الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾. قال: وكان أبو هريرة يحدِّث عن رسول الله ﷺ : [خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صِغَرِه، وأرعاه على زَوْجٍ في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط] (١).
وقوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. هو اختصاصٌ من الله لها إذ أمر الملائكة أن يأمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل لها، لما في ذلك من رفعة لها في الدارين.
وقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. أي: حجة لك أمام خصومك من أهل الكتابين، وتحقيقًا لصدقك، إذ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.
قال قتادة: (كانت مريم ابنة إمامهم وسيّدهم، فتشاحَّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوجَ أختها، ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، يقول: ضمّها إليه).
وقال الضحاك: (اقترعوا بأقلامهم أيّهم يكفل مريم، فقرعهم زكريا).
وعن محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: ما كنت معهم إذ يختصمون فيها. يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما يأتيهم به مما أخفوا منه).
٤٥ - ٤٧. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾.
في هذه الآيات: بشَّرت الملائكة مريم ﵍ بولد عظيم يوجد منها، سيكون
стр. 737
له شأن كبير وأمر عظيم، وسيكون ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ سبحانه، يعني بأمره كن فيكون، واسمه المسيح عيسى بن مريم، فهذه شهرته بين الناس في الدنيا وهو في الآخرة من الصالحين.
وفي تأويل: ﴿الْمَسِيحُ﴾ أقوال عند المفسرين:
١ - أي مَسَحَهُ الله فطهّره من الذنوب. قال ابن جرير: (ولذلك قال إبراهيم: ﴿الْمَسِيحُ﴾: الصّدّيق).
٢ - قيل بل المراد مُسحَ بالبركة. قال سعيد: (إنما سمي المسيح لأنه مُسِحَ بالبركة).
٣ - قيل بل سمي المسيح لكثرة سياحته. ذكره بعض السلف.
٤ - وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، لا أخْمَصَ لهما. ذكره والذي بعده ابن كثير.
٥ - وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات بَرئ بإذن الله تعالى.
وقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. نسبه إلى أمه، حيث لا أب له. وإلا فالناس ينسبون إلى آبائهم في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وفي صحيح مسلم عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا جمع الله الأولين والآخِرين يوم القيامة، يُرْفَعْ لكل غادر لواءٌ، فقيل: هذه غَدْرَةُ فُلانِ بنِ فلان] (١).
وقوله: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. أي: له وجاهة ومنزلة ومكانة رفيعة عند الله في الدنيا بما يوحيه إليه من الشريعة وأحكام الكتاب الذي نزله عليه، وشفيعًا في الآخرة بإذن الله لمن ارتضى سبحانه، فيقبل منه كإخوته الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. قال الربيع: (من المقربين عند الله يوم القيامة).
وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾. قال ابن عباس: (مضجع الصبي في رَضاعه).
وقوله: ﴿وَكَهْلًا﴾. قال الحسن: (كلمهم في المهد صبيًّا، وكلمهم كبيرًا).
وقال قتادة: (يكلمهم صغيرًا وكبيرًا). وقال مجاهد: (الكهل الحليم).
стр. 738
وقوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾. يعني في عدادهم وأوليائهم، لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جريج، وصبي آخر].
ورواه مسلم بلفظ: [لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جُريج، . . . وبَيْنا صبي يَرْضَعُ من أمه، فَمرَّ رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه اللهم! اجعل ابني مِثْل هذا، فترك الثدي وأقبل إليه فنظرَ إليه، فقال: اللهم! لا تجعلني مثله. . . .] الحديث (١).
وقوله: ﴿قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾. أي: كيف لي بولد يوجد مني ولست بذات زوج، ولا أعزم على الزواج، ولست بغيًّا؟ فأجابها الملك يؤكد لها البشرى التي عجبت لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: مما يشاء وكيف يشاء، ﴿فَيَكُونُ﴾ ما أراد سبحانه ولا يتأخر شيئًا، بل هو كلمح البصر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
٤٨ - ٥١. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾.
في هذه الآيات: يُكْمِلُ الله البشري لمريم ﵍، بأن ما عَلِمت فيما نزل من
стр. 739
الكتب أن الله باعثٌ نبيًّا يوحى إليه بكتابه الإنجيل، هو الولد الذي وهبه لها وبشّرها به، وسيجري على يديه من المعجزات ما ينصر به الدين الحق.
وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾. قال ابن جرير: (وهو الخط الذي يخطه بيده). يعني الكتابة.
قال ابن جريج: (﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾، قال: بيده). وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾. قال قتادة: (الحكمة: السنة). والمراد السنة التي يُوحيها إليه في غير كتاب.
وقوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾. المراد التوراة التي أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى.
وقوله: ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾. يعني إنجيل عيسى ولم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه مُوحيه إليه.
وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعني: ونجعله رسولًا إلى بني إسرائيل بأنه نبي الله وحجته على خلقه، معه علامة من الله تصدق خبره.
قال محمد بن جعفر بن الزبير: (﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم).
وقوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. معجزة له من الله: كان يُصَوِّر من الطين شكلَ طير، ثم ينفخ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله.
وقوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾. وهو الذي يبصر نهارًا ولا يُبصر ليلًا، وقيل بالعكس. وقيل: الأعشى، وقيل: الأعمش. وقيل: الذي يولد أعمى. وتفصيل ذلك من أقوال المفسرين:
١ - قال مجاهد: (الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّه).
٢ - قال قتادة: (كنا نُحدّثُ أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مغموم العينين).
٣ - قال السدي: (هو الأعمى). وقال ابن عباس: (الأكمه: الذي يولد وهو أعمى).
٤ - قال عكرمة: (﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾، قال: الأعمش).
واختار ابن جرير وابن كثير أنه الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلًا ولا نهارًا.
стр. 740
قال ابن جرير: (لأن علاج مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرص).
وقوله: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال ابن كثير: (قال كثير من العلماء: بعث الله كُلَّ نبي من الأنبياء بمعجزة تُناسب أهلَ زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سَحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من عباد الله الأبرار. وأما عيسى ﵇، فبعثه في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه. إلا أن يكون مُؤيّدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعثِ من هو في قَبْرِه رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ ، بعثه الله في زمن الفصحاء والبُلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبه كلام الخلق أبدًا).
وقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. قال مجاهد: (بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه. عيسى بن مريم يقوله). وقال عطاء بن أبي رباح: (الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علمه الله إياه).
والمقصود: يخبرهم عيسى بإذن ربه ما أكل أحدهم وما هو مدّخر للغد.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعني ما سبق ذكره من معجزات وآيات، فيها عبرة لهم، إن كانوا يصدقون بحجج الله ويقرون بتوحيده.
وقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. يعني يوافق ما جاءهم في التوراة مما قرّرته من أصول الدين ومقاصده. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾: قال قتادة: (كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثروب (١)، وأشياء من الطير والحيتان).
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: (أي أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته).
стр. 741
وقال الحسن: (كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحل لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم).
ولا شك أن الآية تدل عند أهل العلم على نسخ بعض أحكام التوراة أيام عيسى ﵇.
وقوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال مجاهد: (ما بيّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه).
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يعني: التمسوا تقوى الله سبحانه، فأنا وأنتم مشتركون في عبادة الله ومأمورون بتوحيده وتعظيمه وحده لا شريك له، فهذا صراط النجاة في الدنيا والآخرة.
٥٢ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.
في هذه الآيات: لما وجد عيسى ﵇ من بني إسرائيل محاولات التكذيب والصد والجحود، نادى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، ومن ينصرني ويعاونني على الدعوة إلى الله؟ فأجابه الحواريون، ومكر الملأ الطغاة الماكرون.
قال مجاهد: (﴿قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: أي من يَتْبَعُني إلى الله). فأجابه الحواريون - وهم الأنصار لكل نبي - نحن أنصار الله وحملة لواء دينه بايعنا على ذلك. قال الضحاك: (الحواريون: أصفياء الأنبياء).
وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن جابر بن عبد الله، قال: [كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموسم. فيقول: ألا رجلٌ يحملني إلى
стр. 742
قومِه، فإن قريشًا قد منعوني أن أُبِلِّغَ كلامَ ربي] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخارى ومسلم وأحمد عن جابر: أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير رضي الله عليه، فقال النبي ﷺ : [إنَّ لكل نبي حواريًا وحواريَّ الزبير] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: [ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حَواريُّون وأصحابٌ يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُفُ من بَعْدهم خُلوفٌ، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل] (٣).
وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. هو قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم.
وقوله: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال محمد بن جعفر بن الزبير: (لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه - يعني وفد نصارى نجران).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال عكرمة: (مع أمة محمد ﷺ ). قال ابن جرير: (أي صدقنا بما أنزلت على نبيك عيسى من كتابك، ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، يعني بذلك: صرنا أتباع عيسى علي دينك الذي ابتعثته به، وأعوانه على الحق الذي أرسلته به إلى عبادك، وقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرّوا لك بالتوحيد، وصدقوا رسلك).
وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
إخبار من الله سبحانه عن الملأ من بني إسرائيل حين همّوا بقتل عيسى ﵇ وصلبه، عندما وشوا لملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، أن رجلًا يضل الناس عن
стр. 743
طاعتك، ويفسد عليك رعاياك، حتى أحاط الطغاة بمنزله، فرفعه الله إلى السماء، وأخذوا رجلًا شبهًا له فقتلوه وصلبوه.
٥٥ - ٥٨. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾.
في هذه الآيات: رَفْعُ الله تعالى عيسى ﵇ إليه، ورَفْعُ الذين اتبعوه في الدرجات ثم المرجع إليه، فالكفار هم أصحاب الجحيم، والمؤمنون في جنات النعيم.
وقوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ فيه أقوال:
١ - قال الربيع: (يعني وفاةَ المنام، رفعه الله في منامه).
٢ - قال مطر الورّاق: (متوفيك في الدنيا، وليس بوفاه موت). والمعنى: قابضك من الأرض حيًّا ورافعك من بين المشركين وأهل الكفر بك إلى جواري في السماء. قال الحسن: (متوفيك من الأرض). قال: (رفعه الله إليه، فهو عنده في السماء).
٣ - قال ابن عباس: (يقول: إني مميتك). أي إني متوفيك وفاة موت.
٤ - قيل بل هو من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم. أي: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا.
والراجح المعنى الثاني، إني قابضك من الأرض حيًّا ورافعك إلى جواري لتعود يومًا إلى الدنيا، فتنزل في سماء دمشق عند المنارة البيضاء، وتحكم في بقية أمة محمد ﷺ بالقرآن والسنة المحمدية المطهرة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم من حديث النواس بن سمعان، قال ﵊: [فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة
стр. 744
البيضاء، شرقيّ دمشق بين مهروذتين (١)، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدّر منه مثل جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات] (٢).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح، عن أوس بن أوس، عن النبي ﷺ قال: [ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق] (٣).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة] (٤).
وقوله: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
قال قتادة: (هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة).
وقد وقع ذلك، فإن النصارى كانوا أقرب إلى الحق من اليهود، فلما رفع الله المسيح ﵇ تفرقت أصحابه شيعًا بعده، منهم من آمن به أنه عبد الله ورسوله، ومنهم من غلا فيه، واستمروا على ذلك قريبًا من ثلاث مئة سنة. قال ابن كثير: (ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسدَه، فإنه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلًا منه، لأنه بدّل لهم دين المسيح وحَرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين، والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانةُ الحقيرةُ - وأحلَّ في زمانه لحم الخنزير، وصَلَّوا له إلى المشرق، وصَوَّروا له الكنائس، والمعابد والصوامع، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه - فيما يزعمون - وصار دين المسيح دينَ قسطنطين، إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة
стр. 745
المنسوبة إليه، واتبعه طائفة المَلكيّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا، عليهم لعائن الله. فلما بعث الله محمدًا ﷺ ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ قد صَدّقوا الرسول النبي الأمي العربي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم على الإطلاق، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على مِلّته وطريقته، مع ما قد حَرَّفوا وبدَّلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخَ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمدًا ﷺ من الدين الحق، الذي لا يُغيّر ولا يُبدَّل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين. فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقَصَروا قيصر، وسلبوهما كُنوزَهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] .. الآية، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا، سَلبوا النصارى بلاد الشام وأجلوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القُسطَنْطينيَّة، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية، ويستفِيئُون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدًّا، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها. . . .، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أى: يوم القيامة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصاري، عذبهم في الدنيا بالقتل والسَّبي، وأخذ الأموال، وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق) انتهى.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: وما لهم من عذاب الله من مانع ولا دافع.
وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. أي: في الدنيا: بالنصر والظفر والتمكين والتأييد، وفي الآخرة: بجنات الخلود والنعيم.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: الذين يبغون في الأرض بغير الحق، ولا يقيمون العدل ويأكلون حقوق الناس بالباطل.
стр. 746
وقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.
أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من أمر عيسى وميلاده وكيف أوحينا إليه، ونبوته ورفعه، من الآيات التي هي حجج بالغة على من حاجك من نصارى نجران وغيرهم من أهل الكتاب.
قال ابن عباس: ﴿وَالذِّكْرِ﴾، يقول: القرآن، ﴿الْحَكِيمِ﴾، الذي قد كمل في حكمته). فهو الكتاب ذو الحكمة الفاصلة بين الحق والباطل، وبينك - يا محمد - وبين من ينسب الكذب في قصة عيسى وأمه والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٥٩ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾.
في هذه الآيات: يقرن بين خلق عيسى وخلق آدم ﵉، فالله خلق آدم من غير أب ولا أم، فلا عجب في قدرة الله أن يخلق عيسى من غير أب، ومن ثمَّ فجواز ادعاء البنوة في آدم هو أولى منه في عيسى، وهذا باطل باتفاق أهل الأديان، الأمر الذي يقتضي فساد هذا الادعاء في عيسى ﵇.
وإنما الأمر حقيقته إظهار قدرة الله في الخلق، فإذا أراد شيئًا قال له كن فيكون. فمن حاجك فيه بعد ذلك يا محمد فادعهم إلى المباهلة.
قال الربيع: (﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: فلا تكن في شك مما قصصنا عليك أن عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمةٌ منه وروح، وأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون).
وقوله: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أي: جادلك في شأن المسيح عيسى بن مريم، يا محمد. ﴿فَقُلْ تَعَالوْا﴾ هلموا فلندع: ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ يقول: ثم نلتعن.
стр. 747
والمعنى: نحضرهم في حال المباهلة ثم نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ منا أو منكم.
أخرج الحاكم من حديث يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده، قال يونس: (فلم تزل به وبهم - يعني وفد نجران - المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ﵇؟ فإنا نرجع إلى قومنا، ونحن نصارى، فيسرّنا إن كنت نبيًّا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله ﷺ : ما عندي فيه شيءٌ يَوْمي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يُقال لي في عيسى ﵇، فأصبح الغد وقد أنزل الله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسولُ الله ﷺ الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملًا على الحسن والحسين ﵄ في خميل له، وفاطمة ﵂ تمشي عند ظهره للمُباهلة .... فخافوا وتشاوروا فقال كل من العاقب والسيد للآخر: لا تفعل فوالله لئن كان نبيًّا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك ... ) (١).
وله شاهد عند الترمذي عن سعد قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ الآية، دعا رسول الله ﷺ عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي"].
وأخرج البيهقي بسند صحيح إلى ابن مسعود: [أن السيد والعاقب أتيا رسول الله ﷺ ، فأراد أن يُلاعنهما، فقال أحدُهما لصاحبه: لا تُلاعِنْهُ، فوالله إن كان نبيًّا فلاعنتَه لا نُفْلِحُ نحن، ولا عَقِبُنَا من بعدنا، قالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال رسول الله ﷺ : لأبعَثَنَّ معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين. فاستشرف لها أصحابه، فقال: قُمْ يا أبا عبيدة بنَ الجراح. فلما قام، قال: هذا أمين هذه الأمة] (٢).
стр. 748
ورواه مسلم عن حذيفة ﵁ قال: [جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابعث لنا رجلًا أمينًا، فقال: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حقَّ أمين، حقَّ أمين، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح] (١).
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك ﵁: [أن رسول الله ﷺ قال: إن لكل أمة أمينًا، وإنَّ أمينَنا، أيَّتُها الأمةُ، أبو عبيدة بن الجراح] (٢).
وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة قال: [بعثني رسولُ الله ﷺ إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرؤون "يا أخت هارون"، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرتُه، قال: أفلا أخبرتَهُمْ أنهم كانوا يُسَمُّون بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم] (٣).
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. قال ابن عباس: (إن هذا الذي قلنا في عيسى، هو الحق، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، الآية).
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أي: العزيز في انتقامه ممن عانده وعصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهًا غيره، أو عبد ربًا سواه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره وقدره وشرعه.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. أي: إن أعرضوا رغم البيان والحجج الدامغة فإن الله يعلم من عدل عن الحق إلى الباطل واتبع سبيل المفسدين والمبطلين وسيجازيه على عمله يوم يلقاه.
٦٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا
стр. 749
نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.
في هذه الآية: دعوة أهل الكتاب إلى توحيد الله ونبذ الشرك والتحاكم إلى الدين الحق دين الإسلام.
وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾. يشمل أهل التوراة وأهل الإنجيل. ﴿تَعَالوْا﴾ أي: أقبلوا وهلمّوا. ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. قال قتادة: (عدل بيننا وبينكم). وقال أبو العالية: (كلمة السواء: لا إله إلا الله).
وقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. يعني نفرده بالتعظيم والدعاء، فلا ندعو وثنًا، ولا صليبًا، ولا صنمًا، ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا.
وقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال ابن جريح: (لا يُطع بعضنا بعضًا في معصية الله. ويقال إنّ تلك الرّبوبية: أن يطيعَ الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة، وإن لم يصلّوا لهم). وقال عكرمة: (﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: سجود بعضهم لبعض).
وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. يعني: إن تولى بعد ذلك أهل الكتاب وأصروا على الشرك بالله فقولوا أيها المؤمنون لهم: اشهدوا علينا بأنا على التوحيد قائمون، وعلى إفراد الله سبحانه بالتعظيم عاكفون.
أخرج البخارى في صحيحه من حديث عبد الله بن عباس - في قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤاله لهم -: [ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذى بعث به دِحْيةُ إلى عظيم بُصرى فدفَعَهُ إلى هِرقل فقرأه فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى هِرَقْلَ عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسْلِم تَسْلَم يُؤتك الله أجْرَك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيِّين، و: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]] (١).
стр. 750
٦٥ - ٦٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.
في هذه الآيات: يا أهل التوراة والإنجيل، لم تجادلون في إبراهيم وتخاصمون فيه، ويدعي كل فريق منكم أنه كان منكم ولم ينزل الإنجيل والتوراة إلا بعد حين من موت إبراهيم ﵇ ووفاته؟ ! أفلا تفقهون خطأ قيلكم. إنما كان إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، وإن أولى الناس به هذا النبي وأهل الحق المؤمنين.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد مولي زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: (اجتمعت نصارى نجران وأحبارُ يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا! وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا! فأنزل الله فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. قالت النصاري: كان نصرانيًّا! وقالت اليهود: كان يهوديًّا! فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية).
ثم عاب عليهم سبحانه هذا الحكم منهم بغير علم، فقال جل ذكره: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال السدي: (أما الذي لهم به علم: فما حرّم عليهم وما أمروا به، وأما الذي ليس لهم به علم: فشأن إبراهيم).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أي: يعلم ما غاب عنكم وأنتم لا تعلمون إلا ما عاينتم وشاهدتم أو أدركتم علمه بالإخبار والسماع.
ثم أكذبهم سبحانه فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾، فأدحض حجتهم يعني اليهود -في ادعائهم أن إبراهيم مات يهوديًّا، أو نصرانيًّا- يعني في ادعاء النصارى.
ثم قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
стр. 751
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر: [أن زيدَ بنَ عمرو بن نُفَيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبَعُهُ، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لَعَلِّي أن أدينَ دينَكُم فأخْبرني فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أَفِرُّ إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيعه، فهل تَدُلّني على غيره، قال: ما أعلمُهُ إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفِرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا وأنا أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيْدٌ قولَهُم في إبراهيم ﵇، خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم إني أشهد أني على دين إبراهيم] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.
المعنى: إن أحق الناس بإبراهيم ونصرته وولايته الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، في التوحيد والعبادة وإفراد الله بالتعظيم، من سائر الأديان، والله مؤيد جميع المؤمنين وناصرهم.
أخرج الترمذي والحاكم بسند صحيح من حديث ابن مسعود ﵁: [أن رسول الله ﷺ قال: إن لكل نبيّ ولاة من النبيين، وإن وَليّي منهم أبي وخليل ربي ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ .. الآية] (٢).
٦٩ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ
стр. 752
تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾.
في هذه الآيات: اليهود أمكر من دبّ على وجه الأرض، فهم أهل بغي وظلم وحسد، والله تعالى يخبر في هذه الآية: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني جماعة من أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى، ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ أي: يصدونكم عن الإسلام إلى ما كنتم عليه من الكفر لتهلكوا به، والله تعالى يحذركم طاعتهم ويكشف لكم مكرهم، ويُبَيِّنُ اختصاصه تعالى برحمته من يشاء من المؤمنين.
وقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: ما يهلكون بمحاولتهم هذه إلا أنفسهم وأهل ملتهم بِحلول سخط الله عليهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أي: وهم لا يدرون ولا يعلمون.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾. قال قتادة: (تشهدون أن نَعْتَ محمد نبي الله ﷺ في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾).
وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾. قال قتادة: (يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيرَه، الإسلام، ولا يجزي إِلّا به).
وقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال الربيع: (يقول: تكتمون شأن محمد ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
стр. 753
قال ابن عباس: (وذلك أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد ﷺ أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا! لعلهم ينقلبون عن دينهم. ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم).
وقال مجاهد: (يهودُ تقوله. صلَّت مع محمد صلاة الصبح، وكفروا آخرَ النهار، مكرًا منهم، ليُروا الناس أن قد بدت لهم منهم الضلالة، بعد أن كانوا اتّبعوه). وقال: (قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلوا معهم آخر النهار، لعلكم تستزلّونهم بذلك).
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. قال قتادة: (لعلهم يدعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أنتم عليه). وقال ابن عباس: (لعلهم ينقلبون عن دينهم). وقال السدي: (لعلهم يشكّون).
وقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. قال السدي: (لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية). ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ وسط الكلام، وهو خبر من الله عن أن البيان بيانه والهدى هُداه.
وقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾. قال مجاهد: (حسدًا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يُتَّبعوا على دينهم).
وقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال ابن جُريج: (قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيّن الله لكم في كتابه، ليحاجّوكم -قال: ليخاصموكم- به عند ربكم).
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾، يعني التوفيق والهداية للإيمان والدين الحق. ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ بحكمته وعلمه، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: ذو سعة بفضله يعلم من يستحق الهداية والنور والإيمان ممن لا يستحق ذلك.
وقوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال مجاهد: (النبوة يخصّ بها من يشاء).
وقال ابن جريج: (القرآن والإسلام).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. يعني في اختصاص المؤمنين بالإيمان ومتابعة محمد ﷺ ، وهدايتهم إلى أشرف الشرائع والتأسي بسيد الخلق.
٧٥ - ٧٦. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ
стр. 754
عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن طائفة من يهود هم أهل أمانة يؤدونها ولا يخونونها، وعن طائفة أخرى: أهل خيانة للأمانة واستحلال للمحرمات.
فمنهم من إن تأمنه بقنطار من المال يؤده إليك، وهذا يشمل ما دونه بطريق الأولى. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. قال قتادة: (إلا ما طلبته واتبعته). وقال السدي: (يعترف بأمانته ما دمت قائمًا على رأسه، فإذا قمتَ ثم جئت تطلبُه كافرك- الذي يؤدِّي، والذي يجحد (١)).
فالمعنى: لا يؤديه إليك إلا بالمطالبة والاقتضاء والملازمة والإلحاح لاستخلاص حقك منه، فإذا كان هذا صنيعه في الدينار، فنكوله لما فوقه من باب أولى. قال مالك بن دينار: (إنما سُمِّيَ الدينار لأنه دِين ونار) (٢). وقيل: (معناه أنه من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار).
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : [أنه ذكرَ رجلًا من بني إسرائيل: سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسْلِفَهُ ألفَ دينار فقال: ائْتِني بالشهداء أُشْهِدُهُمْ، فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: فأتني بالكفيل قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صَدقت، فدفَعَها إليه إلى أجَل مسمّى، فخرج في البحر فقضى حاجَتَهُ ثم التمسَ مَرْكبًا يركَبُها يَقْدَمُ عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجدْ مَرْكبًا، فأخذ خَشَبَةً فنقرها فأدْخَلَ فيها ألفَ دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه ثم زَجَّجَ مَوْضِعَها ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تَعْلَمُ أني كنْتُ تَسَلَّفْتُ فلانًا ألفَ دينار فسألني كفيلًا فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضِيَ بكَ، وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا فرضِيَ بذلك، وإني جَهَدْتُ أن أجِدَ مَرْكبًا أبْعَثُ إليه الذي له فلم أَقْدِرْ، وإني أسْتَوْدِعُكَها، فرمى بها في البحر حتى وَلَجَتْ فيه، ثم انصرفَ، وهو في ذلك يلتمس مَرْكَبًا يخرجُ إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسْلَفَهُ ينظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قد جاء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حَطَبًا، فلما نَشَرها وَجَدَ المال والصحيفة، ثم قَدِمَ الذي كان أسْلَفَهُ فأتى بالألف دينار، فقال: والله
стр. 755
ما زِلْتُ جاهدًا في طلب مَرْكَبٍ لِآتيَكَ بِمالِكَ فما وجدتُ مَرْكبًا قبل الذي أتيتُ فيه. قال: هل كنتَ بَعَثْتَ إليَّ بشيء؟ قال: أُخْبِرُكَ إني لم أجدْ مَرْكبًا قبل الذي جئتُ فيه، قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بَعَثْتَ الخَشَبَةَ وانْصَرِف بالألف الدينارِ راشدًا] (١).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. يعني -قال الذين استحلوا الخيانة من اليهود-: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم، لأنهم على غير الحق، وأنهم مشركون.
قال قتادة: (قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل).
وقال: (قال: ليس علينا في المشركين سبيل، يعنون من ليس من أهل الكتاب).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جريج: (يعني ادّعاءهم أنهم وجدوا في كتابهم قولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾).
والمعنى: يقولون على الله الكذب، ويفترون وهم يعلمون أنهم يكذبون.
وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
المعنى: ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكذبة منَ اليهود، أنه ليس عليهم حرج ولا إثم في أموال الأميين، ولكن الأمر أنه من أوفى بعهده وأدى الأمانة، واتقى الميثاق الذي عقده الله بالإيمان بمحمد ورسالته، فصدق بذلك وقام بمقتضى هذا العهد والميثاق الذي أخذه الله على الأنبياء والأمم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
٧٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾.
في هذه الآية: إن الذين ارتضوا أن يستبدلوا الذي هو أدنى: الأثمان الزهيدة والعروض الفانية، والزينة البالية، بالذي هو أعلى: تصديق عهد الله باتباع محمد ﷺ والإيمان بما جاء به، لا نصيب لهم في خيرات الآخرة، ولا يكلمهم الله كلام تشريف ومدح، بل كلام إهانة وتوبيخ، ثم ينتظرهم بعد ذلك عذاب أليم.
стр. 756
وفي أسباب النزول لهذه الآية أحاديث صحيحة:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن شفيقٍ، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ حَلَفَ على يمين يَقْتَطِعُ بها مال امرئٍ مُسلمٍ هو عليها فاجر، لقِيَ الله وهو عليه غَضْبَانُ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، فجاء الأشعثُ فقال: ما حَدَّثكم أبو عبد الرحمن؟ فِيَّ أُنْزِلتْ هذه الآية، كانت لي بِئْرٌ في أرض ابنِ عَمٍّ لي، فقال لي: شهودَك. قلتُ: ما لي شهودٌ، قال: فَيَمينَهُ، قلت: يا رسول الله إذن يَحْلِفَ، فذكرَ النبيُّ ﷺ هذا الحديثَ، فأنزل الله ذلك تصديقًا له] (١).
ورواه أحمد وفيه: (فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني أرضي، فقدمته إلى رسول الله ﷺ . فقال لي رسول الله ﷺ : ألك بينة؟ قلت: لا. فقال لليهودي: احلف. فقلت: يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ... الآية).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما: [أن رجلًا أقام سِلْعَةً في السوق، فحلف فيها لقد أُعْطِيَ بها -ما لم يُعْطَهُ- لِيُوقِعَ فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية] (٢).
قلت: ولا مانع من نزول الآية في السببين السابقين معًا. وقد جاءت أحاديث أخرى في بيانها:
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن رجاء بن حَيْوَة والعُرُس بن عَمِيرة، عن أبيه عَدِيّ -هو ابن عميرة الكندي- قال: [خاصم رجل من كندة يقال له- امرؤ القيس بن عابس، رجلًا من حَضْرَمَوْت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرئ القيس
стр. 757
باليمين. فقال الحضرمي: أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت -ورب الكعبة- أرضي. فقال النبي ﷺ : من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله وهو عليه غضبان. قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: الجنة. قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها] (١).
الحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة لا يَنْظُرُ الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم: رجُلٌ كان لهُ فَضْلُ ماءٍ بالطريق فمنعَهُ من ابن السبيل، ورجلٌ بايع إمامَهُ لا يُبايِعُهُ إلا لِدُنيا، فإن أعطاه منها رَضِيَ وإنْ لمْ يُعْطِهِ منها سَخِطَ، ورجلٌ أقام سِلْعَتَهُ بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيرُهُ لقد أعطيتُ بها كذا وكذا، فصَدَّقه رجلٌ، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾] (٢).
الحديث الخامس: روى الإمام أحمد في المسند، ومسلم في الصحيح، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قلت: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال: المُسْبلُ، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان] (٣).
الحديث السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن ابن أبي مُلَيْكَةَ: [أنَّ امرأتين كانتا تَخْرِزانِ في بيتٍ وفي الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إحداهما وقد أُنْفِذَ بإشفَى في كَفِّها، فادَّعَتْ على الأخرى فرُفِعَ إلى ابن عباس، فقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : لو يُعْطى الناسُ بِدَعْواهُمْ لَذهَبَ دِماءُ قَوْمٍ وأموالهُم، ذَكِّروها بالله واقرؤوا عليها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ فَذَكَّروها فاعْتَرَفَتْ. فقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : اليمين على المدَّعى عليه] (٤).
стр. 758
٧٨. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾.
في هذه الآية: وإن من اليهود قومًا يحرِّفون كلام الله ويبدلون مواضعه ليزيلوه عن المراد به كذبًا على الله وهم يعلمون.
قال مجاهد: (﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾، قال: يحرفونه). وقال قتادة: (هم أعداء الله اليهود، حَرّفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله).
وروى البخاري عن ابن عباس: (أنهم يحرِّفون ويزيلون).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. يعني: يتعمدون الكذب على الله، والشهادة عليه بالباطل، والإلحاق بكتاب الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حطام الدنيا. ذكره ابن جرير.
٧٩ - ٨٠. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى ذكره عن استحالة دعوة نبيّ -اصطفاه الله واختاره- لنفسه ليتخذه العباد ربًّا من دون الله، ولكن يدعو الناس ليكونوا أسوة يُقتدى بهم في العلم والدين. وكذلك ما ينبغي له أن يأمر الناس بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فإن هذا أمْرٌ بالكفر بعد الإسلام.
فقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
стр. 759
قال قتادة: (يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، يأمر عباده أن يتخذوه ربًّا من دون الله).
وقال ابن جريج: (كان ناس من يهود يتعبّدون الناس من دون ربهم، بتحريفهم كتابَ الله عن موضعه، فقال الله ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه).
وفي جامع الترمذي بسند حسن: [أن النبي ﷺ تلا هذه الآية -اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله- على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلّون لكم ما حرّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي ﷺ : فتلك عبادتهم] (١).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
قال البخاري في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل. وقال ابن عباس: (﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: حُلماء، فُقهاء، عُلماء، ويقال: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّي الناس بصغار العلم قبل كباره). وقال مجاهد: (وهم فوق الأحبار) - أي العلماء. وعليه: فالربانيون هم عمادُ الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، فالرباني الجامعُ إلى العلم والفقه، البصرَ بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم.
وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.
قال الضحاك: (حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا). وقوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: من التعليم. وقرأها عاصم: ﴿بما كنتم تَعْلَمونَ الكتاب﴾ قال: القرآن، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾، قال: الفقه).
والقراءة الأولى أشهر ﴿تُعَلِّمون﴾ وهي قراءة عامة قرّاء الكوفة،
فالمعنى: بل كونوا سادة الناس وقادتهم في أمر دينهم ودنياهم، ربّانيين بتعليمكم إياهم كتاب الله وما فيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معاني أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراسَتِكموه. ذكره ابن جرير.
стр. 760
وقوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾. يعني: ولا كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا، أي: لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.
وقد قرأها قراء الحجاز والمدينة على وجه الابتداء: ﴿ولا يأمُرُكم﴾ بالخبر عن النبي ﷺ أنه لا يأمركم. في حين قرأها قرّاء الكوفة والبصرة، بنصب الراء: ﴿ولا يأمرَكم﴾، عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾، وهي القراءة الأشهر في الأمة.
وقوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. يعني إن ذلك غير كائن من النبي ﷺ أبدًا. إذ كيف يأمركم بعبادة آلهة غير الله بعد انقيادكم لله بالطاعة وتذللكم له بالعبادة.
٨١ - ٨٢. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن أخذه ميثاق الأنبياء أَنْ يُصَدِّق اللاحق السابق، وأن يمضي على منهاج النبوة في الإيمان وحراسة الدين، حتى يأتي خاتم الرسل والأنبياء محمد ﷺ فيصدقوه وينصروه إن أدركوه، وإلا أوصوا أقوامهم بذلك، فعاهدوا الله جميعهم على ذلك، وقد شهد عليهم بذلك جلّت عظمته. فمن نقض هذا العهد أو أعرض عنه بعد توثيقه فأولئك هم العاصون الآثمون.
فقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.
قال طاووس: (أخذ الله ميثاق الأُوَل من الأنبياء، ليصدقن وليؤمنن بما جاء به الآخِرُ منهم). وقال قتادة: (هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم -فيما بلَّغتهم رُسلهم- أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويصدقوه وينصروه). وقال السدي: (لم يبعث الله نبيًّا قط من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد
стр. 761
ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خرج وهم أحياء).
وخلاصة المعنى: أن الله أخذ الميثاق على كل نبي من لدن آدم إلى عيسى ﵈، مهما أوتي أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ بإذن الله أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به ولينصرنه، فإن هذا من ميثاق النبوة. ذكره ابن كثير.
قلت: ولا شك أن الرسول محمدًا ﷺ هو خاتم الرسل والأنبياء، وهو الإمام الأعظم في الأمة، والقائد الأعلى إلى يوم القيامة، ونبوته قديمة وعريقة. فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول الله متى كُتِبْتَ نبيًّا؟ قال: [كُتِبتُ نبيًّا وآدمُ بين الروح والجسد] (١).
وفي لفظ: [كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد] (٢).
وله شاهد عند الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، قوله ﷺ : [إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدمَ لمنجدِلٌ في طينته] (٣).
وقوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾. قال ابن عباس ومجاهد: (يعني: عهدي). وقال محمد بن إسحاق: (إصري أي: ثقل ما حُمِّلْتُم من عهدي). أي ميثاقي الشديد المؤكد.
وقوله: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾. يعني، قال الأنبياء: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتبك، وبنصرتهم.
وقوله: ﴿قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
قال علي ﵁: (يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك، ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، عليكم وعليهم).
والمعنى: إن هذا العهد يتطلب منكم نقله إلى أممكم أيضًا، فالكل مطالب بتصديق
стр. 762
رسل الله والإيمان بالوحي النازل إليهم، والله يشهد على الجميع بذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: من أعرض ونقض عقد هذا الإيمان الواجب فهو منعوت عند الله بالفسق والخروج عن الطاعة.
قال علي بن أبي طالب: (فمن تولى عنك، يا محمد، بعد هذا العهد من جميع الأمم، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، هم العاصون في الكفر) ذكره ابن جرير بسنده.
٨٣ - ٨٥. قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.
في هذه الآيات: ينكر على من يلتمس منهجًا ودينًا غير دين الله العظيم، الذي استسلم لأمره من في السماوات ومن في الأرض، إما طائعًا وإما كارهًا، والكل إليه يرجعون. ثم يأمر نبيّه ﷺ أن يصرح بإيمانه بالله وهذا القرآن الذي أنزل عليه، وما أنزل على الأنبياء والرسل قبله من الصحف والوحي، وأن أمته ﷺ مؤمنون بهذا النهج النبوي العظيم. إنه من يطلب منهجًا غير دين الإسلام ليكونن من الخاسرين.
فقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.
قال مجاهد: (الطائع المؤمن، و ﴿وَكَرْهًا﴾، ظل الكافر). وقال: (سجود المؤمن طائعًا، وسجود ظلّ الكافر وهو كارهٌ).
وقال الربيع عن أبي العالية: (كل آدمي قد أقرّ على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده. فمن أشركَ في عبادته فهذا الذي أسلم كَرْهًا، ومن أخلص له العبودة، فهو الذي أسلم طوعًا).
وفي التنزيل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾
стр. 763
[الرعد.١٥]. وفيه أيضًا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لنحل: [٤٨ - ٤٩].
قلت: والآية تشمل استسلام بعض الكفار لسلطان الإسلام وقهر رجاله الفاتحين، وقودهم في الأسر ثم يُعْجَبُون بدين الله ويؤمنون. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [عَجِبَ الله من قَوْمٍ يَدْخُلونَ الجنة في السَّلاسل] (١).
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. يعني يوم المعاد، فيقفون بين يديه للحساب والجزاء.
وقوله: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾. يعني: القرآن. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي.
وقوله: ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾. هم ولد يعقوب الاثنا عشر، يعني بطون بني إسرائيل.
وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾. يعني: ما أنزل عليهما من التوراة والإنجيل.
وقوله: ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. يشمل جميع الأنبياء. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بالإيمان، بل نؤمن بهم جميعهم ونوقرهم، ولا نفعل كما فعل أهل الكتاب من الإيمان ببعضهم والكفر ببعضهم.
وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. خبرٌ عن المؤمنين من هذه الأمة أنهم يؤمنون بالله وما أنزل من الوحي على جميع رسله وأنبيائه، وأنهم منقادون له سبحانه بالطاعة كما يحب ويرضى.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. يعني: من يطلب دينًا غير دين الإسلام ليدين به فهو مرفوض في منهاجه الذي ارتضى عند الله، ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: الباخسين أنفسهم حظوظها، ومن الهالكين النادمين.
٨٦ - ٨٩. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ
стр. 764
أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.
في هذه الآيات: المرتد عن دين الله بعد الإيمان به يستحق عند الله اللعنة -منه ومن ملائكته ومن الناس أجمعين-. إلا من تدارك نفسه بالتوبة والإنابة والرجوع إلى منهاج الإيمان فإن الله غفور رحيم.
أخرج ابن جرير -ورجاله رجال الصحيح- وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال: [كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدّ ولحق بالشرك، ثم نَدِمَ فأرسل إلى قومه: أن سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فأرسل إليه قومه فأسلم] (١).
فقد استثنى الله تعالى الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان بالله وبرسوله، وصدقوا وأصلحوا ما فاتهم فعملوا من الصالحات ما ينجيهم عند الله الغفور الرحيم.
٩٠ - ٩١. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عن مصير المرتدين عن الإيمان وقد ارتضوا الكفر منهجًا بدلًا عنه حتى وافتهم المنية، فإنه لن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا -لو
стр. 765
استطاع ذلك- على سبيل الفدية، بل مأواهم النار خالدين فيها مع شر البريّة.
أخرج البزّار بسند جيد عن عكرمة، عن ابن عباس: [أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ (١).
قال ابن جريج: (﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، يقول: إيمانهم أوّلَ مرة لن ينفعهم).
وقال السدي: (فعند موته، إذا تاب لم تقبل توبته).
وفي التنزيل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. أي: الذين أخطؤوا منهج النجاة وطريق الحق حيرة منهم وعمى في قلوبهم.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. قال الحسن: (هو كل كافر).
أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك، أن نبي الله ﷺ كان يقول: [يُجاء بالكافر يوم القيامة فيُقال له: أرأيتَ لو كانَ لكَ مِلءُ الأرض ذهبًا أكُنْتَ تفتدي به؟ فيقول: نَعَمْ، فيقال له: قد كنْتَ سُئِلتَ ما هو أيْسَرُ من ذلك] (٢). وفي لفظ: [فقد سألتك ما هو أهونُ من هذا وأنت في صُلْبِ آدم، أن لا تشركَ بي فأبَيْتَ إلا الشرك].
وأخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب، خير منزل. فيقول: سل وتمنَّ. فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك عشر مرات. لما يرى من فضل الشهادة. ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب، شر منزل. فيقول له: تفتدي مني بطلاع الأرض ذهبًا؟ فيقول: أي رب، نعم. فيقول: كذبت،
стр. 766
قد سألتك أقلَّ من ذلك وأيسرَ فلم تفعل، فيُرَدّ إلى النار] (١).
وفي صحيح مسلم عن مسروقٍ، عن عائشةَ قالت: [قلتُ: يا رسول الله! ابْنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرحم، ويُطْعم المسكينَ، فهل ذاكَ نافِعُهُ؟ قال: لا ينْفَعُهُ، إنه لم يقل يَوْمًا: ربِّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدين] (٢).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. إخبارٌ عن سوء المصير الذي ينتظر المرتدين عن دين الله العظيم، لقاء استهتارهم بما عَرَّفهم الله به من هديه الكريم، ومن ثَمَّ فلا نجاة لهم يومئذ وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق يُنْتظر منه النصر أو الاستنقاذ من المكروه والألم المحدق.
٩٢. قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.
في هذه الآية: إخبار من الله تعالى أن بلوغ الجنة منوطٌ بالإنفاق في سبيل الله من المال الطيب المحبَّب، وما ينفق المؤمنون من شيءٍ إلا وهو محفوظ لهم عن العليم الكريم.
يروي ابن جرير بسنده عن السدي قال: (أما البر فالجنة). وكذلك رواه عن عمرو بن ميمون. قال قتادة: (يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تَهْوَوْن من أموالكم).
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. قال سعيد عن قتادة: (يقول: محفوظ لكم ذلك، الله به عليمٌ، شاكرٌ له).
وقد حفلت السنة الصحيحة بذكر آفاق هذا المعنى العطر، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كان أبو طَلْحةَ أكثرَ الأنصار بالمدينةِ مالًا من نَخْلٍ، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرُحاءُ، وكانَتْ مستقبلةَ المسجد، وكان رسول الله ﷺ يَدْخُلُها ويشرَبُ من ماءٍ فيها طيّب. قال أنس رضي الله
стр. 767
عنه: فلما أُنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحَبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحاء، وإنَّها صَدَقةٌ لله أرجو برَّها وذُخْرَها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : بَخ، ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلِكَ مالٌ رابحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإني أرى أن تَجْعَلَها في الأقربين. فقال أبو طلحةَ: أَفْعَلُ يا رسول الله! فَقَسَمَها أبو طلحةَ في أقاربهِ وبني عَمِّه] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر ﵄: [أن عُمَرَ تَصَدَّقَ بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يُقال له: ثَمْغٌ، وكان نَخْلًا، فقال عمر: يا رسول الله، إني اسْتَفَدْتُ مالًا وهو عندي نفيسٌ فأردتُ أن أتصدق به. فقال النبي ﷺ : تَصَدَّقْ بأصْلِهِ، لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، ولكن يُنْفَقُ ثَمرُه. فتصدَّق به عُمَرُ فَصَدَقَتُهُ تلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكينِ والضَّيفِ وابنِ السبيل ولذي القُرْبى، ولا جُناح على من وَلِيَهُ أن يأكُلَ منه بالمعروف، أو يُؤْكِلَ صديقَهُ غيرَ مُتَمَوِّلٍ به] (٢).
وفي لفظ: [قال: يا رسول الله لم أصب مالًا قطُّ هو أنفسُ عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: حَبِّس الأصل وسَبِّل الثمرة].
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [أفضلُ الصدقات ظِلُّ فسطاطٍ في سبيل الله ، أو منحةُ خادمٍ في سبيل الله، أو طروقةُ فَحْلٍ في سبيل الله] (٣).
الحديث الرابع: أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [أفضل
стр. 768
الصدقة ما ترك غِنىً، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول] (١).
الحديث الخامس: أخرج البزار عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله: [حَضَرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليّ من جارية لي رُوميَّةٍ، فقلت: هي حُرَّةٌ لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها، يعني تزوجتها] (٢).
٩٣ - ٩٥. قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.
في هذه الآيات: إخبار من الله سبحانه عن يعقوب ﵇ حين مرض مرضًا شديدًا فنذر إن شفاه الله أن يحرم على نفسه أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان ذلك قبل تنزل التوراة، وقد جاءت التوراة بعد ذلك تصدق ذلك. فمن ادّعى بعد ذلك أن الله شرع -ليهود- السبت أو كذّب بما نزل من الوحي بعد التوراة فقد أعظم على الله الفرية. فقل يا محمد: صدق الله فيما أنزل وأرسل وشرع، وقد أمرَ باتباع ملة إبراهيم، ملة التوحيد وإفراد الله بالتعظيم، عليه وعلى نبيِّنا وعلى الرسل أفضل الصلاة والتسليم.
فقد أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: [حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال: سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتُتابعُنّي على الإسلام. قالوا: فذلك لك. قال: فسلوني عما شئتم. قالوا: أخبرنا على أربع خلال: أخبرنا أيُّ الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليه من
стр. 769
الملائكة؟ . فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعُنَّه فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا وطال سقمه، فنذر لله نذرًا لئن شفاه الله من سقمه ليُحَرِّمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحبَّ الطعام إليه لحْمانُ الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها. فقالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد عليهم. وقال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إنْ علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإنْ علا ماءُ المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله. قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد عليهم. وقال: وأَنْشُدُكُم بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن هذا النبيّ الأميَّ تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد. قالوا: وأنت الآن فحدّثنا من وليُّكَ من الملائكة؟ فعندها نُجَامِعُكَ أو نفارقُكَ. قال: إن وليِّي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليّه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية] (١).
وقد جاء بسند أقوى عند الإمام أحمد والطبراني والترمذي -مختصرًا- عن ابن عباس قال: [أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال: هاتوا. قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قالوا: أخبرنا كيف تُؤْنِثُ المرأةُ، وكيف تُذْكِرُ؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذْكَرَت، وإذا علا ماء المرأة آنثت. قالوا: أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فحرم لحومها. قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: مَلَكٌ من ملائكة الله مُوَكَّل بالسحاب بيده -أو في يده- مِخْراقٌ من نار يَزْجُرُ به السحاب، يسوقه حيث أمر الله . قالوا: فما هذا الصوت الذي يُسمعُ؟ قال: صوته. قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحَرْب والقتال والعذاب، عَدُوُّنا. لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات
стр. 770
والقَطْرِ لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والآية التي بعدها] (١).
يروي ابن جرير في التفسير عن ابن جُريج والعوفي، عن ابن عباس قال: (كان إسرائيل -وهو يعقوب- ﵇ يعتريه عرْق النّسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويُقْلِعُ الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عِرْقًا ولا يأكل ولدٌ له عرقًا). قال: (فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانًا به واقتداء بطريقه).
وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. قال ابن عباس: (أي إن هذا قبل التوراة). يعني: حرّم ذلك يعقوب على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.
قال الحافظ ابن كثير: (ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان: إحداهما: أن إسرائيل ﵇ حرَّمَ أحب الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شرعهم، فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] الآية.
المناسبة الثانية: لما تقدم بيان الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبيين زيف ما ذهبوا إليه، وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دوابِّ الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها، فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك. وكان الله قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه. وقد حُرِّمَ ذلك بعد ذلك. وكان التسرِّي على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرّى بها على سارة، وقد حُرِّم مثل هذا في التوراة عليهم. وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغًا، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حُرِّم
стр. 771
عليهم ذلك في التوراة. وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ﵇، في إحلاله بعض ما حُرِّمَ في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ).
وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنها تنطق بما قلناه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يعني: من ادّعى بعد ذلك أن الله شرع لهم السبت أو تكذيب ما أنزل بعد التوراة فقد أعظم على الله الفرية.
وِقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾. أي: قل يا محمد صدق الله فيما أنزل وأرسل وشرع. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن ملته هي ملة محمد ﷺ وجميع الرسل: التوحيد وإفراد الله بالتشريع والتعظيم.
٩٦ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عباده أن الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﷺ هي أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده. وفيه علامات واضحات أنه من بناء إبرإهيم، ومن عاذَ بالبيت كان حرمًا آمنًا له وملاذًا وملجأ، وقد فرض الله الحج على المستطيع من عباده، ومن جحَد وجوبه كان من الكافرين.
فقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال مجاهد وقتادة: (لم يوضع قبله بيت). وقال علي ﵁: (كان قبل البيت بيوت كثيرة، والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: [سألت رسول الله ﷺ عن أوّل مسجد وضع في الأرض. قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم
стр. 772
بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل] (١).
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (١/ ٤٩): (أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينهُ وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا جهل من هذا القائل، فإن سليمان إنما جدّد المسجد الأقصى، والذي أسّسه أولًا يعقوب بن إسحاق).
أخرج النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : [أن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله خِلالًا ثلاثة: سأل الله حُكْمًا يصادف حكمه فأُوتِيَهُ، وسأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنْهَزُهُ (٢) إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه فأوتيه] (٣).
قال القرطبي في التفسير بعد إيراده الحديثين: (فجاء إشكالٌ بين الحديثين، لأن بين إبراهيم وسليمان آمادًا طويلة. قال أهل التواريخ: أكثر من ألف سنة. فقيل: إن إبراهيم وسليمان ﵉ إنما جدّدا ما كان أسَّسَه غيرهما. وقد روي أن أوّل من بنى البيت آدم ﵇ كما تقدّم. فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا، ويجوز أن تكون الملائكة أيضًا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل، والله أعلم).
قلت: والتمسك بالنص أولى من التأويل، فهو صريح أن أول بيت وضع للناس بيت الله الحرام، والله أعلم بمن وضع أساسه الأول هل هو آدم أو بعض ولده أو الملائكة، ثم وُضع المسجد الأقصى بعده بأربعين عامًا، والله أعلم بمن وضعه، أهو يعقوب أم إبراهيم ﵉، أم غيرهما، ثم جُدِّد بناء الكعبة والمسجد الأقصى، فأقام الأول إبراهيم، وجدد بناء الثاني سليمان ﵉، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ خبر إن، واللام للتوكيد، وبكّة من أسماء مكة. قال
стр. 773
مجاهد: (بكة هي مكة). وقيل: سميت بكّة لأنها تَبُكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلّون بها ويخضعون عندها. قال عبد الله بن الزبير: (لم يقصدها جبار قطّ بسوء إلا وقَصَهُ الله .
وقيل: بكّة مشتقة من البَكّ وهو الازدحام. وسميت بذلك لازدحام الناس في موضع طوافهم. قال قتادة: (إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولَا يُفْعَل ذلك ببلد غيرها). أما مكة فسميت بذلك لأنها تمكّ من ظلم فيها أي تهلكه، وقيل: لقلة مائها سميت بذلك، وقيل لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة.
قلت: وكل هذه المعاني محتملة، فإن "بكة" موضع البيت، ومكة سائر البلد. ومن أسمائها: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رُحْم، وأم القرى، والبلدة، والكعبة وغير ذلك.
وقوله: ﴿مُبَارَكًا﴾. أي: جعله الله مباركًا لتضاعف العمل فيه، وقد نُصب على الحال.
وقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾. عطف عليه، يعني: ومآبًا لنسك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيمًا لله رب العالمين.
وقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. أي فيه علامات واضحات أنه من بناء إبراهيم، وهناك قراءة: "فيه آية بينة". قال مجاهد: (قدَماه في المقام آية بينة). والقراءة الأولى أشهر. قال قتادة: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: مقامُ إبراهيم، من الآيات البينات). وقال ابن عباس: (مقام إبراهيم والمشعر). قال ابن كثير: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولدُه إسماعيل، وقد كان مُلْصقًا بجدار البيت، حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّواف منه، ولا يشوّشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال ابن عباس: (من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يُؤوى ولا يُطْعَمُ ولا يُسْقى، فإذا خرج أُخِذَ بذنبه). وقال الحسن وعطاء: (في الرجل يصيب الحدّ ويلجأ إلى الحرم - يخرج من الحرم، فيقامُ عليه الحد).
стр. 774
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة] (١).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
اللام في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب. ثم أكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب. وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور. والحج أحد أركان الإسلام، ويجب على المستطيع في العمر مرة.
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [خَطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا. فقال رجل: كلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبتْ ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٢).
وروى الحاكم بسند حسن عن أنس: [أن رسول الله ﷺ سُئِل عن قول الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة] (٣).
قلت: والاستطاعة تشمل عند الفقهاء:
١ - صحة البدن.٢ - أمن الطريق.٣ - ملك الزاد والراحلة.٤ - المَحْرم للمرأة.
ودليل الصحة: ما في الصحيحين عن ابن عباس: [أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: حجي عنه] (٤).
ودليل الأمن: فلأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر، والنبي ﷺ يقول: [لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضاره الله، ومن شاق شاقّه الله] (٥).
стр. 775
ودليل ملك ما يكفيه: فاضلًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، قول النبي ﷺ : [كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت] (١).
ودليل وجوب المحرم للمرأة: ما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال: انطلق فحجَّ مع أمرأتك] (٢).
وإلى جعل المحرم للمرأة من الاستطاعة ذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد.
فإذا تحققت الشروط السابقة وجب الحج على الفور كما ذهب لذلك الإمام مالك وأحمد وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وأبو يوسف، محتجين بما روى الإمام أحمد وابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: [من أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يَمْرَض المريض، وتَضِلُّ الضالة، وتعرُض الحاجة].
وله طريق آخر عند أحمد بلفظ: [تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يَعْرِض له] (٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾. قال ابن عباس: (من زعم أنه ليس بفرض عليه). وقال الضحاك: (من جحد الحج وكفر به). وقال الحسن: (من أنكره، ولا يرى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كُفْرٌ).
وروى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غَنْم، أنه سمع عمر بن