقًّا سوى الزكاة، فالإنفاق واجب آخر حتى تحصل بذلك كفاية الأمة وينقطع التسول والحاجة. أخرج الإمام الشافعي في "الأم" بسند صحيح عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: (ليس في العروض زكاة، إلا ما كان للتجارة). والحديث موقوف صحيح، وليس فيه بيان نصاب زكاتها، ولا ما يجب إخراجه منها، فيمكن حمله على زكاة مطلقة، غير مقيدة بزمن أو كمية، وإنما بما تطيب به نفس صاحبها، فيدخل ذلك في عموم النصوص الآمرة بالإنفاق، كقوله تعالى:

стр. 651

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن جريج: (قال لي عطاء: لا صدقة في اللؤلؤ، ولا زبرجد، ولا ياقوت، ولا فصوص، ولا عرض، ولا شيء لا يدار، "أي: لا يتاجر به"، وإن كان شيئًا من ذلك يدار ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع) (١). والشاهد منه قوله: "ففيه الصدقة في ثمنه حين يباع"، فإنه لم يذكر تقويمًا، ولا نصابًا، ولا حَولًا (٢). وأخرج ابن زنجويه في كتابه "الأموال" بسند حسن، عن إبراهيم الصائغ: (سئل عطاء: تاجر له مال كثير في أصناف شتى، حضر زكاته، أعليه أن يقوِّم متاعه على نحو ما يعلم أنه ثمنه، فيخرج زكاته؟ قال: لا، ولكن ما كان من ذهب أو فضة أخرج منه زكاته، وما كان من بيع أخرج منه إذا باعه) (٣). والخلاصة: يجب على المسلم الإنفاق في سبيل الله إضافة إلى الزكاة، ويجب عليه أن يتصدق في عروض التجارة التي هي من الأصناف التي لم يرد بها النص. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تَلَفًا] (٤). وقوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. قال قتادة: (لا تعمَّدوا). وقال ابن جرير: (لا تعمّدوا الرديء من أموالكم في صدقاتكم فتصدّقوا منه، ولكن تصدقوا من الطيب الجيد). وقيل معناه: (لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه)، والقول الأول أقرب. أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن البراء ﵁: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ

стр. 652

مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: [نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نَخْلِهِ على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاء أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر، فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشِّيص والحَشَف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال: لو أن أحدكم أُهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده] (١). وأخرج أبو داود بسند حسن عن الزهري عن أبي أمامة قال: [نهى رسول الله ﷺ عن الجُعْرور ولون الحُبَيْق، أن يُؤخذا في الصدقة] (٢). والجعرور: ضرب من الدقل، وهو أسوأ التمر، والحبيق: تمر أغبر صغير مع طول فيه. وفي مسند الإمام أحمد عن عائشة قالت: [أتي رسول الله ﷺ بِضَب، فلم يأكله ولم يَنْهَ عنه. قلت: يا رسول الله، ألا نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون] (٣). وقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾. قال ابن عباس: (لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تُنْقصوه). وقال الحسن: (لو وجدتموه في سوق يُباع، ما أخذتموه حتى يُهضَمَ لكم من ثمنه). وقال السدي: (لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة) رواه عن البراء بن عازب من طريق عدي بن ثابت كما ذكر ابن جرير.

стр. 653

وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. قال البراء: (عن صدقاتكم). فهو سبحانه واسع الفضل لا ينفد ما عنده، وهو الحميد: أي المحمود دومًا في شأنه كله. وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. أخرج الترمذي والنسائي موقوفًا على ابن مسعود قال: [إن للشيطان لَمَّةً بابن آدم، وللملَكِ لَمة، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان. ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ الآية] (١). وعن عكرمة عن ابن عباس، قال: [اثنان من الله، واثنان من الشيطان: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، يقول: لا تنفق مالك وأمسكهُ عليك، فإنك تحتاج إليه، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾. ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾، على هذه المعاصي، ﴿وَفَضْلًا﴾ في الرزق). وقال قتادة: (يقول مغفرة لفحشائكم، وفضلًا لفقركم). وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: واسع الفضل الذي يعدكم، وخزائنه لا تنفد، عليم: بصدقاتكم ونفقاتكم يحصيها عليكم مع أعمالكم. وقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾. فيه أقوال: ١ - قال ابن عباس: (يعني: المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه،

стр. 654

ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله). ٢ - قال مجاهد: (يعني بالحكمة: الإصابة في القول). فقال: (ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن). وقال أبو العالية: (الحكمة الكتاب والفهم). ٣ - قال أبو العالية: (الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة). ٤ - قال إبراهيم النخعي: (الحكمة الفهم). وقال أبو مالك: (الحكمة: السنة). ٥ - قال زيد بن أسلم: (الحكمة العقل). وقال مالك: (الحكمة الفقه في دين الله). ٦ - قال السدي: (الحكمة: النبوة). قلت: والصحيح أن الحكمة تشمل كل ما سبق، وأعلاها النبوة، وينال أتباع الأنبياء منها حسب اتباعهم، ولذلك قال بعدها: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. أخرج الشيخان وأحمد عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها] (١). وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يعني: لا يتعظ بهذه الآيات إلا أصحاب العقول: ممن يعي آفاق هذا الخطاب. ٢٧٠ - ٢٧١. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى أن جميع ما ينفقه العبد أو ينذره تقربًا لله مما يوجبه على نفسه فهو في علم الله. وأنّ الأصل إخفاء الصدقة إلا لمصلحة شرعية، وضابط ذلك كله هو صحة النية.

стр. 655

قال مجاهد: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، ويحصيه). ثم توعد سبحانه من تجاوز أمره وعصاه، بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. ويشمل الظلم هنا من أنفق ماله رئاء الناس أو نذر نذرًا في معصية الله، كما يشمل كل ظلم يجترحه العبد ثم لا يتوب منه، فإنه لا نصير له يوم القيامة. وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال قتادة: (كلٌّ مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السّر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفى الماء النار). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [سبعةٌ يُظلِّهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل قلبُه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه] (١). الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [صنائعُ المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السِّر تُطْفِئُ غضب الرّب، وصلة الرحم تزيد في العمر] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة عن النبي ﷺ قال: [صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة خَفيًّا تُطْفِئُ غضبَ الربِّ، وصلةُ الرحم زيادةٌ في العُمُرِ، وكلُّ معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل

стр. 656

المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة] (١). الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند صحيح من حديث عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسرُّ بالقرآنِ كالمُسرّ بالصدقة] (٢). ولا شك أن الأصل بالصدقة الإسرار إلا لمصلحة شرعية، مع التأكد من سلامة القصد والنية. وقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سرًّا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات). وهناك من قرأها: "ونكفِّرْ" بالجزم، عطفًا على محل جواب الشرط، وهو قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾، كقوله ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾. وهي قراءة عامة أهل المدينة والكوفة والبصرة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. يعني: يعلم الإسرار والعلن والنية والقصد، فهو محيط بكل شيء، يحصي لكم أعمالكم ثم يوافيكم إياها ويجازيكم عليها يوم القيامة. ٢٧٢ - ٢٧٤. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا

стр. 657

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾. في هذه الآيات: إثبات الهداية لله وحده، وعودة نفع الصدقات على أهلها، والحث على الإنفاق بالليل والنهار. أخرج النسائي والحاكم وابن جرير - ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس قال: [كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾] (١). وفي رواية: [كانوا يكرهون أن يَرْضَخُوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. ويروي ابن جرير في التفسير، وكذلك ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : [أنه كان يأمُرُ بأن لا يُتَصَدَّقَ إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ .... إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كلِّ دين] (٢). وقال الربيع: (كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابةٌ وهو محتاج، فلا يتصدق عليه، يقول: ليس من أهل ديني! ! فأنزل الله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾، الآية). وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. قال ابن زيد: (هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا تؤذيه وتمنّ عليه؟ إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك).

стр. 658

وقال الحسن البصري: (نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن - إذا أنفق - إلا ابتغاء وجه الله). وقال عطاء الخراساني: (يعني: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله). قال ابن كثير: (وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدّق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه في نفس الأمر من أصاب: أَلِبَرٍّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال رجل: لأتصدقنَّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على غني! قال: اللهم لك الحمد، على غني! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، وعلى غني، وعلى سارق. فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعِفّ بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعِفّ بها عن سرقته] (١). وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال مجاهد: (مهاجري قريش بالمدينة مع النبي ﷺ ، أمَرَ بالصدقة عليهم). وقال السدي: (حصرهم المشركون في المدينة). والمقصود بالآية: المهاجرون الذين تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا إلى المدينة امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ وليس لهم ما يغنيهم، ولا يتمكنون من السفر في طلب المعاش. قال قتادة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدو، فلا يستطيعون تجارة).

стр. 659

وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾. يعني: يحسبهم الجاهل بحالهم أغنياء من شدة تعففهم عن المسألة وترك التعرض لما في أيدي الناس، صبرًا منهم على البأساء والضراء، واحتسابًا لذلك عند الله تعالى. وقد جاء مدحهم بذلك في السنة الصحيحة: ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنِىً يغنيه، ولا يُفطن له فَيُتَصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا] (١). وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال مجاهد: (التخشّع). وقال السدي: (بسيما الفقر عليهم). وقال الربيع: (تعرف في وجوههم الجَهد من الحاجة)، وقال ابن زيد: (السيما رثاثة ثيابهم. والجوع خفي على الناس، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها أن تخفى على الناس). وقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. أي: لا يلحون في المسألة، وهي صفة مدح لهم، بنفي الشّره والضراعة التي تظهر في الملحين من السؤال. قال ابن زيد: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: هو الذي يلح في المسألة). أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ -يلى: [ليس المسكين الذي ترُدُّهُ التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفّف. اقرؤوا إن شئتم - يعني قوله - ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾] (٢). وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مُزينة: [أنه قالت له أمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله ﷺ كما يسأله الناس؟ فانطلقتُ أسألهُ، فوجدته قائمًا يخطب، وهو يقول: من استعفّ أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدْل خمس أواق، فقد سأل الناس إلحافًا.

стр. 660

فقلت بيني وبين نفسي: لناقةٌ له هي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق. فرجعت ولم أسأل] (١). قلت: فإن كان السؤال لتكثير المال دونما حاجة فقد جاء الوعيد الشديد بذلك، وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من سأل الناس أموالًا تكثُّرًا، فإنما يسألُ جمر جهنم، فليستقل منه أو لِيَسْتَكْثِر] (٢). وفي لفظ: [فإنما يسأل جَمْرًا، فليستقل أو ليستكثر]. الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن حبشي بن جنادة قال، قال رسول الله ﷺ : [من سأل من غير فقرٍ فكأنما يأكلُ الجمرَ] (٣). الحديث الثالث: أخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [من سأل وله أربعون دِرْهمًا فهو الملحِفُ] (٤). وله شاهد عند أبي داود وابن حبان من حديث أبي سعيد بلفظ: [من سأل وله قيمة أوقيّةٍ، فقد ألحفَ]. والأوقية أربعون درهمًا. وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. أي: كل ما أنفقتم في علمه، وسيوافيكم بثوابه الجزيل يوم تلقونه، فإنه سبحانه يحصيه لكم ويبارك فيما بذلتموه. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. هو ثناء ومدح من الله سبحانه للمؤمنين المنفقين بالليل والنهار وفي السر والعلانية،

стр. 661

وهو ضمان منه سبحانه بالأمن والطمأنينة لهم يوم يخاف الناس وترجف قلوبهم. وقد امتلأت السنة الصحيحة بالإخبار عن رفيع الدرجات للمنفقين في سبيل الله، وقد تضمن ذلك الإنفاق على الزوجة وأهل البيت. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: [إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله ﷺ قال: [إنك لن تُنْفِقَ نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى ما تجعلُ في فم امرأتك] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند عن خُرَيم بن فاتك، عن النبي ﷺ قال: [من أنفق نفقة في سبيل الله، كتبت له سبع مئة ضعف] (٣). الحديث الرابع: أخرج الشيخان وأحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [من أنفق زوجين في سبيل الله نوديَ من أبواب الجنة: يا عبدَ الله هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة، دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دُعِيَ من باب الرَّيان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، قال أبو بكر: هل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كُلِّها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم] (٤). ٢٧٥. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ

стр. 662

وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾. في هذه الآية: عطف سبحانه على ذكر أصحاب القربات والصدقات، بذكر أصحاب الربا وأموال الشبهات. قال ابن عباس: (آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يُخْنق) رواه ابن أبي حاتم. وعن سعيد بن جبير: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يعني: لا يقومون يوم القيامة). وقال: (ذلك حين يبعث من قبره). والمقصود أن أكلة الربا لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صَرْعِه، وتخبّط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا. قلت: والآية دليل على إمكانية تلبس الشيطان بالعبد ومسّه، ودخوله فيه والتأثير عليه، ولا يرده إلا صدق الالتجاء والاستعاذة منه بالله تعالى. ففي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص، قال: [قلتُ: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلْبِسُها عليّ، فقال رسول الله ﷺ : ذلك شيطان يُقال له خِنْزَب، فإذا أحْسَسْتَهُ فتعوذ بالله منه، واتْفُل عن يسارك ثلاثًا. ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني] (١). وعن عثمان بن أبي العاص قال: (استعملني رسولُ الله ﷺ وأنا أصغَرُ السِّتة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول الله! إن القرآن يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: يا شيطان اخْرُج من صدر عثمان. قال: فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه) (٢)، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾. أي: هو نظيره، اعتراضٌ منهم على الشرع، أي: لم حَرّم هذا وأباح هذا، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا حلّ مالُ أحدهم على غريمه، يقول الغريم لغريم الحق:

стр. 663

"زدني في الأجل وأزيدك في مالك". فإذا قيل لهما هذا ربا لا يحل، قالوا: "سواء علينا زدنا في أول البيع، أو عند مَحِلّ المال" فكذبهم الله في قيلهم فقال سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾. يعني بالموعظة: التذكير والتخويف الذي ذكّرهم الله به وخوّفهم كما جاء في وعيد القرآن وآياته. وقوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾. قال السدي: (فإنه ما كان أكل من الربا قبل التحريم). والمقصود: عفا الله عما سلف بعد وصول بلاع الشرع، كما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: [وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضَعُ رِبانا، رِبا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله] (١). وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾. أي: إلى الربا بعدما بلغه النهي والوعيد، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أخرج البخاري عن ابن عباس قال: (آخر ما نزل على رسول الله ﷺ ، آية الربا) (٢). وله شاهد في مسند أحمد عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: (من آخر ما نزل، آيةُ الربا، وإن رسول الله ﷺ قُبِضَ قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة) (٣). وفي سنن النسائي عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [آكل الربا وموكِلهُ، وكاتبُه، وشاهِداه، إذا علموا ذلك، والواشمة والموشومة للحسن، ولاوي

стр. 664

الصدقة، والمرتد أعرابيًّا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة] (١). وفي مسند أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن حنظلة قال: قال رسول الله ﷺ : [درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم، أَشَدُّ عند الله من ستة وثلاثين زنية] (٢). وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: [لعن رسول الله ﷺ آكِلَ الربا وموكِلَه] (٣). وقد أخبر النبي ﷺ عن كثرة أبواب الربا وكثرة طرقه، وحذّر من مغبة التورط بذلك، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج ابن ماجة عن ابن مسعود، قال رسول الله ﷺ : [الربا ثلاثة وسبعون بابًا] (٤). وفي رواية البزار: [الربا سبعون بابًا والشرك مثل ذلك]. الحديث الثاني: أخرج الحاكم في المستدرك بإسند صحيح عن ابن مسعود أيضًا، عن النبي ﷺ قال: [الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مِثلُ أن ينكحَ الرجُل أمَّهُ، وإن أربى الربا عِرضُ الرجُل المسلم] (٥). وفي لفظ عند الطبراني: (وإن أربى الربا استطالةُ الرجل في عرضِ أخيه). الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [الربا سبعونَ حُوْبًا أيسرها أن ينكح الرجل أمَّه] (٦). ٢٧٦ - ٢٧٧. قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

стр. 665

لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾. في هذه الآيات: يخبر الله تعالى أن مصير الربا إلى هلاك وإفلاس، وذهاب بالبركة، وعذاب في الآخرة، في حين ينمي الله الصدقات ويطرح فيها البركة في حياة صاحبها في الدنيا ثم يسعده بثوابها في الآخرة. إنّ أهل الإيمان والعمل الصالح وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لهم جزيل الثواب عند ربهم ولا يعترضهم خوف يومئذ ولا هم يحزنون. أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند جيد عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: [إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قُلٍّ] (١). ورواه ابن ماجة عنه بلفظ: [ما أحد أكثرَ من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل]. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبَّلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلُوه، حتى يكون مثل الجبل] (٢). ورواه الترمذي وفيه زيادة: (وتصديقُ ذلك في كتاب الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾). وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير: (أي: لا يحب كَفُور القلب أثيمَ القولِ والفعل، ولابُدَّ من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكَسُّب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جَحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعدّ لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون: فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 666

الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾]. ٢٧٨ - ٢٨١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾. في هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يجتثوا آخر جذور الربا من حياتهم ويخبتوا لأمره، وإلا فالوعيد الشديد ينتظرهم. ويرغب سبحانه في التيسير على المعسر عند قبض رؤوس الأموال، كما يرغب في الصدقة والاستعداد ليوم الحساب. قال الضحاك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: كان ربًا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمِروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم). وقال ابن عباس: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزَعَ وإلا ضرب عنقه). وقال الربيع: (أوعد الآكل الربا بالقتل). وقال قتادة: (أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بَهْرجًا أينما ثقفوا). وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾. قال الضحاك: (وضع الله الربا، وجعل لهم رؤوس أموالهم). وقال قتادة: (ما كان لهم من دين، فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزدادوا عليه شيئًا). وقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. قال ابن زيد: (لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلًا لا يحل لكم). وقال ابن عباس: ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: فتُربون, ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: فتنقصون).

стр. 667

وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال مجاهد: (يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخّره). وقوله: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾. مرفوع بكان، والخبر محذوف. والتقدير: وإن كان ممن تقبضون منه من غرمائكم رؤوس أموالكم، ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: معسرًا برؤوس أموالكم التي كانت لكم عليهم قبل الإرباء: فأنظروهم إلى ميسرتهم. أو كما قال ابن جرير: (فيكون تأويل الكلام عند ذلك: وإن وُجد ذو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم، فنظرة إلى ميسرة). فوجّهت كان هنا إلى معنى الفعل التام دون الحاجة إلى خبر. وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن كثير: (أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين). وروى ابن جرير هذا المعنى عن قتادة: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾: أي: برأس المال، فهو خير لكم). وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي اليَسَر، عن النبي ﷺ قال: [من أنظر مُعْسِرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظِلِّه] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [منْ أنْظَرَ مُعْسِرًا، أو وضَعَ له، أظَلَّهُ الله يومَ القيامة تحت ظلِّ عرشه، يوم لا ظل إلا ظلّه] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من أنظر معسرًا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حلّ الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة] (٣).

стр. 668

الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي قتَادة، أن أبا قتَادة: طلب غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني مُعْسِرٌ. قال: آلله؟ قال: الله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من سَرّه أن يُنجِيَهُ الله من كُرَب يوم القيامة فَلينفِّسْ عن مُعْسرٍ، أو يضَعْ عنه] (١). الحديث الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن حذيفة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إن رجلًا كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبضَ روحَه، فقيل له: هل عَمِلْتَ من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلمُ شيئًا غير أني كنت أُبايعُ الناس في الدنيا وأجازيهم فأُنْظِرُ الموسِرَ وأتجاوزُ عن المُعْسِر، فأدخله الله الجنة] (٢). ثم ذكَّر سبحانه عباده نهاية المطاف، بأن الرجوع إليه، وترك الأموال والعقارات والدنيا وزينتها، ووضع الأعمال على الميزان، فمن رجحت كفة حسناته فقد فاز، ومن رجحت كفة سيئاته فقد هلك، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وهذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن. قال البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. حدثنا قبيصة بن عُقبة: حدثنا سفيانُ عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: (آخر آيةٍ نزلت على النبي ﷺ آيةُ الربا). وقال ابن جريج عن ابن عباس: (آخر آية نزلت من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال ابن جريج: يقولون إن النبي ﷺ مكث بعدها تسع ليال، وبُدئ يوم السبت، ومات يوم الاثنين). قال ابن جرير: (يعني بذلك جل ثناؤه: واحذورا أيها الناس، ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، فتلقونه فيه، أن تردوا عليه بسيئات تهلككم، أو بمخزيات تخزيكم، أو بفاضحات تفضحكم فتهتك أستاركم، أو بموبقات توبقكم فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قِبَلَ لكم به، وإنه يوم مجازاة بالأعمال، لا يوم استعتاب، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة، توفّى فيه كل نفس أجرَها على

стр. 669

ما قدَّمت واكتسبت من سَيِّيءٍ وصالح، لا تُغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضِرت، فوفّيتْ جزاءها بالعدل من ربها، وهم لا يظلمون. وكيف يُظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟ ! كلَّا، بل عَدَل عليك أيها المسيء، وتكرم عليك فأفضل وأسبغَ أيها المحسن. فاتقى امرؤ ربه، وأخذ منه حذره، وراقبه، أن يهجم عليه يومُه وهو من الأوزار ظهرُه ثقيل، ومن صالحات الأعمال خفيف، فإنه حَذّر فأعذَر، ووعظ فأبلغ). ٢٨٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾. في هذه الآية: ضرورة توثيق العهود وكتابتها، وحفظ الأموال بالإشهاد عليها، وحماية العلاقات والذرية من الضياع. أخرج ابن جرير بسنده عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب: (أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين). وهذه الآية هي أطول آية في كتاب الله ، وفيها أحكام جليلة، وأوامر عظيمة تحتاجها الأمة في حياتها وخلال معاملاتها، وإن مخالفتها سبب فساد كثير من أحوال الناس وعلاقاتهم.

стр. 670

أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس أنه قال: [لما نزلت آية الدين: قال رسول الله ﷺ : إن أول من جحد آدم ﵇، إن الله لما خلق آدم مَسَحَ ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي ربّ، من هذا؟ قال: ابنُك داود. قال: أي رب، كم عمُرُه؟ قال: ستون عامًا، قال: ربّ، زِدْ في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمرُ آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضِرَ آدم وأتته الملائكة قال: إنه بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب، وأشهد عليه الملائكة. وفي رواية: فأتمها الله لداود مئة، وأتمها لآدم ألف سنة] (١). والحديث مع الآية يدل كل منهما على ضرورة كتابة العقود وتوثيقها، وعلى وجوب الكتابة أثناء قرض الأموال، حفظًا للحقوق وحماية للذرية من الضياع. أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثةٌ يدعونَ الله فلا يستجابُ لهم: رجُلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلقُ فلم يطلّقها، ورجل كان له على رجل مالٌ فلم يُشهِدْ عليه، ورجُل آتى سفيهًا مالهُ، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾] (٢). وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾. يعني: إذا تبايعتم بدين، أو اشتريتم به، أو تعاطيتم أو أخذتم به, ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: إلى وقت معلوم، فيدخل بذلك القرض والسَّلَم. والآية إرشاد من الله لضرورة الكتابة في المعاملات المالية المؤجلة والديون والقروض وغير ذلك. قال ابن عباس: (أنزلت في السلم إلى أجل معلوم) ذكره ابن جرير. وروى البخاري عن قتادة، عن أبي حَسّان الأعرج، عن ابن عباس قال: (أشهد أن السَّلَفَ المضمونَ إلى أجل مسمّى أن الله أحَلّهُ وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾].
следующие страницы →