← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وما في الأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك. قال قتادة: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قادر والله ربُّنا أن يصوِّرَ عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام). وفى الآية تعريض بل تصريح أن عيسى بن مريم عبد مخلوق كغيره من سائر البشر. قال الربيع: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، أي: أنه صوّر عيسى في الرحم كيف شاء). والمقصود: كيف يكون إلهًا كما زعمت النصارى وقد تقلّب في الأحشاء، وتنقّل من حال إلى حال. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. تأكيد وتنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ندّ أو مِثل، أو أن تجوز الألوهة لغَيره، وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا. قال الربيع: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، يقول: عزيز في نقمته، حكيم في أمره). ٧ - ٩. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾. في هذه الآيات: يبين سبحانه لعباده أن في القرآن آيات محكمات، هن أمّ الكتاب، أي: أصله وثوابته، فإليها المرجع عند التحاكم، وآيات أخرى تحتمل التأويل، فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم، وإنما منهج المؤمنين أهل العلم برد المتشابه إلى المحكم لفهمه استنادًا إلى ثوابت الدين ومقاصده وأركانه وقواعده، وسؤال الله الثبات على الحق والهداية والبعد عن الزيغ والفتن، والنجاة يوم يجمع الله عباده ويفصل بينهم، إنه الحق ووعده الحق وهو أرحم الراحمين.

стр. 702

أخرج البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: [تلا رسول الله ﷺ ، هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ : فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم] (١). وفي لفظ لأحمد: (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله، فاحذروهم) (٢). وفي لفظ عند الترمذي: (فإذا رَأَيْتيهم فاعْرِفيهم). وقد ورد في تفسير المحكم والمتشابه أقوال متقاربة، منها: ١ - قال ابن عباس: (المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وأحكامه، وما يُؤمر به ويُعمل به). وقال: (المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ والآيات بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى ثلاث آيات بعدها). ٢ - قال سعيد بن جبير: (﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: أصل الكتاب، وإنما سماهنَّ أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب). وقال مقاتل بن حيان: (لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن). ٣ - وقال يحيى بن يعمر: (الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام). ٤ - قال قتادة: (المحكمات: الناسخ الذي يعمل به، ما أحلّ الله فيه حلاله وحرّم فيه حرامه، وأما المتشابهات: فالمنسوخ الذي لا يُعمل به ويُؤمن به). ٥ - قال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، فيهن حجّة الرب، وعصمةُ العباد، ودفعُ الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عمّا وضعت عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يُصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق). ٦ - قال مجاهد: (المتشابهات يصدق بعضهن بعضًا). وهذا كما ذكر في تفسير قوله

стр. 703

تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، فالمتشابه الكلام يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين، كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار وحال الفجار، ونحو ذلك. وأما ها هنا فالمتشابه الذي يقابل المحكم. وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. قال مجاهد: (شك). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي: ميل عن الهدى). وقال ابن جريج: (﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، المنافقون). والمقصود: أهل الضلال والخروج عن الحق ومنهاجه إلى سبل الباطل والأهواء والشبهات. وقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾. يعني ما تشابهت ألفاظه وتصرّفت معانيه بوجوه التأويلات، بهدف التلبيس على ضعاف العلم والمعرفة بالدين. قال ابن عباس: (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبِّسون، فلبَّس الله عليهم). وقال مجاهد: (الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه ابتغاء تأويله). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، أي: ما تحرّف منه وتصرف، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، ليكون لهم حجة على ما قالوا وشُبْهة). وقال السدي: (يتبعون المنسوخ والناسخ فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعُمل بهذه الأخرى؟ هلّا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نُسخت؟ وما باله يعد العذابَ مَنْ عمل عملًا يعذبه في النار، وفي مكان آخر: مَنْ عمله فإنه لم يُوجب النار). وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فيه أقوال: ١ - قال السدي: (إرادة الشرك). ٢ - قال مجاهد: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الشبهات، بها أُهلكوا). أو قال: (والشبهات ما أهلكوا به). ٣ - قال محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، أي: اللَّبْس). واختاره ابن جرير مع ما قبله. قال الحافظ ابن كثير: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجّة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وغير ذلك من

стр. 704

الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْقٌ من مخلوقات الله، وعبدٌ، ورسولٌ من رسل الله). وقوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. يعني: ابتغاء تحريفه على ما يريدون. وقال السدي: (يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن). أو قال: (متى يأتي الناسخ منه فينسخ المنسوخ). والمقصود: أنهم يريدون بذلك ما يوافق أهواءهم. وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فيه معنيان: الأول: التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يؤول أمره إليه من الحقائق الغيبية. كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وكقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. والمقصود: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد. فبمثل هذه الحقائق التي لا يعلم حقيقة كنهها وظهورها إلا الله، فالوقف هنا على لفظ الجلالة، ثم يستأنف القول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. يروي ابن جرير بسنده عن هشام بن عروة قال: (كان أبي يقول في هذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وكذلك روى عن عمر بن عبد العزيز يقول: (انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾). أخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ قال: [إن القرآن لم ينزل ليكذّب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به] (١). الثاني: التأويل بمعنى التفسير والبيان والإيضاح. كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] والمراد بتفسيره. وهذا التعبير عن فهم الآيات مما يعلمه الراسخون في العلم، فهم يدركون فهم ما خوطبوا به، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه. وهنا يسوغ الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾.

стр. 705

قال ابن عباس: (التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يُعْذَرُ أحدٌ في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله . أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارَؤون، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تُكذِّبوا بعضه بعضًا، فما علِمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه] (١). وفي المسند عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر - قالها ثلاثًا - ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه] (٢). وروى ابن جرير بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: (أنا ممن يعلم تأويله). وقال مجاهد: (يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به). وقال الضحاك: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، قال: المحكم والمتشابه). وقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. قال الربيع: (يقولون: المحكم والمتشابه من عند ربنا). أخرج الحاكم بسند صحيح عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: [كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال. فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا] (٣). وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال ابن جرير: (وما يتذكر ويتعظ وينزجر عن أن يقول في متشابه آي كتاب الله ما لا علم له به، إلا أولوا العقول والنهى). ثم روى عن محمد بن جعفر بن الزبير: (وما يذكر في مثل هذا، يعني: في ردّ

стр. 706

تأويل المتشابه إلى ما قد عرف من تأويل المحكم، حتى يتسقا على معنى واحد، ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾). وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. أى: لا تصرفها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه إلى الضلال والهوى. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تقوي بها إيمان قلوبنا، فلا تهتز أمام الفتن، ولا تضعف أمام الشهوات. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. يعني: المعطي، فالثبات والتوفيق والسداد والتصديق بيده سبحانه يهب من ذلك من يشاء. أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أم سلمة: [أن رسول الله ﷺ كان يُكثر في دعائه: اللهم مُقَلِّبَ القلوب، ثبت قلبي على دينك. قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلّب؟ قال: نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أُصبعين من أصابع الله ، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه] (١). وله شاهد عند ابن جرير عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان يقول: [يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. ثم قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢). وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم. قال القرطبي: (وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة. قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي عَلِمه الراسخون وأقرّوا به، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه). ١٠ - ١١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ في هذه الآيات: يخبر الله سبحانه عن مصير من جحد الحق بعدما تبيّن من أمر نبوة محمد ﷺ ، من يهود بني إسرائيل ومنافقيهم ومنافقي العرب وكفارهم، وأن ما أوتوه

стр. 707

في هذه الحياة الدنيا من أموال وبنين ليس بدافع عنهم عذاب الله يوم القيامة، كما لم يدفع ذلك عن فرعون وقومه والطغاة من قبله. وفى التنزيل: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]. وقد أخبر النبي ﷺ عن مصير بعض المرائين المنافقين من هذه الأمة الذين اتخذوا القرآن وسيلة للكبر والغرور ومصالح الدنيا، بمثل ما أخبر عن الجاحدين السابقين. فقد أخرج الطبراني في الكبير بسند حسن عن أم الفضل: [أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة، فقال: "هل بلّغت"، يقولها ثلاثًا - فقام عمر بن الخطاب وكان أواهًا، فقال: اللهم نعم، وحَرَصتَ، وجَهِدتَ، ونصحْتَ، فاصبر. فقال النبي ﷺ : ليظهَرَنّ الإيمان حتى يُرَدَّ الكفر إلى مواطنه، وليخوضَنّ رجالٌ البحار بالإسلام، وليأتينّ على الناس زمانٌ يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا، وقد علمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير. قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: أولئك منكم وأولئك هم وقود النار] (١). وقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال السدي: (ذكر الذين كفروا وأفعال تكذيبهم، كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب). والدأب: المثابرة في العمل والتعب فيه، ثم استخدمته العرب في الشأن والأمر والعادة. قال الربيع: (﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، يقول: كسنتهم). وقال الضحاك: (كعمل آل فرعون). وقال مجاهد: (كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون). وقال ابن عباس: (كصنع آل فرعون). والمقصود أن الكافرين لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون والأمم المكذبة قبلهم، فإن الله ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والأخذ والعذاب لمن سلك طريقتهم. ١٢ - ١٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ

стр. 708

اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾. في هذه الآيات: قل يا محمد للذين كفروا - من اليهود والمشركين - ستغلبون في الدنيا وتحشرون إلى جهنم يوم القيامة. فقد كان لكم عبرة وتفكر في فرقتين التقتا للحرب: فرقة الإيمان يوم بدر، وفرقة الكفر التي تظهر للعين مثلي قوة المسلمين، ومع ذلك فقد نصر الله المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار. أخرج ابن هشام وابن جرير بسند مرسل عن عاصم بن عمر بن قتادة: [أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يُصيبكم الله بما أصاب قريشًا. فقالوا: يا محمد لا يغُرنَّك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾] (١). وروى ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: (قال فِنْحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرَّن محمدًا أن غلب قريشًا وقتلهم! إن قريشًا لا تُحسنُ القتال، فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾). وعن مجاهد: (﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، قال: بئسما مَهدُوا لأنفسهم). وقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾. قال قتادة: (عبرة وتفكر). ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ يعني فرقتين وحزبين، ﴿الْتَقَتَا﴾ للحرب. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هم رسول الله ﷺ ومن كان معه ممن شهدَ يوم بدر. ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش. قال مجاهد: (ذلك يوم بدر، التقى المسلمون والكفار).

стр. 709

وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ فيه تأويلان بناء على قراءتين: القراءة الأولى: قراءة أهل المدينة "ترونهم". والمعنى: ترون أيها اليهود المشركين مِثْلي المسلمين رأي العين، ومع ذلك نصر الله المؤمنين لتعتبروا. القراءة الثانية: قراءة أهل الكوفة والبصرة وبعض المكيين: "يرونهم مثليهم". أي يرى المسلمون الكفار مثليهم في القدر. وهذه القراءة الأشهر. وفي الواقع كان المشركون أكثر من ذلك، كما في المسند وسنن أبي داود من حديث علي - في يوم بدر -: [قال: ثم إن النبي ﷺ سأله: كم ينحرون من الجزر؟ قال: عشر كل يوم، فقال رسول الله ﷺ : القوم ألف كل جزور لمئة ونيفها] (١). ورواه ابن إسحاق بلفظ: [قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا، فقال رسول الله ﷺ : القوم ما بين التسع مئة والألف] (٢). وأما وجه الجمع بين ذلك وبين قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. فالجواب - كما ذكر الحافظ ابن كثير - أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى. فقد أخرج ابن جبير عن السدي عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، قال: (هذا يوم بدر. قد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضْعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قول الله : ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾). وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: (لقد قُلِّلُوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة. قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا). فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي: أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، . ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب

стр. 710

والخوف والجزع والهلع. ثم لما حصل التصافُّ والتقى الفريقان، قلّلَ الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، لِيُقْدِمَ كل منهما على الآخر ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليفرّق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وقال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله، وقَدَره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد (١). ١٤ - ١٥. قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ في هذه الآيات: أخبر سبحانه عن أنواع الملاذ التي جعلها في هذه الحياة الدنيا نعمة وفتنة لبني آدم، من النساء والولد والمال والخيل والأنعام والأرض، فإن استمتع بها في طاعة الله ووجهها لإعلاء كلمته كان ذلك سعادة له في الدارين، وما عند الله خير وأبقى. فبدأ بالنساء، لأنهن أشد فتنة على الرجال من سائر الملذات الأخرى. وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : [ما تَرَكْتُ بعدي فتنة، هي أضَرُّ، على الرجال، من النساء] (٢).

стр. 711

وفي لفظ: [ما تَرَكْتُ بعدي في الناس، فِتْنةٌ أضَرَّ على الرجال من النساء]. الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن ابن عباس قال: قال محمدٌ ﷺ : [اطلعت في الجنة فرأيت أكثرَ أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء] (١). وله شاهد عنده من حديث عِمرانَ بن حُصَيْن، أن رسول الله ﷺ قال: [إنَّ أقل ساكني الجنة النساء]. الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فيها، فَيَنْظُرُ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أوّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء] (٢). وأما إن كان القصد الزواج والإكثار من الذرية الصالحة وحصول الإعفاف بهن فهذا أمر قد ندب إليه الشرع في أحاديث، منها: الحديث الرابع: أخرج الإمام البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابنُ عَبّاس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: [فتزوَّج فإن خيرَ هذه الأمة أكثرُها نساء] (٣). الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: [الدنيا متاعٌ وخيرُ متاع الدنيا المرأة الصالحة] (٤). الحديث السادس: أخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ قال: [خير النساء التي تسره إذا نظر، وتُطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالِها بما يكره] (٥). وله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن سلام بلفظ:

стр. 712

[خير النساء مَنْ تُسِرُّكَ إذا أبْصَرْتَ، وتُطيعكَ إذا أَمَرْتَ، وتَحْفَظُ غَيْبَتَكَ في نفسها ومالك] (١). الحديث السابع: أخرج النسائي وأحمد بسند حسن، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [حُبِّبَ إليَّ من دُنياكم: النساء والطيب، وجُعلتْ قرّةُ عيني في الصلاة] (٢). الحديث الثامن: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث أنس، قال رسول الله ﷺ : [تزوجوا الودودَ الولودَ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة] (٣). وله شاهد عند البيهقي من حديث أبي أمامة بلفظ: [تزوجوا فإني مكاثرٌ بكمُ الأممَ، ولا تكونوا كرهبانية النصارى]. وقوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾. قال الضحاك: (يعني المال الكثير من الذهب والفضة). وقوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ فيه أقوال: ١ - قال سعيد بن جبير: (الراعية، التي ترعى). وقال الحسن: (المسرَّحة في الرعي). ٢ - قال مجاهد: (﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: المطهَّمة). أو قال: (المطهّمة الحسان). وقال عكرمة: (تسويمها: حُسنها). وقال السدي: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ﴾، الرائعة). واختاره ابن جرير. ٣ - قال ابن عباس: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، يعني المعلَمة). وقال قتادة: (وسيماها شِيَتُها). وقال قتادة: (شِيَةُ الخيل في وجوهها). ٤ - قال ابن زيد: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: المعدّة للجهاد). والظاهر أن الراجح ما ذهب إليه ابن جرير من أن الخيل المسومة هي المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها. والمطهمة والمعلمة والرائعة هي معان

стр. 713

متقاربة. ويدُل على هذا أن السياق في الآية يقتضي المدح وحسن الوصف لهذه الخيول التي جعلت من الزينة التي يحبها الناس في الحياة الدنيا. وقوله: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾. يعني: الإبل والبقر والغنم، فهي ثروة في كل زمان، وللناس ميل إليها لمنافعها الكثيرة في الطعام والشراب واللباس والركوب. وقوله: ﴿وَالْحَرْثِ﴾. يعني الأرض المتخذة للزرع والغرس وما ينتج عن ذلك من زينة ومصالح واستمتاع. وفي مسند الإمام أحمد بسند حسن عن سُويد بن هُبيرة، عن النبي ﷺ قال: [خيرُ مال امرئ له مُهْرَةٌ مأمورة، أو سِكّةٌ مأبورة] (١). والمأمورة: الكثيرة النَّسلِ، والسِّكَّةُ: النخل المصطف، والمأبورة: المُلْقَحَة. وفي المسند وجامع الترمذي بسند صحيح عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: [خيرُ الخيلِ الأدهمُ، الأقرَحُ الأرثمُ، المحجَّلُ ثلاثٌ، مطلَقُ اليمين، فإن لم يكن أدْهَمَ فَكُمَيْتٌ على هذه الشِّية] (٢). الأدهم: أي الأسود. والأقرح: ما كان في جبهته قرحة، وهو بياض يسير دون الغرة، والمحجل: الذي في قوائمه بياض. الأرثم: الذي أنفه أبيض وشفته العليا. مطلق اليمين: أي يده اليمنى ليس فيها تحجيل. (فكميت) هو الذي لونه بين السواد والحمرة. والشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. وفي جامع الترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [يُمْنُ الخَيْلِ في الشُّقْرِ] (٣). وقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. أي: كل ذلك مما يُستمتع به في هذه الدنيا الفانية ويحرص عليه الناس لقضاء شهواتهم، وقليلٌ مَنْ يَصْرِفُهُ في طاعة الله والتقوي على إقامة دينه في الأرض.

стр. 714

قال عمر: (تمعْدَدوا (١) واخْشَوشِنوا واقطعوا الرّكُبَ (٢) وثبوا على الخيل وَثْبًا لا تغلبنّكم عليها رعاة الإبل). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. أي حسن المنقلب، وهي الجنة. وقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. أي: قل يا محمد للناس: هل أخبركم عن بديل هذه الزينة الزائلة التي سترحلون عنها بين عشية وضحاها، إنه هذا النعيم الخالد في جنات الله المستقرة التي تَتَخَرَّقُ الأنهار بين جوانبها وأرجائها وتحت أشجارها وثمارها، والتي فيها ما لذّ وطاب من كل بهجة وسرور، وشراب من لبن وعسل وماء وخمور، ولطيف العيش في جوار النساء الحور، فهن ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الدنس والخبث والأذى، والحيض والنفاس وما يعتري نساء الدنيا من الأمور، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فهو غاية سعادة الدنيا والآخرة، أن يحظى المؤمن برضوان ربه فلا يسخط عليه بعده أبدًا. وفي التنزيل: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. أي: أكبر من كل سعادة ولذة. أخرج الحاكم وابن حبان بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله : هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا وما فوق ما أعطيتنا؟ قال: فيقول: رضواني أكبر] (٣). وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ قال القرطبي: (وعد ووعيد). ١٦ - ١٧. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا

стр. 715

وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾. في هذه الآيات: نَعْتٌ للمتقين أهل السعادة في الدارين. فهم يقولون: ربنا إننا صدّقنا بك وبنبيك وما جاء من عندك، فاستر علينا ذنوبنا، بعفوك عنها، وتجاوزك عن عقوبتنا عليها، وادفع عنا عذاب النار فنجنا منها إلى دار الخلود والنعيم. وهم الصابرون، والصادقون، والقانتون، والمنفقون أموالهم في طاعة الله، والمستغفرون بالأسحار. وعن قتادة: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ﴾. "الصادقين" قوم صدقت أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السرّ والعلانية، و ﴿الصَّابِرِينَ﴾ قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه، والقانتون هم المطيعون لله). وأما ﴿المنفقون﴾ فهم الباذلون من أموالهم في ألوان الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، ومواساة ذي الحاجات، وسدّ الخلات، من الزكوات والصدقات. وقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. قال قتادة: (هم أصل الصلاة. قال: يصلون بالأسحار). وقال زيد بن أسلم: (هم الذين يشهدون الصبح). قال ابن جرير: (هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها). وقال: (وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرّضُهم لمغفرته بالعمل والصلاة. غير أن أظهر معانيه ما ذكرناه من الدعاء). قلت: والأسحار: جمع "سَحَر"، وهو وقت مبارك للدعاء والاستغفار والصلاة، وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر ذلك، في أحاديث، نذكر منها: الحديث الأول: يروي البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: [يَنْزِلُ ربنا ﵎ كُلَّ ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخِرُ يقول: مَنْ يدعوني فأستجيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغْفِرَ له] (١).

стр. 716

الحديث الثاني: يروي البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة ﵂ كيف صلاةُ رسول الله ﷺ بالليل؟ قالت: [كان ينامُ أوَّلَهُ ويقومُ آخِرَهُ فيصلّي، ثم يرجع إلى فراشه، فإذا أذَّنَ المؤذن وَثَبَ، فإن كانَتْ به حاجةٌ اغتسل وإلا توضأ وخرج] (١) قال البخاري: (وقال سلمانُ لأبي الدرداء ﵄: نَمْ، فلما كان من آخِر الليل قال: قمْ، قال النبي ﷺ : صدقَ سلمان). الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عمرو بن عبسة، عن النبي ﷺ قال: [أقرب ما يكونُ الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن] (٢). الحديث الرابع: أخرج الشيخان وأحمد وأصحاب السنن عن عائشة ﵂ قالت: [مِن كُلِّ الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السَّحَر] (٣). وروى ابن أبي حاتم عن نافع قال: (وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح). وروى ابن جرير بسنده عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: (سمعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربِّ أمرتني فأطعتك، وهذا سحرٌ فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود ﵁. ١٨ - ٢٠. قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ

стр. 717

بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾. في هذه الآيات: شهد الله سبحانه أنه المتفرد بالإلهية، الغني عما سواه، وأن جميع الخلق عبيد محتاجون لرحمته. وأن الدين عنده هو الإسلام، ومن ابتغى غيره فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. قال السدي: (﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ إلى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، قال: الله يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس: أنَّ الدين عند الله الإسلام). وقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾. خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام، وبيان لفضل أهل العلم، ومكانة العلم والعلماء. وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ في محل نصب على الحال، قال مجاهد: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل). والمقصود أنه سبحانه هو الذي يلي العدل بين خلقه. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تأكيد لما سبق من تفرده سبحانه بالألوهية وكمال التعظيم، وهو العزيز في كبريائه وعظمته، فلا يرام جَنابُه، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. إخبار منه سبحانه أنه لا يقبل من أحد إلا الإسلام، كما قال جل ذكره: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال قتادة: (﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، والإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به). وقال أبو العالية: (الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تَبَعٌ).

стр. 718

وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. قال الربيع: قال أبو العالية: (إلا من بعد ما جاءهم الكتاب والعلم، بغيًا على الدنيا، وطلبَ ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضًا على الدنيا، من بعد ما كانوا علماءَ الناس). وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. أي: سريع الإحصاء. قال مجاهد: (إحصاؤه عليهم). وقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. قال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: بما يأتونك به من الباطل، من قولهم: "خلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا"، فإنما هي شبه باطلة قد عرفوا ما فيها من الحق، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾). وقال ابن جرير فيها: (فإن حاجَّك، يا محمد، النفر من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي، وإنما خصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه). وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي. وأسلم من اتبعني أيضًا وجهه لله معي. وقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾. يعني: وقل يا محمد لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، والأميين: الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، هل أسلمتم وأفردتم التوحيد والتعظيم لله سبحانه وتركتم الأوثان والأنداد فكفرتم بها، فإن انقادوا لذلك فقد أصابوا سبيل الحق والمؤمنين، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. يعني: إن أعرضوا فقد أعذرت من أنذرت والله يتولى الأمر، فيعلم من يستحق الهداية ممن يستحق الغواية والضلال. فائدة: هذه الآية تشير إلى عموم دعوته ﷺ إلى سائر الأمم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.

стр. 719

وقد حفلت السنة الصحيحة بذلك المعنى في أحاديث، منها: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به، إلا كان من أصحاب النار] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم، واللفظ له، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : [أُعطيت خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحدٌ قبلي: كان كُلُّ نَبيٍّ يُبْعثُ إلى قومه خاصة، وَبُعِثْتُ إلى كلِّ أحمرَ وأسودَ. وأُحِلَّتْ لِيَ الغنائمُ، ولم تُحَلَّ لأحدٍ قبلي. وجُعِلتْ لي الأرضُ طيبةً طهورًا ومسجدًا، فَأيُّما رَجُلٍ أدركتْهُ الصلاةُ صلّى حيث كان، ونُصِرْتُ بالرعب بين يَديْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وأعطيت الشفاعة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [فُضِّلْتُ على الأنبياء بِسِتٍّ: أُعطيت جوامِعَ الكلم، ونُصِرْتُ بالرُّعْب، وأُحِلَّتْ لي المغانم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومَسْجدًا، وأُرسِلْتُ إلى الخلق كافة، وَخُتِمَ بي النبيون] (٣). الحديث الرابع: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أنس ﵁: [أن غلامًا يهوديًّا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نَعْلَيه، فَمَرِضَ فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي ﷺ : يا فلان، قل: لا إله إلا الله. فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أخرجه بي من النار] (٤). ٢١ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ

стр. 720

حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾. في هذه الآيات: إن الكفرة الذين جمعوا إلى كفرهم بآيات الله قتل الأنبياء والعلماء والصالحين لهم عذاب أليم. فهم الذين أحبط الله أعمالهم في الدارين، وما لهم من أولياء ولا ناصرين. يروي ابن جرير بسنده عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: (ثم جمع أهل الكتابين جميعًا، وذكر ما أحدثوا وابتدعوا، من اليهود والنصارى، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾). فالآية ذمٌّ لأهل الكتاب فيما صدر منهم من اجتراح للمحارم وارتكاب للآثام، ومن أشد ذلك قتلهم النبيين بغير حق. أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: [أشد الناس عذابًا يوم القيامة: رجل قتله نبي، أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين] (١). ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" بلفظ: [أشد الناس عذابًا يومَ القيامة رجلٌ قتلَ نبيًّا أو قتله نبيٌّ، أو رجلٌ يضلُّ الناس بغير علم، أو مصور يصوّر التماثيل]. وقوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. قال قتادة: (هؤلاء أهل الكتاب، كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكِّرونهم، فيقتلونهم). وهذا شأن الطغاة على مدار الزمان، يرون في رجال الحق مصدر قلق عليهم، وموضع ضرر على شهواتهم وكبرهم في الأرض، فيقتلونهم لئلا يكشف أمرهم وينفض الناس عنهم، وهذا هو غاية البغي والكبر والعلو في الأرض بالظلم.

стр. 721

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كِبر. قال رجل: إن الرجل يحبُّ أن يكون ثوبُه حسنًا، ونَعْلُهُ حسنةً. قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ: بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس] (١). وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. فقابلهم الله بكبرهم وطغيانهم أن هيأ لهم عذابًا موجعًا بعد أن أحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة، ولا سبيل لهم إلى النجاة من عذابه وعقابه. ٢٣ - ٢٥. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾. في هذه الآيات: فَضْحُ سبيل اليهود في كذبهم، وتأكيد عذاب النار الواقع بهم. قال قتادة: (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، الآية، قال: هم اليهود، دُعوا إلى كتاب الله وإلى نبيه، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم، ثم يتولون وهم معرضون). وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. قال الربيع: (قالوا لن نعذب في النار إلا أربعين يومًا. قال: يعني اليهود. وقال: هي الأيام التي نصبوا فيها العجل). وقال قتادة: (قالوا: لن تمسنا النار إلا تحلة القسم التي نصبنا فيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا، قال الله : ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أي قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾). وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد سقطوا

стр. 722

في قبضة العدل، لينالوا نصيبهم لقاء كذبهم وظلمهم وقتلهم للأنبياء والمؤمنين، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ٢٦ - ٢٧. قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾. في هذه الآيات: إثبات الملك كله لله، وأن العطاء والمنع بيد الله، فهو المعزّ المُذِلّ مولج الليل في النهار والنهار في الليل، وهو المحيي والمميت والرزاق بغير حساب. فقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد، مقدسًا ربك معظمًا له ولقدرته في جبروته. يروي ابن جرير بسنده عن محمد بن جعفر بن الزبير: (قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، أي: ربَّ العباد الملكَ، لا يقضي فيهم غيرك). والمعنى: الملك كله بيد الله، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويأتي بملوك بعد ملوك. أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [لا تسبوا الدهر، فإن الله قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك] (١). وفي لفظ لمسلم: [قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما]. وأخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، من حديث عُبيد الله بن رُفاعة عن أبيه قال: [لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ : استووا حتى أثني على ربي، فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسطَ لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت،

стр. 723

ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، .... ] الحديث (١). وقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾. أي: بإعطائه الملك والسلطان، وبسط القدرة له، أو بسلبه الملك وتسليط العدو والذل عليه. وجاء في قنوت الوتر الذي علمه رسول الله ﷺ الحسن بن علي ﵁: [وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت]. أخرجه ابن خزيمة بسند صحيح. وفي المسند وصحيح ابن حبان عن المقداد بن الأسود، عن النبي ﷺ قال: [ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عِزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل به الكفر] (٢). وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يعني: إن ذلك بيدك لا إلى غيرك، إذ لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. وقوله: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾. أي: تزيد في طول هذا وتنقص من طول هذا فيعتدلان، على مدار السنة في الفصول الأربعة. قال ابن عباس: (ما نقص من النهار يجعله في الليل، وما نقص من الليل يجعله في النهار). وقال قتادة: (هو نقصان أحدهما في الآخر). وقال الضحاك: (يعني أنه يأخذها أحدُهما من الآخر، فيكون الليل أحيانًا أطول من النهار، والنهار أحيانًا أطول من الليل). وقال ابن زيد: (هذا طويل وهذا قصير، أخذ من هذا فأولجه في هذا، حتى صار هذا طويلًا وهذا قصيرًا). وقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. يعني: النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيًّا وهي ميتة.

стр. 724

قال مجاهد: (الناس الأحياء من النُّطف والنُّطف ميتة، ويخرجها من الناس الأحياء، والأنعام). وهناك تفاسير أخرى تصب في المعنى: ١ - قال عكرمة: (النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة). وقال: (هي البيضة تخرج من الحي وهي ميتة، ثم يخرج منها الحي). ٢ - قال الحسن: (﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، يعني المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حيُّ الفؤاد، والكافر عبدٌ ميتُ الفؤاد). ٣ - قال ابن زيد: (النطفة ميتة، فتخرج منها أحياء. قال: تخرج النطفة من هؤلاء الأحياء، والحبُّ ميتٌ تخرج منه حبًّا. قال: تخرج من هذا الحيّ حبًا ميتًا). وخلاصة المعنى: تخرج الحياة من النطفة الميتة، وتخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الكائنات والأشياء. وقوله: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. أي: تغدق المال والخير على من تشاء مما لا قدرة على إحصائه، وتقتّر على آخرين كيف شئت، فلك الحكمة الكاملة في القبض والبسط. أخرج الإمام أحمد عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى هو الخالق، القابضُ، الباسطُ، الرازق، المُسَعِّرُ، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحدٌ بمظلمة ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال] (١). ٢٨. قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ

стр. 725

ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾. في هذه الآية: نهي من الله سبحانه المؤمنين أن يتخذوا أعوانًا لهم من الكافرين أو أنصارًا وظهورًا، ومن يفعل ذلك يبرأ من الله . قال ابن عباس: (نهى الله سبحانه المؤمنين أن يُلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفارُ عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم اللُّطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾). قال: (التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان). وقال مجاهد: (إلا مصانعةً في الدنيا ومخالفة). وقال أبو العالية: (التقيَّة باللسان وليس بالعمل). وقال عكرمة: (ما لم يُهرق دم مسلم، وما لم يستحل ماله). قال البخاري: (قال الحسن: التقيَّةُ إلى يوم القيامة). وكذلك حكى البخاري عن أبي الدرداء، أنه قال: (إنا لَنكشرُ في وُجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم). وقال قتادة: (﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، الرحم من المشركين، من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل رحمًا له في المشركين). وقال الحسن فيها: (صاحبهم في الدنيا معروفًا، الرحم وغيره. فأما في الدين فلا). قلت: والأول أظهر، فالرحم يستثنى منه الوالدان بحسن الصحبة مع مخالفة الشرك إذا كانا عليه، والسياق يدل أكثر على المعنى الأول. وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. أي: يخوفكم بطشه وغضبه إن واليتم الكفار. وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. أي لله مرجعكم ومصيركم إذا خرجتم من قبوركم للحساب. ٢٩ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ

стр. 726

مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾. في هذه الآيات: إن الله يعلم السر من عباده وأخفى. ويكشف لكل امرئ يوم الحساب ما ترك لنفسه من العمل وأبقى، والله تعالى يحذر عباده مغبة مخالفة التقوى. قال السدي: (أخبرهم أنه يعلم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾). وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: فكيف يخفى عليه موالاتكم لأعدائه أو ما أخفيتم في صدوركم لهم من الميل والمودة والمحبة، وهو يعلم السر في السماوات والأرض ولا يخفى عليه من ذلك شئ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فلو شاء عاجلكم بالعقوبة على ما ظهر من موالاتكم لأعدائه الكافرين، فانتبهوا وانتهوا. وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. قال قتادة: (موفَّرًا). وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. قال الحسن: (يسر أحدَهم أن لا يلقى عمله ذاك أبدًا، يكون ذلك مُناه. وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذّها). وقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الحسن: (من رأفته بهم أن حذّرهم نفسه). ٣١ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾. في هذه الآيات: إن صدق محبة الله تعالى تعني اتباع نبيّه ﷺ واتخاذه أسوة، فذلك الذي يورث محبة الله عباده ومغفرة ذنوبهم. إن طاعة الله وطاعة رسوله فيهما النجاة كل النجاة، والكافرون لهم عذاب أليم.

стр. 727

قال الحسن البصري: (زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾). والمقصود أن من ادّعى محبة الله تعالى، فالحَكَمُ هو التزامه منهج السيرة النبوية العطرة، والسنة المحمدية المطهرة، وإلا فما أكثر الادعاء والكذب. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ] (١). وفي لفظ: [من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ]. وجاء في الشرح والإبانة (١٥٣) عن الفضيل بن عياض يقول: (أدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة ينهون عن أصحاب البدع). وذكر اللالكائي (١/ ٦٥): قيل لأبي بكر بن عياش (ت ١٩٤ هـ): من السني؟ قال: (الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب إلى شيء منها). وعند الدارمي عن الحسن البصري قال: (فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الأتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا). وجاء في مقدمة صحيح مسلم (١/ ١٥) عن ابن سيرين (ت ١١٠ هـ) يقول: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم). وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. أي ببركة صدق اتباعكم لرسوله ﷺ يتجاوز الله عما مضى من زلاتكم ومعاصيكم، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾. تأكيد للأمر، وبيان لسبيل النجاة. وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. تهديد ووعيد لمن ارتضى غير ذلك. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فيه وصف بالكفر لمخالفة طريق النبوة، والله لا يحب الكفر ولا الكافرين. ٣٣ - ٣٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ

стр. 728

عَلَى الْعَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن المصطفين الأخيار: آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران في ذرية الأبرار. قال قتادة: (ذكر الله أهل بيتين صالحين، ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين، فكان محمدٌ من آل إبراهيم). وقال الحسن: (فضلهم الله على العالمين بالنبوّة، على الناس كلهم، كانوا هم الأنبياء الأتقياء المصطفين لربهم). وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. يعني في الموالاة في الدين وتعظيم الحق. قال قتادة: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له). وفي نصب "ذرية" وجهان أو أكثر، فهي إما منصوبة على الحال، أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. أو هي بدل، والتقدير: اصطفى ذرية بعضها من بعض. أو هي منصوبة على القطع، والتقدير: إن الله اصطفى آل إبراهيم وآل عمران ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. والمراد بعمران والد مريم بنت عمران، أم عيسى بن مريم ﵊. وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن جرير: (يعني بذلك: والله ذُو سمع لقول امرأة عمران، وذو علم بما تضمره في نفسها، إذ نذرت له ما في بطنها محررًا). ٣٥ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾. في هذه الآيات: لجوء أم مريم ﵍ إلى الله تعالى بالدعاء، ليتقبَّل ما في بطنها خالصًا للعبادة وخدمة بيت المقدس، وليعيذ المولودة مريم وذريتها من الشيطان الرجيم. وقوله: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. هي أم مريم ﵍، وهي حنَّةُ بنت فاقوذ جدّة عيسى ﵇. زوجها عمران. قال محمد بن إسحاق: (تزوج زكريا وعمران

стр. 729

أختين، فكانت أمّ يحيى عند زكريا، وكانت أم مريم عند عمران، فهلك عمران وأم مريم حاملٌ بمريم). قال: (وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يومًا طائرًا يَزُقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يَهَبَها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرت أن يكون محررًا أي: خالصًا مفرغًا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾). أي: السميع لدعائي، العليم بنيتي. وقال مجاهد: (﴿مُحَرَّرًا﴾: خادمًا للبِيعة). أو قال: (خادمًا للكنيسة). وقال الشعبي: (جعلته في الكنيسة، وفرّغته للعبادة). وقال الضحاك: (جعلت ولدها لله، وللذين يدرسُون الكتاب ويتعلَّمونه). وقوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ يعني ولدتها. ﴿قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ أي: ولدت النذيرة أنثى. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فيه قراءتان: الأولى: "وضعتُ". والثانية: "وضعتْ" وهي الأشهر عند القراء. وقوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. أي في القوة والخدمة والجَلَد في العبادة والقيام بشؤون المسجد الأقصى. قال ابن إسحاق: (لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى). وقال عكرمة: (﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾: يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال، أمها تقول ذلك). وقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾. قال ابن كثير: (فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق، لأنه شرع من قبلنا، وقد حُكي مقررًا). وقد جاء في السنة الصحيحة ما يؤيد ذلك، في أحاديث: الحديث الأول: روى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أبي، إبراهيمَ ﵇] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ له - من حديث جابر قال: [ولد لرجل منا غلامٌ، فسماه محمدًا، فقال له قومه: لا نَدَعُكَ تُسَمِّيَ باسمِ رسول الله ﷺ ،

стр. 730

فانطلق بابنه حاملَهُ على ظهره، فَأتى به النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، وُلِدَ لي غلامٌ، فَسَمَّيْتُه مُحمّدًا، فقال لي قومي: لا نَدَعُكَ تُسَمِّي باسم رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : تَسَمَّوْا باسمي ولا تَكْتَنُوا بِكُنْيتي، فإنما أنا قاسم، أقسِمُ بينكم] (١). ولفظ البخاري: [يا رسول الله: وُلد لي الليلة وَلَدٌ، فما أسمِّيه؟ قال: أسْمِ ابنك عبد الرحمن]. الحديث الثالث: أخرج الشيخان وأحمد وأبو داود عن أنس بن مالك قال: [ذَهَبْتُ بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله ﷺ حين وُلِدَ، ورسولُ الله ﷺ في عَبَاءة يَهْنَأُ (٢) بعيرًا له، فقال: ها معك تمرٌ؟ فقلت: نعم، فناولته تَمَرات، فألقاهن في فيه، فَلاكَهُنَّ ثم فَغَرَ فا (٣) الصبي فمجَّهُ في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظُهُ، قال رسول الله ﷺ : حُبُّ الأنصار التَّمْرُ. وسمّاه عبدَ الله] (٤). قلت: وأما حديث سَمُرَة بن جُندب: أن رسول الله ﷺ ، قال: [كُلُّ غلام رهين بعقيقته، يُذْبح عنه يوم سابعه، ويُسَمَّى، ويُحْلَقُ رأسه] (٥). فيحمل عندئذ على إشهار الاسم بين الناس إن كان قد سَمّاه. وقوله: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. يعني: إني أجعل مَعاذها ومَعاذ ذريتها من الشيطان الرجيم، بك. فاستجاب الله دعاءها فأعاذها من الشيطان، وأعاذ ذريتها، وهو ولدها عيسى ﵇. ففي الصحيحين والمسند عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من مولود يولَدُ إلا مسّه الشيطان حين يولد، فيستَهِلُّ صارخًا من مَسّه إياه، إلا مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾] (٦).

стр. 731

وفي لفظ: [كُلُّ بني آدم يَطْعُن الشيطان في جنبه حين تَلِدُه أمُّهُ، إلا عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعَنَ في الحجاب] (١). ٣٧. قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾. في هذه الآية: تقبُّل الله تعالى مريم وكفالة زكريا لها، وَبَسْطُ الله الرزق لها بغير حساب. قال ابن جريج: (تقبل من أمها ما أرادت بها للكنيسة، وأجرَها فيها، ﴿وَأَنْبَتَهَا﴾، قال: نبتت في غذاء الله). قال ابن كثير: (﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويَسَّرَ لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده، تتعلم منهم العلم والخير والدين). وقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾. أي جعله كافلًا لها. وكان زوج خالتها. قال ابن إسحاق: (وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة). فقدّر الله كون زكريا كفلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جَمًّا نافعًا وعملًا صالحًا. وقد جاء في حديث الإسراء: [فإذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة] رواه مسلم. وكذلك ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى في عُمَارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: [الخالة بمنزلة الأم] (٢). وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. إخبار من الله عن تولّيه لها بالكرامة وحسن الضيافة والرعاية، وعن سيادتها وجلالتها في محلّ عبادتها. قال مجاهد: (وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف). وقال قتادة: (وجد عندها ثمرة في غير زمانها). وقوله: ﴿قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. أي: من أي وجه لك هذا الرزق؟ ! .

стр. 732

فقالت مجيبة له: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، الذي ساقه لها وأنعم به وتكرّم عليها. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. خبرٌ من الله أنه يسوق الرزق إلى من يشاء من عباده بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبده، فعنده خزائن السماوات والأرض. ٣٨ - ٤١. قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. في هذه الآيات: طمع زكريا ﵇ حين رأى ما رأى من كرم الله على مريم من الرزق والفضل دون تسبب أو تدخل أحد من الآدميين بذلك، فرجا الله أن يرزقه الولد، رغم كبر سنه، وكون امرأته عاقرًا. فنادته الملائكة بالبشرى وهو في محرابه. قال السدي: (فلما رأى زكريا من حالها ذلك، يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، قال: إن ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادر على أن يرزقني ذرية طيبة! ورغب في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرًّا فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٤ - ٦]. وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾). وقال: (طيبة: يقول مباركة). وقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال السدي: (وهو جبريل، أو: قالت الملائكة، وهو جبريل، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾). فإن العرب تخبر أحيانًا عن الواحد بمذهب الجمع. وقوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. أي: حالة قيامه في محراب عبادته، ومحل خَلْوَتِه، ومجلس مناجاته وصلاته، فبشرته بولد من صلبه اسمه يحيى.

стр. 733

قال قتادة: (إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان). وقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. قال قتادة: (مصدّقًا بعيسى بن مريم، وعلى سنته ومنهاجه). وقال الضحاك: (كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى). وقوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾. قال سعيد بن جبير: (السيد التقي). وقال قتادة: (أي: والله، لسيد في العبادة والحلم والعِلم والوَرَع). وقال مجاهد: (السيد الكريم على الله). وقال ابن زيد: (السيد الشريف). وقال سعيد بن المسيب: (السيد الفقيه العالم). وقال عكرمة: (السيد الذي لا يغلبه الغضب). وخلاصة المعنى: إن الله أخبر أنه يبشره بيحيى مصدقًا بهذا، وسيدًا: أي شريفًا في العلم والورع والحلم والعبادة. وقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾. يروي ابن جرير عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: (الحصور: الذي لا يأتي النساء). وقال الربيع: (هو الذي لا يولد له). وقال الضحاك: (هو الذي لا يولد له ولا ماء له). وقال السدي: (الحصور الذي لا يريد النساء). قال الحافظ ابن كثير: (وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه كان حصورًا ليس كما قال بعضهم: إنه كان هَيُوبًا، أو لا ذَكَرَ له، بل قد أنكر هذا حُذّاق المفسرين، ونُقّاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعيب، ولا يليق بالأنبياء ﵈. وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها. وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء. وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم قمعها: إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله كيحيى ﵇، ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه، درجةٌ عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة، بتحصينهن، وقيامه عليهن واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره). ثم قال ابن كثير: (والمقصود أن مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قال هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء

стр. 734

زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله أعلم). وقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. فيه بشارة بالنبوة ليحيى بعد البشارة بولادته، وقد وصفه الله بالصلاح ثناء منه سبحانه عليه. وقوله: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. تَعَجُّبٌ من زكريا ﵇ مع إيمانه بالبشارة، إذ كيف يكون الولد ممن بلغ من السن ما بلغ وامرأته عاقر لا تلد. فأجابه الله تعالى على لسان المَلَك: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ إذ لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر، وهو على كل شيء قدير. قال السدي: (﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا). وقوله: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾. أي ليزول الشيطان عني بوسوسته، وأزداد إيمانًا وبصيرة بأن ما بُشِّرت به هو من ملائكتك وهو بأمرك. فأجابه سبحانه: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إلا إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح تنطق، وذلك ثلاثة أيام. قال قتادة: (فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار). وقال الضحاك: (الرمز أن يشير بيده أو رأسه، ولا يتكلم). وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. هو أمر الله له بتسبيحه وتعظيمه في هذه الحال، التي أوقف بها عن تكليم الناس بغير خرس ولا عاهة ولا مرض - آية من آيات الله . قال مجاهد: (الإبكار أول الفجر، والعشيّ مَيْلُ الشمس حتى تغيب). ٤٢ - ٤٤. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ

стр. 735

الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾. في هذه الآيات: تبشيرُ الملائكة مريم باصطفاء الله تعالى لها، وَحَثُّها على الإقبال على شكره سبحانه والركوع له والسجود. قال مجاهد: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾: جعلك طيبة إيمانًا). والمقصود أن الله سبحانه قد اختارها واجتباها لطاعته وخصّها بكرامته، فقد عرفت بكثرة عبادتها وزهادتها وطهارتها من الأكدار والوساوس. وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾. قال ابن جريج: (ذلك للعالمين يومئذ). قلت: وقد ثبتت كرامتها على نساء العالمين، هى وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وابنتها فاطمة، في السنة الصحيحة، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن علي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [خير نسائها مريم بنت عِمْران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران - زاد ابن مردويه: (وخديجة بنت خويلد) - وإن فضل عائشة علي النساء كفضل الثريد على سائر الطعام] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [خير نساء العالمين أربع: مريمُ بنتُ عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون] (٣). ورواه الترمذي بلفظ: [حَسْبُك من نساء العالمين مريم ........ ].

стр. 736

الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾. قال: وكان أبو هريرة يحدِّث عن رسول الله ﷺ : [خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صِغَرِه، وأرعاه على زَوْجٍ في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط] (١). وقوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. هو اختصاصٌ من الله لها إذ أمر الملائكة أن يأمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل لها، لما في ذلك من رفعة لها في الدارين. وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. أي: حجة لك أمام خصومك من أهل الكتابين، وتحقيقًا لصدقك، إذ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾. قال قتادة: (كانت مريم ابنة إمامهم وسيّدهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوجَ أختها، ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، يقول: ضمّها إليه). وقال الضحاك: (اقترعوا بأقلامهم أيّهم يكفل مريم، فقرعهم زكريا). وعن محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: ما كنت معهم إذ يختصمون فيها. يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخفوا منه). ٤٥ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾. في هذه الآيات: بشَّرت الملائكة مريم ﵍ بولد عظيم يوجد منها، سيكون

стр. 737

له شأن كبير وأمر عظيم، وسيكون ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ سبحانه، يعني بأمره كن فيكون، واسمه المسيح عيسى بن مريم، فهذه شهرته بين الناس في الدنيا وهو في الآخرة من الصالحين. وفي تأويل: ﴿الْمَسِيحُ﴾ أقوال عند المفسرين: ١ - أي مَسَحَهُ الله فطهّره من الذنوب. قال ابن جرير: (ولذلك قال إبراهيم: ﴿الْمَسِيحُ﴾: الصّدّيق). ٢ - قيل بل المراد مُسحَ بالبركة. قال سعيد: (إنما سمي المسيح لأنه مُسِحَ بالبركة). ٣ - قيل بل سمي المسيح لكثرة سياحته. ذكره بعض السلف. ٤ - وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، لا أخْمَصَ لهما. ذكره والذي بعده ابن كثير. ٥ - وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات بَرئ بإذن الله تعالى. وقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. نسبه إلى أمه، حيث لا أب له. وإلا فالناس ينسبون إلى آبائهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. وفي صحيح مسلم عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا جمع الله الأولين والآخِرين يوم القيامة، يُرْفَعْ لكل غادر لواءٌ، فقيل: هذه غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فلان] (١). وقوله: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. أي: له وجاهة ومنزلة ومكانة رفيعة عند الله في الدنيا بما يوحيه إليه من الشريعة وأحكام الكتاب الذي نزله عليه، وشفيعًا في الآخرة بإذن الله لمن ارتضى سبحانه، فيقبل منه كإخوته الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. قال الربيع: (من المقربين عند الله يوم القيامة). وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾. قال ابن عباس: (مضجع الصبي في رَضاعه). وقوله: ﴿وَكَهْلًا﴾. قال الحسن: (كلمهم في المهد صبيًّا، وكلمهم كبيرًا). وقال قتادة: (يكلمهم صغيرًا وكبيرًا). وقال مجاهد: (الكهل الحليم).

стр. 738

وقوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يعني في عدادهم وأوليائهم، لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل. وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر]. ورواه مسلم بلفظ: [لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جُريج، . . . وبَيْنا صبي يَرْضَعُ من أمه، فَمرَّ رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه اللهم! اجعل ابني مِثْل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظرَ إليه، فقال: اللهم! لا تجعلني مثله. . . .] الحديث (١). وقوله: ﴿قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾. أي: كيف لي بولد يوجد مني ولست بذات زوج، ولا أعزم على الزواج، ولست بغيًّا؟ فأجابها الملك يؤكد لها البشرى التي عجبت لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: مما يشاء وكيف يشاء، ﴿فَيَكُونُ﴾ ما أراد سبحانه ولا يتأخر شيئًا، بل هو كلمح البصر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]. ٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾. في هذه الآيات: يُكْمِلُ الله البشري لمريم ﵍، بأن ما عَلِمت فيما نزل من

стр. 739

الكتب أن الله باعثٌ نبيًّا يوحى إليه بكتابه الإنجيل، هو الولد الذي وهبه لها وبشّرها به، وسيجري على يديه من المعجزات ما ينصر به الدين الحق. وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾. قال ابن جرير: (وهو الخط الذي يخطه بيده). يعني الكتابة. قال ابن جريج: (﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾، قال: بيده). وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. قال قتادة: (الحكمة: السنة). والمراد السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب. وقوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾. المراد التوراة التي أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى. وقوله: ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾. يعني إنجيل عيسى ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه مُوحيه إليه. وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعني: ونجعله رسولًا إلى بني إسرائيل بأنه نبي الله وحجته على خلقه، معه علامة من الله تصدق خبره. قال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم). وقوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. معجزة له من الله: كان يُصَوِّر من الطين شكلَ طير، ثم ينفخ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله. وقوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. وهو الذي يبصر نهارًا ولا يُبصر ليلًا، وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى، وقيل: الأعمش. وقيل: الذي يولد أعمى. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين: ١ - قال مجاهد: (الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّه). ٢ - قال قتادة: (كنا نُحدّثُ أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مغموم العينين). ٣ - قال السدي: (هو الأعمى). وقال ابن عباس: (الأكمه: الذي يولد وهو أعمى). ٤ - قال عكرمة: (﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾، قال: الأعمش). واختار ابن جرير وابن كثير أنه الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلًا ولا نهارًا.

стр. 740

قال ابن جرير: (لأن علاج مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرص). وقوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن كثير: (قال كثير من العلماء: بعث الله كُلَّ نبي من الأنبياء بمعجزة تُناسب أهلَ زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سَحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى ﵇، فبعثه في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه. إلا أن يكون مُؤيّدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعثِ من هو في قَبْرِه رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ ، بعثه الله في زمن الفصحاء والبُلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبه كلام الخلق أبدًا). وقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. قال مجاهد: (بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه. عيسى بن مريم يقوله). وقال عطاء بن أبي رباح: (الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علمه الله إياه). والمقصود: يخبرهم عيسى بإذن ربه ما أكل أحدهم وما هو مدّخر للغد. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعني ما سبق ذكره من معجزات وآيات، فيها عبرة لهم، إن كانوا يصدقون بحجج الله ويقرون بتوحيده. وقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. يعني يوافق ما جاءهم في التوراة مما قرّرته من أصول الدين ومقاصده. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: قال قتادة: (كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثروب (١)، وأشياء من الطير والحيتان). وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته).
следующие страницы →