الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾].
٢٧٨ - ٢٨١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.
في هذه الآيات: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يجتثوا آخر جذور الربا من حياتهم ويخبتوا لأمره، وإلا فالوعيد الشديد ينتظرهم. ويرغب سبحانه في التيسير على المعسر عند قبض رؤوس الأموال، كما يرغب في الصدقة والاستعداد ليوم الحساب.
قال الضحاك: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: كان ربًا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمِروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم).
وقال ابن عباس: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزَعَ وإلا ضرب عنقه).
وقال الربيع: (أوعد الآكل الربا بالقتل). وقال قتادة: (أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بَهْرجًا أينما ثقفوا).
وقوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
قال الضحاك: (وضع الله الربا، وجعل لهم رؤوس أموالهم). وقال قتادة: (ما كان لهم من دين، فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزدادوا عليه شيئًا).
وقوله: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
قال ابن زيد: (لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلًا لا يحل لكم). وقال ابن عباس: ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: فتُربون, ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾: فتنقصون).
стр. 667
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال مجاهد: (يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخّره).
وقوله: ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾.
مرفوع بكان، والخبر محذوف. والتقدير: وإن كان ممن تقبضون منه من غرمائكم رؤوس أموالكم، ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ يعني: معسرًا برؤوس أموالكم التي كانت لكم عليهم قبل الإرباء: فأنظروهم إلى ميسرتهم. أو كما قال ابن جرير: (فيكون تأويل الكلام عند ذلك: وإن وُجد ذو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم، فنظرة إلى ميسرة). فوجّهت كان هنا إلى معنى الفعل التام دون الحاجة إلى خبر.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين). وروى ابن جرير هذا المعنى عن قتادة: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾: أي: برأس المال، فهو خير لكم).
وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي اليَسَر، عن النبي ﷺ قال: [من أنظر مُعْسِرًا، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظِلِّه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [منْ أنْظَرَ مُعْسِرًا، أو وضَعَ له، أظَلَّهُ الله يومَ القيامة تحت ظلِّ عرشه، يوم لا ظل إلا ظلّه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن بريدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من أنظر معسرًا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حلّ الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة] (٣).
стр. 668
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي قتَادة، أن أبا قتَادة: طلب غريمًا له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: إني مُعْسِرٌ. قال: آلله؟ قال: الله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: [من سَرّه أن يُنجِيَهُ الله من كُرَب يوم القيامة فَلينفِّسْ عن مُعْسرٍ، أو يضَعْ عنه] (١).
الحديث الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن حذيفة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إن رجلًا كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبضَ روحَه، فقيل له: هل عَمِلْتَ من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلمُ شيئًا غير أني كنت أُبايعُ الناس في الدنيا وأجازيهم فأُنْظِرُ الموسِرَ وأتجاوزُ عن المُعْسِر، فأدخله الله الجنة] (٢).
ثم ذكَّر سبحانه عباده نهاية المطاف، بأن الرجوع إليه، وترك الأموال والعقارات والدنيا وزينتها، ووضع الأعمال على الميزان، فمن رجحت كفة حسناته فقد فاز، ومن رجحت كفة سيئاته فقد هلك، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وهذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن. قال البخاري في صحيحه، في كتاب التفسير، باب: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. حدثنا قبيصة بن عُقبة: حدثنا سفيانُ عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: (آخر آيةٍ نزلت على النبي ﷺ آيةُ الربا).
وقال ابن جريج عن ابن عباس: (آخر آية نزلت من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال ابن جريج: يقولون إن النبي ﷺ مكث بعدها تسع ليال، وبُدئ يوم السبت، ومات يوم الاثنين).
قال ابن جرير: (يعني بذلك جل ثناؤه: واحذورا أيها الناس، ﴿يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، فتلقونه فيه، أن تردوا عليه بسيئات تهلككم، أو بمخزيات تخزيكم، أو بفاضحات تفضحكم فتهتك أستاركم، أو بموبقات توبقكم فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قِبَلَ لكم به، وإنه يوم مجازاة بالأعمال، لا يوم استعتاب، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة، توفّى فيه كل نفس أجرَها على
стр. 669
ما قدَّمت واكتسبت من سَيِّيءٍ وصالح، لا تُغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضِرت، فوفّيتْ جزاءها بالعدل من ربها، وهم لا يظلمون.
وكيف يُظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟ ! كلَّا، بل عَدَل عليك أيها المسيء، وتكرم عليك فأفضل وأسبغَ أيها المحسن. فاتقى امرؤ ربه، وأخذ منه حذره، وراقبه، أن يهجم عليه يومُه وهو من الأوزار ظهرُه ثقيل، ومن صالحات الأعمال خفيف، فإنه حَذّر فأعذَر، ووعظ فأبلغ).
٢٨٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.
في هذه الآية: ضرورة توثيق العهود وكتابتها، وحفظ الأموال بالإشهاد عليها، وحماية العلاقات والذرية من الضياع.
أخرج ابن جرير بسنده عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب: (أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين).
وهذه الآية هي أطول آية في كتاب الله ، وفيها أحكام جليلة، وأوامر عظيمة تحتاجها الأمة في حياتها وخلال معاملاتها، وإن مخالفتها سبب فساد كثير من أحوال الناس وعلاقاتهم.
стр. 670
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس أنه قال: [لما نزلت آية الدين: قال رسول الله ﷺ : إن أول من جحد آدم ﵇، إن الله لما خلق آدم مَسَحَ ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي ربّ، من هذا؟ قال: ابنُك داود. قال: أي رب، كم عمُرُه؟ قال: ستون عامًا، قال: ربّ، زِدْ في عمره. قال: لا، إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمرُ آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضِرَ آدم وأتته الملائكة قال: إنه بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب، وأشهد عليه الملائكة. وفي رواية: فأتمها الله لداود مئة، وأتمها لآدم ألف سنة] (١).
والحديث مع الآية يدل كل منهما على ضرورة كتابة العقود وتوثيقها، وعلى وجوب الكتابة أثناء قرض الأموال، حفظًا للحقوق وحماية للذرية من الضياع.
أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثةٌ يدعونَ الله فلا يستجابُ لهم: رجُلٌ كانت تحته امرأة سيئة الخلقُ فلم يطلّقها، ورجل كان له على رجل مالٌ فلم يُشهِدْ عليه، ورجُل آتى سفيهًا مالهُ، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾] (٢).
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾.
يعني: إذا تبايعتم بدين، أو اشتريتم به، أو تعاطيتم أو أخذتم به, ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني: إلى وقت معلوم، فيدخل بذلك القرض والسَّلَم. والآية إرشاد من الله لضرورة الكتابة في المعاملات المالية المؤجلة والديون والقروض وغير ذلك. قال ابن عباس: (أنزلت في السلم إلى أجل معلوم) ذكره ابن جرير.
وروى البخاري عن قتادة، عن أبي حَسّان الأعرج، عن ابن عباس قال: (أشهد أن السَّلَفَ المضمونَ إلى أجل مسمّى أن الله أحَلّهُ وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾].
стр. 671
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ : من أَسْلَفَ فَلْيُسْلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجلٍ معلوم] (١).
وقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.
أمر بالكتابة والتوثيق والحفظ.
قال ابن جريج: (من ادّان فليكتب، ومن ابتاع فَليُشهد). وقال الضحاك: (من باع إلى أجل مسمى، أُمر أن يكتب، صغيرًا كان أو كبيرًا إلى أجل مسمى).
وقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.
قال قتادة: (اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يزيدن فيه باطلًا).
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾.
يعني: لا يمتنع من سئل الكتابة أن يكتب ما دام يعلم الكتابة، وليتصدق بذلك على غيره ممن لا يعرف الكتابة.
قال مجاهد: (واجب على الكاتب أن يكتب).
وفي سنن أبي داود بسند جيد عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [من كتم عِلْمًا يعْلمُهُ أُلجم يوم القيامة بلجام من نار] (٢).
وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾.
أي: ليتولّ المدين إملالَ كتاب ما عليه من دين ربّ المال على الكاتب. قال الربيع: (﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، يقول: لا يظلم منه شيئًا). وقال ابن زيد: (لا ينقص من حق هذا الرجل شيئًا إذا أملى).
стр. 672
وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
قال السدي: (أما السفيه، فهو الصغير). وقال الضحاك: (هو الصبي الصغير، فليملل وليُّه بالعدل). وقال مجاهد: (أما السفيه, فالجاهل بالإملاء والأمور)، واختاره ابن جرير. وقال ابن كثير. (سفيهًا: محجورًا علبه بتبذير ونحوه). وهذا المعنى أشمل.
وقوله: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾.
أي: صغيرًا أو مجنونًا أو عاجزًا. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ لجهل أو مانع: كحبسٍ أو خرسٍ أو غيابٍ بسبب ما. ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. قال ابن عباس: (إن كان عجز عن ذلك، أملَّ صاحبُ الدين بالعدل).
وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثيق. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وهذا الأمر في الأموال والديون, فإنَّ عَقْلَ الرجل أكمل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل.
ففي صحيح مسلم وسنن أبي داود عن ابن عمر, قال رسول الله ﷺ : [ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلبَ لذي لبٍّ منكنَّ، أما نقصان العقل فشهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما نقصان الدين، فإن إحداكنَّ تفطرُ رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلي] (١).
وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا الأمر يعمّ كل شهادة. قال الربيع: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، يقول: عُدولٌ).
وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
قال الضحاك: (إنْ تَنْسَ إحداهما ذكَّرَتْها الأخرى).
стр. 673
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال ابن عباس: (يعني: من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده، ولا يحل له أن يأبى إدا ما دُعي).
وفي صحيح مسلم عن زيد بن خالد: أن رسول الله ﷺ قال: [ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها] (١).
وأما ما أخرج البخاري عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: [خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوامٌ تسبقُ شهادة أحدهِم يمينَهُ ويمينُه شهادته] (٢).
وكذلك روى نحوه عن عمران بن حصين, ثم ذكر عمران: قال النبي ﷺ : [إن بعدَكم قومًا يخونون ولا يُؤْتَمَنون ويشهدون ولا يستشهدون ويَنْذِرون ولا يَفُون، ويظهرُ فيهم السِّمن].
فالمقصود قوم لهم مصلحة بشهادة ما، فالحديث في موضع ذمٍّ لهم ولأمثالهم لا في موضع مدح، وقيل هؤلاء شهود الزور، ولذلك قال إبراهيم - عقب حديث عبد الله -: (وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد).
وقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.
إرشاد إلى دقة الكتابة وعدم التهاون بتفاصيلها، أي: ولا تملّوا أن تكتبوا الحق بكل ما فيه من صغيرة وكبيرة. يقال: سئمت، أي: مللت. وقوله: ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾، إلى أجل الحق.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
أي: هذا الذي أمرتم به من الكتابة والدقة أعدل عند الله وأثبت لأمر الشهادة، فإن الشاهد إذا رآه تذكر خطه فربما يكون قد نسيه.
стр. 674
وقوله: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
أي: أقرب إلى عدم الريبة، وأبعد عن الشك.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
قال السدي: (يقول: معكم بالبلد ترونها، فتأخذ وتعطي، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها). أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا حرج بترك الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.
وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
الجمهور حمله على الندب لا على الوجوب.
قال الشعبي: (إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألم تسمع إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. وقال الضحاك: (ما كان من بيع حاضر فإن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد. وما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله أن يكتب ويُشْهد عليه. وذلك في المقام).
قلت: والذي ذهب إليه الضحاك هو الأقرب، ويتوافق مع ما أخرجه الحاكم عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دَفَعَ مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يشهد] (١).
ومع ما أخرجه الإمام أحمد بسند جيد عن عُمارة بن خزيمة الأنصاري، أنّ عمَّه حدّثه - وهو من أصحاب النبي ﷺ : [أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيَه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ , وأبطأ الأعرابي، فطفِقَ رجالٌ يَعْتَرِضُون الأعرابي فيساومُونَهُ بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، حتى زاد بعضُهم الأعرابيَّ في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ ، فنادى الأعرابي النبي ﷺ ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلا بعتُه، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: أو ليس قد ابتعتُه منك؟ قال الأعرابي: لا، والله ما بعتك،
стр. 675
فقال النبي ﷺ : بل قد ابتعتُهُ منك. فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هَلُمّ شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًّا. حتى جاء خزيمةُ فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي، فطفق الأعرابي يقول: هَلُمّ شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: بِم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين] (١).
وقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
يعني: لا يُضَرَّ بهما، ولا يضُرّا بكتابة خلاف ما يملي، فالتأويلان محتملان.
قال ابن زيد: (لا يضار كاتب فيكتب غير الذي أملي عليه. قال: والشهيد يضار فيحوِّل شهادته، فيبطل حقهم). وقال عطاء: (لا يضار: أن يؤديا ما عندهما من العلم).
وقال الضحاك: (هو الرجل يدعو الكاتب أو الشاهدَ وهما على حاجة مهمة، فيقولان: إنا على حاجة مهمة فاطلب غيرنا! فيقول: والله لقد أمركما أن تجيبا! فأمره أن يطلب غيرهما ولا يضارهما، يعني: لا يشغلهما عن حاجتهما المهمة وهو يجد غيرهما). واختاره شيخ المفسرين.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
يعني: إن خالفتم ما أمرتم به فقد وقعتم في الفسوق. قال ابن عباس: (والفسوق المعصية). وقال ابن زيد: (الفسوق الكذب. قال: هذا فسوق، لأنه كذب الكاتبُ فحوَّل كتابه فكذَب، وكذَبَ الشاهد فحوّل شهادته، فأخبرهم الله أنه كذب).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أمْرٌ بالتقوى وإخبار بنتائجها من النور والعلم والثواب، وتشمل التقوى الأخذ بأسباب العلم والتَّثَبُّت، ثم الله يبارك سبحانه.
стр. 676
قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ... ﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال في سورة الحديد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ... ﴾ [الحديد: ٢٨].
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك: [أوصيك بتقوى الله تعالى فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض] (١).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أي: يعلم كل شيء من أعمالكم، فهو يحصيها عليكم، ليجازيكم بها.
٢٨٣. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾.
في هذه الآية: الترغيب في أخذ الرهان عند غياب الكاتب في السفر، ثم أداء الأمانات عند الرجوع إلى الحضر، والترهيب من كتم الشهادة، فإن في ذلك أعظم الضرر.
قال الضحاك: (فمن كان على سفر فبايع بيعًا إلى أجل فلم يجد كاتبًا، فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له إن وَجد كاتبًا أن يرتهن).
وقال ابن عباس: (أو وجدوه ولم يجدوا قرطاسًا أو دواة أو قلمًا، فرهان مقبوضة). قال: (ربما وجد الرجل الصحيفة ولما يجد كاتبًا).
وفي صحيح البخاري عن أنس: [أن رسول الله ﷺ تُوفِّيَ ودِرْعُهُ مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعير، رهنها قوتًا لأهله] (٢).
стр. 677
وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
قال الضحاك: (إنما يعني بذلك: في السفر، فأما الحضر فلا، وهو واجد كاتبًا، فليس له أن يرتهن ولا يأمن بعضهم بعضًا). وقال الشعبي: (إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تُشهدوا).
قال القرطبي: (شَرْط رُبط به وصية الذي عليه الحق بالأداء وترك المطل. يعني: إن كان الذي عليه الحق أمينًا عند صاحب الحق وثِقةً فليؤدِّ له ما عليه اؤتمن).
وقوله. ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
قال الربيع: (فلا يحل لأحد أَن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثمًا عظيمًا). وقال السدي: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾: فاجر قلبه).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
أي: عليم بشهادتكم وإظهارها أو كتمانها، وبكل سرائركم وعلانيتكم، يحصي عليكم ما أخفيتم وما أعلنتم ليجازيكم به.
٢٨٤. قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾.
لما نزلت هذه الآية وما بعدها اشتد ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وخافوا من دقة ما يمكن أن تشمل، من الأعمال الظاهرة والباطنة، ومن موقف الحساب والمحاسبة، وما يمكن أن يوضع على الميزان يوم القيامة.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [لما أُنْزِلَتْ على رسول الله ﷺ :
стр. 678
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾. قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ . قال: فأتوا رسول الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا على الرُّكَب فقالوا: أي رسولَ الله! كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطيق: الصلاةُ والصيامُ والجهادُ والصَّدقةُ وقد أُنزلتْ عليك هذه الآية ولا نطيقُها. قال رسول الله ﷺ : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سَمِعْنا وعَصَيْنا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلَّتْ بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثْرِها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، قال: نعم. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، قال: نعم] (١).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسَها ما لم تكلَّم أو تعمل] (٢).
وفي صحيح مسلم عنه قال: [جاء ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان] (٣).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: [سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة. قال: تلك صريح الإيمان] (٤).
стр. 679
وفي صحيح البخاري عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبُه ابنَ عمر -: [﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها] (١).
وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بأن الهمّ بالحسنة يكتب حسنة وإن لم يعملها، والهمّ بالسيئة لا يكتب حتى يعملها صاحبها فتكتب واحدة، وذلك من فضل الله وكرمه على عباده المؤمنين.
وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله: إذا همَّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: [قال الله: إذا هَمَّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتُها له عشر حَسنات إلى سبع مئة ضعف، وإذا همَّ بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة] (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال: [قال الله: إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها. وقال رسول الله ﷺ : قالت الملائكة: ربِّ ذاك عبدك، يريد أن يعمل سيئة، - وهو أبصر به - فقال: ارقُبُوه، فإن عملها فاكتبُوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جَرَّاي. وقال رسول الله ﷺ : إذا أحسن أحدكُم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ] (٤).
стр. 680
وذهب ابن عباس ومجاهد والضحاك أن الآية محكمة لم تنسخ, واختاره ابن جرير، وذكر أن المحاسبة لا يلزم منها المعاقبة.
وعن ابن عباس: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم يطلع عليه ملائكتي، وأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. أي: من الشك والنفاق).
وهذا مذهب قوي في أن الآية محكمة, وإنما المنسوخ منها هو المحاسبة بالوسوسة والخواطر، وما يدور في حديث النفس وتأملاتها، ويؤيد هذا ما في الصحيحين عن ابن عمر, قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن الله يُدْني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى قَرَّره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هَلَكَ, قال: سترتُها عليك في الدنيا, وأنا أغفرها لك اليوم, فيُعطى كتاب حسناتِهِ, وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] (١).
٢٨٥ - ٢٨٦. قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾
في هذه الآيات الرسول والمؤمنون صدقوا الله تعالى منهج الإيمان, فآمنوا بالله
стр. 681
وملائكته وكتبه ورسله ولم يفرقوا بين رسول وآخر، وأخبتوا إلى ربهم بالسمع والطاعة. إن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها وقد استجاب دعاء المؤمنين في ذلك وغفر لهم ووعدهم النصر على أعدائهم.
قد جاء ذكر فضل هاتين الآيتين في السنة الصحيحة، فإلى ذكر بعض هذه الأحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة - في ليلة كفتاه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله قال: [لما أُسْرِيَ برسول الله ﷺ ، انتُهِيَ به إلى سِدْرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعْرَجُ من الأرض فَيُقْبَضُ منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيقبَضُ منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: أُعطي الصلواتِ الخمسَ، وأُعطِيَ خواتيم سورة البقرة، وغُفِرَ لمن لم يشرك بالله من من أمته شيئًا المُقحمات] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي ذر قال: قال رسىول الله ﷺ : [أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبيّ قبلي] (٣).
وله شاهد عنده من حديث حذيفة بلفظ: [فُضِّلنا على الناس بثلاث ... أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يُعطها أحد قبلي. ولا يُعطاها أحدٌ بعدي].
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي - واللفظ للترمذي - بإسناد حسن، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال: [إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وهو عند العرش، وإنه أنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاثَ ليال فيقربها الشيطان] (٤).
الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه، عن ابن
стр. 682
عباس قال: [بينما رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: "هذا باب قَدْ فُتِحَ من السماء، ما فُتح قط". قال: فنزل منه مَلَكٌ، فأتى النبي ﷺ ، فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته] (١).
فإلى تفصيل معاني هاتين الآيتين العظيمتين:
قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.
إخبار من الله سبحانه عن النبي ﷺ بذلك.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
عطف على الرسول، فالجميع جاؤوا بأركان الإيمان، وبذلك أخبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾. قال ابن زيد: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، كما صنع القوم - يعني: بني إسرائيل - قالوا: فلان نبيّ، وفلان ليس نبيًّا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به).
وقوله: ﴿وَقَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمنا، وقمنا بمقتضاه من العمل فاغفر لنا وارحمنا وتجاوز عنا حين نلقاك.
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
قال ابن عباس: (هم المؤمنون، وسَّعَ الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾).
وقال السدي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وسعها: طاقتها، وكان حديث النفس مما لم يطيقوا).
وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
قال ابن عباس: (عمل اليد والرجل واللسان).
стр. 683
وقال السدي: (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾، يقول: ما عملت من خير, ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، يقول: وعليها ما عملت من شر).
وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال ابن زيد: (إن نسينا شيئًا مما افترضته علينا، أو أخطأنا، فأصبنا شيئًا مما حرمته علينا).
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: [قال الله: نعم]. ولحديث ابن عياس: [قال الله: قد فعلت] (١).
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
قال قتادة: (لا تحمل علينا عهدًا وميثاقًا، كما حملته على الذين من قبلنا، يقول: كما غُلِّظَ على من قبلنا). وقال مجاهد: (إصرًا: عهدًا). وقال الربيع: (الإصر: العهد. ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. قال: عهدي). وقال الضحاك: ﴿إِصْرًا﴾: المواثيق).
وقال ابن جُريج: (عهدًا لا نطيقه ولا نسمتطيع القيام به، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، اليهود والنصارى فلم يقوموا به، فأهلكتهم). وقال عطاء: (لا تمسخنا قردة وخنازير).
وقال ابن زيد: (لا تحمل علينا ذنبًا ليس فيه توبة ولا كفارة).
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
قال الضحاك: (لا تحملنا من الأعمال ما لانطيق).
وقال ابن زيد: (لا تفترض علينا من الدين ما لا طاقة لنا به فنعجز عنه).
والمعنى: لا تكلفنا من ألأعمال ما لا نطيق القيام به، ولا من العهود التي لا طاقة لنا بالوفاء بها.
وقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
قال ابن زيد: (اعف عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به). قال: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه).
стр. 684
وقوله: ﴿وَارْحَمْنَا﴾.
قال ابن وهب، قال ابن زيد: (يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا تركَ ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. قال: ولم ينج أحدٌ إلا برحمتك).
وقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
أي: أنت ولينا ومؤيدنا وناصرنا، وعليك اتكالنا، فنستعين بك أن تنصرنا على القوم الطغاة المجرمين الذين جحدوا دينك، وعطلوا الحكم بشرعك، واستهزؤوا بأمرك ونهيك، فاشدد عزيمتنا سبحانك بتوفيقك ونصرك حتى نقيم دينك في الأرض، ونحكم بشرعك في أرجاء المعمورة، حتى تُعبدَ وحدك لا شريك لك.
يروي ابن جرير عن أبي إسحاق: (أن معاذًا كان إذا فرغ من هذه السورة: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، قال: آمين).
تم تفسير سورة البقرة بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
стр. 685
دروس ونتائج وأحكام
١ - الحروف المقطعة أوائل السور تفيد الإعجاز لهذا القرآن العظيم.
٢ - الإيمان بالغيب نَعْتٌ رفيع للمؤمنين، والغيب يغطي معظم شرائع هذا الدين.
٣ - النفاق نوعان: نفاق أصلي ونفاق عملي، فالأول نفاق في أصل الدين, والثاني: نفاق في السوك والعمل.
٤ - القرآن معجزة الله الخالدة في الأرض، وهو يتحدى أن يأتي بسورة من مثله أهل الإبطال والرفض.
٥ - الإنسان مفتقر دومًا إلى الله، ولا يصلح خليفة في الأرض عن الله، فالله تعالى يستحيل أن يغيب عن ملكه، ولعبد يغيب فهو يرتحل أو يعزل أو يموت، ومن ثم فمفهوم الخلافة هو الاستخلاف في الأرض جيلًا بعد جيل يخلف بعضهم بعضًا.
٦ - خلقت الملائكة من نور. وخلق إبليس من مارج من نار.
٧ - الكلمات التي توسل بها آدم إلى ربه بعد الذنب: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
٨ - تفضيل بني إسرائيل إنما كان على عالمي زمانهم، فلما استكبروا حوله الله إلى غيرهم.
٩ - على الداعي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, اؤتمر به أو لم يؤتمر.
١٠ - الصبر والصلاة من أكبر العون للعبد في الثبات على الحق.
١١ - أهل (الحلول والوحدة والاتحاد) يشفقون على فرعون لأنه ادعى الربوبية، فهم يقولون بحلول الرب في كل شيء أو ببعض خلقه.
١٢ - رؤية المعجزات والخوارق لا تسقط التكليف.
стр. 686
١٣ - تفضيل أصحاب محمد على أصحاب موسى والأنبياء جميعًا - صلوات الله وسلامه عليهم - بصبرهم وطاعتهم.
١٤ - أمة محمد هم من آمن به قبل بعثته وبعدها.
١٥ - التنطع والغلو والجدل صفات قديمة لليهود، وهي سبب تشديد الله عليهم.
١٦ - اليهود قتلة الأنبياء، وهم أمكر بني البشر.
١٧ - الإيمان بنبي واحد، يقتضي الإيمان بجميع الأنبياء.
١٨ - معاداة ملائكة الله ورسله، معاداة لله تعالى وأمره.
١٩ - السحر كفر، وتعلمه حرام، وفيه ما يفرق بين المرء وزوجه، والساحر عقوبته القتل ولا يستتاب.
٢٠ - أشد الناس عداوة للمؤمنين اليهود والمشركون.
٢١ - النهي عن التشبه باليهود في كثرة السؤال تعنّتًا.
٢٢ - عمارة المساجد بالصلاة والعلم والإيمان، لا بالزخرفة وتزيين البنيان والجدران.
٢٣ - نسخ استقبال بيت المقدس في الصلاة، والأمرُ باستقبال الكعبة، ومن اجتهد وسعه لمعرفة القبلة فلم يصب فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
٢٤ - لا يسمع بمحمد ﷺ يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا كان من أصحاب النار.
٢٥ - الظالمون الكافرون لا يكونون أئمة ولا قادة للمسلمين.
٢٦ - مقام إبراهيم هو الحجرُ الذي كان يقوم عليه إبراهيم ﷺ لبناء الكعبة.
٢٧ - حرّم إبراهيم مكة ودعا لأهلها، وحرّم محمد المدينة ودعا لأهلها.
٢٨ - الحجر الأسود من الجنة، سلّمه جبرائيل لإبراهيم، فوضعه في مكانه القويم.
٢٩ - ملة إبينا إبراهيم، هي ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، ولا يرغب عنها إلا ظالم لنفسه أثيم.
٣٠ - محمد أفضل الخلق لا أول الخلق، وإنما أول الخلق القلم.
٣١ - لا ينفع الانتساب للأنبياء دون اتباع منهاجهم، ولا يجوز التفريق بين الرسل بل يجب الإيمان بهم جميعًا.
стр. 687
٣٢ - أول صلاة صليت إلى الكعبة كانت صلاة العصر.
٣٣ - أمة محمد ﷺ أمة الوسط في العالمين، وهي التي تشهد للرسل بالبلاغ يوم تكذب الأمم رسلها يوم الدين.
٣٤ - استقبال الكعبة من كل جهات الأرض شرط لصحة صلاة المسلمين.
٣٥ - الصلاة خير عون على الصبر على المحرمات وضغط الشهوات، وعلى الثبات والاحتساب عند نزول النائبات.
٣٦ - السعي بين الصفا والمروة أحد أركان الحج والعمرة.
٣٧ - تقبل الدعاء منوط بإطابة المطعم والملبس.
٣٨ - القصاص واجب، ولا يقتل مسلم بكافر، ويقتل الجماعة بالواحد، ومن قَتل بعد أخذه الدية يقتل حتمًا.
٣٩ - الوصية للوالدين والأقربين ممن يرث منسوخة بآية الميراث.
٤٠ - الوصية الشرعية واجبة، ويحرم تبديلها، ورفع الجنف مستثنى.
٤١ - صيام رمضان واجب على كل مسلم، ويستثنى المريض والمسافر، يفطران ويقضيان، والسحور سنة، وتعجيل الفطر واجب، ولا وصال في الصوم.
٤٢ - وجوب خفض الصوت في الذكر، ودعاء غير الله شرك، وتصفية التوجه إلى الله ورد المظالم متصل بإجابة الدعاء.
٣٤ - الحاكم يحكم في الظاهر، ولهُ أجره، وعلى المحتال وزره.
٤٤ - تشريع القتال في الحرم من قاتل فيه، والاعتداء يقابل بمثله.
٤٥ - التهلكة بترك الجهاد، وبالإقامة في الأهل والولد، وإصلاح الأموال والدنيا على حساب إقامة الدين في الأرض.
٤٦ - الإحرام بالحج إنما هو بأشهر الحج.
٤٧ - حج التمتع هو الحج الأمثل، والذي استقر عليه الإسلام، وهو للآفاقيين لا لأهل الحرم.
٤٨ - صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة في الوطن عند الرجوع من لم يجد الهدي.
٤٩ - هدي الشاة لواحد، والإبل والبقر لسبعة.
стр. 688
٥٠ - المتأخر لليوم الثالث - أيام المبيت بمنى - أفضل، والمتعجل لا إثم عليه، ويحرم في الحج الرفث والفسوق والجدال، وخير الزاد التقوى.
٥١ - وجوب المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر فيها، والدفع منها بعد الإسفار الشديد، والرخصة بالمغادرة بعد نصف الليل للعجزة والضعفة والنساء خشية حطمة الناس.
٣٢ - من السنة الإكثار من التكبير للحاج إلى عصر آخر أيام التشريق.
٥٣ - المؤمن الكامل من يأخذ بكافة الأوامر، ويترك كافة الزواجر.
٥٤ - سنة الله ابتلاء المؤمنين، وتمتع الكافرين في الدنيا، والمؤمنون فوقهم يوم القيامة.
٥٥ - الجهاد فريضة، ومن لم يجاهد أو يحدث نفسه بالجهاد ماتَ ميتة جاهلية.
٥٦ - تحريم المصاهرة بين المؤمنين والمشركين، وكفارة إتيان الحائض دينار، وتحريم الوطء في الدبر ولَعْنُ من فعل ذلك.
٥٧ - الحلف بغير الله شرك، ولا يجوز جعل الأيمان مانعة للبر والصلة.
٥٨ - لا يجوز الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، ولا تصبر المرأةُ على فراق زوجها أكثر من أربعة أشهر.
٥٩ - الخلع فسخ لا طلاق، ولا رجعة في الخلع، وعدة المختلعة حيضة واحدة، وليس للمختلع أن يطلقها في العدة لأنها بانت عنه.
٦٠ - المحلِّل والمحلَّل لهُ ملعونان، وعملية "التجحيش" زنى صريح.
٦١ - الطلاق والعتاق والنكاح، لا هزل فيهن، بل هزلهن جد.
٦٢ - لا رضاع إلا في الحولين، ورضاع مولى أبي حذيفة من الخصائص.
٦٣ - عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر في بيت الزوج، ويشمل ذلكَ المدخول بها وغير المدخول بها، وعدة الحامل حتى تضع، وعدة الطلاق ثلاثة قروء. والأمة والحرة متساويتان في العدة.
٦٤ - الحداد على الزوج أربعة أشهر وعشر، وعلى سواه ثلاثة أيام فحسب.
٦٥ - تحريم عقد النكاح على المرأة في عدة وفاة زوجها، وجواز التلميح بالخطبة.
стр. 689
٦٦ - لا تخطب المطلقة في عدتها، والمتعة للمطلقة التي لم يُدخل بها ولم يُفرض لها مهر.
٦٧ - وجوب نصف المهر، للطلاق قبل المسّ، ولا عدة لها.
٦٨ - صلاة العصر هي الصلاة الوسطى، وجواز ردّ السلام في الصلاة.
٦٩ - النهي عن دخول بلد حلّ به الوباء، والنهي عن الخروج منه فرارًا من الوباء.
٧٠ - عدد جنود طالوت كعدد المؤمنين يوم بدر، والنصر وعده الله المؤمنين، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
٧١ - آية الكرسي أعظم آية في القرآن، وهي رقية من السحر ومسّ الشيطان.
٧٢ - إبداء الصدقات للاقتداء حسن، وإخفاؤها على العموم أحسن.
٧٣ - جواز الصدقة للمحاويج من كل دين، ويبتغي بذلكَ وجه الله.
٧٤ - ملعون آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهداه.
٧٥ - السلف أو السلم: يجب أن يكون معلوم الكيل والوزن والأجل.
٧٦ - من أنظر معسرًا فله بكل يومٍ مثله صدقة قبل حلول الدَّين، فإذا حَلَّ الدين فانظره فله بكل يوم مثلاه صدقة، وهو في ظل عرش الرحمن يوم القيامة.
٧٧ - وجوب الإشهاد والكتابة عند الدين حفظًا للحقوق. وشهادة امرأتين بشهادة رجل.
٧٨ - تحريم الإضرار بالكاتب أو الشهود.
٧٩ - إباحة ترك الكتابة في أعمال التجارة اليومية المضبوط أمرها.
٨٠ - تجاوز الله تعالى عن الخطأ والنسيان، والتكاليف الشرعية مناسبة لفطرة الإنسان.
* * *
стр. 690
التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون
تفسير القرآن الكريم على منهاج الأصلين العظيمين
-الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة-
على فهم الصحابة والتابعين
تفسير منهجي فقهي شامل معاصر
الجزء الثاني
تأليف الأستاذ الدكتور
مأمون حمُّوش
стр. 691
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 692
التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون
стр. 693
جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م
موافقة وزارة الإعلام
رقم: ٩١٠٩٢
ورقم: ٩١٤٥١
تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م
دمشق- سورية
يطلب من المؤلف
دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١
المدقق اللغوي
الدكتور أحمد راتب حموش
стр. 694
٣ - سورة آل عمران
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (٢٠٠).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد في فضل هذه السورة الكثير، كما ذكرناه في أول سورة البقرة، فالبقرة وآل عمران هما الزهراوان، وقد اشتركتا بالفضل الكبير.
قيل: سميتا بالزهراوين لما يزهر لصاحبهما من أنوارهما، أو لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة. أو لاشتمالهما على اسم الله الأعظم.
ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [اقرؤوا القرآن، فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة. اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقان من طير صواف يحاجّان عن أهلهما] الحديث (١).
وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث النواس بن سمعان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تَقْدُمُهم سورة البقرة وآل عمران] (٢).
стр. 695
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أسماء بنت يزيد، أن النبي ﷺ قال: [اسمُ الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣]. وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]] (١).
موضوع السورة
اصطفاء آل عمران على العالمين والثناء على المجاهدين الصابرين على منهاج المرسلين.
- منهاج السورة -
١ - ذكر اسم الله الأعظم بعد افتتاح السورة.
٢ - تعظيم القرآن الذي هو الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال.
٣ - العزيز العليم الخبير المصور في الأرحام هو الإله الحق المستحق للعبادة.
٤ - القرآن محكم ومتشابه، ومنهاج المؤمنين ردّ المتشابه إلى المحكم لفهمه، وليس في القرآن اختلاف ولا تعارض، وإنما العلم بالوحيين يضيء السبيل.
٥ - قلوب العباد بيد الله، والمؤمنون يسألون الله الهداية والثبات على الحق.
٦ - أموال الكفار وقود أهلها في جهنم، وفي أخذ الله فرعون وجنوده عبرة لكل معتبر.
٧ - اليهود لم يعتبروا بوقعة بدر، وستدور الدوائر عليهم حيث لا مناص ولا مَفَرّ.
٨ - الشهوات من النساء والأولاد والذهب والفضة والخيل والأنعام والحرث فتنة الحياة الدنيا، فما ابتغي به وجه الله من ذلك لقي صاحبه حسن المآب.
٩ - الثناء على المؤمنين الصابرين القانتين المتححدقين والمستغفرين بالأسحار.
١٠ - شهادة الله لنفسه بالوحدانية، وكذلك الملائكة وأهل العلم شهدوا وأقرّوا له بالألوهية، فأفردوه بالعبادة والتعظيم.
стр. 696
١١ - إن الدين عند الله الإسلام، والتصديق بمحمد ومتابعته فرض على الأنام، وإنما أعرض اليهود والنصارى عما في كتابيهما من الإيمان بمحمد ﵊.
١٢ - تحويل النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي محمد ﷺ .
١٣ - النهي عن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين، والله يعلم السرائر والعلائن في جميع العالمين.
١٤ - ذكر مشهد المحشر وتوزيع الصحف، وتحذير الله عباده هول الموقف.
١٥ - تعليق الله محبته من عباده، على متابعة نبيه محمد ﷺ على شريعته.
١٦ - مريم البتول، تنذرها أمها لخدمة بيت المقدس.
١٧ - حمل زوجة زكريا وولادتها بيحيى وهي عجوز عاقر، وبشارة الملائكة مريم بعيسى، الذي سيخلق الطير ويحيي الميت ويشفي الأبرص والأعمى بإذن الله.
١٨ - مسؤولية اليهود عن وشايتهم لصلب عيسى قائمة، ولو المصلوب شبيهه.
١٩ - أنام الله المسيح ورفعه إليه مكرمًا، وأنقذه من أيدي اليهود القذرة.
٢٠ - ذلك هو عيسى قول الحق، وحاشا لله أن يتخذ ولدًا سبحانه، وإن كان تأليه المسيح لدى الضالين لأنه بلا أب، فآدم بلا أم ولا أب.
٢١ - امتناع وفد نجران عن المباهلة، لتأكدهم من نبوة محمد ﷺ .
٢٢ - تكذيب دعوى اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينهم، بل كان حنيفًا على ملة الإسلام، وفضح الله يهود في كتمانهم صفة محمد ﷺ في التوراة ووجوب الإيمان به.
٢٣ - تكذيب الله اليهود في دعواهم حِلّ أكل أموال العرب لديهم.
٢٤ - الرسل: لم يأمروا بعبادة أحد إلا الله تعالى وحده لا شريك له.
٢٥ - النهي عن سؤال أهل الكتاب عن شيء، فليس عندهم هداية إلى الحق وقد ضلوا عنه، والله لا يقبل من أحد دينًا إلا الإسلام، ولا يغفر الشرك والكفر إلا من تدارك نفسه بالتوبة منهما قبل الموت.
٢٦ - إثبات ميثاق الله على النبيين التبشير بمحمد والتصديق به.
стр. 697
٢٧ - الكعبة أول بيت وضع لعبادة الله وحده، ومن دخل الحرم كان آمنًا، ووجوب الحج على من استطاع إليه سبيلًا.
٢٨ - تعنيف الله أهل الكتاب لصدهم عن سبيل الله، ونهيه عن طاعتهم.
٢٩ - حق التقوى: طاعته تعالى وذكره وشكره وتعظيم حرماته وشعائر دينه.
٣٠ - امتنان الله على العرب بتأليف قلوبهم على الإسلام، بعد أن كانوا أعداء تمزقهم الحروب والفتن عبر الأيام.
٣١ - وصية الله هذه الأمة بعدم الفرقة واجتناب الاختلاف، وإقامة منهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٣٢ - من اليهود من آمن برسول الله واستقاموا فاستحقوا من الله الثناء.
٣٣ - الكفر بالله والرسل واليوم الآخر يمنع الكفار من الاستفادة مما بذلوه من الأموال في أعمال الخير والبر.
٣٤ - نهي المؤمنين عن اتخاذ بطانة من المنافقين أو الكافرين، والله يحفظ المؤمنين من كيد المنافقين.
٣٥ - القلة المؤمنة الصابرة، تغلب الكثرة الكافرة الفاجرة.
٣٦ - بدء الخروج إلى معركة أحد، واستعداد الملائكة وآمال النصر، وصلة ذلك اليوم بيوم بدر.
٣٧ - تحذير المؤمنين من الربا وأمرهم بالطاعة.
٣٨ - ذكر ما أصابهم يوم أحد وتعزيتهم، وحثهم على طلب الجنة بذكر شجاعة المجاهدين مع أنبيائهم.
٣٩ - تحذيرهم من إطاعة الكفار، وتأنيبهم لفرارهم عن نبيّهم.
٤٠ - فضح المنافقين والثناء على الشهداء.
٤١ - رعب المشركين وهربهم، لعلمهم بلحوق المؤمنين بهم.
٤٢ - إخلاف المشركين موعدهم ببدر، وحضور المؤمنين ورجوعهم بنعمة الله.
٤٣ - البخل بزكاة المال شر مستطير، ويمثل كنزه ثعبانًا يأخذ بشدقي صاحبه يوم القيامة.
стр. 698
٤٤ - تطاول اليهود وافتراؤهم بقولهم: الله فقير وهم أغنياء، وسيلقون وبال ذلك عليهم.
٤٥ - الموت حق على كل نفس، وإنما السعيد من زحزح عن النار وأدخل الجنة، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
٤٦ - تهديد أهل الكتاب لكتمانهم نبوته ﷺ ، وتحذير علماء هذه الأمة من كتم العلم.
٤٧ - المخلوقات في السماء والأرض دالة لأهل العقول على الخلَّاق العظيم، والتفكر في خلق السماوات والأرض يورث الإيمان واليقين.
٤٨ - الإيذاء في الله، والهجرة إليه، جزاؤه الجنة. والمؤمن لا يغتر بما عليه أهل الكفر من الترف فالعاقبة للمتقين ولهم تمام المنة.
٤٩ - من آمن من أهل الكتاب بنبيّه ثم أدرك محمدًا ﷺ وآمن به فله أجران.
٥٠ - دعوة المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والرباط ولزوم منهاج التقوى ليحظوا بالنصر والفلاح.
стр. 699
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ٤. قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾.
في هذه الآيات: توحيد الله العظيم، وانتصار لقرآنه الكريم، المصدق للتوراة والإنجيل، وفيه كالكتب التي قبله هدى للعالمين، وهو الفرقان بين الحق والباطل، والناسخ لكل الشرائع قبله، والكافرون لهم عذاب أليم.
أما ﴿الم﴾ فهي تفيد الإعجاز، كما مضى في أول سورة البقرة.
وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ - قد بسطنا معناه أثناء تفسير آية الكرسي.
وقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ خطاب للرسول ﷺ ، بأن القرآن منزّل من عند الله كالكتب التي قبله. قال ابن جرير: (بالحق: يعني بالصدق فيما اختلف فيه أهل التوراة والإنجيل، وفيما خالفك فيه محاجّوك من نصارى أهل نجران وسائر أهل الشرك غيرهم).
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْه﴾. قال مجاهد: (لما قبله من كتاب أو رسول).
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾. قال قتادة: (هما كتابان أنزلهما الله، فيهما بيانٌ من الله، وعصمةٌ من أخذ به وصدّق به، وعمل بما فيه).
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ فيه تأويلان:
١ - قال محمد بن جعفر بن الزيير: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، أي: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره) واختاره ابن جرير.
стр. 700
٢ - قال قتادة: (هو القرآن، أنزله على محمد، وفرّق به بين الحق والباطل، فأحلّ فيه حلاله وحرّم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحذ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبيّن فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته).
قلت: ولا شك أن الفرقان من أسماء القرآن الكريم، وبه يفرق الله بين الحق والباطل.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: (أي: إن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها).
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق أن صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله ﷺ بالمدينة في ستين راكبًا، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلًا، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: العاقب أميرُ القوم وذو آرائهم واسمه عبد المسيح، والسَّيِّدُ ثِمالهم وصاحب مُجْتَمَعهم واسمه الأيْهم، وأبو حارثة بن عَلْقَمَةَ أخو بني بكر بن وائل أُسقُفْهم وعالمهم، فدخلوا على رسول الله ﷺ إثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحِبَرات جُبَبٌ وأرْدية. فقال أصحاب النبي ﷺ : ما رأينا وفدًا مثلهم جَمالًا وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي ﷺ إلى المَشْرِق. فقال النبي ﷺ : دَعُوهم. ثم أقاموا بها أيامًا يُناظرون رسول الله ﷺ في عيسى ويزعمون أنه ابن الله، إلى غير دْلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول الله ﷺ يردّ عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صَدْر هذه السورة إلى نَيِّف وثمانين آية، إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة (١).
٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عباده أنه يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في السماوات
стр. 701
وما في الأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
قال قتادة: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قادر والله ربُّنا أن يصوِّرَ عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام).
وفى الآية تعريض بل تصريح أن عيسى بن مريم عبد مخلوق كغيره من سائر البشر.
قال الربيع: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، أي: أنه صوّر عيسى في الرحم كيف شاء). والمقصود: كيف يكون إلهًا كما زعمت النصارى وقد تقلّب في الأحشاء، وتنقّل من حال إلى حال.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. تأكيد وتنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تجوز الألوهة لغَيره، وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا. قال الربيع: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره).
٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾.
في هذه الآيات: يبين سبحانه لعباده أن في القرآن آيات محكمات، هن أمّ الكتاب، أي: أصله وثوابته، فإليها المرجع عند التحاكم، وآيات أخرى تحتمل التأويل، فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم، وإنما منهج المؤمنين أهل العلم برد المتشابه إلى المحكم لفهمه استنادًا إلى ثوابت الدين ومقاصده وأركانه وقواعده، وسؤال الله الثبات على الحق والهداية والبعد عن الزيغ والفتن، والنجاة يوم يجمع الله عباده ويفصل بينهم، إنه الحق ووعده الحق وهو أرحم الراحمين.
стр. 702
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: [تلا رسول الله ﷺ ، هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم] (١).
وفي لفظ لأحمد: (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله، فاحذروهم) (٢). وفي لفظ عند الترمذي: (فإذا رَأَيْتيهم فاعْرِفيهم).
وقد ورد في تفسير المحكم والمتشابه أقوال متقاربة، منها:
١ - قال ابن عباس: (المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وأحكامه، وما يُؤمر به ويُعمل به). وقال: (المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ والآيات بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى ثلاث آيات بعدها).
٢ - قال سعيد بن جبير: (﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: أصل الكتاب، وإنما سماهنَّ أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب). وقال مقاتل بن حيان: (لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن).
٣ - وقال يحيى بن يعمر: (الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام).
٤ - قال قتادة: (المحكمات: الناسخ الذي يعمل به، ما أحلّ الله فيه حلاله وحرّم فيه حرامه، وأما المتشابهات: فالمنسوخ الذي لا يُعمل به ويُؤمن به).
٥ - قال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، فيهن حجّة الرب، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عمّا وضعت عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يُصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق).
٦ - قال مجاهد: (المتشابهات يصدق بعضهن بعضًا). وهذا كما ذكر في تفسير قوله
стр. 703
تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، فالمتشابه الكلام يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين، كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار وحال الفجار، ونحو ذلك. وأما ها هنا فالمتشابه الذي يقابل المحكم.
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. قال مجاهد: (شك). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي: ميل عن الهدى). وقال ابن جريج: (﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، المنافقون). والمقصود: أهل الضلال والخروج عن الحق ومنهاجه إلى سبل الباطل والأهواء والشبهات.
وقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. يعني ما تشابهت ألفاظه وتصرّفت معانيه بوجوه التأويلات، بهدف التلبيس على ضعاف العلم والمعرفة بالدين.
قال ابن عباس: (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون، فلبَّس الله عليهم). وقال مجاهد: (الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ابتغاء تأويله). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، أي: ما تحرّف منه وتصرف، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، ليكون لهم حجة على ما قالوا وشُبْهة). وقال السدي: (يتبعون المنسوخ والناسخ فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعُمل بهذه الأخرى؟ هلّا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نُسخت؟ وما باله يعد العذابَ مَنْ عمل عملًا يعذبه في النار، وفي مكان آخر: مَنْ عمله فإنه لم يُوجب النار).
وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فيه أقوال:
١ - قال السدي: (إرادة الشرك).
٢ - قال مجاهد: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الشبهات، بها أُهلكوا). أو قال: (والشبهات ما أهلكوا به).
٣ - قال محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، أي: اللَّبْس). واختاره ابن جرير مع ما قبله. قال الحافظ ابن كثير: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجّة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وغير ذلك من
стр. 704
الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْقٌ من مخلوقات الله، وعبدٌ، ورسولٌ من رسل الله).
وقوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. يعني: ابتغاء تحريفه على ما يريدون. وقال السدي: (يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن). أو قال: (متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ). والمقصود: أنهم يريدون بذلك ما يوافق أهواءهم.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فيه معنيان:
الأول: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه من الحقائق الغيبية.
كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وكقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. والمقصود: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد.
فبمثل هذه الحقائق التي لا يعلم حقيقة كنهها وظهورها إلا الله، فالوقف هنا على لفظ الجلالة، ثم يستأنف القول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
يروي ابن جرير بسنده عن هشام بن عروة قال: (كان أبي يقول في هذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز يقول: (انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾).
أخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ قال: [إن القرآن لم ينزل ليكذّب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به] (١).
الثاني: التأويل بمعنى التفسير والبيان والإيضاح.
كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] والمراد بتفسيره. وهذا التعبير عن فهم الآيات مما يعلمه الراسخون في العلم، فهم يدركون فهم ما خوطبوا به، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. وهنا يسوغ الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.
стр. 705
قال ابن عباس: (التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يُعْذَرُ أحدٌ في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله .
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارَؤون، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تُكذِّبوا بعضه بعضًا، فما علِمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه] (١).
وفي المسند عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر - قالها ثلاثًا - ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه] (٢).
وروى ابن جرير بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: (أنا ممن يعلم تأويله).
وقال مجاهد: (يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به). وقال الضحاك: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، قال: المحكم والمتشابه).
وقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قال الربيع: (يقولون: المحكم والمتشابه من عند ربنا).
أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: [كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا] (٣).
وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال ابن جرير: (وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به، إلا أولوا العقول والنهى).
ثم روى عن محمد بن جعفر بن الزبير: (وما يذكر في مثل هذا، يعني: في ردّ