عليهم ذلك في التوراة. وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ﵇، في إحلاله بعض ما حُرِّمَ في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ).
وقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنها تنطق بما قلناه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. يعني: من ادّعى بعد ذلك أن الله شرع لهم السبت أو تكذيب ما أنزل بعد التوراة فقد أعظم على الله الفرية.
وِقوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾. أي: قل يا محمد صدق الله فيما أنزل وأرسل وشرع. ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فإن ملته هي ملة محمد ﷺ وجميع الرسل: التوحيد وإفراد الله بالتشريع والتعظيم.
٩٦ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عباده أن الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﷺ هي أول بيت وضع للناس، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده. وفيه علامات واضحات أنه من بناء إبرإهيم، ومن عاذَ بالبيت كان حرمًا آمنًا له وملاذًا وملجأ، وقد فرض الله الحج على المستطيع من عباده، ومن جحَد وجوبه كان من الكافرين.
فقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾. قال مجاهد وقتادة: (لم يوضع قبله بيت). وقال علي ﵁: (كان قبل البيت بيوت كثيرة، والمعنى أنه أول بيت وضع للعبادة).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: [سألت رسول الله ﷺ عن أوّل مسجد وضع في الأرض. قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم
стр. 772
بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل] (١).
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (١/ ٤٩): (أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينهُ وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا جهل من هذا القائل، فإن سليمان إنما جدّد المسجد الأقصى، والذي أسّسه أولًا يعقوب بن إسحاق).
أخرج النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : [أن سليمان بن داود ﵇ لما بنى بيت المقدس سأل الله خِلالًا ثلاثة: سأل الله حُكْمًا يصادف حكمه فأُوتِيَهُ، وسأل الله مُلْكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنْهَزُهُ (٢) إلا الصلاةُ فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه فأوتيه] (٣).
قال القرطبي في التفسير بعد إيراده الحديثين: (فجاء إشكالٌ بين الحديثين، لأن بين إبراهيم وسليمان آمادًا طويلة. قال أهل التواريخ: أكثر من ألف سنة. فقيل: إن إبراهيم وسليمان ﵉ إنما جدّدا ما كان أسَّسَه غيرهما. وقد روي أن أوّل من بنى البيت آدم ﵇ كما تقدّم. فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا، ويجوز أن تكون الملائكة أيضًا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل، والله أعلم).
قلت: والتمسك بالنص أولى من التأويل، فهو صريح أن أول بيت وضع للناس بيت الله الحرام، والله أعلم بمن وضع أساسه الأول هل هو آدم أو بعض ولده أو الملائكة، ثم وُضع المسجد الأقصى بعده بأربعين عامًا، والله أعلم بمن وضعه، أهو يعقوب أم إبراهيم ﵉، أم غيرهما، ثم جُدِّد بناء الكعبة والمسجد الأقصى، فأقام الأول إبراهيم، وجدد بناء الثاني سليمان ﵉، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ خبر إن، واللام للتوكيد، وبكّة من أسماء مكة. قال
стр. 773
مجاهد: (بكة هي مكة). وقيل: سميت بكّة لأنها تَبُكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلّون بها ويخضعون عندها. قال عبد الله بن الزبير: (لم يقصدها جبار قطّ بسوء إلا وقَصَهُ الله .
وقيل: بكّة مشتقة من البَكّ وهو الازدحام. وسميت بذلك لازدحام الناس في موضع طوافهم. قال قتادة: (إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولَا يُفْعَل ذلك ببلد غيرها). أما مكة فسميت بذلك لأنها تمكّ من ظلم فيها أي تهلكه، وقيل: لقلة مائها سميت بذلك، وقيل لأنها تمك المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة.
قلت: وكل هذه المعاني محتملة، فإن "بكة" موضع البيت، ومكة سائر البلد. ومن أسمائها: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رُحْم، وأم القرى، والبلدة، والكعبة وغير ذلك.
وقوله: ﴿مُبَارَكًا﴾. أي: جعله الله مباركًا لتضاعف العمل فيه، وقد نُصب على الحال.
وقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾. عطف عليه، يعني: ومآبًا لنسك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيمًا لله رب العالمين.
وقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾. أي فيه علامات واضحات أنه من بناء إبراهيم، وهناك قراءة: "فيه آية بينة". قال مجاهد: (قدَماه في المقام آية بينة). والقراءة الأولى أشهر. قال قتادة: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: مقامُ إبراهيم، من الآيات البينات). وقال ابن عباس: (مقام إبراهيم والمشعر). قال ابن كثير: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولدُه إسماعيل، وقد كان مُلْصقًا بجدار البيت، حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّواف منه، ولا يشوّشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. قال ابن عباس: (من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يُؤوى ولا يُطْعَمُ ولا يُسْقى، فإذا خرج أُخِذَ بذنبه). وقال الحسن وعطاء: (في الرجل يصيب الحدّ ويلجأ إلى الحرم - يخرج من الحرم، فيقامُ عليه الحد).
стр. 774
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة] (١).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
اللام في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لام الإيجاب. ثم أكد الوجوب بقوله: ﴿عَلَى﴾ التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب. وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور. والحج أحد أركان الإسلام، ويجب على المستطيع في العمر مرة.
ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: [خَطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجّوا. فقال رجل: كلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبتْ ولما استطعتم. ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فائْتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه] (٢).
وروى الحاكم بسند حسن عن أنس: [أن رسول الله ﷺ سُئِل عن قول الله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة] (٣).
قلت: والاستطاعة تشمل عند الفقهاء:
١ - صحة البدن.٢ - أمن الطريق.٣ - ملك الزاد والراحلة.٤ - المَحْرم للمرأة.
ودليل الصحة: ما في الصحيحين عن ابن عباس: [أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوى على الراحلة، فأحج عنه؟ قال: حجي عنه] (٤).
ودليل الأمن: فلأن إيجاب الحج مع عدم ذلك ضرر، والنبي ﷺ يقول: [لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضاره الله، ومن شاق شاقّه الله] (٥).
стр. 775
ودليل ملك ما يكفيه: فاضلًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقته، قول النبي ﷺ : [كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت] (١).
ودليل وجوب المحرم للمرأة: ما في الصحيحين عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال: انطلق فحجَّ مع أمرأتك] (٢).
وإلى جعل المحرم للمرأة من الاستطاعة ذهب الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد.
فإذا تحققت الشروط السابقة وجب الحج على الفور كما ذهب لذلك الإمام مالك وأحمد وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وأبو يوسف، محتجين بما روى الإمام أحمد وابن ماجة بسند حسن عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: [من أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يَمْرَض المريض، وتَضِلُّ الضالة، وتعرُض الحاجة].
وله طريق آخر عند أحمد بلفظ: [تعجلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يَعْرِض له] (٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾. قال ابن عباس: (من زعم أنه ليس بفرض عليه). وقال الضحاك: (من جحد الحج وكفر به). وقال الحسن: (من أنكره، ولا يرى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كُفْرٌ).
وروى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غَنْم، أنه سمع عمر بن
стр. 776
الخطاب ﵁ يقول: (من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديًّا مات أو نصرانيًّا) (١).
٩٨ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.
في هذه الآيات: تقريع بكفرة أهل الكتاب ممن كفر بمحمد ﷺ وجحد نبوته، وقد علموا الحجج على نبوته من كتبهم، والله يشهد ما يصدون به عن سبيله، يبغون بذلك العوج والميل عن الهوى، وهم يعلمون أنهم يَحْرِفون الطريق الحق والصراط المستقيم، والله سبحانه ليس بغافل عن أعمالهم وتحريفهم ومكرهم.
١٠٠ - ١٠١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾.
في هذه الآيات: تحذير من الله سبحانه للمؤمنين أن يسقطوا في الطريق فيطيعوا طائفة من حسّادهم أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. ثم استنكار أن يقع الكفر من أحدهم بعدما سمع الوحي وعاصر النبوة. ثم تقرير أن الاعتصام بالله هو العمدة في الهداية إلى الصراط المستقيم.
فقوله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾. قال قتادة: (علَمان بيِّنان: وِجْدانُ نبي الله ﷺ ، وكتابُ الله. فأما نبي الله فمضى ﷺ . وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته).
стр. 777
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي يمتنع ويتمسّك بدينة وطاعته.
قال ابن جريج: (﴿يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾: يؤمن به). وقيل: المعنى يتمسك بحبل الله، وهو القرآن.
أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط مسلم، عن أبي شريح الخزاعي قال: [خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: أبشروا أبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فإن هذا القرآن سببٌ طرفُه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا] (١).
وقوله: ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال ابن كثير: (أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد).
١٠٢ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾.
في هذه الآيات: أمْرُ الله المؤمنين التزام التقوى بصدق والموت على الإسلام، والاعتصام بالجماعة والقرآن، ونبذ التفرقة والطغيان، وتذكر نعمة الله في صقل القلوب على المحبة وترك العدوان، فإن النجاة من عذاب الله بالهداية والإيمان.
أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال رسول الله ﷺ : لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه] (٢).
وأخرج الحاكم والطبري بسند صحيح موقوف عن مُرّة، عن عبد الله بن مسعود:
стр. 778
﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، قال: (أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر) (١).
وقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال طاووس: (على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام). وقال ابن كثير: (أي: حافظوا على الإسلام في حال صحّتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك).
وفي مسند أحمد وسنن النسائي بسند صحيح عن حكيم بن حزام قال: [بايعت رسول الله ﷺ أن لا أخِرَّ إلا قائمًا] (٢).
قيل: معناه أن لا أموت إلا مسلمًا. وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مُقْبلًا غير مُدبر.
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالحث على حسن الظن بالله حتى آخر لحظة عند الاحتضار، وعلى المبادرة بفعل الخيرات من أجل حسن الختام. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: [لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ] (٣).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [قال الله: أنا عند ظن عبدي بي] (٤).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي إن ظنّ خيرًا فلَهُ، وإن ظنّ شرًّا فلهُ] (٥).
وله شاهد عند الطبراني في "الأوسط" من حديث واثلة بلفظ: [إن الله تعالى يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، إن خيرًا فَخَيْرٌ، وإن شرًّا فَشَرٌّ] (٦).
стр. 779
وفي لفظ: [قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء] (١).
الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن أنس مرفوعًا: [قال الله : عبدي! أنا عند ظنك بي، وأنا معك إذا ذكرتني] (٢).
الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند حسن عن أنس: [أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو بالموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف] (٣).
وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ - فيه أكثر من تأويل لمعنى "حبل الله":
التأويل الأول: عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ قال: (الجماعة). وفي رواية: (قال: حَبْلُ الله، الجماعة).
التأويل الثاني: عن قتادة قال: (حبل الله المتين الذي أمر أن يُعْتصمَ به: هذا القرآن). وقال السدي: (أما "حبل الله"، فكتاب الله).
التأويل الثالث: عن عطاء: (﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾، قال: العهد). وقال مجاهد: (بعهد الله). وقال قتادة: (بعهد الله وأمره).
التأويل الرابع: قال أبو العالية: (يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده).
التأويل الخامس: قال ابن زيد: (الحبل: الإسلام).
قلت: وهذه التفاسير متقاربة يعضد بعضها بعضًا، فإن حبل الله هو القرآن والمنهج الذي ارتضاه لنبيّه ﷺ في فهمه، ولا يستقيم الاعتصام بذلك إلا بالجماعة، وهو مفهوم سيرته ﷺ ورحلة البناء التي مضى عليها طيلة حياته، حتى أفرز للأمة جماعة الحق ودولة الإسلام.
стр. 780
وقد جاء في السنة الصحيحة ربط الحبل بالاعتصام، والقرآن بالجماعة. في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند صحيح، عن جبير بن مطعم قال: [كنا مع رسول الله ﷺ بالجحفة فخرج علينا فقال: أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا] (١).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وأحمد بسند حسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [كتابُ الله، هو حَبْلُ الله الممدود من السماء إلى الأرض] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم عن النبي ﷺ قال: [ألا وإني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله ، وهو حبل الله، ومن اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة] (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. قال قتادة: (إن الله قد كره لكم الفُرقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله).
وقال أبو العالية: (﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، لا تعادوا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانًا).
قال الحافظ ابن كثير: (أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة. قال: وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ).
قلت: وقد أشارت السنة الصحيحة إلى هذا الضمان، فيما أخرج الترمذي بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويدُ الله على الجماعة] (٤).
стр. 781
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. قال ابن جرير: (واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام). والمقصود أن الجاهلية ونعراتها كانت قد أجهزت عليهم وفرقتهم وهي كذلك اليوم تفرق الناس وراء سبل الشياطين، ولا يجمعهم والله إلا هذا الدين.
قال قتادة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم، وألّف به بينكم. أما والله الذي لا إله الا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب).
وقال ابن إسحاق: (كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومئة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العدواة والحرب ما كان بينهم. ثم إن الله أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد ﷺ ).
يروي عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : [من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب] (١).
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾.
قال السدي: (يقول: كنتم على طرف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، فبعث الله محمدًا ﷺ فاستنقذكم به من تلك الحفرة). وقال حسن بن حيّ: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، قال: عصبية).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يعني: لتهتدوا إلى سبيل النجاة والرشاد، فتسلموا في الدنيا، وتنجوا في الآخرة.
١٠٤ - ١٠٩. قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا
стр. 782
الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾.
في هذه الآيات: يأمر سبحانه أن تَنْفِرَ أمةٌ من الأمة لحراسة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلا هلكت الأمة جميعًا. ثم يحذر سبحانه من الفرقة والاختلاف، ومغبة ذلك في الدنيا والآخرة، فإن أهل السعادة تبيَّض وجوههم يوم الحساب، وأهل الشقاوة تسوَّد وجوههم، وإلى الله المَلِكِ ترجع الأمور.
فقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قال الضحاك: (هم خاصة أصحابِ رسول الله، وهم خاصة الرواة). قال ابن كثير: (يعني المجاهدين والعلماء).
وقد حفلت السنة الصحيحة بهذا الأمر الإلهي المبارك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان] (١). وفي لفظ: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبّةُ خردل".
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن حُذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: [والذي نفسي بيده، لتأمُرُنّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكَنّ الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتَدْعُنَّه فلا يستجيب لكم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن عبيد الله بن جرير عن أبيه قال:
стр. 783
قال رسول الله ﷺ : [ما من قوم يُعْمل فيهم بالمعاصي، هم أعزّ منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب] (١).
وكذلك روى الإمام مالك في الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمرَ بن عبد العزير يقول: [كان يُقال: إن الله ﵎ لا يُعَذِّبُ العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جِهارًا استحقوا العقوبة كلهم].
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. نهيٌ عن سلوك سبيل الأمم الماضية التي فشا فيها التفرق في الدين وتشتيت الكلمة وتضييع العلم.
وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. وفي المسند وسنن أبي داود بسند حسن عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: [حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلّى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مِلّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلّة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخله. والله -يا معشر العرب- لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغَيْرُكُم من الناس أحرى أن لا يقوم به] (٢).
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. يعني في الآخرة لقاء تفرقهم وتضييع دينهم.
وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. قال ابن عباس: (تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسودّ وجوه أهل البدعة والفُرْقة). والمقصود: يوم القيامة.
وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. قال الحسن: (هم المنافقون، كانوا أعطوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم).
стр. 784
وقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: مقابل النفاق والجحود والاستهزاء بالدين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال ابن جرير: (يعني: في جنته ونعيمها وما أعدّ الله لأهلها فيها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية).
وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾. يعني: مواعظ الله وعبره وحججه، نقرؤها عليك ونقصّها بالصدق واليقين يا محمد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ﴾ أي: لا يظلم أيًّا من الفريقين، فهؤلاء بَيَّضَ وجوههم وكرّمهم برحمته وفضله لقاء ما أخلصوا له الدين، وهؤلاء سوّد وجوههم وانتقم منهم لقاء ما أجرموا ومكروا، فهو الحكم العدل الذي لا يجور.
وفي صحيح أبي داود والنسائي عن هانئ بن يزيد، عن النبي ﷺ قال: [إنّ الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكم] (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : [قال الله تعالى: يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا .. ] (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
تقرير للحقيقة الكبيرة الخالدة، فمردّ الجميع إلى خالقهم وبارئهم ومليكهم الحق، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
١١٠ - ١١٢. قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ
стр. 785
مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى عن كرامة هذه الأمة، وأنها أفضل الأمم إلى يوم القيامة، إذا قامت بمقتضى التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأنّ أهل الكتاب لو آمنوا بما أَنزل الله على محمد ﷺ مصدقًا لما معهم لكان خيرًا لهم، وقليل منهم المؤمنون. إنهم لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم، وهم أجبن الناس عند القتال، فقد كتب الله عليهم الذلة والهزيمة، وأنزل عليهم غضبه لقاء كفرهم وتجرئهم على أنبيائه بالقتل، ونشرهم الفساد والبغي في الأرض.
فقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. قال مجاهد. (كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا بالله).
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن مَيْسَرَة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: (خَيْرَ الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام).
ومفهوم كلام أبي هريرة أن إدخال الناس في الإسلام إنما هو رحمة لهم ونجاة من عذاب الله، فإنهم يقعون في الأسر أولًا بانتصار المسلمين، ثم يرون عظمة الإسلام ورحمته فيدخلون فيه، وكأنهم بهذه الصورة سيقوا إلى الجنة بالسلاسل.
وفي مسند أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن معاوية بن حَيْدَة، قال: قال رسول الله ﷺ : [أنتم تُوفُّون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ] (١).
وقد جاء في كثرة الداخلين الجنة من هذه الأمة أحاديث، يبدو منها أنهم يشكلون ثلثي أهل الجنة، وقسم كبير يدخلها بغير حساب ولا عذاب.
الحديث الأول: في الصحيحين والمسند عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: [عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرُّهَيط، والنبي ومعه الرُّهيط، والنبي ومعه
стр. 786
الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلّهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا. وذكرو أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ ، فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عُكّاشة بن مِحْصَن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عُكَّاشة] (١).
الحديث الثاني: في المسند وجامع الترمذي بسند جيد، عن أبي أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [وعدني ربي أن يُدخِلَ الجنة من أمتي سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا، لا حسابَ عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حَثَيات ربي ] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: [قال لنا رسول الله ﷺ : أما ترضون أن تكونوا رُبُع أهل الجنة؟ . فكبَّرنا. ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة؟ فكبرنا. ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطْرَ أهل الجنة] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، عن ابن بُرَيدة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: [أهل الجنة عشرون ومئة صف، هذه الأمة من ذلك ثمانون صَفًّا] (٤).
стр. 787
والخلاصة: هذه الأمة هي أمة الخيرية، وأمة الشهادة على الناس، وأمة الوسطية، فمن التزم الشرط الذي ذكره الله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ دخل في هذا الثناء العطر لهذه الأمة. قال عمر بن الخطاب: (من فعل فعلهم كان مثلهم). وقال قتادة: (بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حَجَّة حَجَّها، رأى من الناس دَعَة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها) ذكره ابن جرير.
وقوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾. يعني: بما أنزل الله على محمد ﷺ مصدقًا لما معهم. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال قتادة: (ذم الله أكثر الناس). والمراد: أن قلة منهم ستؤمن بما أنزل إليكم، وأكثرهم يتابعون على الفسق والضياع والانحراف.
وقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾. قال قتادة: (لن يضروكم، إلا أذى تسمعونه منهم). وقال الحسن: (تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة). وقال ابن جريج: (إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب).
وقوله: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. كناية عن انهزامهم وجُبْنهم أثناء القتال، وتولية ظهورهم يركبون الفرار، وقد كتب الله عليهم الذل وأيد المؤمنين بنصره عليهم.
قال ابن كثير: (وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كَسَرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم مُلْكَ الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى بن مريم، وهم كذلك، وَيَحْكُم بملة الإسلام وشرع محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام).
وقوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾.
قال الحسن: (أذلهم الله فلا مَنْعةَ لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين).
وقال السدي: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس). قال عطاء: (العهد حبلُ الله).
стр. 788
والمعنى: ألزمهم الله الذلة والصغار فلا يأمنون إلا بذمة من الله -وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم- وذمة من الناس- أي أمان لبعضهم إذا أمّنه واحد من المسلمين، أو ما يكون حال المهادنة والأسر.
وقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. أي: تحمّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه.
وقوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. أي: ألزموها. قال ابن جرير: (ومعنى المسكَنة: ذل الفاقة والفقر وخشوعهما).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: إنما قضى عليهم ما قضى من الذل والهزيمة لقاء كفرهم وتجرئهم على الأنبياء بالقتل حسدًا منهم وبغيًا في الأرض وحبًا للكبر.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. قال قتادة: (اجتنبوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِكَ مَنْ أُهلك قبلكم من الناس).
١١٣ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى أن من أهل الكتاب أمة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، آمنوا بمحمد ﵁ مع إيمانهم برسلهم وما أنزل من قبل، يقومون الليل ويتلون القرآن وهم من الصالحين. وما يفعلوا من خير فهو محسوب لهم والله عليم بالمتقين. إن أموال الكفار وأولادهم لن تدفع عنهم عذاب النار يوم القيامة. وإنما مثل ما ينفقون في هذه الدنيا من أموال وما يعملون من أعمال ظاهرها البر والصلاح كمثل زرع أهلكته الريح، فإن الله لا يقبل مع الشرك شيئًا.
стр. 789
وقد جاء في أسباب النزول لما تقدم من الآيات في أهل الكتاب حديثان صحيحان:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وابن حبان بسند حسن عن ابن مسعود قال: [أخّر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم. قال فنزلت هذه الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ -إلى قوله-: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾] (١).
فوصف الله تعالى أمة محمد ﷺ بأنهم يصلُّونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله.
الحديث الثاني: أخرج الطبراني ورجاله ثقات، عن ابن عباس ﵁ قال: [لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود أهل الكفر: ما آمن بمحمد وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
قال السدي: (﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قائمة).
قلت: ولا شك أن من آمن من أهل الكتاب وصدق بمحمد ﷺ فقد صار من أمته، وهم بذلك داخلون في الثناء العطر على أهل التلاوة والقيام والإيمان.
ولذلك قال: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. أي: من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها سجود هذه الأمة المعروف في صلاتها.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
стр. 790
أي: يقرون بالله ويصدقون بالبعث ويأمرون بالمعروف الذي جاء في الشرع، وأعلاه التصديق بمحمد ﷺ ، وينهون عن المنكر ومنه التكذيب بمحمد ﷺ ، وهم مسارعون في العمل الصالح لنيل مرضاة الله سبحانه واللحاق بالصالحين وهم أصحاب محمد ﷺ في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وما تفعل هذه الأمة من خير وبر وعمل صالح، فلن يبطل الله ثوابه، فهو أعلم بمن اتقاه وحرص على رضاه.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
أي: لن تدفع الأموال والأولاد شيئًا من عذاب الله مقابل الكفر، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: فإن من مات على الكفر ألزم صحبة النار الدائمة، ولا يقبل الله مالًا ولا رشوة ولا أحدًا يفتدي به من العذاب.
وقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال مجاهد: (نفقة الكافر في الدنيا).
وقوله: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾.
قال السدي: (يقول: كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر، أصابته فأهلكته، فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شِرْكهم).
والصر: شدة البرودة. قال ابن عباس: (برد شديد وزمهرير). وقال الضحاك: (ريح فيها برد). والمقصود: إبطال الله أجر ما ينفق هؤلاء الكفار في هذه الحياة الدنيا من أعمالٍ ظاهرها البر والصلاح ما داموا لم يقروا لله بالتوحيد، وللنبي ﷺ بالأسوة والرسالة والمتابعة.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذأ أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).
стр. 791
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ردٌّ لما نزل بهم إلى صنيعهم، فإن الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، بل الكافر هو الظالم لنفسه، الموردها هلاكها.
١١٨ - ١٢٠. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾.
في هذه الآيات: يُحذِّر الله تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسهم من دون أهل دينهم وملتهم، يطلعونهم على سرائرهم ليجهد هؤلاء المنافقون في المكر والخديعة وإلحاق الأذى بالمؤمنين. ها أنتم تحبون التقرب من هؤلاء الكفار، وهم يبادلونكم العداوة والغش والبغضاء، ويتآمرون مع المنافقين عليكم، فيحسدونكم على كل خير ينزل بكم، ويشمتون عند كل نازلة ومصيبة تلحق بكم، وإن تصبروا وتحتسبوا عند الله لا يضركم كيدهم، والله بما تعملون محيط.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. - إنما جعل البطانة مثلًا لخليل الرجل، فهو لشدة قربه منه يشبه ما ولي بطنه من ثيابه، في اطلاعه على أسراره.
قال قتادة: (نهى الله المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم من دون المؤمنين).
وقوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾. أي: لا يدعون جهدهم لإيقاع الفساد فيكم.
وقوله: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾. قال ابن جريج: (يقول في دينكم، يعني: أنهم يودون أن تعنتوا في دينكم). قال القرطبي: (﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: أي ودوا عنتكم، أي: ما يشق عليكم. والعنت المشقة).
стр. 792
وقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. قال قتادة: (قد بدت البغضاء من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم).
وقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. قال الربيع: (يقول: ما تكنُّ صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم).
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أيها المؤمنون، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن الله مواعظه وأمره ونهيه ومواقع النفع لكم.
وقد حفلت السنة الصحيحة بالتحذير من بطانة السوء وتوضيح بعض معالم مفاهيم السياسة الشرعية والعلاقات الدولية. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: [ما اسْتُخْلِفَ خليفةٌ إلا لهُ بطانتانِ: بِطانةٌ تأمُرُه بالخير وتحضُّهُ عليه، وبطانةٌ تأمُرُهُ بالشر وتحضُّه عليه، والمعصوم من عصم الله] (١).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح من حديث جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : [أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: لا تراءى ناراهما] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن سمرة بن جندب: [أما بعد، قال رسول الله ﷺ : من جامَعَ المُشْرِكَ، وسَكَنَ مَعَهُ، فإنه مثله] (٣).
وقوله: "من جامع المشرك" أي: بحيث يصير أكيله وقعيده وشريبه، وقوله: "وسكن معه" أي في ديار الكفار، فإن كان للكفار وجود في ديار الإسلام، فالحكم يبقى كذلك، لا بد من الولاء والبراء.
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁:
стр. 793
إن هاهنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبًا؟ فقال: (قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين).
وقوله: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش).
وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾. قال ابن عباس: (أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم، منهم لكم).
وقوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾. قال قتادة: (إذا لقوا المؤمنين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك، ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، فهم كما نعت الله .
والأنامل: جمع "أنْمُلَة". قال السدي: (الأصابع). وقال قتادة: (أطراف الأصابع). والمقصود: عضوا على أصابعهم تغيظًا من قوة المسلمين وتمنيًا لإفساد شوكتهم.
وقوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء الحُسّاد -من اليهود وأمثالهم من أهل الكتاب والمشركين- موتوا غيظًا لما رأيتموه من شوكة المؤمنين واجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم، فإن الله مع المؤمنين يؤيدهم بنصره وعونه، وهو ذو علم بما تخفيه صدور العالمين، من المنافقين والمؤمنين.
وقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾. قال الربيع: (هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم. وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به. قال الله : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
стр. 794
١٢١ - ١٢٣. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم أحد حين غدا النبي ﷺ يجهز منازل المؤمنين لخوض القتال، وهو سبحانه سميع للحوار الذي جرى بين نبيّه وبين أصحابه، عليم بسداد رأي النبوة في البقاء بالمدينة والتحصن بها. ثم تذكيره -تعالى- بتخاذل المنافقين حتى كادت فئتان من المؤمنين أن تجبنا لولا تثبيت الله لهم. ثم تذكيره -تعالى- المؤمنين بيوم بدر إذ نصرهم وهم قلة ليتقوا الله ولعلهم يشكرون.
فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾.
يخبر تعالى في هذه الآية عن يوم أحد، وكانت يوم السبت من شوال سنة ثلاث للهجرة. قال قتادة: (لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال). وقال عكرمة: (يوم السبت للنصف من شوال)، والله أعلم.
قال قتادة: (﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ذلك يوم أحد، غدا نبيُّ الله ﷺ من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال).
وقال مجاهد: (مشى النبي ﷺ يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين).
وقال ابن هشام: (تبوئ المؤمنين: تتخذ لهم مقاعد ومنازل).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أي: سميع للحوار الذي جرى بينك وبين أصحابك يا محمد، عليم أن رأيك بالبقاء والتحصن في المدينة أصوب وأدق.
وكان النبي ﷺ قد رأى رؤيا تشير إلى هزيمة وقتل يقع في أصحابه، ورأى أنه في درع حصينة فأوَّلَها المدينة.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [رأيت في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صَدْرُه، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خيرٌ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير
стр. 795
وثوابِ الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر] (١).
وفي رواية أحمد: [ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة] (٢).
ويروي الطبري بسندٍ حسن مرسل عن قتادة: [فقال ناس من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله، إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه فابرز إلى القوم، فانطلق رسول الله ﷺ فلبس لأمته -وهي الدرع الحصينة وأداة الحرب-، فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله ﷺ بأمر وعرضتم بغيره، فاذهب يا حمزة فقل لنبي الله ﷺ : أمرنا لأمرك تبع. فأتى حمزة فقال له: يا نبي الله إن القوم قد تلاوموا فقالوا. أمرنا لأمرك تبع. فقال رسول الله ﷺ : إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز] (٣).
ثم ذَكَّر سبحانه بتخاذل بعض الجيش من المنافقين حتى كادت فئتان من المؤمنين أن تجبنا وتفكرا في الرجوع، فعصمهم الله وثبتهم، فقال جل ذكره: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. قال قتادة: (وذلك يوم أحد، والطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار).
أخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: [نزلت هذه الآية فينا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: والله وليهما] (٤).
فهؤلاء همّوا بالرجوع لَمَّا أحدث المنافق عبد الله بن أُبي الخلل في الصفوف، فرجع بأهل النفاق إلى المدينة، فعصم الله بني سلمة وبني حارثة من الوقوع والزلل، وثبتهم حين جَبُنا عن لقاء العدو، وأعطى الله الأمة بذلك درسًا كبيرًا، أن من أصابه ضعف فليتوكل على الله، وليتذكر عظمته وجبروته، فإن ذلك يعينه على تجاوز الضعف والكسل، ويقوي نيّته وعزيمته.
стр. 796
ثم ذَكَّرَ الله سبحانه المؤمنين بيوم بدر، إذ كانوا قلة فأضعف أعداءهم، وأمدّهم بالملائكة المسوِّمين، أي المُعْلَمين، وعوض النقص بالعدد والعدة بهم. فقال جلَّ ذكره: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي).
١٢٤ - ١٢٩. قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾.
في هذه الآيات: إخبار الله تعالى عن يوم بدر وما كان من مشاركة الملائكة المؤمنين النصر، ونزول البشرى والطمأنينة والظفر. ثم وعدهم سبحانه وعدًا مماثلًا، يوم أحد، إن يصبروا ويصدقوا الاتباع والتقوى، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ليقطع طرفًا من المشركين فينتقم منهم أو يخزيهم بالخيبة والرجوع أذلاء صاغرين. إنه ليس لك -يا محمد- من الأمر شيء، فلو شاء الله لهداهم أو أخزاهم، فلا تستبعد إنابتهم، فقلوبهم بيد مالك السماوات والأرض العزيز الغفور الرحيم.
قال الحسن: (﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾، قال: هذا يوم بدر). وقال ابن إسحاق: (كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضًا). ولا تعارض مع قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ -إلى قوله-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فإن قوله ﴿مُرْدِفِينَ﴾ أي: يَرْدَفُهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم، فالتنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، ذكره ابن كثير. وبعض المفسرين ذهب أن الآية في يوم أحد، والتفسير الأول الذي ذكرناه أقرب، وهو اختيار شيخ المفسرين ابن جرير.
стр. 797
ثم وعدهم سبحانه وعدًا مماثلًا يوم أحد، أنهم إن يصبروا ويتقوا الله ويصدقوه الإيمان والقتال، ويأتيهم كفار قريش وتُبّاعهم ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، وهو ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم ببدر، يمددهم الله بخمسة آلاف من الملائكة الكرام، يقاتلون معهم في سبيل الله، ويقذفون الرعب في صفوف المشركين ويفرقوهم ويمزقوهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ له تأويلان عند المفسرين:
التأويل الأول: ما ذكره مجاهد، قال: (من غضبهم هذا). يعني الكفار يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
والتأويل الثاني: ما ذكره قتادة، قال: (من وجههم هذا) والمراد يوم بدر، إذ همّ كرز بن جابر وأصحابه بنصرة المشركين.
قال أبو جعفر: (وأصْلُ الفَوْر: ابتداء الأمر يؤخذ فيه ثم يوصل بآخر).
وفي لغة العرب: فارت القدرُ فورًا وفورانًا إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل.
ويُقال: مضيت إلى فلان من فوري هذا: أي من وجهي الذي ابتدأت فيه.
ولم يحصل المدد يوم أحد لعدم الصبر ومخالفة الأمر، على العكس من يوم بدر، وكنتم أيها المؤمنون يومئذ أحوج ما تحتاجون إلى مدد الملائكة وتأييدهم، لتطمئن بذلك قلوبكم، وتسكن بذلك نفوسكم، فما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ليقطع طرفًا من الذين كفروا (أي طائفة) قتلهم يوم بدر، وكانوا صناديدهم وقادتهم.
قال قتادة: (فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم وقادتهم في الشر).
وقأل الحسن: (هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة).
وقال ابن إسحاق: (أي ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم).
وقطع طرفًا آخر منهم يوم أُحد، إذ قُتل منهم بضع وعشرون من قادتهم وفرسانهم. قال السدي: (ذكر الله قتلى المشركين -يعني بأحد- وكانوا ثمانية عشر رجلًا فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ثم ذكر الشهداء فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية). في حين فصّل ابن إسحاق وابن هشام في السيرة أسماء القتلى من مختلف بطون المشركين.
стр. 798
قال ابن إسحاق: (فجميع من قتل الله ﵎ يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلًا).
ثم قال سبحانه: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. أي: يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم أيها المؤمنون سواء يوم بدر إذ رجعوا فَلَّا منهزمين، أو يوم أحد إذ لم يصيبوا شيئًا مما رجوا وكانوا يأملون.
فعن قتادة: (قوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يقول: يخزيهم).
وقد تجلّى هذا الكبت والخزي لجيش مكة وقادته في الأمور التالية:
أولًا: إن جيش المدينة بقي صامدًا، إذ لم يلتجئ المقدار الكبير منهم إلى الفرار رغم الارتباك الذي حصل، والفوضى التي عمت وسرت، بل قاوم ببسالة وشجاعة واستماتة حتى تجمع حول مقر قيادته والتف حولها، ولم تسقط كفته إلى حد يطارده جيش المشركين.
ثانيًا: إن جيش المدينة لم يقع أحد منهم في الأسر، رغم الطوق الحديدي الذي فرضه عليهم فرسان مكة وجنودها الغاضبون.
ثالثًا: لم يحصل كفار مكة على شيء من غنائم المسلمين رغم تطور الأحداث لصالحهم في بعض مراحل القتال.
رابعًا: لم ينهض كفار مكة إلى الصفحة الثالثة من القتال، مع أن جيش المسلمين لم يزل في معسكره أمام أعينهم وعلى مدّ أبصارهم.
خامسًا: ومغادرة المشركين أرض المعركة فورًا، إذ لم يقيموا بها يومًا أو يومين أو ثلاثة كعادة المنتصر في ذاك الزمان، مما يشير إلى خوف ورعب قد ملأ قلوبهم، وخشية من تطور مفاجئ للأحداث لا يمضي لصالحهم.
سادسًا: عدم اجترائهم على دخول المدينة لنهب أموالها وسبي ذراريها ونسائها، رغم أنها كانت على خطوات قريبة منهم، وكانت مفتوحة أمام تقدمهم لو أرادوا.
فكل هذه المعاني والآفاق داخلة في مفهوم قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾. فقد انسحب أبو سفيان من ساحة المعركة بسرعة كبيرة، خشية صفحة ثالثة من القتال، تكون فيها المعرة والهزيمة، وتستأنف فيها الفئة المؤمنة شجاعتها وتألقها المعهود.
ومع ذلك يا محمد، ليس لك من الأمر شيء، فلو شاء الله لهداهم أو أخزاهم،
стр. 799
فهو سبحانه أعلم بقلوبهم ومستقبلهم، وقد كان النبي ﷺ يستبعد إنابتهم لما أدموه.
روى مسلم في صحيحه عن أنس: [أن رسول الله ﷺ كُسرت رباعيته يوم أحد، وشجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيّهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾] (١).
وقد جاء في أسباب نزول هذه الآية أحاديث أخرى صحيحة، مما قد يدل على تعدد الحادثة التي تنزل فيها بعض آيات القرآن.
الحديث الأول: أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة: [أن الرسول ﷺ كان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: اللهم العن فلانًا وفلانًا لأحياءٍ من العرب، حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾] (٢).
وفي لفظ عند مسلم: (اللهم العن رِعْلًا وذكوان وعصية).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في التفسير عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: [كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوانَ بن أمية، وسهيلَ بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾] (٣).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن الزُّهري، حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا". بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد". فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ -إلى قوله- ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾] (٤).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أي: جميع ما بين أقطار السماوات
стр. 800
والأرض داخل في ملكه سبحانه وتحت تصرفه، وأهلهما عبيد بين يديه. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فمردّ الأمر له وحده لا شريك له، إن شاء غفر وستر، وإن شاء فضحَ ونشر، فلا يسأل عما يفعل. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال ابن إسحاق: (أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم).
١٣٠ - ١٣٦. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾.
في هذه الآيات: يخاطب الله تعالى المؤمنين يخبرهم أن الربا من أمر الجاهلية ليحذروه، وأن طاعة الله ورسوله سبيل النجاة والنصر والسعادة في الدارين. ثم يحثهم سبحانه على المسارعة بالاستغفار والإنفاق وكظم الغيظ والإحسان، واجتناب الفواحش والظلم والآثام، ليكونوا من أهل الخلود في الجنان.
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.
قال ابن إسحاق: (أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم).
وقال مجاهد: (قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾، قال: ربا الجاهلية).
وقال عطاء: (كانت ثقيف تدّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون؟ ).
وقال ابن زيد: (كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن.
стр. 801
يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حلّ الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوّله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًّا، ثم هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين. فإن لم يكن عنده جعلها أربِع مئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾.
وقد يسأل سائل: ما علاقة آية الربا بمعركة أحد، إذ تخللت هذه الآية فجأة بين آيات وصف المعركة! ؟
والجواب والله المستعان: كأن الله سبحانه يقول للمؤمنين الذين قاتلوا يوم أحد: كما أن الربا من أمر الجاهلية فيه تجاوز للحق، فكذلك ما حصل يوم أحد حينما عصى بعضكما أمر الرسول وغادروا المواقع فيه تجاوز للحد، فالربا فيه تجاوز للحد وكذلك معصية إلرسول، وكلاهما محرم ممنوع.
وهذا التفسير من ربط الربا بالحديث عن المعركة وآلام بعض مواقفها والحث على الطاعة مما لم أقف عليه في التفاسير، وأظنه من فتح الله وإلهامه وتوفيقه، وهو أعلم.
وقد ذكر الإمام القرطبي في التفسير عند هذه الآية نكتة بديعة أخرى حيث قال: (وإنما خصّ الربا من بين سائر المعاصي، لأنه الذي أذن فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والحرب يؤذن بالقتل، فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقتلتم. فأمرهم بترك الربا، لأنه كان معمولًا به عندهم والله أعلم).
ثم أمرهم سبحانه باستئناف حياة الطاعة لله والرسول والمسارعة إلى طلب المغفرة والأعمال الموصلة إلى الجنان ونعيم الآخرة، فإنما ينفعكم أيها المؤمنون أن تسارعوا إلى مغفرة من الله ورضوان وجنات فيها نعيم مقيم، وأن تخبتوا له سبحانه ولا تصروا على الزلل ومعاودة السقوط، وترفقوا بالناس إذا زلوا كما زللتم أو ضعفوا كما ضعفتم.
فقوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه أكثر من تأويل متقارب في المفهوم:
الأول: المسارعة إلى الصلوات المفروضة والنوافل. فعن أنس بن مالك ومكحول قالا: (معناه إلى تكبيرة الإحرام).
стр. 802
الثاني: المسارعة إلى المساجد لأداء الفرائض. فعن علي بن أبي طالب قال: (إلى أداء الفرائض).
الثالث: المسارعة إلى الإخلاص والتقوى. روي ذلك عن عثمان بن عفان.
الرابع: المسارعة إلى التوبة من الربا. ذكره القرطبي.
الخامس: المسارعة إلى الصدق والثبات في القتال. ذكره القرطبي.
ثم ذكر سبحانه بعض أبواب الخير الموصلة للنعيم والحور العين والخلود في جنات عدن، فذكر البذل والإنفاق في سبيل الله وكظم الغيظ والعفو عن الناس.
فعن ابن عباس قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ يقول: (في العسر واليسر). قال ابن جرير: (وقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه. يقال منه: كظم فلان غيظه، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها).
وقد حفلت السنة الصحيحة بمدح الكاظمين الغيظ والخازنين ألسنتهم وغضبهم، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب] (١).
الحديث الثاني: أخرج أحمد وأصحاب السنن بسند حسن، عن معاذ بن أنس، عن النبي ﷺ قال: [من كظَمَ غَيظًا، وهو قادر على أن يُنْفِذَه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّرَه من الحور العين، يزوجه منها ما شاء] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، من حديثا ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : [ما تَعُدّون الصرعة فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا تَصْرَعُه الرجال. قال: لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ،
стр. 803
قال رسول الله ﷺ : [الصُّرَعَةُ كُلُّ الصُّرَعةِ الذي يَغْضَبُ فيشتَدُّ غضبُهُ ويحمرّ وجهُهُ ويقشَعِرّ شعرُهُ فيصرَعُ غضبه] (١).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن جارية بن قُدامة السعدي: [أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قل لي قولًا ينفعني وأَقْلِلْ عليّ، لَعَلّي أعيه. فقال رسول الله ﷺ : لا تغضب. فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: لا تَغْضب] (٢).
الحديث السادس: أخرج الطبراني بسند حسن من حديث ابن عمر: [ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضًا يوم القيامة] (٣).
وله شاهد عند أبي يعلى من حديث أنس، قال رسول الله ﷺ : [من كفّ غضبه كفّ الله عنه عذابه، ومن خَزَنَ لسانَه ستر الله عَوْرتَه، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عُذْرَه] (٤).
ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال السدي: (أما الفاحشة فالزنا). وقال إبراهيم: (الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم). وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد.
وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال قتادة: (فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرّون الماضون قُدُمًا، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك).
وقال الحسن: (إتيان العبد ذنبًا إصرارٌ، حتى يتوب).
وقال السدي: (أما ﴿يُصِرُّوا﴾ فيسكتوا ولا يستغفروا).
стр. 804
أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين، الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (١).
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري). وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه من تاب تاب الله عليه).
فكأنه يخاطب سبحانه أهل أحد بقوله: يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا معصية الرسول والوقوع في مخالفته، وسارعوا إلى المغفرة والصدقة والعمل الصالح لتتجاوزوا ما حصل، وإياكم والإصرار على الذنب، فإن ذلك من الكبائر، وليكن ما حصل لكم يوم أحد مصدر رحمة يحملكم على رحمة الناس إذا ما وقعوا أو زلوا، فتتجاوزون عن هفواتهم، وتكظمون الغيظ عنهم، لتنالوا بذلك عفو الله ورضوانه.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. أي: جزاؤهم على هذه الصفات التي اتصفوا بها المغفرة والجنات، تجري تحتها الأنهار من ألوان المشروبات، ماكثين فيها أبدًا لا يحولون عنها.
وقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: أي: نعم المستقر للعاملين المجدين، وهي أرض الجنة وما زينها الله به، وما هيأها لأحبابه وأوليائه، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
١٣٧ - ١٤٣. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ
стр. 805
الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول تعالى ذكره: يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، قد مضت وسلفت سنن من الله في أقوام نوح وصالح وهود ولوط، وغيرهم من سُلَّاف الأمم قبلكم، من آمن منهم مثلكم ومن كفر، ثم كان الدمار والهلاك على من كذبوا رسلي، وسخروا بوحيي، فذاقوا غِبَّ خلافهم أمري. فلا تضعفوا ولا تهنوا ولا تأسوا على ما فاتكم، فلكم العاقبة والظهور إن صدقتم وآمنتم بنبيي، وإن كان نزل بكم جراح وألم فقد أصاب عدوّكم مثلُ ذلك، وهي السنن يصرفها الله بين عباده، والجنة تحتاج إلى جهاد وصدق لتبلغوها. لقد كنتم تتمنون الموت قبل لقائه فاصدقوا الله إذ رأيتموه ولا تجبنوا فتنقلبوا خاسرين.
وعن الربيع: (قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قال: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوكم مثله، يعزي أصحاب محمد ﷺ ، ويحثهم على القتال).
وقال مجاهد: (القرح: جراح وقتل).
وفي لغة العرب: أدال الله فلانًا من فلان إذا ظفر به. قال ابن إسحاق: (قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نصرفها للناس للبلاء والتمحيص).
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. قال ابن عباس: (في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء).
وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: ليميز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة). أي: ممن يبذلون مُهَجَهُم في سبيل الله ومرضاته.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. أي: الذين ظلموا أنفسهم بمعصيتهم ربهم. قال ابن إسحاق: (أي: المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرة على المعصية).
وقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال مجاهد: (ليبتلي). وقال ابن إسحاق:
стр. 806
(أي: يختبر الذين آمنوا، حتى يخلّصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صَبْرهم ويقينُهم).
وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (ينقصهم). وقال الحسن: (يمحق الكافر حتى يكذِّبه). والمقصود ينقصهم ويفنيهم.
وقال سلمة عن ابن إسحاق: (أي: يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. يعني: هل حسبتم أن ترثوا الجنة دون ابتلاء في قتال وجهاد أو شدائد ومصائب، كما قال تعالى في آية البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. وكقوله في سورة العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فلا بد من الفتنة ولا بد من الصبر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. تذكير من الله لهم بأيام الرخاء، والتسابق في الحديث عن الجهاد وتمني الموت في سبيل الله، وإنما يظهر الصدق عند اللقاء والتحام الصفوف.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله ﷺ قال: [لا تتمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف] (١).
وقوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قال مجاهد: (غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر. فلما كان يوم أحد، ولّى من ولّى منهم، فعاتبهم الله).
وقال ابن إسحاق: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلّى بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم).
стр. 807
١٤٤ - ١٤٨. قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾.
في هده الآيات: يقول جل ثناؤه: إنكم إنما تقاتلون من أجل دين الله سواء بقي محمد فيكم أو مات، ومن ثم فإن الشجاعة أثناء القتال لا تقصر الأعمار، وكذلك الجبن والفرار لا يزيد فيها، وأكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرينَ، فتأسوا بهم واستغفروا الله واسألوه الثبات والنصر، فإنه ينصركم كما نصرهم على القوم الكافرين، ويؤتيكم ثواب الدنيا والآخرة وهو سبحانه يحب المحسنين.
أخرج البخاري عن عائشة: [أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس مِن مَسْكَنِه بالسُّنْح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمَّمَ رسول الله ﷺ وهو مُغَشَّى بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك مَوْتَتَيْن، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها. قال الزهري: وحدثني أبو سلمة، عن ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يُكلِّم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا
стр. 808
أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلقّاها منه الناس كلُّهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وأخبرني سعيد بن المسيِّب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقُرت حتى ما تُقِلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض] (١).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. أي: لا يفارق أحد هذه الدنيا إلا في يومه الذي كتبه الله له، وفي الأجل الذي أراد الله له استيعابه.
أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (٢).
وفي التنزيل: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].
قال ابن كثير: (وهذه الآية - يعني آية آل عمران - فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقصُ من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العَبْدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهْبَان قال: قال رجل من المسلمين - وهو حُجْر بن عَدِيّ -: ما يمنعكم أنْ تَعْبروا إلى هؤلاء العدوّ هذه النطفة - يعني دجلة - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة. فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان. فهربوا).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة, ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه).
وقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. أي: سنعطيهم من رزقتا ورحمتنا وذلك حسب أعمالهم، وذلك في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 809
ثم قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
المعنى: أكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرين، فتأسوا بهم وبمنهاجهم.
والربيون: هم من يعبدون الربّ واحدهم ربِّي، ذكره نحويو البصرة، وأما نحويو الكوفة فقالوا: هم العلماء والألوف، وأما أهل التفسير فقد ذكروا أكثر من معنى:
الأول: الربيون هم الجموع. قال ابن عباس: (ربيون كثير: جموع كثيرة).
الثاني: الربيون هم العلماء. قال ابن عباس أيضًا: (ربيون كثير: علماء كثير).
الثالث: الربيون هم الفقهاء. قال الحسن: (فقهاء علماء).
الرابع: الربيون هم الأتقياء الصابرون. قال ابن المبارك: (أتقياء صُبُر).
الخامس: الربيون هم الأتباع. ذكره ابن جرير.
وجملة القول: إن كثيرًا من الرسل قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم أتباعهم، من الأتقياء والصابرين والفقهاء والعلماء والجموع الكثيرة المؤمنة، فما عجزوا ولا نكلوا عن جهاد أعدائهم، وما انهزموا حين أصابهم الألم والقتل، بل ثبتوا أثناء القتال وما فروا من عدوهم، فهؤلاء هم الأسوة لكم يا أصحاب محمد من بين الأمم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال ابن عباس: (خطايانا). وقال مجاهد: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾، خطايانا وظلمنا أنفسنا).
وقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. أي: عند لقاء عدونا. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي وانصرنا على القوم الذين جحدوا وحدانيتك ونبوة نبيك، وارتضوا بتحكيم مناهج الأهواء والشهوات بدلًا من منهاج الحق.
وقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جريج: (النصر والغنيمة). أي الظهور على عدوهم.
وقوله: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾. أي رضوان الله ورحمته. قال ابن إسحاق: (الجنة وما أعدّ فيها).
стр. 810
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: بأقوالهم وأفعالهم، فيثبتون على منهاج العلم والجهاد إلى حين يلقون ربهم.
١٤٩ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله سبحانه المؤمنين المصدقين لرسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه، بأنهم إن يطيعوا الجاحدين لنبوته ﵇، المكذبين بهديه وبالقرآن، فإنهم سيحملونهم بذلك على الردة بعد الإيمان، والضلال والهلاك والخسران، ولكن سيلقي الله أيها المؤمنون الرعب والهلع في قلوب من حاربكم بأحد، بشركهم وطاعتهم للشيطان، وبامتثالكم لأوامر نبيكم ﵊، فها أنتم تحسونهم في بداية المعركة حَسًّا. قال مجاهد: (تقتلونهم). وقال الربيع: الحَسُّ القتل). حتى إذا جبنتم (١) وضعفتم واختلفتم في أمر الله وعصيتم نبيكم، أنزل بكم شيئًا من الهزيمة، وقذف عليكم عدوكم، بعدما أراكم من عدوكم ما تحبون، فلما آثرتم الدنيا ردّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم، بعدما طاردتموهم، ليكروا عليكم من جديد مستفيدين من مخالفتكم، ثم عفا الله عنكم رحمة بكم وتقديرًا لإيمانكم.