← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾، المعني بالسفهاء عند المفسرين على أقوال: ١ - قال سعيد بن جبير: (اليتامى والنساء). وقال الحسن: (لا تعطوا الصغار والنساء). ٢ - قال مجاهد: (النساء والولدان). وقال قتادة: (أمر الله بهذا المال أن يخزن فتُحسن خِزانته، ولا يملكه المرأة السفيهة والغلامُ السفيه). ٣ - وقال مجاهد: (نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم، وهنّ سفهاء مَنْ كُنَّ أزواجًا أو أمهات أو بنات). ٤ - قال أبو هريرة: (هم الخدم، وهم شياطين الإنس) رواه ابن أبي حاتم عن معاوية بن قرّة عنه. قلت: والسفيه هنا الضعيف التصرف، المستحق الحجرَ بتضييعه ماله وفساده وإفساده وسوء تدبيره، ويشمل كل من كانت هذه صفته. أخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : [ثلاثة يدعون الله فلا يُستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخُلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيهًا ماله، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾] (١). وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾. قال ابن عباس: (بمعنى: قوامكم في معايشكم). وقال الحسن: (قيام عيشك). وقال السدي: (فإن المال هو قيام الناس، قِوام معايشهم. يقول: كن أنت قيم أهلك، فلا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك). وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾. قال مجاهد: (أمروا أن يرزقوا سفهاءهم - من أزواجهم وأمهاتهم وبناتهم - من أموالهم). وقال ابن عباس: (أنفقوا عليهم). وقال السدي: (يقول: أطعمهم من مالك واكسهم). وقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال مجاهد: (أمروا أن يقولوا لهم قولًا معروفًا في البر والصلة). وقال ابن جريج: (عِدَة تعدهم) يعني نحو قولك لهم: إن صلحتم ورشدتم سلمنا لكم أموالكم لتديروها بأنفسكم.

стр. 877

وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾. قال ابن زيد: (اختبروه في رأيه وفي عقله كيف هو. إذا عُرف أنه قد أُنِسَ منه رُشد، دفع إليه ماله. قال: وذلك بعد الاحتلام). وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، قال: عند الحلم). وقال الحسن: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ قال: رشدًا في الدين، وصلاحًا، وحفظًا للمال). وقال مجاهد: (العقل). وقال ابن جريج: (صلاحًا وعلمًا بما يصلحه). والخلاصة: سن البلوغ يكون عند الحلم -كما ذهب الجمهور من العلماء- وبه ينتهي اليتم وسن الطفولة. أخرج أبو داود بسند حسن عن علي قال: [حفظت من رسول الله ﷺ : لا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمَاتَ يوم إلى الليل] (١). ويعرف الحُلُم بالاحتلام - وهو أن يرى في منامه الماء الدافق الذي يكون منه الولد -، كما يعرف بالشعر الخشن ينبت حول الفَرْج، كما يعرف بسن الخامسة عشرة. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر قال: [عُرِضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فلم يُجِزْني، وعُرضتُ عليه يومَ الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني] (٢). قال عمر بن عبد العزيز - لما بلغه هذا الحديث -: (إن هذا الفرق بين الصغير والكبير). وفي لفظ ابن ماجة: (هذا فصل ما بين الصغير والكبير). الحديث الثاني: أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن عن عَطِيَّة القُرَظيِّ قال: [عُرِضنا على النبي ﷺ يوم قُريظة، فأمر من ينظر من أنبت، فكَان من أنْبَتَ قُتِل، ومن

стр. 878

لم يُنْبِتْ خُلِّيَ سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فَخُلِّي سبيلي] (١). الحديث الثالث: أخرج أحمد وأبو داود والنسائي بسند جيد عن عائشة، عن النبي ﷺ قال -[رفِعَ القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم - أو يستكمل خمس عشرة سنة - وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيقَ] (٢). وفي الأثر عند أبي عُبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن إسماعيل بن أميَّة، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عمر: (أن غلامًا ابتهرَ جارية في شِعْرِه، فقال عمر ﵁: انظروا إليه. فلم يُوجَد أنْبَت، فدَرَأَ عنه الحدَّ. قال أبو عُبيد: ابتهَرَها أي: قذفها، والابتهار أن يقول: فعلت بها، وهو كاذب، فإن كان صادقًا فهو الابتيار" (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾. قال ابن عباس: (يعني: أكل مال اليتيم مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله). والتقدير: لا تأكلوها مبادرة كِبرهم، فأنْ في محل نصب. والآية تنهى عن المبادرة بأكل أموال اليتامى قبل بلوغهم للاستفادة منها ومنعهم من ذلك. وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أخرج الشيخان عن عائشة ﵂: [في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرًا فإنه يأكل منه مكان قيامه عليه بمعروف] (٤). وفي لفظ مسلم: [أنزلت في والي مال اليتيم الذي يقوم عليه ويُصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه]. وله شاهد عند الإمام أحمد بسند جيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: [أن رجلًا سأل رسول الله فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: كُلْ من مال يتيمك غير

стр. 879

مُسْرف ولا مُبَذِّر ولا مُتَأَثِّل مالًا، ومن غير أن تَقِيَ مالك - أو قال: تَفْدِي مالك - بماله] (١). وشاهد آخر عند أبي داود والنسائي عنه بلفظ: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا له مال وليس لي مال، آكل من ماله؟ قال: كُلْ بالمعروف عْير مُسرف] (٢). وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾: أي: فأشهدوا على الأيتام دفعكم إليهم أموالهم واستيفاءهم ذلك منكم. وهو أمر من الله سبحانه لئلا يقع التجاحد يومًا ويدخل الشيطان. قال ابن عباس: (إذا دفع إلى اليتيم ماله، فليدفعه إليه بالشهود، كما أمره الله تعالى). وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. قال السدي: (شهيدًا]. قال ابن كثير: (أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مُرَوَّج حسابها مُدَلَّس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنَ على اثنين، ولا تَلِيَنَ مال يتيم" (٣)). ٧ - ١٠. قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا

стр. 880

قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى أن للذكور من أولاد الرجل إذا مات حصة من ميراثه، وكذلك للإناث حصة منه، من قليل ما خلّف بعده ووكثيره, وهي حصة مفروضة واجبة معلومة. وإذا حضر هذه القسمة الفقراء ممن لا يرث من القرابة، واليتامى والمساكين، فإن إكرامهم أمر يحبه الله ويجزي به. ثم ليتق الله كل من يوصي أن يضرّ بأحد من الورثة أو بأموال اليتامى فإنه كما يحب لذريته من بعده، كذلك عليه أن يحسن في معاملة من وَليَ أَمْرَه. إن الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من أموال اليتامى إنما يأكلون في بطونهم النار مقابل استهتارهم والعياذ بالله. فعن قتادة، قال: (كانوا لا يُوَرِّثون النساء، فنزلت: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾). وقال سعيد بن جبير: (كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورِّثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ... ﴾ ... الآية). وقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قال الفراء: (هو كقولك: قسمًا واجبًا، وحقًّا لازمًا، فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب). وقال الزجاج: (انتصب على الحال). وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. المعنى -كما قال الحافظ ابن كثير-: (أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوقُ إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يُعطونه، فأمر الله تعالى، وهو الرؤوف الرحيم: أن يُرْضَخَ لهم شيءٌ من الوسَط يكون برًا بهم وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجَبْرًا لكسرهم). قلت: وقد خاض الناس فيما سبق في هذه الآية: مِنْ قائل إنها منسوخة بآية المواريث، ومن قائل: إنها محكمة. والصواب ما ذكر البخاري عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة). وروى ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: (هي قائمة يعمل بها). وقال مجاهد: (هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم). قلت: والآية تشبه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ

стр. 881

إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. فهذه أيضًا ليست بمنسوخة، إنما الواجب على الموصي أن يترك شيئًا من الثلث لفقراء أرحامه وأقاربه الذين لا يرثون. أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ قال: [الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. فيه تفسيران: الأول - أن يخاف من يحضر الميت أن يأمره بتفريق ماله فيمن لا يرثه وحرمان مستحقه. قال ابن عباس: (هذا في الرجل يَحْضُرُه الموت، فَيَسْمَعُهُ رجل يوصي بوصية تضرّ بورثته، فأمر الله تعالى الذي يَسْمَعُه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيعة). وهو قول مجاهد واختيار شيخ المفسرين. أخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: [كنت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فعادني رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: ". قلت: بشطر مالي؟ قال: لا. قلت: فثلث مالي؟ قال: الثلث، والثلث كثير. إنك يا سعد! أن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس] (٢). وأخرج الإمام أحمد والشيخان عن ابن عباس ﵁ قال: [وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في الوصية، لأن النبي ﷺ قال: الثلث كثير] (٣).

стр. 882

الثاني - قيل المراد بالآية: فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى ولا يأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا. حكاه ابن جرير عن العوفي عن ابن عباس. والمقصود هنا أنه كما تحب لذريتك من بعدك، كذلك فعامل الناس في ذريتهم إذا وليتهم. وهذا تفسير حسن أيضًا، وخاصة أنه مؤيد بالآية التي بعده: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. قال الجمهور: (إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم) ذكره القرطبي. وقال ابن زيد: (نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورّثون النساء ولا الصغار). وفي الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (١). ١١. قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾. في هذه الآية: ذكرُ الله تعالى تفصيل القسمة الشرعية في المواريث، وذلك بعد أداء الديون عن الميت، فريضة من الله على عباده لا تجوز مخالفتها، والله هو العليم الحكيم. أخرج البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ قال: [عادني النبي ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رشَّ

стр. 883

عليَّ، فأفقت فقلت ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله، فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾] (١). وأخرج الترمذي وأبو داود وابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن جابر ﵁ قال: [جاءت امرأة سعد بن الربيع فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدًا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا. فقال: يقضي الله في ذلك. فنزلت آية المواريث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عَمِّهِما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأُمَّهُما الثمن وما بقي فهو لك] (٢). والآية أمر من الله بالعدل في القسمة للمواريث، فقد كان أهل الجاهلية يجعلون الميراث للذكور ويحرمون منه الإناث، فعاب الله عليهم هذا الظلم، وبيّن سبحانه القسمة الشرعية العادلة، فقال سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. قال البخاري: عن ابن عباس قال: (كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع). فجعل للذكر ضعف ما للأنثى لاحتياج الرجل إلى المال أكثر من الأنثى، أثناء معاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، وتكلف المؤونة وما يقوم به أمر الأسرة. وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾. المقصود: إن ترك الميت من البنات أكثر من اثنتين فلبناته الثلثان من التركة، دون سائر ورثته، إذا لم يكن الميت خلّف ولدًا ذكرًا معهن. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾. المعنى: إن كانت المتروكة ابنة واحدة ليس معها غيرها من ولد الميت ذكر ولا أنثى، فإنها تستحق نصف الميراث.

стр. 884

وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. المقصود: إن ترك الميت أولادًا، ذكورأ أو إناثًا، واحدًا أو جماعة، فإنه يعطى كل من والدي الميت السدس من تركته وما خلّف من ماله، سواءٌ فيه الوالدة والوالد، لا يزداد أحد منهما على السدس. وقد فصّل هنا الفقهاء في أحوال الأبوين في الميراث: ١ - أن يجتمعا مع الأولاد، فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنتٌ واحدة، فرض لها النصف، ولكل واحد من الأبوين السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب. أولاد + أبوان أم: السدس أب: السدس الباقي للأولاد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بنت واحدة + أبوان أم: السدس أب: السدس + السدس البنت: النصف ٢ - أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم الثلث، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض. أبوان فقط الأم: الثلث الأب: الثلثان

стр. 885

فلو كان معهما زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع. وتأخذ الأم ثلث الباقي والأب يأخذ ثلثي الباقي. كما يوضح الجدول الآتي أ - ب. زوج + أبوان الزوج: النصف الأم: السدس = الثلث × النصف الأب: الثلث = الثلثان × النصف زوجة + أبوان الزوجة: الربع الأم: الربع = الثلث × الثلاثة أرباع الأب: النصف = الثلثان × الثلاثة أرباع وهذا قول عمر وعثمان وأصح الروايتين عن علي. وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور العلماء ﵏: أن الأم تأخذ ثلث الباقي في الحالتين (أ، ب). ويأخذ الأب ثلثيه. ٣ - اجتماع الأبوين مع الإخوة، وسواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم. فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيُفْرَض لها مع وجودهم السدس. فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب. أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين كحكم الإخوة عند الجمهور. إخوة + أبوان الأم = السدس الأب: الباقي وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. قال قتادة: (أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الاخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك. وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم). قال ابن جرير: (لا خلاف بين الجميع: أنْ لا ميراث لأخي ميت مع والده).

стр. 886

وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قال مجاهد: (يبدأ بالدين قبل الوصية). أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سعد بن الأطول: [أن أخاه مات وترك ثلاث مئة درهم. وترك عيالًا. فأردت أن أنفقها على عياله. فقال النبي ﷺ : إن أخاك مُحْتبَسٌ بِدَيْنِهِ. فاقض عنه. فقال: يا رسول الله! قد أديت عنه إلا دينارين، ادعتهما امرأة وليس لها بينة. قال: فأعطها فإنها مُحِقّة] (١). وأخرج الترمذي وابن ماجة وأحمد بسند حسن عن علي قال: [قضى رسول الله ﷺ بالدَّين قبل الوصية. وأنتم تقرؤونها: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وإن أعيان بني الأم ليتوارثون دون بني العَلَّات] (٢). وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. قال مجاهد: (في الدنيا). وقال ابن زيد: (أيهم خيرٌ لكم في الدين والدنيا، الوالد أو الولدُ الذين يرثونكم، لم يدخل عليكم غيرهم، فرضَ لهم المواريث، لم يأت بآخرين يشركونهم في أموالكم). قال القاسمي في التفسير: (أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم. والمعنى: فرض الله الفرائض، على ما هو، على حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم. فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع. وأنتم لا تدرون تفاوتها. فتولى الله ذلك فضلًا منه. ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير). وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾. يعني ما ذكر من تفصيل المواريث هو فرض الله الذي حكم به وقضى بينكم. ونصب ﴿فريضة﴾ على المصدر المؤكد. إذ معنى ﴿يوصيكم﴾ يَفْرض عليكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: أي: بكل شيء، من قسمة المواريث وغيرها, ﴿حكيمًا﴾ في قسمته وتقديره وشرعه. والخبر منه سبحانه بالماضي كالخبر

стр. 887

منه بالاستقبال. قال سيبويه: (إن الله كان كذلك لم يزل على ما رأيتم) - أي: من الحكمة والعلم. ١٢. قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾. في هذه الآية: الخطاب للرجال أن لهم نصف ما ترك أزواجهم بعد وفاتهن عن غير ولد، فإن كان لهنَّ ولد ذكر أو أنثى يوم يحدث بهن الموت فللرجال الربع مما تركن من مال وميراث، وذلك بعد قضاء الديون، وبعد إنفاذ وصاياهن الجائزة إن كن أوصين بها. وكذلك فإن للنساء الربع مما ترك الرجال إن لم يكن لهم ولد وإلا فالثمن، وذلك بعد قضاء الديون وإنفاذ الوصايا. وإن كان المتوفى لا ولد له ولا والد وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك اشتركوا في الثلث، وذلك بعد قضاء الديون وإنفاذ الوصايا، وصية الله لكم معشر المؤمنين والله عليم حكيم. فائدة: سواء في الربع أو الثمن فإن الزوجة والزوجتين والثلاث والأربع يشتركن فيه. فقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قال مجاهد: (يبدأ بالدين قبل الوصية). أخرج الترمذي بسند حسن عن علي أنه قال: [إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن

стр. 888

أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه، دون أخيه لأبيه] (١). وكذلك روى الترمذي في الباب عن علي قال: [قضى رسول الله ﷺ أن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات] (٢). قال أبو عيسى: (والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم). و"أعيان بني الأم" - مأخوذ من عين الشيء وهو النفيس منه. والأعيان: الإخوة لأب واحد وأم واحدة، بخلاف "بني العلات" الإخوة لأب، من أمهات شتى. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾. - الكلالة: من لا ولد له ولا والد. والكلالة: مشتقة من الإكْليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، قال ابن كثير: (والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق، أنه سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشميطان، والله ورسوله بريئان منه: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما وَلي عمر قال: إني لأسْتَحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. كذا رواه ابن جرير وغيره). ثم ذكر رواية ابن أبي حاتم في تفسيره عن طاووس قال: سمعت ابن عباس يقول: (كنت آخر الناس عهدًا بعُمر، فسمعته يقول: القولُ ما قلت، وما قلتُ، وما قلتُ. قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد). وبه يقول علي، وابن مسعود وقتادة وأهل المدينة والكوفة والبصرة والفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف. وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾. قال قتادة: (فهؤلاء الإخوة من الأم: إن كان واحدًا فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء). وقال أيضًا: (والكلالة الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جد، ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الإخوة من الأم). وكان سعد بن أبي وقاص يقرؤها: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ "من أمه"﴾ ذكره ابن جرير.

стр. 889

وقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. يروي ابن أبي حاتم بسنده عن الزهري قال: (قضى عمر أن ميراث الإخوة من الأم بينهم، للذكر مثل الأنثى. قال: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله ﷺ , وله الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾). فائدة (١): إخوة الأم لهم اختلاف عن بقية الورثة من وجوه: ١ - أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم. ٢ - ذكورهم وإناثهم في القسمة سواء. ٣ - لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جدّ، ولا ولدٍ ولا ولد ابن. ٤ - لا يأخذون أكثر من الثلث مهما كثر عدد ذكورهم وإناثهم. فائدة (٢): (المسألة المشتركة: زوج، وأم أو جَدّة، واثنان من ولد الأم، وواحد أو أكثر من ولد الأبوين). مذهب الجمهور: الزوج: النصف الأم أو الجدة: السدس ولد الأم: الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأم. وهو مذهب عمر وعثمان ومالك والشافعي. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال ابن عباس: (الإضرار في الوصية من الكبائر) (١). وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾. يعني: عهدًا من الله إليكم، وهو العليم بمصالح خلقه، الحليم في ترك معاجلته عقوبتهم إذا ظلموا في القسمة لمواريثهم.

стр. 890

١٣ - ١٤. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾. في هذه الآيات: بيان من الله أن تلك الأحكام هي حدود الله الواجب تعظيمها، فطاعته تعالى تورث الجنان، ومعصيته وتجاوز حدوده يورث العذاب في النيران. فعن ابن عباس: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يعني: طاعة الله، يعني المواريث التي سمى الله). وقال قتادة: (﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، التي حدّ لخلقه، وفرائضه بينهم من الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدَّوها إلى غيرها). فإن من أقامها كما أمر الله تعالى وقسم، أدخله بساتين النعيم يوم القيامة تجري تحتها الأنهار فيكون بذلك قد حظي بالفوز العظيم الذي ليس يشبهه فوز ونعيم، وإن عصى أمر الله ورسوله وخالف القسمة الشرعية عرّض نفسه لنار الجحيم والعذاب المهين. ١٥ - ١٦. قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾. في هذه الآيات: كانت عقوبة الزنا -الثابت بالبينة التامة- أولى الإسلام حبس المرأة في بيت فلا تمكن من الخروج إلى أن تموت، حتى نسخ الله ذلك بالجلد أو الرجم. وكذلك كانت عقوبة اللواط الإيذاء باللسان والضرب حتى نسخ ذلك بالقتل. فعن ابن عباس: (﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً

стр. 891

مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ قال: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم). وقال الضحاك بن مزاحم: (﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، قال: الحدّ، نسخ الحدّ: هذه الآية). أخرج الإمام مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : [خذوا عني، خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكرُ بالبكرِ جَلْدُ مئة ونفي سنة، والثيِّبُ بالثيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرجم] (١). وفي لفظ عند الإمام أحمد - قال عبادة بن الصامت: [كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثَر عليه وكُرِبَ لذلك وتَرَبَّد وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم، فلما سُرِّيَ عنه قال: خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، الثيِّبُ بالثيِّب، والبكرُ بالبِكْر، والثيبُ جلد مئة، ورَجْمٌ بالحجارة، والبِكرُ جلد مئة، ثم نفي سنة] (٢). وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾. قال مجاهد: (نزلت في الرجلين إذا فعلا، لا يَكْني، وكأنه يريد اللواط). وقال عكرمة وعطاء: (نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا). وقال السدي: (نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا). ووجه الجمع بين لفظي ﴿واللاتي﴾ , ﴿واللذان﴾ كما قال مجاهد: (الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال خاصة). فعقوبة النساء الحبسُ، وعقوبة الرجال الأذى. قال قتادة: (كانت الحرأة تحبس ويؤذيان جميعًا، وهذا لأن الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب). والإيذاء كما قال ابن عباس: (النيل باللسان والضرب بالنعال). وقال السدي: (معناه التوبيخ والتعيير). قال ابن كثير: (وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم). قلت: ولا شك أن الآية تشمل الزنا واللواط. ويؤيد ذلك اللفظ، قوله في الأولى:

стр. 892

﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، وفي الثانية ﴿منكم﴾. قال السدي وقتادة وغيرهما: (الأولى في النساء المحصنات. يريد: ودخل معهنّ من أحصِن من الرجال بالمعنى. والثاني في الرجل والمرأة البِكرين). وقال مجاهد: (الرجلان الفاعلان، لا يَكْني). أخرج أبو داود والترمذي بسند صحيح عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : [من رأيتموه يعملُ عملَ قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به] (١). وفي لفظ: (من وجدتموه) بدل: (من رأيتموه). وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. أي: إن تابا من الفاحشة التي سقطا في حبائلها وشباكها وراجعا طاعة الله سبحانه وأصلحا دينهما فاصفحوا عنهما وكفوا عنهما الأذى الذي أمرتم به قبل، فلا تعنفوهما بكلام قبيح بعد التوبة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يحب التوبة لعباده إذا رجعوا إليه فيغفر لهم ما مضى وهو ذو رحمة ورأفة بهم. قلت: ولا شك أن هذا إنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [إذا زنت الأمةُ فتبيَّن زناها فليجلدها ولا يُثَرِّب ... ] الحديث (٢). ١٧ - ١٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾. في هذه الآيات: لا يزال الله يغفر للعبد المنيب ما دامت روحه في جسده، فإذا بلغت الحلقوم ولم يتب فقد فات الأوان. وكذلك الذين يموتون وهم كفار، فإن وراءهم العذاب والخذلان.

стр. 893

أخرج الترمذي وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: [إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغِرْ] (١). وفي المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أُغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني] (٢). وقد سمى الله تعالى الوقوع بالذنب جهالة. قال مجاهد: (كل من عصى الله خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى يَنزع عن الذنب). وقال ابن عباس: (من جهالته عمل السوء). وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال ابن عباس: (ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت). وقال الضحاك: (ما كان دون الموت فهو قريب). وقال قتادة: (ما دام في صحته). وقال الحسن: (ما لم يغرغر). وقال عكرمة: (الدنيا كلها قريب). وقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. فإنه إذا حشرج العبد بنفسه وعاين ملائكة ربه أقبلوا لقبض روحه، وبلغت الروح الحلقوم وضاق بها الصدر، فلا تقبل التوبة عندها فقد فات أوانها. وفي التنزيل: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ - وذلك لأهل الأرض إذا عاينوا طلوع الشمس من مغربها. وقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. قال ابن عباس: (أولئك أبعدُ من التوبة). وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي: أعددنا لهم عذابًا مؤلمًا موجعًا.

стр. 894

١٩ - ٢٢. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾. في هذه الآيات: نهي الله المؤمنين عن توارث النساء عند موت أزواجهن، أو الإضرار بهن إلا إن أتين بفاحشة فهناك السبل الشرعية، والأمر بحسن المعاشرة وعدم مكارهة الزوجة لتفتدي بما آتاها إن أراد طلاقها، وتحريم نكاح ما نكح الآباء، فإن ذلك كان فاحشة وساء سبيلًا. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها, وإن شاؤوا لم يزوجوها وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك] (١). وعن ابن عباس قال: (كانت المرأة في الجاهلية إذا توفى عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢).

стр. 895

وأخرج الطبري بسند حسن عن أبي أمامة قال: [لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فنزلت] (١). وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. قال ابن عباس: (ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مَهْر فَيُضرّها لتفتدي). فهو نهي عن الإضرار في عشرة المرأة ومكارهتها حتى تتنازل عن حقوقها وصداقها. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. فيه تأويلان: ١ - قال ابن مسعود: (يعني بذلك الزنا). والمقصود: يحق للزوج إن زنت الزوجة أن يسترجع منها الصداق الذي أعطاها، وأن يضاجرها ويكارهها حتى تترك ذلك له وتخالعه. قال أبو قلابة: (إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة، فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه). وقال السدي: (﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وهو الزنا، فإذا فعلق ذلك فخذوا مهورهن). ٢ - قال ابن عباس والضحاك: (الفاحشة المُبَيِّنَة: النشوز والعصيان). وقال ابن عباس: (﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وهو البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حلّ له منها الفدية). وقال الضحاك: (فإذا نشزت حل له أن يأخذ خُلْعها منها). وقال: (عدل ربنا ﵎ في القضاء، فرجع إلى النساء فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، و ﴿الفاحشة﴾: العصيان والنشوز. فإذا كان ذلك من قِبَلها، فإن الله أمره أن يضربها، وأمره بالهجر. فإن لم تدع العصيان والنشوز، فلا جناح عليه بعد ذلك أن يأخذ منها الفدية). واختار شيخ المفسرين - الإمام ابن جرير - أنه يعمّ ذلك كله: الزنا، والعصيان والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك. وقال ابن كثير: (يعني أن هذا كلّه يبيح مضاجَرَتها حتى تُبْرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم). قلت: وهذا الذي ذهب إليه ابن جرير وابن كثير قوي طيب، وفيه معالجة لكثير من مشاكل التمرد من بعض نساء هذا الزمان لمكارهة الزوج على الطلاق بالإخلال بالطاعة، وهو مذهب الإمام مالك. قال مالك: (للزوج أن يأخذ من الناشز جميع

стр. 896

ما تملك). وقيده بعض أهل العلم بأن لا يتجاوز ما أعطاها ركونًا لقوله تعالى: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾. ذكره القرطبي. قلت: ولفظ الفاحشة وإن كان الأشهر أنه الزنا، إلا أنه يتناول أمورًا مؤذية أخرى. قال ابن عبد البر: (الفاحشة قد تكون البذاء والأذى، ومنه قيل للبذيّ: فاحش ومتفحِّش). وقد ثبت ذلك فيما أخرجه الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللّعان، ولا الفاحش، ولا البذيّ] (١). وأخرج العقيلي بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا: [يا عائشة إياك والفحش إياك والفحش، فإن الفحش لو كان رجلًا لكان رجل سوء] (٢). وقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. أَمْرٌ بحسن الصحبة والعشرة. قال السدي: (يقول: وخالطوهن). وقال محمد بن الحسين: (وهي المصاحبة). وتشمل المعاشرة التلطف لهن بالقول والهيئة والفعل كما يحب ذلك له منها. قال بعضهم: (هو أن يتصنّع لها كما تتصنّع له). وقال ابن عباس ﵁: (إني أحِبُّ أن أتزينَ لامرأتي كما أحِبُ أن تتزين لي). وقال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: (أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في مِلْحَفَةٍ حمراءَ ولحيتُه تَقْطُر من الغالية (٣)، فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطِّيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن). قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بحسن العشرة والمصاحبة للزوجة، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. ومن الأحاديث في ذلك: الحديث الأول: أخرج الترمذي والدارمي بسند صحيح عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: [خَيْرُكُمْ خيرُكُم لأهله، وأنا خيركُم لأهلي] (٤).

стр. 897

الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة والترمذي بسند صحيح من حديث عمرو بن الأحوص ﵁، عن النبي ﷺ قال - في خطبة حجة الوداع -: [ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (١) فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخيارهم خيارهم لنسائهم] (٣). الحديث الرابع: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: [قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت ريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لُعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه] (٤). الحديث الخامس: وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح عنها: [أنها كانت مع رسول الله ﷺ في سفر، وهي جارية. قال: لم أحمل اللحم ولم أُبَدِّنْ. فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا. ثم قال: تعالى أسابقك، فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما كان بعد، خرجت معه في سفر، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال:

стр. 898

تعالى أسابقك، ونسيت الذي كان، وقد حملت اللحم، وبدنت، فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن، فسابقته، فسبقني، فجعل يضحك، وقال: هذه بتلك السبقة] (١). فهذه بعض الروائع من جمال عشرته ﵊ مع زوجاته، وكان يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء أحيانًا، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان دائم التلطف معهن، دائم البِشْر، وهو الأسوة لكل مؤمن إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. قال ابن عباس: (والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا]. أخرج الإمام مسلم في صححيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر] (٢). وقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾. القنطار: المال الكثير. والآية نهي عن الإضرار بالزوجة لتفتدي بما آتاها من أجل إرادته استبدالها بزوجة أخرى، حتى ولو كان آتاها قنطارًا من مال. قال مجاهد: (﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: طلاق امرأة مكان أخرى، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر). وقوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. أي: أتأخذونه ظلمًا بغير حق، وإثمًا واضح الإثم. وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. قال ابن عباس: (الإفضاء المباشرة، ولكن الله كريم يَكْني عما يشاء). وقال: (الإفضاء هو الجماع). وقال مجاهد: (مجامعة النساء).

стр. 899

وقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ - فيه أقوال: ١ - الميثاق الغليظ: [ن يقال للناكح: آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان. قال قتادة: (والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم: "آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان"). ٢ - الميثاق الغليظ: هو كلمة النكاح التي استحلّ بها الفرج. قال مجاهد: (كلمة النكاح التي استحل بها فروجهن). ٣ - الميثاق الغليظ: هو قول النبي ﷺ : "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله". قال الربيع: (والميثاق الغليظ: أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله). قلت: والتأويل الثالث أقرب، لما روى مسلم في صحيحه عن جابر - في خطبة حجة الوداع - أن النبي ﷺ قال فيها: [واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستَحْلَلْتُم فروجهن بكلمة الله] (١). وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. أخرج ابن جرير ورجاله رجال الصحيح - إلا محمد بن عبد الله المخرمي وهو ثقة - عن عكرمة عن ابن عباس قال: [كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾] (٢). وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ - فيه أقوال: ١ - قيل معناه: لكن ما قد سلف فدعوه. قال القاسمي في التفسير: (أي سوى ما قد مضى في الجاهلية فإنه معفو لكم ولا تؤاخذون به).

стр. 900

٢ - قيل بل المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم - يعني في الجاهلية - إلا ما قد سلف منكم في جاهليتكم من نكاح، لا يجوز ابتداء مثله في الإسلام، فإنه معفو لكم عنه. ذكره ابن جرير في التفسير. ويدل عليه ذكر "ما" في قوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ فإن "مَنْ" لبني آدم، و"ما" لغيرهم. والتقدير: لا تنكحوا مناكح آبائكم في الجاهلية. ٣ - قيل بل المعنى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز كان عقده بينهم إلا ما قد سلف منهم من وجوه بالزنا عندهم، فإن نكاحهن لكم حلال، لأنهن لم يكن لهم حلائل. وإنما كان ما كان من آبائكم ومنهن من ذلك فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا. قال ابن زيد: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية، قال: الزنا). قلت: وجميعها أقوال يحتملها السياق. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. المقت: البغض، وهذا يشير إلى ما يحصل من مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فغالب من يتزوج بامرأة يمقت من سبقه بزواج إليها. ومنه كان تحريم أمهات المؤمنين على الأمة إضافة إلى مقام النبي ﷺ وحقه ومكانته. قال عطاء: (﴿وَمَقْتًا﴾: أي: يمقت الله عليه). وقوله: ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. قال ابن كثير: (أي: وبئس طريقًا من سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئًا لبيت المال. كما رواهُ الإمام أحمد وأهل السنن من طرق، عن البراء بن عازب، عن خاله أبي بردة - وفي رواية: الحارث بن عمرو، وفي رواية: عن عمه -[أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله] (١)). ٢٣ - ٢٤. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا

стр. 901

جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾. في هذه الآيات: ذِكْرُ الله تعالى المحرمات من النساء، والتأكيد على وجوب دفع المهور عند النكاح، والله عليم حكيم. فإلى تفصيل ذلك: لقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات ما حَرَّم من النساء، وإن المتأمل فيها يجد أن التحريم قسمان: ١ - تحريم مؤبد: وهو الذي يمنع المرآة أن تكون زوجة للرجل في جميع الأوقات. ٢ - تحريم مؤقت: وهو الذي يمنع المرأة من التزوج بها ما دامت على حالة خاصة قائمة بها، فإن تغير الحال زال التحريم وصارت حلالًا. وأما أسباب التحريم المؤبد فهي: ١ - النسب. ٢ - المصاهرة. ٣ - الرضاع. أولًا: المحرمات بسبب النسب: ١ - الأمهات. ٢ - البنات. ٣ - الأخوات. ٤ - العمات. ٥ - الخالات. ٦ - بنات الأخ. ٧ - بنات الأخت. قال ابن عباس: (حرمت عليكم سبعٌ نسبًا وسبعٌ صهرًا، وقرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ... ﴾ الآية) (١).

стр. 902

وتفصيل ذلك: ١ - الأم: اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل بذلك الأم، وأمهاتها، وجداتها، وأم الأب، وجداته، وإن عَلَوْن. ٢ - البنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، أو كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة، بدرجة أو درجات، فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها. ٣ - الأخت: اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما. ٤ - العمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما. وقد تكون العمة من جهة الأم: وهي أخت أبي أمك. ٥ - الخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما، وقد تكون من جهة الأب: وهي أخت أم أبيك. ٦ - بنت الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة، بواسطة أو مباشرة. ٧ - بنت الأخت: اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة، كالسابق. ثانيًا: المحرمات بسبب المصاهرة . ١ - أم زوجته، وأم أمها، وأم أبيها، وإن علت. لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. ومجرد العقد لا الدخول هو الذي يحرمها. ٢ - ابنة زوجته التي دخل بها: ويدخل في ذلك بنات بناتها وبنات أبنائها وإن نزلن، لأنهن من بناتها. لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. والربائب: جمع ربيبة، وربيب الرجل ولد امرأته من غيره. ولا يشترط أن يكون في بيته أو لا يكون فالحرمة مطلقة. ولا تحرم الربيبة بمجرد العقد على أمها حتى يدخل بها، فإن طلق أمها قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بالربيبة. ٣ - زوجة الابن، وابن ابنه، وابن ابنته، وإن نزل. لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. حلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة. والزوج حليل.

стр. 903

يروي ابن أبي حاتم عن أشعث، عن الحسن ومحمد: (أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾). أورده ابن كثير وقال: (معنى مُبْهمات: أي عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرُم بمجرد العقد عليها وهذا متفق عليه). ٤ - زوجة الأب: يحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه مجرد العقد من الأب عليها، ولو لم يدخل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ثالثًا: المحرمات بسبب الرضاع . يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. أي: (الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، بنات الأخ، بنات الأخت) المبينة بالآية السابقة. وبناء على ذلك فَتُنْزَل المرضعة منزلة الأم، وتحرم على المرضَع، هي وكل من يحرم على الابن من قبل أمِّ النسب، فتحرم: ١ - المرأة المرضعة، فبإرضاعها تعد أمًا للرضيع. ٢ - أم المرضعة، لأنها جدة له. ٣ - أم زوج المرضعة، لأنها جدة كذلك. ٤ - أخت الأم لأنها خالة الرضيع. ٥ - أخت زوجها لأنها عمة الرضيع. ٦ - بنات بنيها وَبناتها: لأنهن بنات إخوته وأخواته. ٧ - الأخت: سواء أكانت أختًا لأب وأم، أو أختًا لأم، أو أختًا لأب. قلت: وأصل إلحاق ما يحرم من الرضاع بما يحرم من النسب، ما في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: [إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة]. وفي لفظ لمسلم: [يَحْرُمُ من الرضاعة ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ] (١).

стр. 904

والرضاع المعتبر هو ما كان في الحولين، لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾. قال الإمام مالك: (ما كان من الرضاعة بعد الحولين كان قليله وكثيره لا يحرم شيئًا، إنما هو بمنزلة الماء). والرضعة: هي أن يأخذ الصبي الثدي ويمتص اللبن منه ولا يتركه إلا طائعًا من غير عارض. أخرج الترمذي عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : [لا يُحَرِّمُ من الرضاع إلا ما فتق (١) الأمعاء وكان قبل الفطام] (٢). وقد اختلف الفقهاء في عدد الرضعات المحرمة: ١ - ذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلى مطلق الرضاع. لما روى البخاري ومسلم عن عقبة بن الحارث قال: [تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك. فقال: كيف وقد قيل؟ ... دعها عنك] (٣). ٢ - وذهب أبو ثور والإمام أحمد - في رواية عنه - إلى ثلاث رضعات. لما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : [لا تُحَرِّمُ المصة ولا المصتان] (٤). وفي لفظ آخر: [لا تُحرِّمُ الإملاجة ولا الإملاجتان]. ولما روى مسلم عن أم الفضل، أن رسول الله ﷺ قال: [لا تحرم الرضعة أو الرضعتان، أو المصة أو المصتان]. ومن ثمّ فإن أقله عند هؤلاء ثلاث رضعات. ٣ - وذهب الشافعي وأحمد إلى القول بخمس رضعات مشبعات. وقد احتجوا بما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: [كان فيما أنزل من القرآن

стр. 905

عشرُ رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن] (١). أي نسخت الآية وبقي العمل بها على خمس رضعات، ويبدو في التحقيق أن هذا هو الذي استقر عليه الإسلام، بوفاة المصطفى ﵊. وهو أن ما يحرم من الرضاع يكون بخمس رضعات مشبعات. فائدة: الجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره. قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وجمهور السلف والخلف. ولكن هناك أثرٌ عند ابن أبي حاتم بسند قوي عن مالك بن أوس قال: (كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب، فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حِجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك) (٢). واختاره ابن حزم، وهي من المسائل التي حيّرت ابن تيمية. فقد ذكر الحافظ الذهبي للحافظ ابن كثير أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية فاستشكله وتوقف في ذلك. قلت: والراجح ما ذهب إليه الجمهور من إطلاق الخطاب على الربيبة - ابنة الزوجة - سواء كانت في حجر الرجل أم لم تكن في حجره، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. المعنى: تحريم الجمع بين الأختين في الزواج، وكذا في ملك اليمين، إلا ما كان

стр. 906

من ذلك منكم في جاهليتكم فيعفى عنه. ومن ثم فمن أسلم وتحته أختان خُيِّرَ، فيمسك منهما من شاء ويطلق الأخرى لا محالة. أخرج أبو داود والترمذي بسند جيد عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه قال: [أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أُطلِّق إحداهما] (١). وفي لفظ: فقال النبي ﷺ : (اختر أيَّتهما شئت). يروي ابن عبد البر في "الاستذكار" بسنده إلى إياس بن عامر قال: (سألت علي بن أبي طالب فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سُرِّية فولدت لي أولادًا، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطَأُ ثم تطأُ الأخرى. قلت: فإن ناسًا يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلّقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأَنْ تَعْتِقَها أسلمُ لك. ثم أخذ عليٌّ بيدي فقال لي: إنه يَحْرُمُ عليك مما ملكت يمينك ما يَحْرُمُ عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد، أو قال: إلا الأربع، ويَحْرُم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب. ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحْلةٌ، لو لم يُصِب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غَيْره لما خابَتْ رحْلَتُه). وقال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن قَبيصة بن ذُؤَيب: (أن رجلًا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يُجْمع بينهما؟ فقال عثمان: أحَلَّتْهُما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك). وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. أخرج الإمام مسلم وأكثر أهل السنن عن أبي سعيد الخدري ﵁: [أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب الرسول ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن] (٢).

стр. 907

ومعنى الآية: تحريم نكاح الأجنبيات المحصنات، وهنّ المتزوجات، إلا ما مَلَكْتُموهُنَّ بالسبي، فإنه يحلّ لكم وطؤهن إذا اسْتَبْرَاتُموهُنّ. وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. أي كل ما سبق تحريمه عليكم قد كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، وشرعه وأمره، ولا تتجاوزوا حدوده. وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. قال عطاء: (أي: ما عدا مَنْ ذُكِرْنَ من المحارم، هُنَّ لكم حلال). وقوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. يعني الزواج حتى أربع، أو السراري ما شئتم، بالطريق الشرعي من حضور الولي والشاهدين وبذل المهر وإشادة النكاح. قال مجاهد: (السفاح: الزنا). وقال السدي: (﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: يقول: محصنين غير زُناة). وقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. قال ابن زيد: (هذا النكاح، وما في القرآن إلا نكاح. إذا أخذتها واستمتعت بها، فأعطها أجرها، الصداق). وقد ذهب بعضهم إلى أن الآية في نكاح المتعة، وهذا على خلاف فهم الجمهور، فإن المتعة حرام إلى يوم القيامة. روى مسلم والطبراني عن الربيع بن سَبْرة الجُهني عن أبيه مرفوعًا: [نهى عن المُتعة زمان الفتح متعةِ النساء، وقال: ألا إنها حرامٌ من يومِكم هذا إلى يوم القيامة] (١). وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾. قال ابن عباس: (والتراضي: أن يوفيها صداقها ثم يخيِّرها). وقال ابن زيد: (إن وضعت لك منه شيئًا فهو لك سائغ). فالمعنى: لا حرج عليك ولا عليها إن كنت فرضت لها صداقًا فأبرأتك منه أو من بعضه. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بما يصلح شؤونكم في مناكحكم أيها الناس وفي سائر أمور حياتكم، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يدبره لكم ويشرعه من أمر ونهي يخصكم.

стр. 908

٢٥. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾. في هذه الآية: تخفيف الله عن المسلمين بإباحة نكاح الإماء حالة الضيق، ونكاح الأمة بإذن سيدها، وحدّ المملوك نصف حد الحر ولا رجم عليه، والصبر على العزبة خير من نكاح الأمة لأنه يفضي إلى إرقاق الولد. قال ابن عباس: (﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ يقول: من لم يكن له سَعة). وقال مجاهد فيها: (الغنى). وقال سعيد بن جبير: (الطول الغنى، الطول السعة). وقال ربيعة: (الطول الهوى. قال: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها). والقول الأول أرجح وهو اختيار شيخ المفسرين. وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال سعيد بن جبير: (أما من لم يجد ما ينكح الحرة، تزوج الأمة). وقال ابن عباس: (﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: فلينكح من إماء المؤمنين). وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ جملة اعتراضية، مفادها أن لكم أيها الناس الظاهر من الأمور والله أعلم بحقائقها ودفائنها. فلا تستنكفوا من التزوج بالإماء عند الضرورة. قال القرطبي: (ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمَة أفضل من إيمان بعض الحرائر). وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر، وفي الكلام تقديم وتأخير. والتقدير: ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. قال القرطبي: (والمقصود بهذا الكلام تَوْطِئة نفوس

стр. 909

العرب التي كانت تستهجن ولد الأمَة وتُعيّره وتسميه الهجين (١)، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأمة فلم يجز للحرّ التزوّج بها إلا عند الضرورة، لأنها تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأمة لا تَفرُغ للزّوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المَوْلى). وقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾. ذهب الشافعي والأوزاعي إلى أنه إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه. قال ابن كثير: (فدلّ على أن السيد هو وَليُّ أمته لا تُزَوّجُ إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس لعبده أن يتزوج إلا بإذنه). أخرج أبو داود وابن ماجة بسند حسن عن ابن عمر، النبي ﷺ قال: [أيما عبد تزوَّج بغير إذن مواليه فهو زان] (٢). وفي رواية: (فهو عاهر). فإن كان من يملك الأمة امرأة لم يجز لها أن تعقد زواجها، بل يزوجها من يزوج المرأة بإذنها. لما أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [لا تزوِّج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها] (٣). وقوله: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يعني الصداق. لا يجوز أن يبخس منه شيئًا لكونهن إماء غير حرائر، فلابد من دفع مهورهن عن طيب نفس، بالمعروف: أي على ما تراضيتم به. وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. قال ابن عباس: (يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، يعني: أخلاء). وقال: (المسافحات: هن الزواني المعلنات). يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. وقال مجاهد: (﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قال: الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل). وقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. قال ابن عباس: (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: يعني إذا تزوجن). وقال قتادة:

стр. 910

(أحصنتهن البعولة). وقال: (﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ قال: خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم). وقال ابن عباس: (ليس على أمة حد حتى تحصن، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات) - رواه الطبراني وهو موقوف صحيح ولا يصح رفعه. وقال ابن مسعود: (إسلامها إحصانها). وقال السدي: (﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: إذا أسلمن) (١). والأول أرجح ويدل عليه السياق. وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ أنه خطب فقال: [يا أيها الناس، أقيموا على أرقَّائكم الحد من أَحْصَنَ منهم ومن لم يُحْصِن، فإن أمةً لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أحسنت اتركْها حتى تماثل] (٢). والخلاصة: إن الأمَةَ إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث رسول الله ﷺ ولا رجم عليها، لأن الرجم لا يتنصّف. وفي الصحيحين عن أبي هريرة وزيدِ بن خالد ﵄: [أن رسول الله ﷺ سُئِلَ عن الأمَةِ إذا زنت ولم تُحْصَنْ؟ قال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بِضَفِير] (٣). قال الزُّهري: (فالمتزوجة محدودة بالقرآن، والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث). وقال ابن عبده البر: (ظاهر قول الله يقتضي ألا حدّ على أَمَةٍ وإن كانت مسلمة إلا بعد التزوج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادة بيان). وقال أبو عبد الله الشافعي ﵀: (ولم يختلف المسلمون في أن لا رَجْمَ على

стр. 911

مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب). وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (الزنا). وقال ابن عباس: (العنت الزنا). وقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال السدي: (يقول: وأن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خير لك). والمقصود: أن الصبر على العُزْبة خير من نكاح الأمة، لأنه يُفضي إلى إرقاق الولد. وفي الأثر عن عمر: (أيّما حُرٍّ تزوَّج بأمَةٍ فقد أرقّ نصفه). وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: غفور لكم نكاح الإماء وما سلف منكم إن أصلحتم، رحيم بكم إذ أذن لكم بنكاحهن عند الافتقار والحاجة. ٢٦ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: يريد الله سبحانه تبيان حلاله وحرامه، ففي معرفة ذلك والتزام حدوده رضاه جل ذكره، كما يريد إرشاد عباده المؤمنين إلى سبل أهل الإيمان والصلاح في الأمم قبلهم، وإلى مناهج الأنبياء والمرسلين في تحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات، فإن الله ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصلح أحوال عباده في أديانهم ودنياهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في قدره وشرعه وأمره ونهيه لهم جميعًا. والله يريد كذلك أن يتجاوز عما سلف منكم أيام الجاهلية ويريد أهل الباطل أن تستمروا على الفواحش. والله يريد اليسر بكم في أمر النكاح وفي كل أمر، فإن الإنسان ضعيف أمام النساء. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ - أي: يتجاوز عما كان في جاهليتكم من الاستهتار بنكاح حلائل الآباء والأبناء وغير ذلك مما يستبيحه أهل الجاهلية. وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال مجاهد: (أن

стр. 912

تكونوا مثلهم، تزنون كما يزنون). قال: (﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، قال: الزنا، ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾، قال: أن تزنوا). وقال ابن زيد: (يريد أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم، أن تميلوا في دينكم ميلًا عظيمًا، تتبعون أمو دينهم، وتتركون أمرَ الله وأمرَ دينكم). وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر). وقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال طاووس: (في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النساء)، ٢٩ - ٣١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾. في هذه الآيات: يعقب الله سبحانه بتذكير عباده بأمور أخرى من أمور الجاهلية يحبهم أن يتنزهوا عنها ويترفعوا عن السقوط في أوحالها، كالربا والقمار، وفاسد العلاقات في الأموال، كما ينهاهم عن قتل النفس المفضي إلى عذاب النار، ثم يقرّر أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر من الأعمال. يروي ابن جرير بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: (في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: "إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهمًا"، قال: هو الذي قال الله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. وقال السدي: (أما أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، فبالربا والقمار والبخس والظلم). وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. قال قتادة: (التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرِّها. وقد كنا نحدَّث: أن التاجرَ

стр. 913

الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة). وقال السدي فيها: (﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾، ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع). وقرأها أكثر أهل الحجاز والبصرة ﴿تِجَارَةً﴾، والتقدير: إلا أن توجد تجارة، وعندها ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ تامة لا حاجة بها إلى خبر. وأما قراء الكوفة فقرؤوها ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب على الخبر. والتقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة عن تراض منكم. وكلاهما قراءتان مشهورتان عند قراء الأمصار. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: [إن المُتَبايعَيْن بالخيار في بيعهما ما لم يتفرّقا، أو يكون البيعُ خِيارًا] (١). قال نافع: (وكان ابنُ عمر إذا اشترى شيئًا يُعجبه فارقَ صاحِبَه). وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن حكيم بن حِزامٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [البَيِّعَانِ بالخِيار ما لم يتفرّقا - أو قال: حتى يتفرقا - فإن صدقا وبَيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذّبا مُحِقَت بركةُ بيعهما] (٢). وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: [رحم الله رجلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشترى، وإذا اقتضى] (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال السدي: (يقول: أهل ملتكم). وقال عطاء: (قتل بعضكم بعضًا). قال ابن جرير: (يعني: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلًا، في قتله إياه منهم، بمنزلة قتله نفسه، إذ كان القاتل والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهما). قلت: والآية في سياقها أعم من ذلك، فإن أكل أموال المسلمين بغير حق بمثابة قتل يُعمل فيهم، وإن ارتكاب المنكرات والمحرمات والآثام وتركها تفشو في حياة

стр. 914

المسلمين هو بمثابة إجهاز عليهم وقتل لوجودهم ومصدر إعدام لقوة شوكتهم وكيانهم في الأرض، فإن انتشار الفواحش موت للأمة. أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [خمس بخمس: ما نقض قومٌ العهدَ إلا سُلِّطَ عليهم عدوهه، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القطر] (١) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. أي: في ما أمركم به، ونهاكم عنه، فإنه ما شرع أمرًا إلا رحمة بكم، ولم يقض قضاء إلا كان خيرًا لكم. أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند صحيح، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبت للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيرًا له] (٢). وفي لفظ: [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له]. وقد ورد ذكر هذه الآية على لسان عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل حين تيمّم وصلى بأصحابه - من شدهّ البرد - فأقرّ النبي ﷺ فهمه لها. فقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال لما بعثه النبي ﷺ ، عام ذات السلاسل قال: [احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أَنْ أهْلِكَ، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال: فلما قَدِمنا على رسول الله ﷺ ، ذكروا ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُبٌ. قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلِكَ، فذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فتيمّمتُ ثم صَلّيت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا] (٣). ولا شك أن الآية تتناول أيضًا من قتل نفسه بحديدة أو سمٍّ أو أية وسيلة أخرى أراد بها إزهاق روحه ومعاجلة نفسه.

стр. 915

ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يَجَأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا شيها أبدًا، ومن قتل نفسه بِسُمٍّ فَسُمُّهُ في يده، يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو مُتَرد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا] (١). وفي الصحيحين عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : [كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جُرح، فأخذ سكينًا نَحَرَ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : عبدي بادرني بنفسه، حَرَّمت عليه الجنة] (٢). وفيهما عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ قَتَل نفسه بشيء عُذِّبَ به يوم القيامة] (٣). وقوله قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يخبر الله تعالى عن مصير من عاند أمره أو خالفه عامدًا متكبرًا ظالمًا متجاوزًا غير تائب ولا أواب، بأن له النار وبئس المصير. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [ارحموا تُرحموا، واغفروا يُغفر لكم، ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمصرِّين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. يروي ابن جرير بسنده عن مسروق، عن عبد الله قال: (الكبائر، من أول "سورة النساء" إلى ثلاثين منها). وقد وردت أحاديث صحيحة تُعَرِّفُ بالسبع الكبائر أو التسع: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول إلله، وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، وقتل
следующие страницы →