أهله، ويُبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيدَ في البلاء).
قلت: وهذا المعنى قد جاء في السنة الصحيحة، وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الترمذي، وابن ماجة بسند جيد، عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت لرسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ قال. أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب (وفي رواية: قدر) دينه، فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: [دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك، يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة التي يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء] (٢).
الحديث الثالث: روى أحمد في مسنده عن أبي عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت: [أتينا رسول الله ﷺ ، نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه يقطر ماؤه عليه من شدة ما يجد من حر الحمى، قلنا: يا رسول الله لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول الله ﷺ : إن من أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم] (٣).
وقوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
أخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي ﷺ
стр. 842
ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون النبي ﷺ وأصحابه، فأمر الله نبيّه ﷺ بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... ﴾ الآية.
فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ أمر النبي ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة - وذكر قصة قتله - فلما قتلوه فزعت يهود والمشركون، فغدوا على النبي ﷺ فقالوا: طوق صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة] (١).
قال الحافظ في الفتح: (وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر بإسناد حسن أنها نزلت فيما بين: "أبي بكر وبين فنحاص اليهودي" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ تعالى الله عن قوله - فغضب أبو بكر فنزلت، وذكره السيوطي في اللباب، وقال: إن سنده حسن. ولا تنافي بينهما، فيحتمل أنها نزلت في هذا وهذا).
وروى ابن أبي حاتم بسند صحيح على شرط الشيخين عن الزُّهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: [كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. قال: وكان رسول الله ﷺ يتأوَّلُ في العفو ما أمره الله به، حتى أذِنَ الله فيهم] (٢).
وفي صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: حدثنا أبو اليمان: [خبرنا شُعيب عن الزّهري: أخبرني عروة بن الزبير: [أن أسامة بن زيد ﵄ أخبره: أن رسول الله ﷺ ركِبَ على حِمار على قطيفة فَدَكِيّة، وأرْدَف أسامة بن زيد وراءَه يعودُ سَعْدَ بن عُبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وَقْعَةِ بدر، قال: حتى مَرَّ بمجلس فيه
стр. 843
عبدُ الله بن أبيّ بن سلول، وذلك قبل أن يُسْلِمَ عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخْلاطٌ من المسلمين والمشركين: عَبَدةِ الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بنُ رواحةَ، فلما غَشِيَتِ المجلسَ عَجَاجَةُ الدابة خفَرَ عبد الله بنُ أبيّ أنفَه بردائه ثم قال: لا تُغَبِّرُوا علينا، فَسَلَّم رسول الله ﷺ عليهم، ثم وَقَفَ فَنَزَل، فدعاهمْ إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبيّ بن سلول: أيها المَرْءُ، إنه لا أحْسَنَ مما تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذِنا به في مجالسنا. ارجِعْ إلى رَحْلِكَ، فمن جاءكَ فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغْشَنَا به في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستَبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبيّ ﷺ يُخَفِّضُهُم حتى سَكنوا، ثم ركِبَ النبي ﷺ دابّتَهُ فسار حتى دخل على سعد بن عُبادة، فقال له النبي ﷺ : أيا سَعْدُ! ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟ - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البُحيرة على أن يُتوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرِقَ بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ وأصحابُه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية، وقال الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، إلى آخر الآية، وكان النبي ﷺ يتأوَّل العفو ما أمره الله به حتى أذِنَ الله فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدْرًا فقتل الله به صناديدَ كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجّه، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا] (١).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يعني: إن الصبر والتقوى من أمثل ما التزم المؤمن به، وعزم الله عليه وأمر به.
وفي الأثر عن عمر: (لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيهما ركبت). وقال أيضًا: (أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا).
وقال بعض السلف: (لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس).
стр. 844
١٨٧ - ١٨٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾.
في هذه الآيات: تقريعٌ بصنيع أهل الكتاب وتهديد ووعيد من سلك مسلكهم في كتمان الحق والعلم، فإن الله سبحانه أخذ عليهم العهد على ألسنة أنبيائهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وأن يرشدوا أقوامهم إلى الإيمان به ومتابعته، إلا أنهم كانوا عند أسوأ الظن، فكتموا أمرِه وَحَرَّفُوا ما ورد في ذكره وصفاته وشمائله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وفيها فضْحٌ لسلوك المنافقين وَتَوَعُّد لهم من الله الملك القدير بالعذاب الأليم.
قال الشعبي: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: إنهم قد كانوا يقرؤونه، إنما نبذوا العمل به). وقال ابن جريج: (نبذوا الميثاق).
وقوله: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. قال ابن جرير: (وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلًا من عرض الدنيا).
وقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. قال مجاهد: (تبديل اليهود التوراة).
والمعنى: بئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، إذ ارتضوا بالدون الفاني الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، لقاء الكبر في الأرض والغرور، وترك الأهوال تنزل بهم يوم النشور.
والآية فيها تهديد ووعيد من سلك سبيل اليهود من هذه الأمة في كتمان العلم أو تحريفه أو استبداله بالقصص المكذوبة والخرافات والأحاديث الموضوعة. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه
стр. 845
قال: قال رسول الله ﷺ : [من سُئِلَ عن عَلمٍ فكتمه، أُلْجِمَ يومَ القيامة بلجامٍ من نار] (١).
وفي رواية لابن ماجة: [ما من رجل يحفظ علمًا فَيَكْتُمُهُ إلا أتى يومَ القيامة ملجومًا بلجامٍ من نار].
الحديث الثاني: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: [من كتم علمًا ألجمه الله يومَ القيامة بلجام من نار] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني والدارمي بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [مثلُ الذي يتعلَّم العلمَ ثم لا يحدِّثُ به، كمثل الذي يكنِزُ الكنزَ ثم لا ينفِقُ منه] (٣).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند حسن عن أبي قتادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، على هذا المنبر: [إياكم وكثْرةَ الحديث عني. فمن قال عَلَيَّ فليقل حَقًّا أو صِدْقًا. ومن تَقَوَّلَ عليَّ ما لم أقُلْ، فليتبوأ مقعده من النار] (٤).
وأصل معناه في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: [من كَذَب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار].
وقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن رِجالًا من المنافقين على عهد الرسول ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ ، وإذا قدم رسول الله ﷺ اعتذروا إليه وأحبوا أن
стр. 846
يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾] (١).
وقال البخاري: حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره: [أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبنّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لك ولهذه الآية: إنما دعا النبي ﷺ يهودًا وسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم وفرحوا بما أَتَوْا من كتمانهم ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ كذلك حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾] (٢).
وأخرج أحاكم والطبراني بسند حسن عن محمد بن ثابت الأنصاري: [أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيتُ أن أكون هلكت. قال: ولم؟ قال: نهى الله المرء أن يُحِبَّ أن يُحْمَدَ بما لم يفعل. وأجدني أحِبُّ الحمدَ، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحبُّ الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله ﷺ : أما ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: فعاش حميدًا، وقُتل شهيدًا يوم مسيلمة الكذاب] (٣).
وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال ابن زيد: (بمنجاة من العذاب).
وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: موجع مهين، مع ما لهم من الخزي في الحياة الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ردّ على الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وتكذيب لهم، فكل هذا الكون ملك له سبحانه، والسماوات والأرض وما فيهن تحت أمره، وهو القادر على إهلاك من عاند وطعى وتجبّر متى شاء، فهو الجبار المتكبر وحده لا شريك له.
стр. 847
١٩٥ - ١٩٤. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾.
في هذه الآيات: احتجاج من الله سبحانه على سائر خلقه، أنه الخالق البارئ المدبر لهذا الكون المصرف ليله ونهاره، وسماءه وأرضه، وجباله وبحاره، ومياهه وأنهاره، فكل ما في هذا الكون من آيات تدعو لتوحيده وتعظيمه لا شريك له وهو العلي العظيم. وثناء منه تعالى على المؤمنين في حسن توسلهم ودعائهم وإخباتهم لربهم الكريم.
قال ابن جرير: (قال جلّ ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السماوات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم، معتبرٌ ومدَّكر وآيات وعظات).
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. هو من نعت أولي الألباب ووصف حالهم، فهم يتقلبون في أحوالهم المختلفة ويذكرون ربهم لا يغفلون عنه.
قال ابن جريج: (هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن). وقال قتادة: (وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا). وخلاصة المعنى لهؤلاء الذاكرين أولي الألباب كما قال ابن جرير - شيخ المفسرين -: (يعني بذلك قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا).
وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود وابن ماجة والترمذي عن عِمران بن حُصين:
стр. 848
أن رسول الله ﷺ قال: [صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب] (١).
وقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أي يعتبرون بما فيهما من آيات كبيرة تدل على عظمة الخالق وكمال صفاته، ووجوب تعظيمه.
قال بشر الحافي: (لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه).
وقد ذمّ الله تعالى من لا يعتبر بهذه الآيات البديعة، ويمر عليها دون تفكر، فقال جل ذكره: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾. أي: لم تخلقه عبثًا ولهوًا، بل إنما يكمن وراءه أمر عظيم، من ثواب وعقاب، ومحاسبة ومجازاة، ونعيم وجحيم، وخلود في أحد المستقرين.
وقوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. هو نتيجة وثمرة هذا التفكر، فتحركت ألسنتهم يلهجون بذكره وتسبيحه وتنزيهه، ورجوه أن يرضى عنهم وينجيهم من عذابه.
وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾. فهذه حقيقة لا شك فيها، فكل من كتب الله عليه دخول النار ولو إلى فترة فقد ناله من الخزي والعنت والألم.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. أي: لا نصرة من اختار معصية الله وسخطه، ولا سبيل له لدفع العذاب عنه، فهو خزي لا منقذ له.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
هذه الآية دليل على مشروعية التوسل إلى الله سبحانه بعمل صالح. فإن التوسل إلى الله تعالى مشروع بأحد الأنواع الثلاثة:
١ - التوسل باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته.
٢ - التوسل إلى الله بعمل صالح.
٣ - التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح.
стр. 849
وقد بسطت القول في ذلك في كتابي: "أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان" ولله الحمد والمنة.
وأما المنادي في الآية الذي ينادي للإيمان فهو الرسول ﷺ ، أو القرآن. قال محمد بن كعب: (هو الكتاب، ليس كلهم لقي النبي ﷺ ).
وقال ابن زيد: (ذلك رسول الله ﷺ ). وقال ابن جريج: زهو محمد ﷺ ).
والمعنى: لقد توسّل هؤلاء المؤمنون إلى الله بتصديقهم كتابه أو رسوله ﷺ إذ سمعوا نداءه إلى الإيمان، فسألوه سبحانه المغفرة وتكفير الذنوب والموت على الإسلام.
وقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. قال القرطبي: (أي أبرارًا مع الأنبياء، أي في جملتهم. واحدهم بَرٌّ وبارٌّ وأصله من الاتساع، فكأن البر متسِع في طاعة الله ومتّسِعة له ﵀.
والخلاصة: أنهم سألوا الله اللحاق بالصالحين، الذين برّوا الله ﵎ بطاعتهم إياه وخدمتهم لدينه حتى رضي عنهم وأبرهم.
وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله ﷺ عن البِرّ والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلقِ، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس] (١).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
قال القاسمي ﵀ في التفسير: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على تصديق رسلك والإيمان بهم. أو على ألسنة رسلك. وهو الثواب). وهذا حكاية لدعاء آخر لهم، معطوف على ما قبله. وتكرير النداء لما مرّ ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ قصدوا بذلك تذكير وعده تعالى بقوله: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]. بإظهار أنهم ممن آمن معه).
وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ يتلاءم مع سؤالهم ربهم أن يؤتيهم ما وعدهم من أربعة أوجه:
стр. 850
١ - أن الله وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعد بذلك دون الخِزي والعقاب.
٢ - أنهم سألوا ذلك ودعوا على جهة العبادة والخضوع. قال القرطبي: (وهذا كقوله: ﴿قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق).
٣ - سألوا ما وعدوا من النصر على عدوهم معجّلًا، والمقصود أصحاب النبي ﷺ الذين هاجروا وهم يتمنون خزي المشركين عاجلًا. قال ابن جرير: (فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نصرتك عليهم عاجلًا، فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل لهم خزيهم، ولنا الظفر عليهم).
٤ - أنهم سألوا الله النجاة يوم القيامة دون الخزي فإنهم مؤمنون بالمعاد والوقوف بين يديه سبحانه. قال الحافظ ابن كثير: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رُسُلَك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك).
وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يخص هذه الآيات العشر من آخر آل عمران بالقراءة إذا قام من الليل لتهجده. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: [بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقدَ، فلما كان ثلثُ الليل الآخِرُ قعد فنظرَ إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ثم قام فتوضأ واسْتَنَّ، فصلى إحدى عَشْرَة ركعة، ثم أذَّنَ بلالٌ فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح] (١). ذكره البخاري في التفسير - باب قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه - في كتاب التفسير - باب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. عن كُرَيب، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: [بتُّ عند خالتي ميمونةَ فقلتُ لأنظرنَّ إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فَطُرِحَتْ لرسول الله ﷺ وِسادَةٌ، فنام رسول الله ﷺ في طُولِها، فجعل يَمْسَحُ النّومَ عن وجهه، فقرأ الآيات العشرَ الأواخِرَ من آل عمران، حتى ختمَ، ثم أتى سِقَاءً مُعَلَّقًا، فأخذه فتوضأَ ثم قام يُصَلّي، فقمتُ فصَنَعْتُ مثل ما صنعَ، ثم
стр. 851
جئت فقُمت إلى جَنبه، فوضع يده على رأسي، ثم أخذ بأُذُني فجعل يَفتِلُها, ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم صلى ركعتين، ثم أوتر] (١).
الحديت الثالث: روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عباس قال: [أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله ﷺ وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره قام فمرَّ بي، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فَمَه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: فَالْحَقْ الْحَقْ. فلما أن دخل قال: افرشَنْ عبد الله؟ فأتى بوسادة من مسوح قال: فنام رسول الله ﷺ عليها حتى سمعت غطيطه، ثم استوى على فراشه قاعدًا، قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: "سبحان الملك القدوس". ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها] (٢).
١٩٥. قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾.
في هذه الآية: استجابةُ الله سبحانه دعاء هؤلاء الداعين، بأنه لا يضيع عمل عامل منهم عمل خيرًا، ذكرًا كان أم أنثى, فإن الله سبحانه أمر بالدعاء ووعد بالإجابة وحسن الثواب للمجاهدين الصادقين.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال جل ذكره: ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
стр. 852
وفي جامع الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: [ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه] (١).
وأخرج الطبراني بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: [إذا تمنى أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربّه] (٢).
وفي رواية: [إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه].
قال ابن القيم ﵀: (لكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا, وإما لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام والظلم، ورين الذنوب على القلوب واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أم سلمة: [قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله ﵎: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾] (٣).
وقوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.
المعنى: إن المهاجرين الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة، فأوذوا في طاعة الله وفي سبيله، وقاتلوا في سبيل الله وقتلوا فيها، وعدهم الله سبحانه أن يمحو عنهم ذنوبهم ويجزيهم بهجرتهم وجهادهم الجنة نعم الثواب ونعم المستقر. ومن ثم فإن الآية عامة في كل من مضى على منهاج هجرتهم وجهادهم. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [ثلاثةٌ كلهم ضامِنٌ على الله: رجلٌ خرجَ غازيًا في سبيل الله فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخلهُ الجنة، أو يردّه بما نال من أجر أو غنيمة، ورجلٌ راح إلى المسجد فهو
стр. 853
ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخلَه الجنة أو يردَّه بما نال من أجر، ورجلٌ دخلَ بيتَه بسلام، فهو ضامن على الله] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [ما أحد يدخلُ الجنة يحب أن يرجعَ إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيء غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عَشر مرات، لما يرى من الكرامة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد، بإسناد صحيح، عن المقدام، عن النبي ﵊، قال: [للشهيد عند الله سبع خصال: يُغفر له في أول دفعةٍ من دمه، ويَرَى مقعده من الجنة، ويُحَلّى حلَّة الإيمان، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها, ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته] (٣).
الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: [قال رجل للنبي ﷺ يومَ أُحد: أرأيت إنْ قُتِلتُ فأين أنا؟ قال: في الجنة. فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قُتِل] (٤).
وفي رواية أخرى: [يا رسول الله: أرأيت إن قُتِلْتُ في سبيل الله صابرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غير مُدْبر، أَيُكَفِّرُ الله عني خطاياي؟ قال: نعم. ثم قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قال: فقال: نعم، إلا الدَّين، قاله لي جبريل آنفًا].
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ يعني حسن الجزاء والتكريم.
١٩٦ - ١٩٨. قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ
стр. 854
قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾.
في هذه الآيات: استخفاف الله تعالى بالكافرين الماكرين، ووعده جميل الجنان للأبرار المتقين.
قال السدي: (﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾، يقول: ضربهم في البلاد). وقال قتادة: (والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وَكل إليهم شيئًا من أمر الله حتى قبضه الله على ذلك).
والمعنى: لا تعجبوا إلى ما أُترِف به الكفار في الدنيا من ألوان النعمة والغبطة والسرور، فعمّا قليل يتغير عليهم الحال ويزول، ويدور الزمان فَيُذِلُّ الله من فتنه بالأمس بالحكم والسلطان ليمسوا محمولين إلى القبور، مرتهنين بسيِّئ أعمالهم مستقبلين يوم النشور.
وقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ هو مدة الغرور بالحكم والسلطان وتحكيم الأهواء والشهوات, ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ بعد مماتهم ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: بئس الفراش والمضجع والمأوى والمستقر.
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عُصَارة أهل النار، طينة الخبال] (١).
وفي مستدرك الحاكم بسند حسن عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: [إن أهل النار ليَبْكون حتى لو أُجْريت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (٢).
ورواه في شرح السنة عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [يا أيها الناس! ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم،
стр. 855
كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء، فتقرَّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُزْجيَتْ فيها لجرت]. وقوله: "أزجيت": أرسلت.
وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.
وعد من الله سبحانه للذين اتقوه بتعظيم أوامره واجتناب نواهيه بساتين الخلود والنعيم، إنزالًا من الله إياهم فيها، تكريمًا لهم وتشريفًا. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار﴾ قال ابن زيد: (لمن يطيع الله).
وأخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عمر قال: (إنما سماهم الله أبرارًا لأنهم بَرّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا، كذلك لولدك عليك حق).
قلت: ولا شك أن البر كلمة جامعة لكل أبواب الخير، سواء في معاملة الوالدين والأبناء, أو في معاملة الناس جميعًا، وأعلى من ذلك كله صدق طاعة الله .
وقد مضى في حديث الإمام مسلم عن النواس، عن النبي ﷺ قال: [البِرُّ حُسْنُ الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرِهت أن يطلع عليه الناس] (١).
وفي المسند للإمام أحمد، بسند صحيح، من حديث أبي ثعلبة، عن النبي ﷺ قال: [البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون] (٢).
١٩٩ - ٢٠٠. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾.
في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على من صدق من أهل الكتاب وكان بمحمد ﷺ من
стр. 856
المؤمنين، وترغيب لأهل الإيمان بالصبر والمصابرة والمرابطة حتى ينزل نصر الله المبين.
أخرج البزار والطبراني بسند جيد عن أنس ﵁: [أن النبي ﷺ صلى على النجاشي حين نُعِيَ. فقيل يا رسول الله: تصلي على عبد حبشي! فأنزل الله : ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية] (١).
فالآية إخبار عن بعض أهل الكتاب أنهم على منهج الإيمان بالله، وما أنزل على محمد ﷺ ، قد جمعوا ذلك إلى إيمانهم برسلهم وكتبهم مع الخشية لله، ولا يكتمون ما علموا من كتبهم من نبوة محمد ﷺ ووجوب اتباعه، فهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، ولهم الجزاء الأوفى يوم القيامة. قال مجاهد: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني مسلمة أهل الكتاب).
وفي التنزيل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].
وفي الصحيحن من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة يؤتون أحرهم مرتين. - فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بي] (٢).
وقوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّه﴾. قال ابن زيد: (الخاشح، المتذلل لله الخائف)، وقد نصب قوله ﴿خَاشِعِينَ﴾ على الحال من ﴿يُؤْمِنُ﴾.
ؤقوله: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لا يحرفون ما أنزل الله من الحق في نعت محمد ﷺ ووجوب اتباعه، من أجل حظ الرياسة وعرض الدنيا البخس.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
قال مجاهد: (يعني: سريعَ الإحصاء).
стр. 857
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. قال ابن جريج: (اصبروا على الطاعة، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله). وقال ابن عباس: (المرابطة: انتظار الصلاة بعد الصلاة).
وأصل الرباط ارتباط الخيل للعدو، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر. يدفع عمن وراءه بأس عدوهم، ولا شك أن انتظار الصلاة بعد الصلاة في الجماعة رباط.
وقد جاء الثناء العطر في السنة الصحيحة على الرباط وأهله، ومن ذلك:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن سَهْل بن سعد الساعدي ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: [رباطُ يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن سَلْمان، عن النبي ﵊، أنه قال: [رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجْرِيَ عليه رزقُه، وأمِنَ الفَتَّان] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: [من مات مُرابطًا وُقِيَ فتنةَ القبر، وأمِنَ من الفزع الأكبر، وغُدِيَ عليه ورِيحَ برزقه من الجنة، وكُتِبَ له أجر المرابط إلى يوم القيامة] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي ريحانة عن النبي ﷺ قال: [حَرُمَت النار على عين دَمِعتْ -أو بكت- من خشية الله، وحَرُمَتِ النار على عين سهرت في سبيل الله] (٤).
وله شاهد عند الترمذي من حديث ابن عباس بلفظ: [عينان لا تصيبهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعين باتت تحرُسُ في سبيل الله].
стр. 858
الحديث الخامس: أخرج الإمام مالك والنسائي وأحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: [ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرّباطُ، فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ] (١).
وأورد ابن جرير بسنده عن زيد بن أسْلَمَ قال: (كتب أبو عبيدةَ إلى عمر بن الخطاب، يذكُرُ له جُمُوعًا من الروم وما يتخوَّفُ منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدّة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلبَ عُسْر يُسْرَين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
وذكر الحافظ ابن كثير في التفسير قال: (وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك، من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى عليَّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسُوس، وَوَدّعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفُضيل بن عياض في سنة سبعين ومئة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومئة.
يا عابدَ الحرمين لَوْ أَبْصَرْتَنا ... لعلمت أنك في العبادة تَلعَبُ
مَنْ كان يَخْضِبُ خَدَّه بدمُوعه ... فنُحورُنا بدمائنا تَتَخضَّبُ
أو كان يُتْعِبُ خَيْلَه في باطل ... فخيُولنا يوم الصبيحة تتْعبُ
ريحُ العبير لكم ونحنُ عَبيرُنا ... رهج السَّنابِكِ والغبارُ الأطْيبُ
ولقد أتانا مِنْ مَقال نَبِيِّنَا ... قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكْذِبُ
لا يستوي غُبَار خيل الله في ... أنف امرئٍ ودخان نار تَلْهبُ
هذا كتاب الله يَنْطِقُ بيننا ... ليسَ الشهيدُ بِمَيِّتٍ لا يَكْذِبُ
قال: فلقيتُ الفُضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذَرِفَت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال:
стр. 859
قلت: نعم قال: فاكتب هذا الحديث كِرَاءَ حَمْلِك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملى عَلَيَّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر؛ عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال. يا رسول الله، عَلِّمني عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: هل تستطيع أن تُصَلِّي فلا تَفْتُر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي ﷺ : "فوالذي نفسي بيده، لو طُوِّقْتَ ذلك ما بلغتَ المجاهدين في سبيل الله، أوما عَلِمْتَ أن فرس المجاهد ليَسْتَنُّ (١) في طِوَلِهِ، فيكتب له بذلك الحسنات" (٢)) (٣).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. هو أمر من الله لعباده المؤمنين، فلا فلاح لهم بدون منهاج التقوى في كل أعمالهم وأقوالهم وأحوالهم.
وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي ذر، قال رسول الله ﷺ : [اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن] (٤).
وفي مسند الطيالسي وصحيح ابن حبان من حديث جابر بن سليم، عن النبي ﷺ قال: [اتق الله، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسطٌ، وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة, ولا يحبها الله، وإن امرؤٌ شتمك وعيرك بأمر ليس هو فيكَ، فلا تعيره بأمر هو فيه، ودعْهُ يكون وبالُه عليه، وأجرُه لك، ولا تسبنَّ أحدًا] (٥).
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أي: لتفلحوا فتخلدوا في نعيم الآخرة، وتتجاوز عقبة الهلاك والشقاء. فإن الفلاح كل الفلاح في التمسك بالإسلام في الدنيا، والفوز برضى الله في الآخرة.
стр. 860
أخرج الطبراني والحاكم عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: [أفلح من هُدِي إلى الإسلام، وكان عيشُه كَفَافًا، وَقَنِعَ به] (١).
وهذا آخر تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، ونسأله الموت على الكتاب والسنة ... اللهم آمين.
تم تفسير سورة آل عمران بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه
* * *
стр. 861
دروس ونتائج وأحكام
١ - الحروف المقطعة أوائل السور تفيد الإعجاز لهذا القرآن العطيم.
٢ - اسم الله الأعظم في آية الكرسي وأول آل عمران وفي سورة طه،
٣ - منهاج المؤمنين في فهم القرآن برد المتشابه إلى المحكم في الكتاب والسنة.
٤ - حبُّ النساء للإعفاف والأولاد، والخيل أجر ووزر وستر.
٥ - التوسل بالأعمال الصالحة مشروع، أما بذوات المخلوقين فممنوع.
٦ - نزول الله تعالى آخر الليل إلى السماء الدنيا حقيقة بلا كيف.
٧ - لا يقبل الله دينًا غير الإسلام، والسماع بالرسول الأعظم يوجب المتابعة والإيمان، ومن كفر فموعده صلي النيران.
٨ - التقية باللسان لا بالعمل، وهي باقية إلى يوم القيامة.
٩ - محبة الله تعالى يصدقها محبة نبيِّه ﷺ ومتابعة هديه.
١٠ - كرامة الأولياء حق، وهي ما وافق نصوص الشريعة الإسلامية.
١١ - مريم بنت عمران من أكمل نساء العالمين، طهرًا وكرامة وتقوى.
١٢ - نصارى نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله ﷺ .
١٣ - اليهود يكتمون صفة محمد ﷺ في التوراة ووجوب الإيمان به، ويزعمون كذبًا حل أموال العرب، ويكذبون على الله وهم يعلمون.
١٤ - الكافر لا ينتفع بما عمل من الخير في الآخرة، وإنما يقتصر انتفاعه بذلك على الدنيا. وأما المؤمن فينتفع بالعمل الصالح بالرزق في الدنيا والثواب في الآخرة.
стр. 862
١٥ - الحج ركن من أركان الإسلام، وعلى المسلم المستطيع التعجل إلى الحج، والاستطاعة: صحة البدن وملك الزاد والراحلة وأمن الطريق والمحرم للمرأة.
١٦ - هذه الأمة خير الأمم، ما أقامت منهاج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
١٧ - أمة محمد ﷺ ثلثا أهل الجنة، وهم أكثر أتباع الأنبياء.
١٨ - الولاء والبراء أصل من أصول الإيمان عند المؤمنين، يمنعهم من اتخاذ بطانة من المنافقين أو الكافرين.
١٩ - تأخير النصر عن المسلمين، هو نتيجة المعاصي ومخالفة أمر الرسول الكريم.
٢٠ - سنة الله في الرسل أن تُبتلى ولهم العاقبة.
٢١ - الشهادة في سبيل الله من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم.
٢٢ - النعاس في الجهاد من الله تعالى، وفي الصلاة من الشيطان.
٢٣ - أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في الجنة، ونسمة المؤمن طائر فيها.
٢٤ - استدراج الله الكفار بالخيرات إنما هو شر لهم.
٢٥ - إفشاء العلم واجب على العلماء، وإنما كتمانه كان صفة للأحبار والرهبان الأشقياء.
٢٦ - التفكر في خلق السماوات والأرض يثبت الإيمان، ويقوي لدى المؤمن الحجة والبرهان.
٢٧ - الابتلاء حق، وجزاء الأذى في الله والهجرة إليه الجنة.
٢٨ - أهل الكفر في الأرض في فتنة ومكر وغرور، وأهل الإيمان في صبر وشكر وأمل بنصر من الله وسرور.
٢٩ - المؤمن من أهل الكتاب بنبيّه ثم بمحمد ﷺ له أجران.
٣٠ - الصلاة رباط في السلم في السلم، والجهاد رباط على الثغور في الحرب، وجزاء تقوى الله في الرخاء والشدة الجنة.
стр. 863
٤ - سورة النساء
وهي سورة مدنية، وعدد آياتها (١٧٦).
فضلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد ذكر هذه السورة الكريمة في أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: [صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ، فافتتح البقرة فقلت (١): يركعُ عندَ المئةِ، ثم مضى, فقلت: يُصَلي بهما في ركعة, فمضى فقُلت: يَرْكَع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مُتَرَسِّلًا، إذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سَبَّحَ، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سألَ، وإذا مرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ, ثم رَكَعَ فجعل يقول: "سبحان ربي العظيم" فكان ركوعه نحوًا من قِيامه ثم قال: "سمع الله لمن حمده" ثم قام طويلًا، قريبًا مما ركَعَ، ثم سَجَدَ فقال: "سبحان ربي الأعلى" فكان سجوده قريبًا من قيامه] (٢).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ عليَّ"، قلت: أقرأ عليكَ وعليكَ أنزل؟ قال: "فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري, فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
стр. 864
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: "أَمْسِك"، فإذا عيناه تَذْرِفان] (١).
ورواه الترمذي وفي آخره: [فَرَأيْتُ عَيْنَي النبي ﷺ تهملان].
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله قال: [أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ عليه، وهو على المنبر، فقرأت عليه من سورة النساء، حتى إذا بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] غمزني رسول الله ﷺ بيده، فنظرت إليه وعيناه تدمعان] (٢).
موضوع السورة
العلاقات الأسرية وبر الوالدين وصلة الأرحام، والأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء، وتشريعات خاصة في الصلاة والجهاد ومنهاج الولاء والبراء.
- منهاج السورة -
١ - أَمْرُ الله تعالى عباده بالتقوى وصلة الأرحام، فهو سبحانه الرقيب علهم، ويحصي أعمالهم.
٢ - تنبيه الولي إن أراد نكاح يتيمته أن يعطيها مهر مثلها ولا يبخس حقها.
٣ - وجوب العدل بين الزوجات، ولا زواج فوق أربع، وتحريم أكل المهور.
٤ - النهي عن جعل الأموال بيد السفهاء يفسدون فيها. والسفهاء هم المجانين والصغار وقليلو الدين والجهلة بمواضع المصالح والمضار.
٥ - ولي اليتيم الغني، والفقير يأكل بالمعروف.
٦ - إبطال عادات الجاهلية بعدم توريث النساء والأطفال والأمر بتوريثهم.
٧ - أقصى الوصية الثلث، وآكل مال اليتيم ظلمًا إنما يأكل نارًا.
стр. 865
٨ - القسمة الشرعية للميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين، والنساء فوق اثنتين لهن الثلثان، وإن واحدة فلها النصف، وللرجال نصف ما ترك أزواجهم إن لم يكن لهن ولد وإلا فالربع. وللنساء الربع مما ترك الأزواج إن لم يكن لهم ولد وإلا فالثمن، والدَّين مقدم على الوصية.
٩ - مفهوم الكلالة، ولا وصية لوارث، والإضرار بالوصية من الكبائر.
١٠ - حد الزنا كان الحبس في البيوت، فنسخ إلى الجلد أو الرجم.
١١ - حد عمل قوم لوط: قتل الفاعل والمفعول به.
١٢ - لا توبة عند الغرغرة، ومن مات على كفره لا ينفعه ندم ولا توبة.
١٣ - النهي عن استرداد المهر بعد المفارقة، والنهي عن نكاح ما نكح الآباء، وعن الجمع بين الأختين، والتحذير من الاقتراب من مدارج الزنى.
١٤ - الرضاعة المحرّمة: خمس رضعات، وهي تحرم ما يحرّم النسب والولادة.
١٥ - الربيبة حرام، وزوجات الأبناء من الأصلاب حرام، وذوات الأزواج محرمات، إلا السبايا فحلال بعد الاستبراء.
١٦ - الحلال من النساء، ما وراء ما ذكر من المحرمات.
١٧ - تخفيف الله عنا بإباحة نكاح الإماء لضعفنا، ونكاح الأمة بإذن سيدها، وحدّ المملوك نصف حد الحر ولا رجم عليه.
١٨ - النهي عن أكل الأموال بالحيلة والمكر، والنهي عن ضرب النفس بحديدة أو تحسي السّم انتحارًا أو تدجيلًا، واجتناب الكبائر يكفر الصغائر.
١٩ - النهي عن تمني ما بيد الآخرين من النعم، والترغيىب بسؤال الله من فضله وعطائه.
٢٠ - نسخ توارث المهاجري الأنصاري والحليف حليفه، إلى التوارث بالقرابة.
٢١ - التدرج في معالجة نشوز الزوجة: الوعظ، والهجر، والضرب غير المبرح.
٢٢ - تنفيذ الحكمين ما يريانه من المصلحة توفيقًا أو تفريقًا.
٢٣ - الترغيب ببر الوالدين، والإحسان إلى الجار، والتحذير من البخل وقطيعة الرحم، والله يضاعف الحسنات، ويهلك الكفار يوم القيامة بالحسرات والسيئات.
٢٤ - النهي عن اقتراب السكران الصلاة، تمهيد لتحريم الخمر.
стр. 866
٢٥ - جواز مرور الجنب والحائض في المسجد عبور سبيل.
٢٦ - إباحة التيمم لفقدان الماء في الحضر والسفر، ولخوف ازدياد المرض.
٢٧ - المقصود من ﴿لامستم النساء﴾ الجماع، ولمس الأجنبية لا ينقض الوضوء.
٢٨ - اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بالألفاظ ويقصدون غير ما يتلفظون.
٢٩ - الشرك أعظم الظلم، والله لا يغفر الشرك وقد يغفر ما دون ذلك.
٣٠ - الطاغوت ما عبد من دون الله برضاه، واليهود يحسدون العرب على النعمة العظمى - نبوة محمد ﷺ الرسول العربي -، والكفار تبدل وجوههم في النار كلما نضجت.
٣١ - الأمر بأداء الأمانات إلى أصحابها والحكم في الناس بالعدل، والرسول يرد مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة.
٣٢ - الطاعة في المعروف، وأما المعصية فلا سمع ولا طاعة، ووجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة، وجزاء من بطع الله ورسوله مرافقة الأنبياء والصديقين والصالحين والشهداء في الجنة.
٣٣ - القتال شرع بالمدينة وقد كانوا يتمنونه أيام الضعف في مكة، فلما كتب عليهم وجد بعض المؤمنين جزعًا فثبتهم الله وأعانهم.
٣٤ - طاعة رسول الله طاعة لله، ومعصيته معصية لله.
٣٥ - أمْرُ الله رسوله بتحريض المؤمنين على الجهاد ليكف بأس الكافرين.
٣٦ - رد السلام على المؤمنين فريضة، وإفشاء السلام دليل المحبة.
٣٧ - النهي عن اتخاذ المنافقين أولياء، والاستنصار بهم على الأعداء.
٣٨ - قتل الخطأ فيه تحرير رقبة مؤمنة ودية إلى أهله.
٣٩ - تفصيل أحكام الديات: المسلم، الكافر، قتل العمد، الكفارة. وأولياء الدم مخيرون بين القتل والعفو والدية.
٤٠ - إظهار الإيمان يمنع من المسارعة بالقتل، أو الاتهام بالكذب.
стр. 867
٤١ - معذرة أولى الضرر عن الجهاد، وفضيلة المجاهدين على القاعدين.
٤٢ - النهي عن مساكنة المشركين، والأمر بالهجرة إلى دار الإسلام، واستثناء المستضعفين، وأجرهم إن ماتوا حسب نياتهم.
٤٣ - تشريع قصر الصلاة في السفر، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.
٤٤ - تشريع صلاة الخوف: للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.
٤٥ - وقت الصلاة كوقت الحج، لا تجوز بعد فواته، فويل لمؤخريها.
٤٦ - الرسول لا يعلم ما في القلوب، بل يحكم بالظاهر، والله يطلع على القلوب، ويغفر الذنوب، فمن تاب تابَ الله عليه، ومن يقترف خطيئة ثم يرم بها بريئًا فله عذاب أليم.
٤٧ - ترك سنة الرسول ومنهاج المؤمنين، مآل أهله إلى الجحيم.
٤٨ - المشركون جعلوا لله البنات وعبدوها لتقربهم إليه زلفى، واستحسنوا ما زينه لهم الشيطان.
٤٩ - الدعوى لا تحق حقًّا ولا تبطل باطلًا إلا ببرهان من الله.
٥٠ - كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها.
٥١ - إبراهيم ﵇ بلغ مرتبة الخلة، وكذلك نبينا محمد ﷺ وصلها، وقد وفّى.
٥٢ - النهي عن عضل اليتامى اللاتي في حجور المؤمنين، فإما الزواج بهن أو تزويجهن.
٥٣ - خوف المرأةِ نشوز زوجها فلا جناح عليها أن تسقط عن حقها.
٥٤ - الأمر بالعدل بين النساء في المعاملة، وأما ميل القلب فيعفى عنه.
٥٥ - وصية الله بالتوحيد للأولين والآخرين، والأمر بشهادة الحق ولو على النفس والوالدين والأقربين، والموت على الكفر بعد التردد بين الإيمان والكفر مآل صاحبه إلى الجحيم.
стр. 868
٥٦ - النهي عن الجلوس في مجلس يُستهزأ فيه بآيات الله، ومن فعل ذلك فهو مثل المستهزئين، والله سيجمع في العذاب بين المنافقين والكافرين، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا، وما يفعل الله بعذاب عباده إن صدقوه الإيمان والإصلاح والعمل.
٥٧ - لا يجوز الجهر بالسوء من القول، أو دعاء أحد على أحد، إلا من ظلم، والعفو خير.
٥٨ - الكفر بنبيٍّ واحد كفر بجميع الأنبياء.
٥٩ - اليهود سألوا رسول الله نزول كتاب من السماء كما نزلت التوراة، واحتالوا دومًا على ارتكاب ما حرم الله، وقذفوا العذراء، وكفروا بالمسيح، وسعوا ليقتلوه، وارتكبوا كل منكر في الأرض.
٦٠ - الحواريون شاهدوا رفع المسيح ﵇ إلى السماء حيًّا منزهًا مكرمًا، وفداه أحدهم بنفسه ممن شبهه فصلب مكانه، وسينزل عيسى من السماء إلى الأرض في دمشق وسيحكم بالإسلام، ويقتل المسيح الكاذب الأعور الدجال، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.
٦١ - الله يشهد وملائكته بما أنزل على محمد ﷺ ، والزبور نزل على داود ﷺ .
٦٢ - النصارى غلوا في عيسى حتى عَبَدُوه، واعتقدوا في أتباعه العصمة.
٦٣ - عيسى ﷺ خُلِق بكلمة "كن"، وهو عبد الله ورسوله، والله تعالى واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد.
٦ - المسيح نفسه لن يستنكف أن يكون عبدًا لله فما بال هؤلاء يؤلهونه؟ ! والقرآن هو الدليل القاطع للعذر، والحجة الخالدة المزيلة للشبه المبين الذي يضيء كل ما ظلم.
٦ - الكلالة من ليس له ولد ولا والد، وقد فصل الله حكم ذلك آخر السورة.
* * *
стр. 869
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾.
في هذه الآية: يأمر الله سبحانه عباده بالتقوى ويفتتح بذلك كلامه في هذه السورة، كما اختتمه في سورة آل عمران قبلها، حيث ختم كلامه بالأمر بالتقوى فإن فلاح العبد في الدنيا والآخرة منوط بها. ثم ينبه سبحانه على قدرته العجيبة في الخلق إذ خلق العباد كلهم من نفس واحدة، وهي آدم ﵇، وخلق حواء من ضلع منه، ثم بث منهما الذرية رجالًا ونساءً، ثم يؤكد سبحانه مرة أخرى على التقوى التي فيها سِرّ نجاة الخلق، وعلى صلة الأرحام التي تحمل الرزق والسعادة للعباد، والله على كل شيء رقيب.
فعن قتادة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، يعني آدم صلى الله عليه).
وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾. قال مجاهد: (حواء، من قُصيرى (١) آدم وهو نائم، فاستيقظ فقال: "أثا" - بالنبطية، امرأة).
وقال قتادة: (يعني حواء، خلقت من آدم، من ضِلَع من أضلاعه).
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة عن ابن عباس قال: (خلقت المرأة من الرجل، فجعلت نَهمَتُها في الرجل وخُلِقَ الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم).
стр. 870
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن المرأة خُلِقَتْ من ضِلَع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها، وبها عِوَجٌ، وإن ذهبتَ. تُقيمُها كَسَرْتَها، وكَسْرُها طلاقُها] (١).
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [استوصُوا بالنِّساء، فإن المرأة خلقت من ضِلَعٍ، وإن أعوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعلاه، فإن ذهبت تقيمُه كسَرْتَه، وإن تركتَه لم يزلْ أعوجَ، فاستوصوا بالنساء] (٢).
وقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ يعني: ونشر منهما - من آدم وزوجته حواء - ذرية رجالًا كثيرًا ونساءً على اختلاف أقطارهم وألوانهم وأجناسهم وألسنتهم.
أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى خلقَ آدم من قُبْضَةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبين ذلك، والسَّهْلُ والحزْنُ، والخبيث والطيب، وبين ذلك] (٣).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾. قال الضحاك: (يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به). وقال ابن عباس: (تعاطفون به).
وقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾. قال مجاهد: (يقول: أسألك بالله وبالرحم). يعني قول الرجل يسأل بالله وبالرحم. ومنه قول أبي سفيان لرسول الله ﷺ : [أنشُدُك الله والرحم فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم]، ليدعو لهم ويستسقي لهم حين أصابهم ما أصابهم بعد حصار الشعب فأكلوا الجلود والميتة والجيف.
وقال السدي: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها).
стр. 871
والمعنى الراجح لهذه الآية: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. أخرج ابن عساكر بسند حسن عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [اتقوا الله، وصلوا أرحامكم] (١).
ورواه الطبراني عن جابر وزاد: [فإنه ليس من ثواب أسرع من صلة الرحم].
ورواه ابن جرير عن قتادة وزاد: [فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة].
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة، من قطيعة الرحم والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة، فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا] (٢).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. قال مجاهد: (حفيظًا). وقال ابن زيد: (رقيبًا: على أعمالكم، يعلمها ويعرفها). وفي التنزيل: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وفي حديث الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ وسؤال جبريل للنبي ﷺ : أخبرني عن الإحسان؟ قال: [أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك] (٣).
قال ابن القيم ﵀: (المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق على ظاهره وباطنه. قال: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور. يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول) (٤).
стр. 872
وقيل: (علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظم الله، وتصغير ما صغر الله).
وقيل: (من راقب الله في خواطره عصمه في حركات جوارحه).
وقيل: (المراقبة خلوص السر والعلانية لله .
وفي جامع الترمذي عن عبد الله بن عباس، قال: [كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: يا غلام إني أعَلِّمُكَ كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْهُ تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، .. ] الحديث (١).
والخلاصة: فالمراقبة حالة في القلب المؤمن بأسماء الله وصفاته، تحمله على تعظيم أوامره وحرماته واجتناب معاصيه ومسخطاته، وإيثار رضاه على هوى نفسه وشهواته، وخوفٌ سببه يقينه باطلاعه سبحانه على تصرفاته، يدفعه إلى سياسة عمله بالعلم الذي يوصل إلى مرضاته.
ومن هنا قول بعض الصالحين: (إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب).
وقول أبي حفص لأبي عثمان النيسابوري: (إذا جلست للناس فكن واعظًا لقلبك ونفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك فإنهم يراقبون ظاهرك واللِّه يراقب باطنك).
قلت: وهذه الآية قد كان النبي ﷺ يقرؤها في خطبة الحاجة أو خطبة النكاح. ففي صحيح مسلم من حديث المنذر بن جرير، عن أبيه قال: [كنا عند رسول الله ﷺ في صدْرِ النّهار، فجاءه قومٌ حفاةٌ عُراةٌ مجتابي النِّمار (٢) أو العَباء، متقلدي السيوف. عامّتُهم من مُضَرَ، بل كُلُّهُمْ من مُضَرَ، فتَمَعَّرَ وجه رسول الله ﷺ لِمَا رأى بهم من الفاقَةِ، فدخل ثم خرج، فأمَرَ بلالًا فأذّن وأقام، فصلّى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ , .. ] الحديث (٣). ثم حضّهم على الصدقة.
стр. 873
٢ - ٤. قوله تعالن: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾.
في هذه الآيات: أمر من الله بدفع الأموال المستحقة للأيتام إذا بلغوا الرشد، وتحذير من الاستهتار بها أو ضمها أو التلاعب بها، وترهيب من الوقوع في ظلم اليتامى من النساء بنكاحهن دون القسط في مهورهن، فإن الله أباح غيرهن مثنى وثلاث ورباع، وَرَغَّبَ في الاكتفاء بواحدة خشية الظلم، وأمَرَ بدفع المهور للزجات فما سامَحْنَ به فكلوه هنيئًا مريئًا.
فقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. قال مجاهد: (الحلال بالحرام). وقال إبراهيم: (لا تعط زيفًا وتأخذ جيدا]. وقال الضحاك: (لا تعط فاسدًا، وتأخذ جيدًا].
وقد جاء تفسير آخر عن مجاهد: (لا تعجِّل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدِّر لك). والأول أرجح واختاره ابن جرير. فالمعنى: لا تستبدلوا أموالهم الحرامَ عليكم بأموالكم الحلال لكم. فقد كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيِّد من ماله ويجعلون مكانه لليتيم الرديء والخسيس.
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. قال مجاهد: (لا تأكلوا أموالكم وأموالهم، تخلطوها فتأكلوها جميعًا). يعني لا تخلطوا أموالهم بأموالكم فتأكلوها مع أموالكم.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: (إثمًا عظيمًا). وقال قتادة: (ظلمًا كبيرًا). يعني خلط أموال اليتامى مع أموال الأوصياء إثم كبير.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: [أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عِذْقٌ، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ
стр. 874
خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - أحسبه - شك من هشام بن يوسف - قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله] (١).
وفي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة: عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: [يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حِجْر وليِّها، تَشْرَكُه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وَليّها أن يتزوّجها بغير أن يُقْسِطَ في صَدَاقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهُوا أن ينكحوهُنَّ إلَّا أن يُقْسِطوا إليهن، ويبلُغوا بهنَّ أعلى سُنَّتِهنَّ في الصداق، وأمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهُنّ. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]. قال عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهُوا أن ينكحُوا مَنْ رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كُنَّ قليلات المال والجمال] (٢).
وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن ولا تقعوا في الظلم، ولكم أن ينكح أحدكم إن شاء ثنتين وإن شاء ثلاثًا وإن شاء أربعًا.
أخرج البيهقي بسند حسن عن ابن عمر: [أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلَمْنَ معه ما فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا] (٣).
قال الشافعي: (وقد دلّت سنة رسول الله ﷺ المبيِّنَة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة).
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال ابن كثير: (أي: فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة، أو
стр. 875
على الجواري السراري، فإنه لا يجب قَسْمٌ بينهن، ولكن يُستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حَرَج).
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾. قال مجاهد: (يقول: لا تميلوا). وقال الحسن: (العَوْل الميل في النساء). والمعنى: ألا تجوروا وتظلموا.
وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قال ابن عباس: (يعني بـ "النحلة"، المهر). وقال ابن جريج: (﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: فريضة مسماة).
والمعنى كما قال ابن جرير: (وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، وفريضة لازمة).
وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾. قال ابن زيد: (بعد أن توجبوه لهنّ وتُحلُّوه)، يعني المهر. والمقصود: إن وهب لكم - أيها الرجال - نساؤكم شيئًا من مهورهن بعد أن عُيِّنَ ذلك لهن، طيبة بذلك نفوسهن, ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. قال قتادة: (ما طابت به نفسًا في غير كَرْه أو هوان، فقد أحَلَّ الله لك ذلك أن تأكله هنيئًا مريئًا).
ومعنى ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أي: دواء شافيًا. من: "هنأت البعير بالقطِران" إذا جَرِب فعُولج به. والعرب تقول: أمرأني الطعام أي: انهضم. وقوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ منصوب على الحال من الهاء في ﴿فَكُلُوهُ﴾.
٥ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾.
في هذه الآيات: نَهْيٌ من الله سبحانه عن تعريض الأموال للتلف والتصرف السيِّئ الهزيل بوضعها تحت تصرف السفهاء، وأمْرٌ باختبار اليتامى قبل دفع أموالهم إليهم عند من الرشد، وأنّ على ولي اليتيم الغني أن يستعفف، وللفقير أن يأكل بالمعروف، وأنه لابد من الإشهاد عند دفع الأموال إليهم لئلا يقع التجاحد يومًا ويدخل الشيطان.
стр. 876
فقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾، المعني بالسفهاء عند المفسرين على أقوال:
١ - قال سعيد بن جبير: (اليتامى والنساء). وقال الحسن: (لا تعطوا الصغار والنساء).
٢ - قال مجاهد: (النساء والولدان). وقال قتادة: (أمر الله بهذا المال أن يخزن فتُحسن خِزانته، ولا يملكه المرأة السفيهة والغلامُ السفيه).
٣ - وقال مجاهد: (نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهنّ سفهاء مَنْ كُنَّ أزواجًا أو أمهات أو بنات).
٤ - قال أبو هريرة: (هم الخدم، وهم شياطين الإنس) رواه ابن أبي حاتم عن معاوية بن قرّة عنه.
قلت: والسفيه هنا الضعيف التصرف، المستحق الحجرَ بتضييعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبيره، ويشمل كل من كانت هذه صفته.
أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة يدعون الله فلا يُستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخُلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾] (١).
وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال ابن عباس: (بمعنى: قوامكم في معايشكم). وقال الحسن: (قيام عيشك). وقال السدي: (فإن المال هو قيام الناس، قِوام معايشهم. يقول: كن أنت قيم أهلك، فلا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك).
وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. قال مجاهد: (أمروا أن يرزقوا سفهاءهم - من أزواجهم وأمهاتهم وبناتهم - من أموالهم). وقال ابن عباس: (أنفقوا عليهم). وقال السدي: (يقول: أطعمهم من مالك واكسهم).
وقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال مجاهد: (أمروا أن يقولوا لهم قولًا معروفًا في البر والصلة). وقال ابن جريج: (عِدَة تعدهم) يعني نحو قولك لهم: إن صلحتم ورشدتم سلمنا لكم أموالكم لتديروها بأنفسكم.
стр. 877
وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾. قال ابن زيد: (اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو. إذا عُرف أنه قد أُنِسَ منه رُشد، دفع إليه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام).
وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، قال: عند الحلم).
وقال الحسن: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ قال: رشدًا في الدين، وصلاحًا، وحفظًا للمال). وقال مجاهد: (العقل). وقال ابن جريج: (صلاحًا وعلمًا بما يصلحه).
والخلاصة: سن البلوغ يكون عند الحلم -كما ذهب الجمهور من العلماء- وبه ينتهي اليتم وسن الطفولة.
أخرج أبو داود بسند حسن عن علي قال: [حفظت من رسول الله ﷺ : لا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمَاتَ يوم إلى الليل] (١).
ويعرف الحُلُم بالاحتلام - وهو أن يرى في منامه الماء الدافق الذي يكون منه الولد -، كما يعرف بالشعر الخشن ينبت حول الفَرْج، كما يعرف بسن الخامسة عشرة.
وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: [عُرِضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فلم يُجِزْني، وعُرضتُ عليه يومَ الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني] (٢).
قال عمر بن عبد العزيز - لما بلغه هذا الحديث -: (إن هذا الفرق بين الصغير والكبير).
وفي لفظ ابن ماجة: (هذا فصل ما بين الصغير والكبير).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن عَطِيَّة القُرَظيِّ قال: [عُرِضنا على النبي ﷺ يوم قُريظة، فأمر من ينظر من أنبت، فكَان من أنْبَتَ قُتِل، ومن
стр. 878
لم يُنْبِتْ خُلِّيَ سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فَخُلِّي سبيلي] (١).
الحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود والنسائي بسند جيد عن عائشة، عن النبي ﷺ قال -[رفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم - أو يستكمل خمس عشرة سنة - وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيقَ] (٢).
وفي الأثر عند أبي عُبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن إسماعيل بن أميَّة، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عمر: (أن غلامًا ابتهرَ جارية في شِعْرِه، فقال عمر ﵁: انظروا إليه. فلم يُوجَد أنْبَت، فدَرَأَ عنه الحدَّ. قال أبو عُبيد: ابتهَرَها أي: قذفها، والابتهار أن يقول: فعلت بها، وهو كاذب، فإن كان صادقًا فهو الابتيار" (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله). والتقدير: لا تأكلوها مبادرة كِبرهم، فأنْ في محل نصب. والآية تنهى عن المبادرة بأكل أموال اليتامى قبل بلوغهم للاستفادة منها ومنعهم من ذلك.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
أخرج الشيخان عن عائشة ﵂: [في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا فإنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف] (٤).
وفي لفظ مسلم: [أنزلت في والي مال اليتيم الذي يقوم عليه ويُصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه].
وله شاهد عند الإمام أحمد بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [أن رجلًا سأل رسول الله فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: كُلْ من مال يتيمك غير
стр. 879
مُسْرف ولا مُبَذِّر ولا مُتَأَثِّل مالًا، ومن غير أن تَقِيَ مالك - أو قال: تَفْدِي مالك - بماله] (١).
وشاهد آخر عند أبي داود والنسائي عنه بلفظ: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا له مال وليس لي مال، آكل من ماله؟ قال: كُلْ بالمعروف عْير مُسرف] (٢).
وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: أي: فأشهدوا على الأيتام دفعكم إليهم أموالهم واستيفاءهم ذلك منكم. وهو أمر من الله سبحانه لئلا يقع التجاحد يومًا ويدخل الشيطان.
قال ابن عباس: (إذا دفع إلى اليتيم ماله، فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى).
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. قال السدي: (شهيدًا].
قال ابن كثير: (أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مُرَوَّج حسابها مُدَلَّس أمورها؟ الله عالم بذلك كله.
ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَ على اثنين، ولا تَلِيَنَ مال يتيم" (٣)).
٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا
стр. 880
قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى أن للذكور من أولاد الرجل إذا مات حصة من ميراثه، وكذلك للإناث حصة منه، من قليل ما خلّف بعده ووكثيره, وهي حصة مفروضة واجبة معلومة. وإذا حضر هذه القسمة الفقراء ممن لا يرث من القرابة، واليتامى والمساكين، فإن إكرامهم أمر يحبه الله ويجزي به. ثم ليتق الله كل من يوصي أن يضرّ بأحد من الورثة أو بأموال اليتامى فإنه كما يحب لذريته من بعده، كذلك عليه أن يحسن في معاملة من وَليَ أَمْرَه. إن الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من أموال اليتامى إنما يأكلون في بطونهم النار مقابل استهتارهم والعياذ بالله.
فعن قتادة، قال: (كانوا لا يُوَرِّثون النساء، فنزلت: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾). وقال سعيد بن جبير: (كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورِّثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... ﴾ ... الآية).
وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قال الفراء: (هو كقولك: قسمًا واجبًا، وحقًّا لازمًا، فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب). وقال الزجاج: (انتصب على الحال).
وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
المعنى -كما قال الحافظ ابن كثير-: (أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوقُ إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يُعطونه، فأمر الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم: أن يُرْضَخَ لهم شيءٌ من الوسَط يكون برًا بهم وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجَبْرًا لكسرهم).
قلت: وقد خاض الناس فيما سبق في هذه الآية: مِنْ قائل إنها منسوخة بآية المواريث، ومن قائل: إنها محكمة. والصواب ما ذكر البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة). وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: (هي قائمة يعمل بها). وقال مجاهد: (هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم).
قلت: والآية تشبه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ