(أي: يختبر الذين آمنوا، حتى يخلّصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صَبْرهم ويقينُهم).
وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن عباس: (ينقصهم). وقال الحسن: (يمحق الكافر حتى يكذِّبه). والمقصود ينقصهم ويفنيهم.
وقال سلمة عن ابن إسحاق: (أي: يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. يعني: هل حسبتم أن ترثوا الجنة دون ابتلاء في قتال وجهاد أو شدائد ومصائب، كما قال تعالى في آية البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. وكقوله في سورة العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. فلا بد من الفتنة ولا بد من الصبر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. تذكير من الله لهم بأيام الرخاء، والتسابق في الحديث عن الجهاد وتمني الموت في سبيل الله، وإنما يظهر الصدق عند اللقاء والتحام الصفوف.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله ﷺ قال: [لا تتمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف] (١).
وقوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قال مجاهد: (غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر. فلما كان يوم أحد، ولّى من ولّى منهم، فعاتبهم الله).
وقال ابن إسحاق: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلّى بينكم وبينهم، وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم).
стр. 807
١٤٤ - ١٤٨. قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾.
في هده الآيات: يقول جل ثناؤه: إنكم إنما تقاتلون من أجل دين الله سواء بقي محمد فيكم أو مات، ومن ثم فإن الشجاعة أثناء القتال لا تقصر الأعمار، وكذلك الجبن والفرار لا يزيد فيها، وأكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرينَ، فتأسوا بهم واستغفروا الله واسألوه الثبات والنصر، فإنه ينصركم كما نصرهم على القوم الكافرين، ويؤتيكم ثواب الدنيا والآخرة وهو سبحانه يحب المحسنين.
أخرج البخاري عن عائشة: [أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس مِن مَسْكَنِه بالسُّنْح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمَّمَ رسول الله ﷺ وهو مُغَشَّى بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك مَوْتَتَيْن، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد مُتَّها. قال الزهري: وحدثني أبو سلمة، عن ابن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يُكلِّم الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا
стр. 808
أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلقّاها منه الناس كلُّهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وأخبرني سعيد بن المسيِّب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقُرت حتى ما تُقِلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض] (١).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. أي: لا يفارق أحد هذه الدنيا إلا في يومه الذي كتبه الله له، وفي الأجل الذي أراد الله له استيعابه.
أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (٢).
وفي التنزيل: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١].
قال ابن كثير: (وهذه الآية - يعني آية آل عمران - فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقصُ من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العَبْدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهْبَان قال: قال رجل من المسلمين - وهو حُجْر بن عَدِيّ -: ما يمنعكم أنْ تَعْبروا إلى هؤلاء العدوّ هذه النطفة - يعني دجلة - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة. فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان. فهربوا).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة, ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه).
وقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾. أي: سنعطيهم من رزقتا ورحمتنا وذلك حسب أعمالهم، وذلك في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 809
ثم قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.
المعنى: أكثر الأنبياء من قبل قاتل معهم أتباعهم وحواريوهم وجنودهم، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا بل كانوا من الصابرين، فتأسوا بهم وبمنهاجهم.
والربيون: هم من يعبدون الربّ واحدهم ربِّي، ذكره نحويو البصرة، وأما نحويو الكوفة فقالوا: هم العلماء والألوف، وأما أهل التفسير فقد ذكروا أكثر من معنى:
الأول: الربيون هم الجموع. قال ابن عباس: (ربيون كثير: جموع كثيرة).
الثاني: الربيون هم العلماء. قال ابن عباس أيضًا: (ربيون كثير: علماء كثير).
الثالث: الربيون هم الفقهاء. قال الحسن: (فقهاء علماء).
الرابع: الربيون هم الأتقياء الصابرون. قال ابن المبارك: (أتقياء صُبُر).
الخامس: الربيون هم الأتباع. ذكره ابن جرير.
وجملة القول: إن كثيرًا من الرسل قاتلوا في سبيل الله، وقاتل معهم أتباعهم، من الأتقياء والصابرين والفقهاء والعلماء والجموع الكثيرة المؤمنة، فما عجزوا ولا نكلوا عن جهاد أعدائهم، وما انهزموا حين أصابهم الألم والقتل، بل ثبتوا أثناء القتال وما فروا من عدوهم، فهؤلاء هم الأسوة لكم يا أصحاب محمد من بين الأمم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾. قال ابن عباس: (خطايانا). وقال مجاهد: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾، خطايانا وظلمنا أنفسنا).
وقوله: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. أي: عند لقاء عدونا. ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي وانصرنا على القوم الذين جحدوا وحدانيتك ونبوة نبيك، وارتضوا بتحكيم مناهج الأهواء والشهوات بدلًا من منهاج الحق.
وقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾. قال ابن جريج: (النصر والغنيمة). أي الظهور على عدوهم.
وقوله: ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾. أي رضوان الله ورحمته. قال ابن إسحاق: (الجنة وما أعدّ فيها).
стр. 810
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: بأقوالهم وأفعالهم، فيثبتون على منهاج العلم والجهاد إلى حين يلقون ربهم.
١٤٩ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾.
في هذه الآيات: يخبر الله سبحانه المؤمنين المصدقين لرسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه، بأنهم إن يطيعوا الجاحدين لنبوته ﵇، المكذبين بهديه وبالقرآن، فإنهم سيحملونهم بذلك على الردة بعد الإيمان، والضلال والهلاك والخسران، ولكن سيلقي الله أيها المؤمنون الرعب والهلع في قلوب من حاربكم بأحد، بشركهم وطاعتهم للشيطان، وبامتثالكم لأوامر نبيكم ﵊، فها أنتم تحسونهم في بداية المعركة حَسًّا. قال مجاهد: (تقتلونهم). وقال الربيع: الحَسُّ القتل). حتى إذا جبنتم (١) وضعفتم واختلفتم في أمر الله وعصيتم نبيكم، أنزل بكم شيئًا من الهزيمة، وقذف عليكم عدوكم، بعدما أراكم من عدوكم ما تحبون، فلما آثرتم الدنيا ردّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم، بعدما طاردتموهم، ليكروا عليكم من جديد مستفيدين من مخالفتكم، ثم عفا الله عنكم رحمة بكم وتقديرًا لإيمانكم.
стр. 811
وقد ثبت في السنة الصحيحة إلقاء الله الرعب في قلوب أعداء هذا النبي ﷺ في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: [أعطيت خمسًا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مَسِيرة شَهْرٍ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحِلَّت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة] (١).
الحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: [نصرت بالرعب على العدو] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البيهقي بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [فُضِّلتُ بأربع: جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجلٍ من أمتي أتى الصلاةَ فلم يجدْ ما يصلي عليه وَجَدَ الأرض مسجدًا وطَهورًا، وأُرسلتُ إلى الناس كافة، ونُصرتُ بالرعبِ من مسيرة شهرين يَسيرُ بينَ يديَّ، وأُحِلَّت لي الغنائم] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الطبراني عن السائب بن يزيد عن النبي ﷺ قال: أفضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجُعلت ليَ الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحِلّت لي الغنائم، ولم تَحِل لأحد قبلي] (٤).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾. بيان لما كان من النصر أول المعركة.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: [ما نصر الله النبي ﵌ في موطن كما نصره يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك. فقال ابن عباس: بيني وبين مَنْ أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس: والحسُّ: القتل. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ
стр. 812
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. الآية، وإنما عنى بهذا الرماة.
وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقْتَلُ فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا". فلما غنم النبي ﷺ ، وأباحوا عسكر المشركين، أكبّ الرماة جميعًا ودخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ منهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا، فلما أخَلّ الرماة تلك الخَلَّة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله ﷺ ، فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار .. ] (١).
وفي صحيح البخاري عن البراء قال: [لقينا المشركين يومئذ، وأجْلَسَ النبي ﷺ جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله - يعني ابن جبير - وقال: "لا تَبْرَحُوا إن رأيتمونا ظَهَرْنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا". فلما لقيناهم هَرَبوا، حتى رأيت النساء يشْتَددنَ في الجبل، رفعن عن سوقهنّ، قد بدت خلاخِلُهُنَّ، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبَوا صرف وجوههم، فَأصيبَ سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قُتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال له: كَذَبْتَ يا عدوَّ الله، أبقى الله لك ما يُحْزِنُكَ. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجَلّ. قال أبو سفيان: لنا العُزّى ولا عزَّى لكم. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سِجالٌ، وستجدون مُثْلَة لم آمر بها ولم تسؤني] (٢).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال قتادة: (أي: اختلفتم في الأمر, ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، وذاكم يوم أحد، عهد إليهم نبي الله ﷺ وأمَرَهُم بأمر فنسوا العهد، وجاوزوا، وخالفوا ما أمرهم نبي الله ﷺ ، فقذف
стр. 813
عليهم عدوّهم، بعدما أراهم من عدوهم ما يحبون). وقال الربيع: (﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾، يقول: جبنتم عن عدوِكم).
وقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. قال السدي: (فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا، والذين بقوا وقالوا: لا نخالف قول رسول الله ﷺ ، أرادوا الآخرة).
وقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم).
والمقصود حين صُرفوا إلى الغنائم والدنيا، فمال عليهم خالد بن الوليد.
قال الحسن: (صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدّة من أسروا يوم بدر، وقتل عم رسول الله ﷺ ، وكسرت رباعيّته، وشجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم"؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله ﷺ وعدنا النصر؟ فأنزل الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾).
أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: [لما كان يوم أحد هُزِمَ المشركون، فصرخ إبليس لعنةُ الله عليه، أي عبادَ الله أُخْراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبَصُرَ حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي، أبي، قال: فوالله ما احتجزوا -أي ما انفكوا عن بعضهم- حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله ] (١).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن جريج: (﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾، قال: لم يستأصلكم). وقال ابن إسحاق: (ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْتُ بفضلي عليكم).
وقال الحسن: (هؤلاء مع رسول الله ﷺ ، في سبيل الله، غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق
стр. 814
الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ (١) كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحبُ عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه! ! فسوف يعلم).
وقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.
قال ابن عباس: (صعدوا في أحد فرارًا). وقال: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا).
إلا أن المشركين حين سمعوا صوته عرفوه، فمالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من أصحابه، محاولين الإجهاز عليه بكل ما يمكنهم، وكان رسول الله ﷺ بين تسعة من رجاله، خاضوا عراكًا عنيفًا، وَأَظْهَرُوا نوادرَ من الحب والتفاني والاستبسال.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس ﵁: [أن رسول الله ﷺ أُفرِدَ يومَ أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه - أي غشوه وقربوا منه - قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا فقال: من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا] (٢).
أي: ما أنصفت قريش الأنصار، لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرج الأنصار واحدًا بعد واحد فقتلوا عن آخرهم، ثم شقّت فئة من المسلمين طريقها عبر الأهوال حتى وصلت إلى مكان القيادة النبوية المحاصر.
أخرج البخاري في صحيحه عن أبي عثمان قال: [لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غيرُ طلحة وسعد] (٣).
وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾. قال قتادة: (كانوا تحدّثوا يومئذ أن نبي الله ﷺ أصيب، وكان الغم الآخر قنل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم).
стр. 815
وقال الربيع: (الغم الأول: الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن رسول الله ﷺ قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: من الهرب أو الإقدام، وهو محص عليكم جميع أعمالكم.
١٥٤ - ١٥٥. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾.
في هذه الآيات: إنزال الله النعاس أمانًا على أهل الصدق واليقين، وفضح سلوك المنافقين، واختبار الصدق في قلوب المؤمنين.
فقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾. أي: الأمان، أنزله تعالى على أهل الصدق واليقين، دون أهل الشك والمنافقين. ثم بين أن الأمنة كانت نعَاسًا، بنصب النعاس على البدل من أمنة.
أخرج النسائي والترمذي بسند صحيح عن أنس، عن أبي طلحة قال: [رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حَجَفَتِه من النعاس، فذلك قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾] (١).
قال ابن عباس: (أَمَّنَهُم يومئذ بنعاس غشّاهم، وإنما ينعُسُ من يأمن).
стр. 816
فلقد كان المسلمون مغتمين مهمومين آنذاك لما أصابهم ونبيّهم من الإجهاد والأذى والتعب، فأنزل الله عليهم النعاس فناموا يسيرًا ثم أفاقوا وقد أذهب الله عنهم القلق والخوف وأبدلهم مكانه راحة وسكنًا، وملأ نفوسهم وقلوبهم أمنًا وطمأنينة.
يروي البخاري عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ قال: [كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه] (١).
وقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
قال ابن إسحاق: (أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة). وعن قتادة: (﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، قال: ظن أهل الشرك). يشير سبحانه بذلك إلى طائفة المنافقين الذين أهمتهم أنفسهم دون أن يفكروا بمصاب المسلمين وبمصير الإسلام، فذمهم الله في هذه الآية، بعد أن ذكر نعمته على طائفة الحق الذين أهمهم مصير الإسلام وربطوا سعادة قلوبهم بانتصار هذا الدين وزهوه وعلوه في الأرض، فأنزل عليهم أمنة نعاسًا يجلو به الغم عن نفوسهم وينعش قلوبهم. في حين لا يغشى النعاس من أهمتهم أنفسهم بسب القلق والجزع والخوف على مصالح دنياهم.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال القرطبي: (لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي: ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها).
فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ يعني القدر خيره وشره من الله.
وقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾. مُفَسَّرُ بقوله تعالى بعده يوضح ما أخفوه عن رسول الله ﷺ ، وهي هذه المقالة: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.
قال ابن إسحاق: (فحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره. قال: فوالله إني لأسمع
стр. 817
قول مُعَتِّب بن قُشَير (١)، ما اسمعه إلا كالحلم يقول: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. فحفظتها منه) (٢).
وقرأ عامة قراء الحجاز والعراق: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ بنصب الكل على النعت للأمر. وقرأه بعض قراء البصرة ﴿كلُّه﴾ بالرفع على الابتداء، وخبره ﴿لله﴾ والجملة خبر ﴿إن﴾، والقراءة الأولى أشهر عند القراء. وهي اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
قل -لهؤلاء المنافقين- يا محمد: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا الموقف والحرب كما تحبّ نفوسكم، لظهر للموضع من قد كتب عليه القتل فيه، ولخرج لينال مصرعه في المكان الذي كُتب عليه أن يصرع فيه.
وقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: ليكشف الله بالاختبار المؤمن من المنافق فيظهر أمره، فيميز الخبيث من الطيب.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. أي: لا يخفى عليه ما في صدورهم، مما استخفَوْا به منكم - أيها المؤمنون.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾. عتاب من فرّ من المؤمنين بأحد، وإنما دعاهم إلى هذه الزلة الشيطان.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾. قال ابن جريج: (إذ لم يعاقبهم). ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عاصم، عن شقيق، قال: (لقي عبد الرحمن بن عوف الوليدَ بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جَفَوْتَ أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفرّ يوم عَيْنَيْن - قال عاصم: يقول: يوم أحد - ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سُنَّة عمر. قال: فانطلق فَخَبَّرَ ذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله إني لم أَفِرَّ يوم عَيْنَيْن، فكيف يُعَيِّرني بذنب وقد عفا الله عنه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ
стр. 818
عَنْهُمْ﴾. وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رُقَيَّةَ بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ فقد شَهِدَ، وأما قوله: إني تركت سُنَّةَ عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فائْتِه فحدِّثه بذلك] (١).
قال القرطبي: (ونظير هذه الآية توبة الله على آدم ﵇. وقوله ﵇: "فحج آدم موسى" أي: غلبه بالحجة).
١٥٦ - ١٥٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾
في هذه الآيات: تحذيرٌ من الله سبحانه المؤمنين أن يشابهوا الكفار في سوء يقينهم بالله العظيم، وترغيب لهم في الشهادة في سبيل الله لنيل المغفرة ورحمة الله الكريم.
قال ابن إسحاق: (أي: لا تكونوا كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله وَالضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا).
وأصل الضرب في الأرض الإبعاد فيها سيرًا. قال السدي: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وهي التجارة). وقال ابن إسحاق: (الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله).
قال ابن جرير: (يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون من غزا منهم فقتل، أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله، أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا, ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾،
стр. 819
يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنًا في قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده). وقيل: المعنى لا تصدقوهم ولا تلتفتوا لهم، فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة لما هم فيه من الخزي والندامة، ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: يقدر على أن يحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله. ومنه قول خالد بن الوليد عند موته: (ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أنا ذا أموت كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء).
وجاء في سير أعلام النبلاء عن عاصم بن بهدلة: عن أبي وائل قال: (لما حضرت خالدًا الوفاة، قال: لقد طلبت القتل مظانَّهُ فلم يُقدَّر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد مِن ليلة بتُّها وأنا متترس، والسماء تهلّني ننتظر الصبح حتى نُغير على الكفار. ثم قال: إذا متُّ، فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوه عدة في سبيل الله. فلما توفي، خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يَسْفحْنَ على خالد من دموعهن ما لم يكن نَقْعًا أو لَقْلَقَةٌ (١)) (٢).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. قال القاسمي: (تهديد للمؤمنين في مماثلة من ذكر).
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. إخبار من الله سبحانه أن القتل في سبيله والموت في مرضاته وحيث الدفاع عن دينه خير من جميع هذه الدنيا وزينتها، وهو السبيل الأمثل إلى نيل مغفرته ورحمته ورضوانه.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: [مِنْ خير معاشِ الناس لهم، رجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فرَسِهِ في سبيل الله، يطير على مَتْنِه، كُلَّما سمعَ هَيْعَةً أو فَزْعَةً طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه .. ] الحديث (٣).
وقوله: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.
قال القرطبي: (وَعْظٌ. وعظهم الله بهذا القول، أي لا تَفِرّوا من القتال ومما أمركم
стр. 820
به، بل فِرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مَرَدّكُم إليه لا يملك لكم أحد ضرًّا ولا نفعًا غيره).
والمعنى: من مات أو قُتل فالمآل إلى الله، وهناك الجزاء والثواب، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر، عن رسول الله ﷺ ، فيما يرويه عن ربه : [يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه] (١).
١٥٩ - ١٦٤. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾.
في هذه الآيات: تليينُ الله تعالى جانب وطباع هذا النبي الكريم، وحثه على العفو والاستغفار والمشاورة للمؤمنين، وحسن التوكل على الله الذي بيده النصر المبين، وامتنان من الله تعالى على المؤمنين بهذا النبي وهذا الوحي العظيم.
فلقد امتن الله على هذه الأمة أن ألان لهم قلب نبيه الكريم، وأطاب لهم لفظه، وجعله بهم رؤوفًا رحيمًا. قال قتادة: (﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، يقول: فبرحمة من الله لنت لهم). و "ما" صلة، والعرب تجعل "ما" صلة في المعرفة والنكرة، كقوله
стр. 821
تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. هذا في المعرفة. وقال تعالى: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾. والمعنى: عن قليل. وهذا في النكرة.
والمقصود: برحمة الله، يا محمد، بك وبمن آمن بك، سهلت أخلاقك ولان جانبك وحسنت طبائعك. وهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
وفي المسند للإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة قال: [أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين له قلبي] (١).
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
المعنى: لو كنت قاسي القلب شديد الطباع سيِّئ الكلام لتركوك ولم يتبعوك، ولكن الله جمع لك من صفات الرفق واللين حتى كنت مضرب المثل بين قومك في حسن الخلق وجمال الطباع ومحاسن العادات. قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
وفي صحيح البخاري عن حديث عبد الله بن عمرو. - يحكي عن صفة النبي ﷺ في التوراة -: [والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر] (٢).
وأخرج الحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [مكتوب في الإنجيل: لا فظٌّ، ولا غليظ، ولا سَخَّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح] (٣).
وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
قال ابن إسحاق: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، أي: فتجاوز عنهم, ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم).
стр. 822
وقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. قال قتادة: (أمر الله نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحرب السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم بعضًا وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشده).
وقال الضحاك بن مزاحم: (ما أمر الله نبيه ﷺ بالمشورة، إلا لما علم فيها من الفضل).
وقال الحسن: (ما شاور قوم قطّ إلا هُدوا لأرشد أمورهم).
وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [المستشار مؤتمن] (١). وقد امتلأت السنة الصحيحة بصور من الشورى في حياة النبي ﷺ وأصحابه، مثها:
١ - مشورته لأصحابه يوم بدر في الذهاب إلى قتال المشركين.
يروي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مَشهَدًا لأنْ أكونَ صاحِبَه أحَبُّ إليّ مما عُدِلَ به، أتى النبي ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قومُ موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكنا نقاتِلُ عن يمينك وعن شمالِكَ وبينَ يديك وخَلْفَكَ. فرأيت النبي ﷺ أَشْرَقَ وَجْههُ وسَرَّه، يعني قوله] (٢).
٢ - مشورته ﵊ لأصحابه في قصة الإفك.
يروي البخاري عن عائشة قالت: [لمّا ذُكِرَ مِنْ شأني الذي ذُكِرَ، وما عَلِمْتُ به، قام رسول الله ﷺ فِيَّ خطيبًا فتشَهَّدَ فَحَمِدَ الله وأثنى عليه بما هو أهلهُ ثم قال: أمّا بعد، أشيروا عليَّ في أناس أبَنُوا أهلي، وايمُ الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبَنُوهُمْ بِمَنْ والله ما علمتُ عليه من سوء قَطّ، ... ] الحديث (٣).
٣ - مشورته ﵇ لأصحابه في أسارى بدر.
روى مسلم عن ابن عباس قال: [فلما أسَروا الأُسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعُمَرَ: ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العمّ والعشيرة ... فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: لا، والله
стр. 823
يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمَكِّنا فنضرب أعناقهم ... ] الحديث (١).
٤ - مشورته ﵇ قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو (٢).
٥ - مشورته السعدين يوم الخندق - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - لمصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم، فأخذ برأيهما (٣).
٦ - مشورته أصحابه في حصار الطائف ومشورته عام الحديبية (٤)،
وأما في حياة أصحابه:
فقد روى البيهقي بسند صحيح عن ميمون بن مهران قال: (كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه أمر نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى بينهم، وإن علمه من سنة رسول الله ﷺ قضى به، وإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين عن السنة، فإن أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم) (٥).
وذكر البخاري في كتاب الاعتصام: (كان القراء أصحاب مشورة عمر كُهولًا كانوا أو شبابًا، وكان وقّافًا عند كتاب الله (٦).
ثم قال البخاري: (وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ﷺ ).
وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. يعني: إن صحّ عزمك -بتثبيت الله لك وتسديده
стр. 824
لك فيما نابك - وقد استشرت أصحابك فامض متوكلًا على الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
يعني: إن أراد سبحانه نصركم وقد اجتمعت أهل الأرض على خذلانكم فلا سبيل لهم عليكم، وإن أراد خذلانكم وقد أجمع أهل الدنيا على نصركم فلا سبيل لنصركم، فعليه سبحانه فتوكلوا، وانصروا دينه وأخلصوا، حتى تنالوا نصره وتأييده. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.
أخرج الطبرانى بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: أبعث النبي ﷺ جيشًا فَرُدّت رايته، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾] (١).
وأخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس قال: [نزلت هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ في قطيفة حمراء: فُقِدَت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخر الآية] (٢).
وله شاهد عند البزار بإسناد صحيح عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابُهُ] (٣).
قال مجاهد: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾: ما ينبغي لنبي أن يخون). وقال ابن عباس: (أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا). ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقد جاءت السنة الصحيحة بالتحذير الشديد من الغلول، وفي ذلك أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الشيخان عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : [من
стр. 825
ظلم قيد شبر من الأرض طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: [كان على ثَقَلِ النبي ﷺ رجلٌ يُقال له: كِرْكَرَةُ، فمات فقال النبي ﷺ : هو في النار. فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غَلَّها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: [قام فينا النبي ﷺ فذكر الغُلولَ فَعَظَّمَهُ وَعظَّمَ أمره، قال: لا أُلْفِيَنَّ أحدَكُمْ يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغاءٌ، على رَقَبَتِهِ فرسٌ له حَمْحَمَةٌ يقول: يا رسول الله أَغِثْني، فأقولُ: لا أملكُ لك شيئًا، قد أَبْلغْتُك، وعلى رَقَبَتِه بعيرٌ له رُغاءٌ يقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملكُ لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ، وعلى رقبَتِهِ صامِتٌ فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبْلَغْتُكَ، على رَقَبتِهِ رِقاعٌ تخْفِقُ فيقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي حميد الساعدي قال: [استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِيَّةِ على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي. فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثُه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أُهدِيَ لي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بَعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر. ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَةَ إبطيه ثم قال: "اللهم هل بَلَّغت" ثلاثًا] (٤).
وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (ثم يُجْزى بكسبه غير مظلوم ولا مُتَعَدّىً عليه).
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
стр. 826
المعنى: أفمن ترك الغلول وكل ما نهى الله عنه ومضى يعمل بطاعة الله وامتثال أمره واجتناب ما يسخطه، كمن انصرف متحمِّلًا سخط الله وغضبه، واستحق وعيده بسكنى جهنم وبئس السكن والمأوى؟ يقول: ليسا سواءً.
وقوله. ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّه﴾. قال ابن عباس: (يقول: بأعمالهم).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. قال ابن إسحاق: (يقول: إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته).
وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني: نبيًّا من أهل لسانهم يفقهوا قوله، ولم يجعله بغير لسانهم.
وقوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. أي يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله ويطهرهم من ذنوبهم باتباع ما جاء فيه, ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: القرآن والسنة.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. أي: في عمياء من الجاهلية، لا يعرفون حسنة ولا يستغفرون من سيئة، قد أخطؤوا طريق الهدى والنجاة، فهم في غيّ وجهل ظاهر جليّ لكل من له بصو.
١٦٥ - ١٦٨. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.
في هذه الآيات: تأنيب لطيف من الله تعالى للمؤمنين لما صدر منهم، وفضح سلوك أهل النفاق وكشف مكرهم.
قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا أبو نوح قراد أنبأنا عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: [لما كان يوم بدر، قال: نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى
стр. 827
المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مدّ يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا، قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه فرداه ثم التزمه من ورائه ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلًا وأسر منهم سبعون رجلًا، فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعليًّا وعمر ﵃، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريبًا لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا ﵁ من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم، فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ﵁، ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء، فلما أن كان من الغد قال عمر ﵁: غدوت إلى رسول الله ﷺ فإذا هو قاعد وأبو بكر ﵁ وإذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما! قال: فقال النبي ﷺ : الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الضجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحل الله لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرّ أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ ، وكُسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ بأخذكم الفداء] (١).
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال الحسن: (فإنما أصابنا هذا لأنا قبلنا الفداء يوم بدر من الأسارى، وعصينا النبي ﷺ يوم أحد).
стр. 828
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو، قدير).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: ما أصابكم يوم أحد من قتل وجراح فهو بقضائه سبحانه وقدره فيكم، وليميّز أهل الإيمان والصدق من أهل الكذب والنفاق.
وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾.
المراد: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق وأصحابه الذين تخاذلوا ورجعوا، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا.
وقوله: ﴿قَالوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.
يروي ابن إسحاق بإسناد مرسل أن عبد الله بن عمرو بن حرام اتبعهم وهو يقول: (يا قوم، أُذكِّركم الله ألا تخذلوا قومَكم ونبيّكم عندما حضر من عدوهم). فقالوا: (لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسْلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال).
فاحتجوا بما حكته الآية الكريمة عنهم، وقد أظهر الله ما أبطنوه من الجبن والهلع والخوف من خوض القتال في سبيل الله، فعند ذلك قال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام، لما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف: (أبعدكم الله أعداءَ الله، فسيغْني الله عنكم نَبِيَّهُ) (١).
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾.
المقصود: عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه يقولون: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا ما قتلوا هنالك. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: (نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيّ بن سلول وأصحابه). فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: قل لهم يا محمد، إن استطعتم أن تردوا الموت الذي لا محالة سينالكم فردّوه إن كنتم صادقين. قال ابن إسحاق: (أي: إنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت).
стр. 829
وفي التنزيل. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يسأل ما عنده إلا بطاعته] (١).
١٦٩ - ١٧٥. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾.
في هذه الآيات: بيان منزلة الشهادة والشهداء الكرام، وثناء من الله على استجابتهم وخوضهم المعركة ضد الكفار اللئام، وفضح لسلوك ومكر الشيطان عدو أهل الإيمان.
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [لما أصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عن الحرب، فقال الله : أنا أُبَلِّغُهُم عنكم. فأنزل الله هؤلاء الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
стр. 830
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ... وما بعدها] (١).
وأخرج الترمذي بسند حسن عن جابر ﵁ قال: ألقيني رسول الله ﷺ فقال: يا جابر ما لي أراك منكسرًا؟ فقلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالًا ودينًا. فقال: ألا أبشرك بما لقي اللهُ به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: ما يكلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجابه، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا فقال: تمنّ عليّ أعطِك. قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية. قال الرب ﵎: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية] (٢).
وأخرج ابن جرير بسند صحيح أن سبب نزول الآية قتلى بئر معونة. قال العلامة الشوكاني في تفسيره: (وعلى كل حال فالآية باعتبار عمومها تعم كل شهيد).
وقد جمع الله للشهداء من الكرامة في حياة البرزخ ما يفوق من الكرامة لبقية المؤمنين فضلًا عما أعدّ الله لهم في الآخرة من رفيع المنازل والمقامات.
ففي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [الشهداء على بارقِ نهرٍ بباب الجنة، فيه قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعَشيًّا] (٣).
فأرواح الشهداء تسرح في الجنة، ولها خصوصية ورود هذا النهر. وأما أرواح بقية المؤمنين: فقد روى الإمام أحمد عن محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك بن أنس، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [نَسَمَةُ المؤمن طائر يَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يَرْجِعَهُ الله إلى جسده يوم يَبْعَثُه] (٤). يَعْلَقُ: أي يأكل.
فالفرق بين الشهداء وبقية المؤمنين أن أرواح الشهداء تطير في حواصل طَير خضر
стр. 831
تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، وترد حيث تشاء من أنهار وأشجار الجنة، ولها شرف العبور إلى ذلك النهر في منتهى سيرها، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها.
وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
فرحين: في محل نصب حال من المضمر في ﴿يُرْزَقُونَ﴾.
فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون بمن لم يلحق بهم.
قال ابن إسحاق: (أي: ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن).
وقال ابن جريج: (يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقوننا فيصيبون من كرامة الله تعالى مَا أَصَبْنا). وخلاصة المعنى كما أفاد شيخ المفسرين ﵀: قال ابن جرير: (يفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه ... لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، ... ، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صَاروا إليه والدعة والزُّلْفة).
قلت: وقد ثبت لقاء أرواح المؤمنين وتزاورها في حياة البرزخ وفرح بعضها بقدوم بعض - في السنة الصحيحة -: فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا حُضرَ المؤمن أتتْ ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرُجي راضية مرضيًّا عنك، إلى رَوْحِ الله وريحان، وربّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليُناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به أبوابَ السماء، فيقولون: ما أطيبَ هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدُم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلانٌ، ماذا فعل فلان؟
стр. 832
فيقولون: دعوه، فإنه كان في غمِّ الدنيا ... ] الحديث (١).
وقوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾. قال ابن إسحاق: (لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب).
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاء من عند الله.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
أخرج الطبراني ورجاله رجال الصحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: [لما انصرف أبو سفيان والمشركون عن أحد وبلغوا الروحاء قال أبو سفيان: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، شر ما صنعتم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فندب الناس فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد -أو بئر بني عينة- الشك من سفيان - فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ وذلك أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة، فأتوه فلم يجدوا به أحدًا وتسوقوا، فأنزل الله ذكره: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾] (٢).
وأخرج البخاري في كتاب المغازي عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. قالت لعروة: (يا ابن أختي كان أَبَوَاكَ منهم الزبيرُ وأبو بكر، لما أصابَ رسولَ الله ﷺ ما أصاب يومَ أُحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، قال: من يَذْهَبُ في إثرهم فانتدب منهم سبعون رجلًا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير).
فسارع سبعون رجلًا من الصحابة لامتثال رغبة القيادة النبوية، ثم تتابع بقية الجيش خلفهم حتى صار عددهم ست مئة وثلاثين مقاتلًا، كلهم مستعد لخوض معركة دامية
стр. 833
جديدة، ولدخول ساحة الموت مرة أخرى، فأثنى الله سبحانه في كتابه على صدقهم، وجمال مبادرتهم، وعظيم استجابتهم رغم القرح وشدة التعب والجراح.
قال ابن هشام: (حدثنا أبو عبيدة: أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أُحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لهم صَفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا فإن القوم قد حَرَبوا - أي غضبوا - وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان، فارجعوا، فرجعوا - وفي رواية: فارجعوا والدولة لكم فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم).
فقال النبي ﷺ وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم همّوا بالرَّجعة: "والذي نفسي بيده، لقد سُوِّمت (١) لهم حجارةٌ، لو صُبِّحوا بها لكانوا كأمس الذاهب".
فأثنى الله بذلك على المؤمنين الذين استجابوا لله وللرسول رغم القرح والألم، ومَدَحَهم في قرآن يتلى على ألسنة الأجيال إلى يوم القيامة, فيه ذكر عطر لاستئنافهم مبادرة صفحة جديدة من القتال رغم تخويف الناس لهم، وقولهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: [﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾] (٢).
وقوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.
قال مجاهد: (والفضل ما أصابوا من التجارة والأجر). وقال ابن جريج: (﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ قال: قتل).
وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. قال ابن جريج: (طاعة النبي ﷺ ).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. قال ابن إسحاق: (لما صرف عنهم من لقاء عدوهم).
وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَ﴾. قال مجاهد: (يخوف المؤمنين بالكفار). وقال ابن عباس: (الشيطان يخوف المؤمنين بأوليائه).
وقال السدي: (يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونهم).
стр. 834
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند جيد عن سبرة، عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام، فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك ... فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتُقتل فتُنكح المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد .. ] (١).
وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا عليّ والجؤوا إلي، فأنا كافيكم وناصركم عليهم).
وفي التنزيل: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦].
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩].
١٧٦ - ١٨٠. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾.
في هذه الآيات: تثبيتُ الله تعالى نبيّه ﷺ والمؤمنين، بإظهار ما أعدّ من الذل والخزي للمنافقيق، وببيان سنته تعالى في التمحيص لتمييز الصادقين من الكاذبين.
стр. 835
قال مجاهد: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ يعني: أنهم المنافقون).
وقال ابن إسحاق: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾: أن يحبط أعمالهم). ثم أخبر سبحانه أنهم مع حرمانهم ثواب الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ في نار جهنم.
ثم أكدّ ذلك سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ يعني المنافقين ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ بل إنما يضرون أنفسهم بإيجابهم عليها عقوبة الله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلِته. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]] (١).
فلا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله أن تأخيرهم يكفرون في الأرض خير لهم، بل هو من باب المكر بهم حتى إذا نزل بهم الموت دخلوا في جحيم العذاب المتتابع من البرزخ إلى يوم القيامة إلى الخلود في الشقاء والجحيم والعياذ بالله.
وقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
قال مجاهد: (ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن). وقال ابن جريج: اليبين الصادق بإيمانه من الكاذب).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾. قال ابن إسحاق: (أي: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه).
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال مجاهد: (يخلصهم لنفسه).
وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾. قال ابن إسحاق: (أي: ترجعوا وتتوبوا, ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾).
стр. 836
وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من آتاه الله مالًا فلم يُؤَدِّ زكاته مُثِّلَ له شجاعًا أقرع له زبيبتان، يُطَوّقُه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزِمَتَيْه - يعني بشدْقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر الآية] (١).
والشجاع: هو الذكر من الحيات، والأقرع: هو الذي ذهب شعره من كثرة السم.
- وهناك شواهد كثيرة في المسند وبعض السنن للحديث السابق:
الشاهد الأول: في مسند أحمد بسند صحيح عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يُمَثّلُ الله له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان، ثم يُلزمُه يطوِّقه، يقول: أنا مالك أنا كنزك أنا كنزك] (٢).
الشاهد الثاني: أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: [ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جُعِلَ له شجاع أقرع يتبَعُه، يفِرُّ منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك. ثم قرأ عبد الله مِصْداقه من كتاب الله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾] (٣).
الشاهد الثالث: [خرج الحاكم والطبراني بسند جيد عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: [من ترك بعده كنزًا مُثلَ له شجاعًا أقرع يوم القيامة له زبيبتان، يتبعه ويقول: من أنت؟ ويلك. فيقول: أنا كنزك الذي خَلَّفتَ بعدك. فلا يزال يتبعه حتى يُلْقِمهُ يدَه فيقضِمُها، ثم يتبعه سائر جسده] (٤).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فإن الناس تزول عنهم أملاكهم ويصير لله ميراث كل هذه المعمورة: ما في السماوات وما في الأرض.
стр. 837
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: فهو سبحانه يعلم أعمالكم ونياتكم.
١٨١ - ١٨٢. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾.
في هذه الآيات: توبيخٌ وتقريعٌ من الله تعالى لليهود الماكرين، وفضح لسلوكم عبر الزمان مع المرسلين، وتوعد لهم بصلي العذاب المهين, وتسلية من الله تعالى لرسوله ليَثْبُتَ على الحق المبين.
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: عن ابن عباس: (لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قالت اليهود: يا محمد, افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية).
وقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالوا﴾ فيه أقوال متشابهة.
١ - سنجازيهم عليه. ذكره ابن كثير.
٢ - سنكتبه في صحائف أعمالهم. قال القرطبي: (أي نأمر الحفظة بإثبات قولهم حتى يقرؤوه يوم القيامة في كتبهم التي يؤتونها, حتى يكون أوكدَ للحجة عليهم. وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤].
٧ - وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي: سنحفظ ما قالوا لنجازيهم.
وقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، أي: رضاهم بالقتل. فلما رضي الحفدة بفعل أسلافهم وأجدادهم الذين قتلوا الأنبياء بأيديهم اشتركوا في الحكم والإثم.
стр. 838
أخرج أبو داود بسند حسن عن العُرْس بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ قال: [إذا عُمِلت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكَرِهها كمنْ غاب عنها, ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها] (١).
وقوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. يعني بذلك: عذاب نار السعير الملتهبة المحرقة.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. أي: ذلك العذاب بما سلف من الذنوب وحصل الرضى بها، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، قال ابن عباس: (كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّلَ منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته).
فزعم اليهود أن الله تقدم إليهم في كتبه وعلى ألسن أنبيائه، أن لا يصدقوا رسولًا فيما يقول إنه جاء به من عند الله حتى يجيء بقربان - مما يتقرب به العبد إلى الله من صدقة - تأكله النار يبعثها الله من السماء دلالة على القبول.
فأكذبهم الله وقال لنبيه: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
يعني: قد جاءتكم الرسل فيما مضى بالحجج القاطعة أنهم من عند الله ثم مع ذلك قتلتموهم؟ ! فأين عهدكم المزعوم إن كنتم صادقين؟ !
قال ابن جرير: (﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقربان تأكله النار حجة له على نبوته).
وقوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال الضحاك: (يعزي نبيّه ﷺ ).
وقوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾. البينات: الدلالات. والزبر: الكتب المزبورة، يعني المكتوبة. والزُّبُر: جمع زَبور وهو الكتاب. والكتاب المنير: أي الواضح المضيء. والمقصود بالكتاب: التوراة والإنجيل. فإن اليهود كذبت عيسى وما جاء به، وحرّفت ما جاء به موسى ﵇ من صفة محمد ﷺ ، وبدلت عهده
стр. 839
إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره. أفاده شيخ المفسرين.
١٨٥ - ١٨٦. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾.
في هذه الآيات: إخبارٌ من الله سبحانه عن الفناء المحتوم لكل نفس ثم البعث يوم القيامة لنيل الحساب، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ونجا من العقاب. وبيانٌ أن الابتلاء حق والصبر على أذى المشركين أيام الغربة يُقابل بجميل الثواب.
أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾] (١).
وقوله: ﴿زُحْزِحَ﴾. أي: أبعد. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ أي: ظفر بما يرجو، ونجا مما يخاف.
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه] (٢).
وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. أي تغرّ المؤمن وتخدعه فيظن طول
стр. 840
البقاء وهي فانية، فلا تركنوا إليها وتسكنوا لها، فإنما أنتم عن قريب عنها راحلون مسافرون، والمستقر الدار الآخرة.
قال قتادة: (هي متاع متروك توشك أن تضمحل بأهلها، فينبغي للإنسان أن يأخذ من هذا المتاع بطاعة الله سبحانه ما استطاع).
وفي التنزيل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠].
وفي صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد، عن النبي ﷺ قال: [والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِسُ أحدُكم أُصبعَهُ في اليمّ، فلينظر بم ترجع إليه] (١).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: [اضطجع رسول الله ﷺ على حصير فأثّر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله ﷺ : ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنّما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٢).
وله شاهد في المسند من حديث ابن عباس بلفظ: [ما لي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٣).
وقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. خطاب من الله لهذه الأمة - أمة محمد ﷺ المعنى: لتختبَرُن في أموالكم بالمصائب وبالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع بذلك، ولتمتحنن في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب.
قال القرطبي: (وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها).
وفي التنزيل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
قال ابن كثير: (أي: لا بد أن يُبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو
стр. 841
أهله، ويُبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيدَ في البلاء).
قلت: وهذا المعنى قد جاء في السنة الصحيحة، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي، وابن ماجة بسند جيد، عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال. أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك، يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (٢).
الحديث الثالث: روى أحمد في مسنده عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت: [أتينا رسول الله ﷺ ، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حر الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله ﷺ : إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم] (٣).
وقوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي ﷺ
стр. 842
ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون النبي ﷺ وأصحابه، فأمر الله نبيّه ﷺ بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... ﴾ الآية.
فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ أمر النبي ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة - وذكر قصة قتله - فلما قتلوه فزعت يهود والمشركون، فغدوا على النبي ﷺ فقالوا: طوق صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة] (١).
قال الحافظ في الفتح: (وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن أنها نزلت فيما بين: "أبي بكر وبين فنحاص اليهودي" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ تعالى الله عن قوله - فغضب أبو بكر فنزلت، وذكره السيوطي في اللباب، وقال: إن سنده حسن. ولا تنافي بينهما، فيحتمل أنها نزلت في هذا وهذا).
وروى ابن أبي حاتم بسند صحيح على شرط الشيخين عن الزُّهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: [كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. قال: وكان رسول الله ﷺ يتأوَّلُ في العفو ما أمره الله به، حتى أذِنَ الله فيهم] (٢).
وفي صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: حدثنا أبو اليمان: [خبرنا شُعيب عن الزّهري: أخبرني عروة بن الزبير: [أن أسامة بن زيد ﵄ أخبره: أن رسول الله ﷺ ركِبَ على حِمار على قطيفة فَدَكِيّة، وأرْدَف أسامة بن زيد وراءَه يعودُ سَعْدَ بن عُبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وَقْعَةِ بدر، قال: حتى مَرَّ بمجلس فيه
стр. 843
عبدُ الله بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يُسْلِمَ عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخْلاطٌ من المسلمين والمشركين: عَبَدةِ الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بنُ رواحةَ، فلما غَشِيَتِ المجلسَ عَجَاجَةُ الدابة خفَرَ عبد الله بنُ أبيّ أنفَه بردائه ثم قال: لا تُغَبِّرُوا علينا، فَسَلَّم رسول الله ﷺ عليهم، ثم وَقَفَ فَنَزَل، فدعاهمْ إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: أيها المَرْءُ، إنه لا أحْسَنَ مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذِنا به في مجالسنا. ارجِعْ إلى رَحْلِكَ، فمن جاءكَ فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغْشَنَا به في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستَبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبيّ ﷺ يُخَفِّضُهُم حتى سَكنوا، ثم ركِبَ النبي ﷺ دابّتَهُ فسار حتى دخل على سعد بن عُبادة، فقال له النبي ﷺ : أيا سَعْدُ! ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟ - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة على أن يُتوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرِقَ بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ وأصحابُه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية، وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، إلى آخر الآية، وكان النبي ﷺ يتأوَّل العفو ما أمره الله به حتى أذِنَ الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدْرًا فقتل الله به صناديدَ كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجّه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا] (١).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يعني: إن الصبر والتقوى من أمثل ما التزم المؤمن به، وعزم الله عليه وأمر به.
وفي الأثر عن عمر: (لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت). وقال أيضًا: (أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا).
وقال بعض السلف: (لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس).
стр. 844
١٨٧ - ١٨٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾.
في هذه الآيات: تقريعٌ بصنيع أهل الكتاب وتهديد ووعيد من سلك مسلكهم في كتمان الحق والعلم، فإن الله سبحانه أخذ عليهم العهد على ألسنة أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وأن يرشدوا أقوامهم إلى الإيمان به ومتابعته، إلا أنهم كانوا عند أسوأ الظن، فكتموا أمرِه وَحَرَّفُوا ما ورد في ذكره وصفاته وشمائله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وفيها فضْحٌ لسلوك المنافقين وَتَوَعُّد لهم من الله الملك القدير بالعذاب الأليم.
قال الشعبي: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: إنهم قد كانوا يقرؤونه، إنما نبذوا العمل به). وقال ابن جريج: (نبذوا الميثاق).
وقوله: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال ابن جرير: (وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلًا من عرض الدنيا).
وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. قال مجاهد: (تبديل اليهود التوراة).
والمعنى: بئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، إذ ارتضوا بالدون الفاني الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، لقاء الكبر في الأرض والغرور، وترك الأهوال تنزل بهم يوم النشور.
والآية فيها تهديد ووعيد من سلك سبيل اليهود من هذه الأمة في كتمان العلم أو تحريفه أو استبداله بالقصص المكذوبة والخرافات والأحاديث الموضوعة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 845
قال: قال رسول الله ﷺ : [من سُئِلَ عن عَلمٍ فكتمه، أُلْجِمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار] (١).
وفي رواية لابن ماجة: [ما من رجل يحفظ علمًا فَيَكْتُمُهُ إلا أتى يومَ القيامة ملجومًا بلجامٍ من نار].
الحديث الثاني: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: [من كتم علمًا ألجمه الله يومَ القيامة بلجام من نار] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني والدارمي بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [مثلُ الذي يتعلَّم العلمَ ثم لا يحدِّثُ به، كمثل الذي يكنِزُ الكنزَ ثم لا ينفِقُ منه] (٣).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، على هذا المنبر: [إياكم وكثْرةَ الحديث عني. فمن قال عَلَيَّ فليقل حَقًّا أو صِدْقًا. ومن تَقَوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبوأ مقعده من النار] (٤).
وأصل معناه في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: [من كَذَب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار].
وقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن رِجالًا من المنافقين على عهد الرسول ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ، وإذا قدم رسول الله ﷺ اعتذروا إليه وأحبوا أن