← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب). وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (الزنا). وقال ابن عباس: (العنت الزنا). وقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال السدي: (يقول: وأن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون ولدك مملوكين، فهو خير لك). والمقصود: أن الصبر على العُزْبة خير من نكاح الأمة، لأنه يُفضي إلى إرقاق الولد. وفي الأثر عن عمر: (أيّما حُرٍّ تزوَّج بأمَةٍ فقد أرقّ نصفه). وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أي: غفور لكم نكاح الإماء وما سلف منكم إن أصلحتم، رحيم بكم إذ أذن لكم بنكاحهن عند الافتقار والحاجة. ٢٦ - ٢٨. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾. في هذه الآيات: يريد الله سبحانه تبيان حلاله وحرامه، ففي معرفة ذلك والتزام حدوده رضاه جل ذكره، كما يريد إرشاد عباده المؤمنين إلى سبل أهل الإيمان والصلاح في الأمم قبلهم، وإلى مناهج الأنبياء والمرسلين في تحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات، فإن الله ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصلح أحوال عباده في أديانهم ودنياهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في قدره وشرعه وأمره ونهيه لهم جميعًا. والله يريد كذلك أن يتجاوز عما سلف منكم أيام الجاهلية ويريد أهل الباطل أن تستمروا على الفواحش. والله يريد اليسر بكم في أمر النكاح وفي كل أمر، فإن الإنسان ضعيف أمام النساء. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ - أي: يتجاوز عما كان في جاهليتكم من الاستهتار بنكاح حلائل الآباء والأبناء وغير ذلك مما يستبيحه أهل الجاهلية. وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قال مجاهد: (أن

стр. 912

تكونوا مثلهم، تزنون كما يزنون). قال: (﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، قال: الزنا، ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾، قال: أن تزنوا). وقال ابن زيد: (يريد أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم، أن تميلوا في دينكم ميلًا عظيمًا، تتبعون أمو دينهم، وتتركون أمرَ الله وأمرَ دينكم). وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. قال مجاهد: (في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر). وقوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال طاووس: (في أمور النساء. ليس يكون الإنسان في شيء أضعفَ منه في النساء)، ٢٩ - ٣١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾. في هذه الآيات: يعقب الله سبحانه بتذكير عباده بأمور أخرى من أمور الجاهلية يحبهم أن يتنزهوا عنها ويترفعوا عن السقوط في أوحالها، كالربا والقمار، وفاسد العلاقات في الأموال، كما ينهاهم عن قتل النفس المفضي إلى عذاب النار، ثم يقرّر أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر من الأعمال. يروي ابن جرير بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: (في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: "إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهمًا"، قال: هو الذي قال الله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. وقال السدي: (أما أكلهم أموالهم بينهم بالباطل، فبالربا والقمار والبخس والظلم). وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. قال قتادة: (التجارة رزق من رزق الله، وحلال من حلال الله، لمن طلبها بصدقها وبرِّها. وقد كنا نحدَّث: أن التاجرَ

стр. 913

الأمين الصدوق مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة). وقال السدي فيها: (﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾، ليربح في الدرهم ألفا إن استطاع). وقرأها أكثر أهل الحجاز والبصرة ﴿تِجَارَةً﴾، والتقدير: إلا أن توجد تجارة، وعندها ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾ تامة لا حاجة بها إلى خبر. وأما قراء الكوفة فقرؤوها ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب على الخبر. والتقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة عن تراض منكم. وكلاهما قراءتان مشهورتان عند قراء الأمصار. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: [إن المُتَبايعَيْن بالخيار في بيعهما ما لم يتفرّقا، أو يكون البيعُ خِيارًا] (١). قال نافع: (وكان ابنُ عمر إذا اشترى شيئًا يُعجبه فارقَ صاحِبَه). وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن حكيم بن حِزامٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [البَيِّعَانِ بالخِيار ما لم يتفرّقا - أو قال: حتى يتفرقا - فإن صدقا وبَيَّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذّبا مُحِقَت بركةُ بيعهما] (٢). وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: [رحم الله رجلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشترى، وإذا اقتضى] (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قال السدي: (يقول: أهل ملتكم). وقال عطاء: (قتل بعضكم بعضًا). قال ابن جرير: (يعني: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلًا، في قتله إياه منهم، بمنزلة قتله نفسه، إذ كان القاتل والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهما). قلت: والآية في سياقها أعم من ذلك، فإن أكل أموال المسلمين بغير حق بمثابة قتل يُعمل فيهم، وإن ارتكاب المنكرات والمحرمات والآثام وتركها تفشو في حياة

стр. 914

المسلمين هو بمثابة إجهاز عليهم وقتل لوجودهم ومصدر إعدام لقوة شوكتهم وكيانهم في الأرض، فإن انتشار الفواحش موت للأمة. أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [خمس بخمس: ما نقض قومٌ العهدَ إلا سُلِّطَ عليهم عدوهه، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا مُنعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حُبِسَ عنهم القطر] (١) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. أي: في ما أمركم به، ونهاكم عنه، فإنه ما شرع أمرًا إلا رحمة بكم، ولم يقض قضاء إلا كان خيرًا لكم. أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند صحيح، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : [عجبت للمؤمن، إن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيرًا له] (٢). وفي لفظ: [عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له شيئًا إلا كان خيرًا له]. وقد ورد ذكر هذه الآية على لسان عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل حين تيمّم وصلى بأصحابه - من شدهّ البرد - فأقرّ النبي ﷺ فهمه لها. فقد أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال لما بعثه النبي ﷺ ، عام ذات السلاسل قال: [احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أَنْ أهْلِكَ، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. قال: فلما قَدِمنا على رسول الله ﷺ ، ذكروا ذلك له، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنُبٌ. قال: قلت: نعم يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلِكَ، فذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فتيمّمتُ ثم صَلّيت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا] (٣). ولا شك أن الآية تتناول أيضًا من قتل نفسه بحديدة أو سمٍّ أو أية وسيلة أخرى أراد بها إزهاق روحه ومعاجلة نفسه.

стр. 915

ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يَجَأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مُخلَّدًا شيها أبدًا، ومن قتل نفسه بِسُمٍّ فَسُمُّهُ في يده، يتحسّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو مُتَرد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا] (١). وفي الصحيحين عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : [كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جُرح، فأخذ سكينًا نَحَرَ بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : عبدي بادرني بنفسه، حَرَّمت عليه الجنة] (٢). وفيهما عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [مَنْ قَتَل نفسه بشيء عُذِّبَ به يوم القيامة] (٣). وقوله قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. يخبر الله تعالى عن مصير من عاند أمره أو خالفه عامدًا متكبرًا ظالمًا متجاوزًا غير تائب ولا أواب، بأن له النار وبئس المصير. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [ارحموا تُرحموا، واغفروا يُغفر لكم، ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمصرِّين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون] (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. يروي ابن جرير بسنده عن مسروق، عن عبد الله قال: (الكبائر، من أول "سورة النساء" إلى ثلاثين منها). وقد وردت أحاديث صحيحة تُعَرِّفُ بالسبع الكبائر أو التسع: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [اجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول إلله، وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، وقتل

стр. 916

النفس التي حرّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقَذْفُ المحصنات الغافلات المؤمنات] (١). الحديث الثاني: أخرج النسائي وأحمد بسند صحيح عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : [من عَبَد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة - أو دخل الجنة. فسأله رجل: ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: [الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين. وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى. قال: قول الزور - أو شهادة الزور -] (٣). وفي لفظ: [ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت]. الحديث الرابع: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح، عن طَيْسَلَة بن مَيّاس قال: [كنت مع النَّجَدَات (٤)، فأصبت ذنوبًا لا أراها إلا من الكبائر، فذكرت ذلك لابن عمر قال: ما هي؟ قلت: كذا وكذا. قال: ليست هذه من الكبائر. هن تسع: الإشراك بالله، وقتل نسمة، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد في المسجد، والذي يستسخر (٥)، وبكاء الوالدين من العقوق. قال لي ابن عمر: أتفرق من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: أي، والله! قال: أحيٌّ والدك؟ قلت: عندي أمي. قال: فو الله! لو ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر] (٦). الحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: [قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ - وَفي رواية: أكبر - قال: أن تجعل لله ندًّا وهو

стр. 917

خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك] (١). الحديث السادس: أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: [الخمر أمُّ الفواحش، وأكبرُ الكبائر، من شَرِبها وقع على أمه وخالته وعمته] (٢). الحديث السابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: [أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس - شعبةُ الشاكّ - واليمين الغموس] (٣). وفيه عنه قال: قال رسول الله ﷺ : [إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يَسُبُّ الرجلُ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه] (٤). الحديث الثامن: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : [ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجلٌ كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعْطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سَخِط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال, والله الذي لا إله غيره لقد أَعْطيتُ بها كذا وكذا، فصدّقه رجل، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]] (٥). وقد استعرضت بقية الكبائر في كتابي: "منهج الوحيين في معالجة زلل النفس وتسلط الجن". وفيه ذكر للأمور التي نهى الله عنها وحذر منها، بشيء من التفصيل، ولله الحمد والمنة. وقوله: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. قال قتادة: (إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر).

стр. 918

وقوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. قال السدي: ("الكريم"، هو الحسن في الجنة). ٣٢. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. في هذه الآية: النهي عن تمني ما بيد الآخرين من النعم، وما قسم الله لكل من الذكر والأنثى في الأموال والإرث، والترغيب بسؤال الله من فضله. قال ابن عباس: (لا يتمنى الرجل يقول: "ليت أن لي مال فلان وأهلَه"! فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله). وقال الحسن: (تتمنى مال فلان ومال فلان! وما يدريك؟ لعل هلاكه في ذلك المال). وقال غيره: (نهيتم عن الأماني، ودُللتم على ما هو خير منه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾). وقال عطاء: (نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكنَّ رجالًا فيغزون) رواه ابن جرير. قلت: والصحيح المسند في ذلك ما رواه الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: [يغزوا الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله ﵎: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾] (١). وقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. قال ابن عباس: (يعني: ما ترك الوالدان والأقربون. يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين). وقال عكرمة فيها: (في الميراث، كانوا لا يورّثون النساء).

стр. 919

وقال ابن جرير: (للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال). وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فعنده خزائن السماوات والأرض، فلا يشغلكم التمني بل ليشغلكم سؤاله جل ذكره. أخرج الطبراني بسند صحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: [إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه] (١). وفي رواية: [إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه]. وقال ليث - كما يروي ابن جرير -: ﴿فَضْلِهِ﴾: (العبادة، ليس من أمر الدنيا). وقال مجاهد: (ليس بعرض الدنيا). وقال السدي: (﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم). أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول: [اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى] (٢). وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: [كان أكثر دعاء النبي ﷺ : اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار] (٣). وروى الطبراني بسند صحيح عن العرباض بن سارية، عن النبي ﷺ قال: [إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه سر الجنة] (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. قال ابن جرير: (يقول: ذا علم. فلا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته، والتسليم لأمره، والرضى بقضائه، ومسألته من فضله). قلت: وقد استثنى الحديث نوعًا من التمني، يجوز للعبد في مثله، لا في تمني عين النعمة التي عليها صاحبه.

стр. 920

ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها]. وأخرجاه من حديث ابن عمر بلفظ: [لا حسد إلا على اثنين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار] (١). وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: [إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أنّ لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء .. ] الحديث (٢). ٣٣. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾. في هذه الآية: لقد جعل الله سبحانه للناس عصبة - لكل منهم - يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. وقد كان لمن تحالفتم معه - أيها المؤمنون - بالأيمان المؤكدة جزء من الميراث ثم نسخ هذا الحكم فصار الميراث في ذوي الرحم. فقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. قال ابن جرير: (يقول: ورثة من بني عمه وإخوته وسائر عصبته غيرهم). والعرب تسمي ابن العم "مولى". قال ابن عباس: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، قال: ورثة). وقال مجاهد: (الموالي، العصبة). وقال: (هم الأولياء). وقال قتادة: (الموالي، أولياء الأب،

стр. 921

أو الأخ، أو ابن الأخ، أو غيرهما من العصبة). وقال السدي: (أما "موالي"، فهم أهل الميراث). قال البخاري: (وقال مَعْمَر: ﴿مَوَالِيَ﴾ أولياءَ ورثة). وقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. أي: من ترِكَة والديه وأقربيه من الميراث. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: تحالفتم معهم بالأيمان المؤكدة فأعطوهم من الميراث. وهذا حكم منسوخ فصار الميراث في ذوي الرحم. أخرج البخاري عن ابن عباس: (﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: وَرَثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحِمه، للأخوة التي آخى النبي ﷺ , بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرِّفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له) (١). وقال البخاري: (﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هو مولى اليمين: وهو الحليف. والمولى أيضًا: ابن العم، والمولى: المُنْعِمُ المُعْتِق، والمولى: المُعْتَقُ، والمولى: المليكُ، والمولى: مَوْلىً في الدين). وقرأها قراء الكوفة: ﴿عَقَدَتْ﴾، وقرأها آخرون ﴿عاقَدَتْ﴾ وكلاهما مشهور. أخرج الإمام مسلم عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : [لا حِلْفَ في الإسلام، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدَّة] (٢). قال الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجَّاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، ويقول: ترثني وأرِثُكَ. وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ : "كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عَقْدَ ولا حلف في الإسلام". فَنَسَخَتْها هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (٣).

стр. 922

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي والله خير الشاهدين. ٣٤. قوله تعالى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾. في هذه الآية: إثبات القيادة للرجل في أهله وولده، فهو الأجدر بضم الأسرة ومعرفة مصالحها، وما ينبغي من الإنفاق فيها، فالرجل قيم على المرأة وهو رئيسها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت. قال ابن عباس: (قوله: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، يعني: أُمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرَها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة إلى أهله، حافظةً لماله، وفضّله عليها بنفقته وسعيه). وقال السدي: (﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ قال: يأخذون على أيديهن ويؤدّبونهنَّ). وقال ابن المبارك: سمعت سفيان يقول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال: (بتفضيل الله الرجال على النساء). قلت: وهذا التفضيل يشمل الإمارة والقضاء. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: [لَنْ يُفلحَ قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة] (١). وقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (فضله عليها بنفقته وسعيه). وقال سفيان: (بما ساقوا من المهر). وقال الشّعبي: (الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قَذَفَتْه جُلِدَت).

стр. 923

وقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال سفيان: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾، يعملن بالخير). وقال ابن جرير: (﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾، المستقيمات الدين، العاملات بالخير). وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾. قال ابن عباس: (مطيعات). وقال قتادة: (مطيعات لله ولأزواجهن). وقوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. قال السدي: (تحفظ على زوجها ماله وفرجَها حتى يرجع، كما أمرها الله). وقال قتادة: (حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن). وقال عطاء: (حافظات للأزواج). وقد جاءت السنة الصحيحة بالثناء العطر على الزوجات الصالحات القانتات، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: [الدنيا كلُّها متاع، وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [خيرُ النساء التي تَسُرُّه إذا نَظَرَ، وتُطيعُهُ إذا أمَر، ولا تُخالفُهُ في نفسها ولا مالِها بما يكره] (٢). وله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن سلام، بلفظ: [خير النساء من تُسِرُّك إذا أبْصَرْتَ، وتطيعك إذا أمرتَ، وتحفظُ غيبتك في نفسها ومالك]. الحديث الثالث: أخرج ابن حبان والحاكم بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ قال: [أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسعُ، والجارُ الصالح، والمركب الهنيء. وأربعٌ من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق] (٣).

стр. 924

وقوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾. النشوز: استعلاء المرأة على زوجها، بترك فراشه أو مخالفته فيما يلزم طاعته. وأصل النشوز: الارتفاع. ويقال للمرتفع من الأرض "نشْز" و"نَشَاز". وأقوال الصحابة والتابعين في ذلك متقاربة: ١ - قال ابن عباس: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، تلك المرأة تنشز، وتستخف بحق زوجها ولا تطيع أمره). ٢ - قال السدي: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قال: بغضهن). ٣ - وقال ابن زيد: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، قال: التي تخاف معصيتها. قال: "النشوز"، معصيته وخِلافه). وقال عطاء: ("النشوز": أن تحب فراقَه، والرجلُ كذلك). وقوله: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال ابن عباس: (يعني: عظوهن بكتاب الله. قال: أمره الله إذا نشزت أن يعظها ويذكّرها الله، ويعظِّم حقّه عليها). وقال سعيد بن جبير: (عظوهن باللسان). وقد جاءت السنة الصحيحة بالتحذير الشديد للمرأة من النشوز ومعصية الزوج، والترغيب الكبير في خدمته وطاعته، فإن رضا الله في رضاه. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى تصبح] (١). ورواه البخاري بلفظ: [إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح] (٢). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن أبي أوفى قال: [لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عِظَمِ حَقِّهِ عليها] (٣).

стр. 925

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح، عن حصين بن محصن قال: [حدثتني عمتي قالت: أتيت رسول الله ﷺ في بعض الحاجة فقال: أي هذه! أذات بعل؟ قلت: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك] (١). فإن لم ينفع الوعظ مع المرأة، شرع الله له المرحلة الثانية في التأديب: وهي الهجر. قال ابن عباس: (عظوهن، فإن أطعنكم، وإلا فاهجروهن). وهو قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. وفيه أقوال متقاربة: ١ - قال ابن عباس: (يعني بالهجران: أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها). وقال سعيد بن جبير: (الهجر هجر الجماع). ٢ - وقال السدي: (أمّا ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، فإن على زوجها أن يعظها، فإن لم تقبل فليهجرها في المضجع. يقول: يرقد عندها ويولِّيها ظهره ويطؤها ولا يكلمها). وقال الضحاك: (يضاجعها، ويهجر كلامها، ويولّيها ظهره). ٣ - وقال سعيد بن جبير: (﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾، يقول: حتى يأتين مضاجعكم). وفي رواية لابن عباس قال: (يعظها، فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها، من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد). ٤ - وقال عكرمة: (إنما الهجران بالمنطق: أن يغلظ لها، وليس الجماع). وقال ابن عباس: (يهجرها بلسانه، ويُغْلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها). قلت: وكلها معان محتملة يحتملها البيان الإلهي، وكذلك ما جاء في صحيح السنة. فقد أخرج أبو داود وأحمد وغيره عن معاوية بن حَيْدة القُشَيريِّ أنه قال: يا رسول الله، ما حق امرأةِ أحدنا عليه؟ قال: [أن تُطْعِمها إذا طَعِمْتَ، وتكسوها إذا اكتسيْتَ، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهْجُر إلا في البيت] (٢). وقوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. هي المرحلة الثالثة من مراحل التأديب، أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة والهجران

стр. 926

فيمكن أن تضربوهُنّ ضربًا غير مُبَرِّح. قال الحسن البصري: (يعني غير مؤثر). وقال ابن عباس: (تهجرها في المضجع، فإن أقبلت، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها صْربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا. فإن أقبلت وإلاّ فقد حلّ لك منها الفدية). وعن عطاء قال: (قلت لابن عباس: ما الضرب غير المبرح؟ قال: بالسواك ونحوه). وفي صحيح مسلم من حديث جابر، عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: [واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يُوطِئن فرشكم أحدًا تكوهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف] (١). وفي سنن أبي داود عن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب قال: [قال النبي ﷺ : لا تضربوا إماء الله. فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذَئِرَت النساء على أزواجهنَّ، فَرَخَّصَ رسول الله ﷺ في ضربهنَّ، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساءٌ كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ : لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجَهُنَّ، ليس أولئك بخياركم] (٢). وقوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: (إذا أطاعتك فلا تتجنَّ عليها العلل). وقال سفيان: (إذا فعلت ذلك لا يكلفها أن تحبه، لأن قلبها ليس في يديها). وقال الثوري: (إذا أتت الفراش وهي تبغضه). والخلاصة: إن رجعت إلى الطاعة وامتثلت ما يحب مما أباحه الله له منها فلا يحق له بعد ذلك ضربها أو هجرانها. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾: تهديد للرجال إذا تطاولوا بالضرب بعد الطاعة، فإن الله العلي الكبير وليّهن ينتقم ممن بغى عليهن أو ظلمهن فاحذروا البغي معاشر الرجال.

стр. 927

٣٥. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. في هذه الآية: الترغيب في إعادة الوفاق بين الزوجين عند الخلاف، وسدّ السبل على الشيطان، والله يعين على الرفق والإصلاح. قال السدي: (إن ضربها. فإن رجعت، فإنه ليس له عليها سبيل. فإن أبت أن ترجع وشاقّته، فليبعث حكمًا من أهله، وتبعث حكمًا من أهلها). وذكر ابن جرير بسنده عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال: (بعثت أنا ومعاوبة حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان ﵄ بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تُفَرِّقا فرّقتما). وقال قتادة: (إنما يبعث الحكمان ليصلحا. فإن أعياهما أن يصلحا، شهدا على الظالم بظلمه، وليس بأيديهما فرقة، ولا يُمَلّكان ذلك). قلت: ووجه الجمع بين القولين في هذه المسألة أنّ الخطاب يشمل المسلمين والسلطان في ذلك، فأمر الله المسلمين ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، فإن تعذر الإصلاح فالأمر للقاضي أو السلطان فهو الذي يفرِّق إن شاء. وقوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. قال سعيد بن جبير: (إن يرد الحكمان إصلاحًا أصلحا). وقال مجاهد: (يوفق الله بين الحكمين). يعني: إن أخلص الحكمان وأرادا بعملهما وجه الله تعالى يسدد خطاهما للإصلاح. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بما أراد الحكمان من صدق الإصلاح ﴿خَبِيرًا﴾ بذلك وبغيره من أمورهما وأمور العباد جميعًا، لا يخفى عليه شيء، ثم يجازي كلًّا بنيّته وعمله.

стр. 928

٣٦. قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾. في هذه الآية: يخاطب سبحانه عباده آمرًا لهم أن يفردوه سبحانه بالعبادة والتعظيم، ثم يوصي بالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين خيرًا، ثم يوجه الوصية للعناية بالجار والإحسان إليه، ثم ابن السبيل وما ملكت الأيمان، فإن من لا يشكر الله ولا يقوم بحق أرحامه: الوالدين والأقربين، وجيرانه وما أوصى الله، كان مختالًا متكبرًا يبغضه الله. وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ قال: [كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقّ العباد على الله: أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أبشِّر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا] (١). قال ابن القيم: ("الإله" هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وإنابة، وإكرامًا وتعظيمًا، وذلًا وخضوعًا، وخوفًا ورجاء وتوكلًا). وقال ابن رجب: ("الإله" هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إلا لله . فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله "لا إله إلا الله" وكان فيه من عبودية المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك) (٢). وقد قرن سبحانه في كتابه كثيرًا بين إفراده بالعبادة والإحسان إلى الوالدين، فقال جل ذكره: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.

стр. 929

أخرج البخاري في الأدب المفرد، وابن ماجة في السنن، والحاكم في المستدرك، بسند حسن عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله ﷺ بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمدًا برئت منه الذمة (١)، ولا تشربنّ الخمر، فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرجَ من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت (٢)، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله ] (٣). وأخرج هو والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري: [أن أعرابيًا عرض للنبي ﷺ في مسيره، فقال: أخبرني ما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم] (٤). وقوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾. أي أَمْرٌ بالإحسان إليهم، وهم ذوو قرابة الرجل من قبل أبيه أو أمه، فأمر بصلتهما سبحانه، فإن الرحم تحتج على صاحبها يوم القيامة. أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله لما خلقَ الخلق قامت الرحم فأخذت بِحقْوِ الرحمن، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقامُ العائذِ بكَ من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أَصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب! قال: فذاك لك. قال أبو هريرة: ثم قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالهَا﴾] (٥). وقد أخبر النبي ﷺ عن أثر صلة الأقارب بثراء المال وطول العمر والمحبة في الأهل. فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني بسند صحيح عن عمرو بن سهل، عن

стр. 930

النبي ﷺ قال: [صلة القرابة مثراةٌ في المال، محبّةٌ في الأهل، منسأةٌ في الأجل] (١). وقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم. وهو الطفل قد مات والده وهلك. وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ جمع مسكين، وهو من ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك. فأمر سبحانه بالإحسان إليهم، ووعد على ذلك خيرًا. أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : [إن أردت أن يلينَ قلبُكَ، فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم] (٢). وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾. قال ابن عباس: (يعني الذي بينك وبينه قرابة). وقال مجاهد: (جارك، هو ذو قرابتك). وقال قتادة: (إذا كان له جار له رحم، فله حقّان اثنان: حق القرابة، وحق الجار). وقوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. قال ابن عباس: (الذي ليس بينك وبينه قرابة). وقال نوف الشامي: (اليهودي والنصراني) ذكره ابن جرير. وقال مجاهد: (﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني الرفيق في السفر). قلت: والتفريق في الآية بيق الجار ذي القربى والجار الجنب يقتضي قرابة الأول وبعد الآخر حتى لو كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، وفي ذلك اشتمال بالوصية لكل أنواع الجيران. وقد امتلأت السنة الصحيحة بالوصايا بالجار، ومن ذلك: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: [ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُوَرِّثُه] (٣). الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: [خيرُ الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره] (٤). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الرحمن بن أبي قراد، عن

стр. 931

النبي ﷺ قال: [إن أحببتم أن يحبّكم الله تعالى ورسولهُ فأدّوا إذا اؤْتمنتم، واصدُقوا إذا حدَّثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم] (١). وقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال سعيد بن جبير: (الرفيق في السفر). وقال مجاهد: (رفيقك في السفر، الذي يأتيك ويده في يدك). وقال ابن مسعود: (هي المرأة). قال ابن عباس: (يعني: الذي معك في منزلك). وقال زيد بن أسلم: (هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر). وقال سعيد بن جبير: (هو الرفيق الصالح). وكلها أقوال يحتملها البيان الإلهي، وقد أوصى سبحانه بالإحسان إلى هذا الصاحب: سواء كان المرأة في البيت أو الرفيق في السفر. وقوله: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. قال مجاهد: (هو الذي يمر عليك وهو مسافر). وقال ابن عباس: (هو الضيف). وقال الربيع: (هو المارّ عليك، وإن كان في الأصل غنيًّا). قلت: ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن الضيف القادم عليك من سفر وإن كان غنيًّا فقد أوصى الله سبحانه بالإحسان إليه وإكرامه. وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. قال مجاهد: (مما خوّلك الله، كل هذا أوصى الله به). فهي وصية بالأرقاء بالإحسان إليهم، فإن الرقيق ضعيف الحيلة أسير عند الناس، وقد كان من آخر كلامه ﵊ في مرض موته: [الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم] (٢). وقد امتلأت السنة الصحيحة بالتحذير من إيذاء الرقيق واستغلال ضعفه: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن المعرور بن سُويد قال: رأيت أبا ذر الغفاري ﵁ وعليه حُلَّةٌ وعلى غلامه حُلَّةٌ، فسألناه عن ذلك فقال: إني سابَبْتُ رَجُلًا فشكاني إلى النبي ﷺ . فقال النبي ﷺ : أعَيَّرتَهُ بأمِّه؟ ثم قال: [إن إخوانكم خَوَلُكُم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ولْيُلْبِسْهُ

стр. 932

مما يَلْبَسُ، ولا تُكلّفوهم ما يَغْلِبُهُم، فإن كَلَّفتموهم ما يَغْلِبُهم فأعينوهم] (١). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [للمملوك طعامه وكسْوته، ولا يُكَلّف من العمل إلا ما يُطيق] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا صنع لأحدكم خادمُه طعامه ثم جاء به، وقد وَليَ حَرَّه ودُخانه فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا فليضع في يده منه أُكْلةً أو أُكْلَتين] (٣). قال داود وهو ابن قيس: يعني لقمة أو لقمتين. الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن المقدام بن مَعْد يَكرب قال: قال رسول الله ﷺ : [ما أَطْعَمْتَ نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمتَ ولدك فهو لك صدقة، وما أطعَمْتَ زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة] (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. قال مجاهد: (يعني متكبرًا، ﴿فَخُورًا﴾ قال: يعدّ ما أُعطي، وهو لا يشكر الله). وقد حفلت السنة الصحيحة بأحاديث تحذر الكبر والفخر الجاهلي -أي على طريقة الجاهلية-: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جوّاظ مستكبر] (٥). الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: [لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: إن الرجل يحب أن

стр. 933

يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحق وغَمْطُ الناس] (١). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [بينما رجل يمشي في حلة تُعْجِبُه نفسُه، مُرَجِّلٌ رأسَهُ، يختال في مِشْيَتِه، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة] (٢). الحديث الرابع: أخرج الحاكم بسند صحيح عن مُطَرِّف قال: [كان يَبْلُغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءَه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم: "إن الله يحب ثلاثة ويبْغض ثلاثة"؟ فقال: أجل، فلا إخالني أكذب على خليلي، ثلاثًا؟ قلت: مَن الثلاثة الذين يَبْغضُ الله؟ قال: المختال الفخور، أوليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل؟ ثم قرأ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾] (٣). الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد من حديث أبي تميمة عن رجل من بَلْهُجَيم قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: [إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحبّ المَخيلة] (٤). ٣٧ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ

стр. 934

الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾. في هذه الآيات: ذمّ الله تعالى أهل البخل عن الإنفاق فيما أمرهم الله، من الأرحام واليتامى والمساكين. وفضح أهل الرياء الذين حملهم عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر على فساد نياتهم. ثم التقريع عليهم بأنه ما الذي كان يمنعهم من صدق الله الإيمان والاستعداد للقائه والإنفاق في سَبيله! ! والله تعالى غني عنهم محيط بأعمالهم ونيّاتهم سواء صَدقوا أم كذبوا. قال طاووس: (البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ أن يشِح على ما في أيدي الناس. قال: يحبّ أن يكون له ما في أيدي الناس بالحِلِّ والحرام، لا يقنع). وقال قتادة: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وهم أعداء الله أهل الكتاب، بخلوا بحق الله عليهم، وكتموا الإسلامَ ومحمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وهذا تأويل محتمل، وإن كان السياق يدل على التأويل الأول، وهو البخل بالمال. وفي التنزيل: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٨ - ١١]. وكذلك قوله تعالى في سورة التغابن: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وفي صحيح مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: [اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم] (١). وله شاهد في المسند، للإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: [إياكم والشّح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا] (٢).

стр. 935

وقوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. تأكيد لشدة البخل المؤدي لجحود النعمة، فلا تظهر عليهم في مطعم أو ملبس أو إعطاء. وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾. أخرج الإمام أحمد والنسائي عن والد أبي الأحوص قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه] (١). وله شاهد عند الطبراني من حديث زهير بن أبي علقمة ولفظه: [إذا آتاك الله مالًا فَلْيُرَ عليك، فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنًا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس] (٢). وسببه أنه أتى النبي ﷺ رجل سيِّئ الهيئة، فقال: ألك مال؟ قال: نعم كل أنواع المال. قال: فَلْيُرَ عليك، فذكره ... وله شاهد عند البيهقي في "الشعب" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [إن الله إذا أنعم على عبدٍ نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف، ويحب الحيي العفيف المتعفف] (٣). وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال القرطبي: (فَصَلَ تعالى تَوَعُّدَ المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأولى عدم المحبة والثاني عذابًا مهينًا). وقال ابن كثير: (والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه). وقال ابن جرير: (وجعلنا للجاحدين نعمة الله التي أنعم بها عليهم، من المعرفة بنبوة محمد ﷺ ، المكذبين به بعد علمهم به، الكاتمين نعته وصفته مَنْ أمرهم الله ببيانه له من الناس، ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يعني: العقاب المذل من عُذِّب بخلوده فيه، عَتادًا له في آخرته، إذا قدِمَ على ربه وَجَدَه).

стр. 936

قلت: ولا شك أن البخل والشح بريد إلى الكفر بالله ونعمه فأول المطاف البخل والشح، وأوسطه استحلال المحارم وسفك الدماء وقطيعة الأرحام، ونهاية المطاف الكفر بالمنعم سبحانه وجحود نعمه. وهذا يجمع بين الأقوال السابقة، ولله الفضل والمنة. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾. يعني: أنهم يقصدون السمعة والمدح وحصول الثناء عليهم من الناس والشهادة لهم بالكرم. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتهُ وشِرْكَهُ] (١). وفي صحيح مسلم عن سليمانَ بن يسارٍ قال: تفرَّق الناسُ عن أبي هُريرة. فقال له نَاتِلُ أهل الشام (٢): أيها الشَّيْخُ! حَدِّثْني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: [إن أوَّل الناس يُقضى يوم القيامة عليه، رجلٌ استُشهدَ، فَأُتيَ به فَعرَّفَه نِعْمَتَه فَعَرَفها، قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: قَاتَلْتُ فيكَ حتى استُشهدت، قال: كذبتَ، ولكنَّك قاتَلْتَ لأَنْ يُقال جَرِيءٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحبَ على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وعَلَّمهُ وقرأ القرآنَ، فأُتِيَ به، فَعَرَّفهَ نِعَمَهُ فَعَرَفها. قال: فما عَمِلْتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ وقرأت فيكَ القرآنَ. قال: كذبتَ ولكنكَ تَعَلَّمتَ العِلْمَ ليُقال عالِمٌ، وقَرَأْتَ القرآن ليُقال هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقيَ في النار، ورجلٌ وسَّعَ الله عليه وأَعطاهُ من أصناف المال كُلِّه، فَأُتِيَ به فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركْتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أن يُنْفَقَ فيها إلا أَنْفَقْتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ فَعَلْتَ ليُقَال هو جوادٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهِهِ، ثم أُلقي في النار] (٣). وقوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يعني: ولا يصدقون بوحدانية الله، ولا بالرجوع إليه يوم المعاد.

стр. 937

أخرج الإمام مسلم عن عائشة قالت: [قلت: يا رسول الله! ابْنُ جُدْعانَ كان في الجاهلية يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكينَ، فهل ذاكَ نافِعُهُ؟ قال: لا يَنْفَعُهُ، إنه لم يَقُلْ يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين] (١). والخلاصة: أنَّ الرياء الذي كان عليه هؤلاء كان بسبب عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، واتخاذهم الشيطان وليًّا فَسَوَّلَ لهم وأملى لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. والمعنى: من يكن الشيطان له خليلًا وصاحبًا وناصحًا فساء الصاحِب وهلك المصحوب. وقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾. المعنى: أي شيء كان يمنع هؤلاء من صدق الإيمان بالله، والتصديق بالدار الآخرة، والاستعداد لها، والإنفاق في وجوه الطاعات مما رزقهم الله. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. أي: بنياتهم وأعمالهم، فمهما أرادوا فهو محيط به، سواء أرادوا الدنيا والسمعة أو أرادوا الله ورضوانه والدار الآخرة. ٤٠ - ٤٢. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. في هذه الآيات: إخبار الله تعالى أنه لا يبخس أحدًا من عباده شيئًا حتى لو كان مثقال ذرة، فيضاعف للمؤمن، ويعطي الكافر من الدنيا ثم يحبط عمله في الآخرة. فكيف - يا محمد - إذا أُحضر من كل أمة من يشهد عليهم وجئنا بك على كل الأمم شهيدًا. يومئذ يتمنى الذين جحدوا الله ونعمه وشكره لو سواهم الله والأرض فصاروا ترابًا شأن مصير البهائم، ولم يكتموا شيئًا بل فضحهم الله وأخزاهم.

стр. 938

فعن ابن عباس: (الذرة: رأس النملة). وقال مرة: (النملة الحمراء). وقال يؤيد بن هارون: (زعموا أن الذرة ليس لها وزن). قلت: وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فلها وزن عند الله وترجح بها كفة الميزان، كما قال جل ذكره: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ [لقمان: ١٦]. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨]. وفي صحيح مسلم ومسند الطيالسي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: [إن الله لا يظلم المؤمن حسنته، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة] (١). وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري- في حديث الشفاعة - قال رسول الله ﷺ : [فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من إيمان فأخرجوه، ويُحرِّمُ الله صورَهم على النار، فيأتونهم وبعضُهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقَيْهِ، فَيُخرجون مَنْ عَرَفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ نصفِ دينار فأخرجوه، فيُخرجون مَنْ عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقالَ ذرةٍ من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا. قال أبو سعيد: فإنْ لم تُصَدِّقوا فاقرؤوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]] (٢). وفي رواية: "أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار، فيُخرجون خلقًا كثيرًا". قال قتادة: (كان بعض أهل العلم يقول: لأن تفضُل حسناتي على سيئاتي ما يزن ذرّة، أحب إليّ من أن تكون لي الدنيا جميعًا).

стр. 939

وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. يعني: وإن تك زنةُ الذرة حسنة يضاعفها. وفي الصحيحين عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال فيما يروي عن ربه : [إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك في كتابه، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هو همَّ بها فعمِلَها كتبها الله سيئة واحدة. زاد مسلم في رواية: أو محاها، ولا يهلك على الله إلا هالك] (١). وقوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال ابن مسعود: (أي: الجنة يعطيها). وقال سعيد بن جبير: (الأجر العظيم: الجنة). وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. أخرج البخاري عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: [يجيء نوحٌ وأمته، فيقول الله: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبي، فيقول لنوحٍ: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾، والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم] (٢). وصحَّ أن أمة محمد ﷺ تشهد لكل نبي أيضًا بالبلاغ حين يكذبه قومه يوم القيامة. فقد أخرج الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيُقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: مَنْ يشهدُ لك، فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمدٌ وأمتُه، فيقال لهم: هل بَلَّغَ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فَيُقال: وما عِلْمُكم بذلك؟ فيقولون: جاءَنا نبيّنا، فأخبرنا أن الرسل قد بلّغوا فصدَّقناه، فذلك

стр. 940

قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾] (١). والخلاصة في المعنى: كيف إذا جئنا من كل أمة بمن يشهد عليها بأعمالها، وتصديقها رسلَها أو تكذيبها، وجئنا بك يا محمد على كل الأمم شهيدًا، بما فيها أمتك. قال ابن جريج: (﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، قال: رسولها، فيشهد عليها أن قد أبلغهم ما أرسله الله به إليهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: كان النبي ﷺ إذا أتى عليها فاضت عيناه). فكل رسول يشهد على أمته، ثم يجيء محمد ﷺ وأمته فيشهدون على جميع الأمم، ولا شك أن هذه الآية أبكت نبينا ﷺ عندما سمعها تُتلى عليه. ففي الصحيحين والمسند عن عبد الله بن مسعود قال: [قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ عليّ. فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: نعم، إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري. فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: حَسْبُكَ الآن. فإذا عيناه تَذْرِفان] (٢). وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾. أي: يتمنى الذين جحدوا وحدانية الله وتعظيمه وعصوا رسوله. ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ يعني لو سوّاهم الله والأرض فصاروا ترابًا مثلها شأن مصير البهائم. وقرأها قراء الكوفة ﴿لَوْ تُسَوَّى﴾. وقراء الحجاز ومكة والمدينة: ﴿لو تَسَّوَّى﴾. وقرأها غيرهم: ﴿لو تُسَوى﴾، وكلها قراءات مشهورة. وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فيه أكثر من تأويل: ١ - قال قتادة: (معناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا). ٢ - قال ابن عباس: (لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا

стр. 941

كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثًا). ٣ - وقال الزجاج: (قال بعضهم: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مستأنف، لأن ماعملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم: هو معطوف، والمعنى: يودّ لو أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثًا لأنه ظهر كذبهم). قلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي المعجز، فإن صدقوا فأعمالهم تدل عليهم، وإن كتموا وكذبوا أنطق الله جوارحهم فشهدت بما كان من مكرهم وصنيعهم وشركهم. ٤٣. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾. في هذه الآية: نَهْيُ الله المؤمنين أن يُصَلُّوا حالة سكرهم في تمهيد لتحريم الخمر، ولا جنبًا حتى يغتسلوا، وإباحة التيمم عند فقدان الماء. قال مجاهد: (نُهوا أن يصلوا وهم سكارى، ثم نسخها تحريمُ الخمر). أخرج الإمام أحمد والإمام مسلم وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص قال: [نزلت فيَّ أربع آيات: صنع رجل من الأنصار طعامًا، فدعا أناسًا من المهاجرين وأناسًا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجلٌ لَحْيَ بعير ففَزَر به أنف سعد، فكان سعد مَفْزور الأنف، وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ... الآية] الحديث (١). وأخرج الترمذي بسند صحيح عن علي بن أبي طالب قال: [صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدّموني فقرأت ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ونحن نعبد

стр. 942

ما تعبدون، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾] (١). وقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. تحذير مما يكون حالة السكر من التخليط بالقراءة وفقدان التدبر والخشوع في الصلاة. وقد حذرت السنة النعسان المغلوب من استمرار القيام في الليل، فربما يدعو على نفسه من حيث لا يدري. أخرج البخاري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : [إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فَلْيَنَمْ حتى يعلم ما يقول] (٢). وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة: [إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع]. وفي لفظ عنده من حديث عائشة: [إذا نعس أحدكم فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه] (٣). كما حذرت السنة من كل ما يشوش على المصلي ويشغله عن الإقبال بقلبه على الله كالجوع ومدافعة الأخبثين. ففي سنن أبي داود بسند حسن من حديث أبي هريرة قال: [لا يصلين أحدكم وهو حاقن] (٤). وروى مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافِعهُ الأخبثان] (٥). وروى عنها أيضًا مرفوعًا: [إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشاء] (٦). وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾. اختلف فيه أهل التأويل على أقوال، أقربها للمعنى الصحيح الموافق للسنة الصحيحة ما يأتي: ١ - قال ابن عباس: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، يقول: لا تقربوا الصلاة وأنتم

стр. 943

جُنب إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء فقد أحللتُ لكم أن تمسّحوا بالأرض). ٢ - وقال علي ﵁: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، قال: (إلا أن تكونوا مسافرين فلم تجدوا الماء، فتيمّموا) ذكره ابن جرير. ٣ - وقال مجاهد: (المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمّم، فيدخلُه فيصلي). وقال: (مسافرين، لا يجدون ماء فيتيممون صعيدًا طيبًا، لم يجدوا الماء فيغتسلوا). وأما ما ذكر الحسن: (الجنب يمر في المسجد ولا يقعُد فيه)، وكذلك ما ذكر ابن مجاهد عن أبيه: (لا يمر الجنب في المسجد يتخذه طريقًا) فلا دليل على هذا المنع. أضف إلى ذلك أن استنادهم في ذلك إلى أحاديث ضعيفة منها: [إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب] فهو ضعيف عند المحدثين، فيه أفلت العامري - مجهول - قاله الخطابي. وفيه جَسْرة. قال البخاري: عند جسرة عجائب. وفيه محدوج لم يوثق. والحديث في ضعيف سنن أبي داود. وكذلك استنادهم لحديث: [يا علي، لا يحل لأحدٍ أن يُجْنِبَ في هذا المسجد غيري وغيرك]. أخرجه الترمذي وهو ضعيف، فيه علتان: عطية العوفي وسالم بن أبي حفصة كلاهما واهٍ. وخلاصة المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا عابري سبيل في سفر ولم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدًا طيبًا. وهذا هو المعنى الذي يتوافق مع السنة الصحيحة: ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: [قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخُمْرَة من المسجد. فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضَتَك ليست في يدك] (١). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: [لقِيَني رسولُ الله ﷺ وأنا جُنُبٌ، فأخذ بيدي، فمَشَيْتُ معه حتى قَعَدَ، فانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرَّحْلَ فاغْتَسَلْتُ، ثم جئت وهو قاعِدٌ فقال: أين كنتَ يا أبا هريرة؟ فقلت له: فقال: سبحان الله يا أبا هريرة! إنَّ المؤمن لا يَنْجُسُ] (٢).

стр. 944

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : [الصعيد الطيّب طَهورُ المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حِجَج، فإذا وجدت الماء فأمسَّهُ بشرتك، فإن ذلك خير] (١). ويشهد للمعنى السابق أيضًا ما رواه الإمام أحمد عن سعيد بن منصور في سننه بسند صحيح أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: [حدثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدّراورْدِيُّ - عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، يجلسون في المسجد وهم مُجْنِبُون، إذا توضوؤوا وُضوءَ الصلاة]. ذكره الحافظ ابن كثير في التفسير، وقال: وهذا إسناد على شرط مسلم. وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. المرض المبيح للتيمم مع وجود الماء هو كل مرض لا ينصح معه باستعمال الماء لأنه يزيده أو يؤذي صاحبه. يروي ابن جرير بسنده عن ابن مسعود قال: (المريض الذي قد أرخص له في التيمم، هو الكسير والجريح. فإذا أصابت الجنابة الكسيرَ اغتسل، ولم يحلّ جبائره. والجريح لا يحل جراحته، إلا جراحة لا يخشى عليها). قال ابن كثير: (أما المرض المبيح للتيمّم، فهو الذي يُخاف معه من استعمال الماء، فوات عضو أو شَيْنه أو تطويل البرء. ومن العلماء من جوز التيمّم بمجرد المرض لعموم الآية). وقال الشافعي: (لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف التلف)، وبه قال مالك. قلت: وأشمل ما ذكر هو قول ابن كثير ﵀، فكل مرض يخشى معه من استعمال الماء بتأخر البرء أو الإفساد لبعض مناطق الجسم وأعضائه فيباح فيه التيمم. وقوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. يجوز التيمم بسبب السفر طال أو قصر عند عدم الماء. وهو مذهب مالك. قلت: ولا يقتصر التيمم على السفر بل يجوز في الحضر في الحالات التالية:

стр. 945

١ - عند الحاجة للماء للطعام والشراب، وعدم كفاية الماء المتوفر للطهارة. ٢ - عند البرد الشديد وصعوبة التسخين في الوقت وخشية الأذى من ذلك الماء البارد في الطقس البارد. ٣ - عند المرض في الحضر وخشية إمرار الماء على العضو المصاب. وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. يعني المقيم إذا عدم الماء تيمم. أخرج البخاري عن أبي الجُهَيْم بن الحارث بن الصِّمّة الأنصاري قال: [أقبل النبي ﷺ من نحو "بئر جَمَلٍ" (١) فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يردّ عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجِدار فمسح بوجهه ويديه، ثم ردّ ﵇] (٢). ورواه الدَّارقُطْنِيّ من حديث ابن عمر وفيه: [ثم ردّ على الرّجل السلام، وقال: إنه لم يمنعني أن أردّ عليك إلا أني لم أكن على طهر] (٣). وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. قُرِئ ﴿لَمَسْتم﴾ و"لامستم". وفيه قولان: ١ - عني بذلك كلّ لمس، بيدٍ كان أو بغيرها. وأوجبوا منه الوضوء. وهو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد. وحجتهم أنه ببعض القراءات ﴿لَمَسْتم﴾ والنبي ﷺ قال لِمَاعِزٍ حين أقرّ بالزنا: [لعلك قتلت أو لَمَسْت]. وقول ابن مسعود: (اللمس ما دون الجماع) ذكره ابن جرير. وقوله أيضًا: (يتوضأ الرجل من المباشرة ومن اللمس بيده، ومن القُبلة). ٢ - عني بذلك الجماع دون ما سواه. قال ابن عباس: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الجماع) رواه ابن أبي حاتم. ويروي ابن جرير بسنده عن سعيد بن جُبير قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع. وقال ناس من العرب: اللمس الجماعُ. قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس

стр. 946

بالجماع. وقالت العرب: الجماع. قال: من أيّ الفريقين كنت؟ قلت: من الموالي. قال: (غُلب فريقُ الموالي. إن اللمس والمسَّ والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء). قلت: ولا عبرة باستخدامات اللفظ المختلفة في زمن التنزيل، إنما العبرة بفعل النبي ﷺ وتشريعه. فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة: [أن النبي ﷺ : قَبَّلَ امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ] (١). قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت (٢). وروى عن عائشة: [أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ] (٣). وله شاهد عند الإمام أحمد والنسائي عنها قالت: [كان يُقَبِّلُ بعضَ أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ] (٤). فالتقبيل مسٌّ وزيادة، وهذه الأحاديث الصحيحة تقطع الخلاف عند من نوّر الله حياته بعلم الحديث، ومن ثمَّ فاللمس المقصود بالآية بعد الاستئناس بالسنة الصحيحة هو الجماع، وهذا يوافق مرونة الشريعة ومقاصدها، فالحرج كل الحرج أن يتوضأ العبد لكل لمس عارض ليد أخته أو أمه أو زوجته أو ما يكون في طريق الناس وازدحام أسواقهم. وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. منه استنبط الفقهاء القاعدة المشهورة: (إذا حضر الماء بطل التيمم). أخرج البخاري ومسلم عن عِمْران بن حُصين: [أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تُصَلّي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟

стр. 947

قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك] (١). والتيمّم لغة: القصد. والصعيد: كل ما سعد على وجه الأرض. ومن ثمّ فإن كل ما هو من جنس الأرض من التراب والرمل والحجر والجدران داخل في ذلك. والطيب: قيل الحلال، أو الذي ليس بنجس. ففي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : [فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت صُفُوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلُّها مسجدًا، وجُعِلت تربَتُها لنا طَهورًا إذا لم نجدِ الماء]. وفي لفظ: [وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء] (٢). وفي مسند أحمد وجامع الترمذي وصحيح الحاكم عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: [إن الصعيد الطيِّبَ وَضُوء المسلم وإن لم يجد الماء عشرَ سنين، فإذا وجد الماء فليُمسَّه بشرتهُ، فإنّ ذلك هو خير] (٣). وفي لفظ: [إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمِسَّه بشرتَك]. وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. أخرج البخاري ومسلم عن عمار بن ياسر ﵁ قال: [أجنبت فلم أصب ماء، فتمعكت (٤) في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه] (٥). وفي المسند عن عمار، عن النبي ﷺ قال: [التيمم ضربة للوجه والكفين] (٦). وسيأتي سبب نزول آية التيمم في أول سورة المائدة إن شاء الله تعالى.

стр. 948

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. أي: عفوًا عن ذنوب عباده، ما لم يشركوا به، ﴿غَفُورًا﴾ فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم كما غفر وستر عن صلاتهم في ما مضى سكارى. ٤٤ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾. في هذه الآيات: فضحُ الله اليهود في تكذيبهم محمدًا ﷺ وقد عرفوه، وفي سلوكهم الفاسد وتعاملهم المنكر، وطردهم من رحمة الله بكفرهم. قال قتادة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، فهم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة). والمقصود باشترائهم الضلالة: تكذيبهم بمحمد ﷺ وتركهم الإيمان به وهم عالمون أن الواجب عليهم كما جاء في كتبهم الإيمان به. وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. أي: يود هؤلاء اليهود لو تكفرون بما أنزل عليكم فتشابهونهم في الضلال. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. أي: بعداوة هؤلاء اليهود ومكرهم بكم أيها المؤمنون، فاحذروا الوقوع في أهوائهم. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾. أي: حسبكم الله يحرسكم من أعداء دينكم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: وينصركم عليهم. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يبدلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله. قال مجاهد: (تبديل اليهود التوراة). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قال ابن زيد: (قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك). وقال مجاهد: (قالت اليهود: سمعنا ما تقول ولا نطيعك). يخاطبون رسول الله ﷺ .

стр. 949

وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ - فيه قولان: ١ - قال الحسن: (كما تقول اسمع غيرَ مسموع منك). ٢ - وقال الضحاك عن ابن عباس: (أي: اسمع ما نقول، لا سمعت)، وهذا استهزاءٌ منهم واستهتار. واختاره ابن جرير. وقوله: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. قال ابن عباس: (فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم برسول الله ﷺ ، ويطعنون في الدين). فهم يُوهِمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم راعنا, وإنما يريدون الرعونة، وقد مضى الكلام في ذلك في سورة البقرة، آية (١٠٤)، وكيف يستخدمون ذلك في سب النبي ﷺ . وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. قال ابن جرير: (ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله: سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلت ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا ... لكان ذلك خيرًا لهم عند الله، ﴿وَأَقْوَمَ﴾ يقول: وأعدل وأصوب في القول). وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. المعنى: ولكن استمرارهم على صفة التكبر والمكر أبعدهم عن الله، فلا يؤمنون إيمانًا نافعًا ينجيهم، وإنما هو خليط من التشكيك والاستهزاء والكبر والغرور. ٤٧ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾. في هذه الآيات: الخطاب موجه لأهل الكتاب، يأمرهم به الله سبحانه أن يؤمنوا بالقرآن الكريم المنزل على محمد ﷺ ، والذي فيه تصديق ما بأيديهم من بشارات

стр. 950

التوراة والإنجيل، وذلك قبل أن ينالهم ما يكرهون من طمس الوجوه واللعن وغير ذلك من أسباب الخزي والهلاك. فإن الله تعالى لا يغفر الشرك به وقد يغفر ما دون ذلك من الأعمال لمن يشاء، فالشرك أكبر الإثم وأعظم الظلم. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ - فيه أكثر من تفسير: التفسير الأول: محوه آثارها حتى تصير كالأقْفاء، أو نطمس أبصَارها فنصيّرها عمياء، أوْ نجعل أبصارها من قبل أقفائها. قال ابن عباس: (وطمسها: أن تعمى. ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه). وقال قتادة: (نحول وجوهها قبل ظهورها). التفسير الثاني: أن نعمي قومًا عن الحق فنردهم في الضلالة والكفر. قال مجاهد: (﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، فنردها عن الصراط، عن الحق، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، قال: في الضلالة). وقال الضحاك: (يعني: أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردَّهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد ﷺ وما جاء به). التفسير الثالث: أن نمحو آثارهم فنردهم من حيث جاؤوا من الشام. قال ابن زيد: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال: كان أبي يقول: إلى الشأم). التفسير الرابع: أن نمحو آثارها فنجعل الوجوه منابت الشعر كالقردة، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. واختار ابن جرير التفسير الأول: أي من قبل أن نطمس أبصار وجوههم ونمحو آثارها فنسويها بالأقفاء، فيمشون القهقرى، فإن السياق يقتضيه. وقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. أي: نحولهم قردة. قاله قتادة والحسن. وقال ابن زيد: (هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت).
следующие страницы →