← Тафсир

Тафсир · id 147666

التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون

مأمون حموش

Полный текст (5 446 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بالجماع. وقالت العرب: الجماع. قال: من أيّ الفريقين كنت؟ قلت: من الموالي. قال: (غُلب فريقُ الموالي. إن اللمس والمسَّ والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء). قلت: ولا عبرة باستخدامات اللفظ المختلفة في زمن التنزيل، إنما العبرة بفعل النبي ﷺ وتشريعه. فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن عائشة: [أن النبي ﷺ : قَبَّلَ امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ] (١). قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت (٢). وروى عن عائشة: [أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ] (٣). وله شاهد عند الإمام أحمد والنسائي عنها قالت: [كان يُقَبِّلُ بعضَ أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ] (٤). فالتقبيل مسٌّ وزيادة، وهذه الأحاديث الصحيحة تقطع الخلاف عند من نوّر الله حياته بعلم الحديث، ومن ثمَّ فاللمس المقصود بالآية بعد الاستئناس بالسنة الصحيحة هو الجماع، وهذا يوافق مرونة الشريعة ومقاصدها، فالحرج كل الحرج أن يتوضأ العبد لكل لمس عارض ليد أخته أو أمه أو زوجته أو ما يكون في طريق الناس وازدحام أسواقهم. وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. منه استنبط الفقهاء القاعدة المشهورة: (إذا حضر الماء بطل التيمم). أخرج البخاري ومسلم عن عِمْران بن حُصين: [أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تُصَلّي مع القوم؟ ألست برجل مسلم؟

стр. 947

قال: بلى يا رسول الله، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك] (١). والتيمّم لغة: القصد. والصعيد: كل ما سعد على وجه الأرض. ومن ثمّ فإن كل ما هو من جنس الأرض من التراب والرمل والحجر والجدران داخل في ذلك. والطيب: قيل الحلال، أو الذي ليس بنجس. ففي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : [فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت صُفُوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلُّها مسجدًا، وجُعِلت تربَتُها لنا طَهورًا إذا لم نجدِ الماء]. وفي لفظ: [وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء] (٢). وفي مسند أحمد وجامع الترمذي وصحيح الحاكم عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: [إن الصعيد الطيِّبَ وَضُوء المسلم وإن لم يجد الماء عشرَ سنين، فإذا وجد الماء فليُمسَّه بشرتهُ، فإنّ ذلك هو خير] (٣). وفي لفظ: [إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء ولو إلى عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمِسَّه بشرتَك]. وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾. أخرج البخاري ومسلم عن عمار بن ياسر ﵁ قال: [أجنبت فلم أصب ماء، فتمعكت (٤) في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه] (٥). وفي المسند عن عمار، عن النبي ﷺ قال: [التيمم ضربة للوجه والكفين] (٦). وسيأتي سبب نزول آية التيمم في أول سورة المائدة إن شاء الله تعالى.

стр. 948

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. أي: عفوًا عن ذنوب عباده، ما لم يشركوا به، ﴿غَفُورًا﴾ فلم يزل يستر عليهم ذنوبهم كما غفر وستر عن صلاتهم في ما مضى سكارى. ٤٤ - ٤٦. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾. في هذه الآيات: فضحُ الله اليهود في تكذيبهم محمدًا ﷺ وقد عرفوه، وفي سلوكهم الفاسد وتعاملهم المنكر، وطردهم من رحمة الله بكفرهم. قال قتادة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، فهم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة). والمقصود باشترائهم الضلالة: تكذيبهم بمحمد ﷺ وتركهم الإيمان به وهم عالمون أن الواجب عليهم كما جاء في كتبهم الإيمان به. وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. أي: يود هؤلاء اليهود لو تكفرون بما أنزل عليكم فتشابهونهم في الضلال. وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾. أي: بعداوة هؤلاء اليهود ومكرهم بكم أيها المؤمنون، فاحذروا الوقوع في أهوائهم. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾. أي: حسبكم الله يحرسكم من أعداء دينكم. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: وينصركم عليهم. وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. ﴿مِنَ﴾ لبيان الجنس. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يبدلون معناها ويغيِّرونها عن تأويله. قال مجاهد: (تبديل اليهود التوراة). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾. قال ابن زيد: (قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك). وقال مجاهد: (قالت اليهود: سمعنا ما تقول ولا نطيعك). يخاطبون رسول الله ﷺ .

стр. 949

وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ - فيه قولان: ١ - قال الحسن: (كما تقول اسمع غيرَ مسموع منك). ٢ - وقال الضحاك عن ابن عباس: (أي: اسمع ما نقول، لا سمعت)، وهذا استهزاءٌ منهم واستهتار. واختاره ابن جرير. وقوله: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. قال ابن عباس: (فإنهم كانوا يستهزئون، ويلوون ألسنتهم برسول الله ﷺ ، ويطعنون في الدين). فهم يُوهِمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم راعنا, وإنما يريدون الرعونة، وقد مضى الكلام في ذلك في سورة البقرة، آية (١٠٤)، وكيف يستخدمون ذلك في سب النبي ﷺ . وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾. قال ابن جرير: (ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، قالوا لنبي الله: سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلت ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا ... لكان ذلك خيرًا لهم عند الله، ﴿وَأَقْوَمَ﴾ يقول: وأعدل وأصوب في القول). وقوله: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. المعنى: ولكن استمرارهم على صفة التكبر والمكر أبعدهم عن الله، فلا يؤمنون إيمانًا نافعًا ينجيهم، وإنما هو خليط من التشكيك والاستهزاء والكبر والغرور. ٤٧ - ٤٨. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾. في هذه الآيات: الخطاب موجه لأهل الكتاب، يأمرهم به الله سبحانه أن يؤمنوا بالقرآن الكريم المنزل على محمد ﷺ ، والذي فيه تصديق ما بأيديهم من بشارات

стр. 950

التوراة والإنجيل، وذلك قبل أن ينالهم ما يكرهون من طمس الوجوه واللعن وغير ذلك من أسباب الخزي والهلاك. فإن الله تعالى لا يغفر الشرك به وقد يغفر ما دون ذلك من الأعمال لمن يشاء، فالشرك أكبر الإثم وأعظم الظلم. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ - فيه أكثر من تفسير: التفسير الأول: محوه آثارها حتى تصير كالأقْفاء، أو نطمس أبصَارها فنصيّرها عمياء، أوْ نجعل أبصارها من قبل أقفائها. قال ابن عباس: (وطمسها: أن تعمى. ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه). وقال قتادة: (نحول وجوهها قبل ظهورها). التفسير الثاني: أن نعمي قومًا عن الحق فنردهم في الضلالة والكفر. قال مجاهد: (﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، فنردها عن الصراط، عن الحق، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، قال: في الضلالة). وقال الضحاك: (يعني: أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردَّهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد ﷺ وما جاء به). التفسير الثالث: أن نمحو آثارهم فنردهم من حيث جاؤوا من الشام. قال ابن زيد: (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال: كان أبي يقول: إلى الشأم). التفسير الرابع: أن نمحو آثارها فنجعل الوجوه منابت الشعر كالقردة، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم. واختار ابن جرير التفسير الأول: أي من قبل أن نطمس أبصار وجوههم ونمحو آثارها فنسويها بالأقفاء، فيمشون القهقرى، فإن السياق يقتضيه. وقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. أي: نحولهم قردة. قاله قتادة والحسن. وقال ابن زيد: (هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت).

стр. 951

وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. أي: لا يُخالف ولا يمانَع. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. المعنى: من لقي الله وهو يشرك به لا يغفر له، ويغفر سبحانه ما دون ذلك من الذنوب لمن شاء من عباده. وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي ذر قال: [أتيت رسول الله ﷺ فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: على رَغْم أنف أبي ذر. قال: فخرج أبو ذر وهو يجرُّ إزاره وهو يقول: وإن رَغِمَ أنف أبي ذر. وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر] (١). الحديث الثاني: أخرج الإِمام مسلم عن جابر، عن النبي ﷺ قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢). الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: [قال الله تعالى: يا ابن آدم! مهما عَبَدتني ورجَوتني ولم تشرك بي شيئًا غفرتُ لك على ما كان منك، وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوبًا استقبلتك بملئهنَّ من المغفرة، وأغفِرُ لك ولا أبالي] (٣). الحديث الرابع: أخرج البزّار بسند جيد عن نافع، عن ابن عمر قال: [كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا ﷺ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال أخَّرْتُ سْفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة] (٤). وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.

стр. 952

أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله قال: [قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك .. ] الحديث (١). وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ٤٩ - ٥٢. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾. في هذه الآيات: ذم الله الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب، ويفترون على الله الكذب، ويؤمنون بالجبت والطاغوت، ويمدحون المشركين ويطعنون بالمؤمنين، أولئك الذين طردهم الله من رحمته في الملعونين. قال قتادة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وقالوا: لا ذنوب لنا). وقال الضحاك: (قالت اليهود: ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون! فإن كانت لهم ذنوب فإن لنا ذنوبًا! فإنما نحن مثلهم، قال الله تعالى ذكره: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. وقال الحسن: (هم اليهود والنصارى، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾). وقيل: تزكيتهم أنفسهم تقديمهم أطفالهم لإمامتهم في الصلاة زعمًا أنه لا ذنوب

стр. 953

لهم. أو زعمهم أن أبناءهم سيشفعون لهم. وكله مرجوح بالقول الأول المناسب للسياق. وقد جاءت السنة الصحيحة بذم التمادح والتزكية، في أحاديث: الحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن المقداد بن الأسود قال: [أَمرنا رسول الله- ﷺ أن نحثوَ في وجود المداحين التراب] (١). وفي لفظ: [إذا رأيتم المداحين، فاحْثوا في وجوههم التراب]. الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى قال: [سمع النبي ﷺ رجلًا يُثني على رجل ويُطريه في المِدْحة، فقال: أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل] (٢). والإطراء المبالغة في المَدْح. الحديث الثالث: أخرج الشيخان من حديث أبي بكرة وفيه: "إن كان أحدكم مادحًا لا محالة، فليقل: أحْسبُ كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، ولا يزكي على الله أحدًا] (٣). وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. ١ - قال ابن عباس: (الفتيل ما خرج من بين إصبعيك). يعني من الوسخ، إذا فتلت إحداهما بالأخرى. ٢ - وقال عطاء: (الفتِيل، الذي في بطن النواة). وقال مجاهد: (الفتيل، في النّوى). ٣ - وقال الضحاك: (الفتيل، شق النواة). وكلها معان محتملة، مفادها أن الله يزكي من يشاء من خلقه فيوفقه، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه، ولا يظلم أحد عنده مقدار الفتيل. وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ يعني الذين يزكون أنفسهم من أهل

стр. 954

الكتاب ويقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وأنه لا ذنوب لهم، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، إلى غير ذلك من الزور والكذب. وقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. قال ابن جرير: (يعني أنه يبين كذبهم لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أَفَكَةٌ فجرة). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. أخرج الإِمام أحمد وابن حبان بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم، قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أنتم خير منه، قال: فأنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾] (١). وفي قوله: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أقوال: ١ - قال عكرمة: (الجبت والطاغوت صنمان). ٢ - قال ابن عباس: (الجبت: الأصنام، والطاغوت: الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبّرون عنها الكذب ليضلوا الناس). ٣ - قال مجاهد: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان). وقال: (والطاغوت: الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم). ٤ - قال سعيد بن جبير: (الجبت: الساحر، بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن). والجمع بين هذه الأقوال: الجبت والطاغوت اسمان لكل معظَّم بعبادة من دون

стр. 955

الله، فيدخل في ذلك الحجر والإنسان والكاهن والساحر والشيطان، ومن دعا إلى عبادة نفسه، ومن عُبد وهو راض، وكل منهج يخالف شريعة الله ومنهجه الذي ارتضى لعباده. وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾. يعني: أخزاهم وأبعدهم من رحمته بسبب إيمانهم بالجبت والطاغوت وكفرهم بالله ورسوله. ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. يعني: من يخزه الله ويطرده من رحمته فلا ناصر له ولا منقذ. ٥٣ - ٥٥. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾. في هذه الآيات: ذمُّ القوم من أهل الكتاب الموصوفين بالبخل، والحاسدين لمحمد ﷺ وأصحابه على النبوة والصحبة، وقد كانت النبوة فيهم من قبل والملك، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وكفى بجهنم سعيرًا. قال ابن كثير: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾؟ وهذا استفهام إنكاري، أي ليس لهم نصيب من الملك. ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾: أي لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدًا من الناس ولا سيما محمدًا ﷺ شيئًا، ولا ما يملأ النقير). قال ابن عباس: (﴿نَقِيرًا﴾ يقول: النقطة التي في ظهر النواة). وقال مجاهد: (النقير، حبَّة النواة التي في وسطها). والخلاصة: لقد وَصف الله هؤلاء القوم من أهل الكتاب بالبخل بالشيء اليسير الدنيء، حتى لو كانوا أهل سعة وقدرة. كما قال سبحانه في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. والقتور: البخيل.

стр. 956

وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. المعنى: توبيخ من الله لهؤلاء اليهود على حسدهم محمدًا وأصحابه، على اختياره الله سبحانه للنبوة، واختيار الأصحاب للجندية والمتابعة. قال مجاهد: ﴿النَّاسَ﴾ محمدًا ﷺ ). وقال قتادة: (أولئك اليهود، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله). وقال ابن عباس: (نحن الناس دون الناس). وقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. يعني جعلنا النبوة في ذرية إبراهيم، وأنزلنا عليهم الكتاب والسنن وجعلنا منهم الملوك. وقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. يعني بما اصطفينا للنبوة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: كفرَ وأعرض عنه قال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾: بما أنزل على محمد من يهود، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾). وقوله: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. أي: كفى بالنار لهيبًا وعقوبة وألمًا لمن كان من أهلها. ٥٦ - ٥٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾. في هذه الآيات: آية هي من أشد آيات القرآن هولًا ورهبة ووعيدًا، يخبر بها سبحانه عن حال مقيت لأهل النار، وعن مصير فاجع مؤلم رهيب. وآية تقابل الأولى تَنْعَتُ الحال الهنيء لأهل الإيمان والعمل الصالح، في روضات الجنات حيث الظل الظليل وجريان الأنهار والزوجات المطهرة ذات الجمال. فقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ - أي: ندخلهم فيها لتذوق أجسامهم لهيبها.

стр. 957

وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. يروي ابن جرير بسنده عن ابن عمر قال: (إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلودًا بيضًا أمثال القراطيس). وقال قتادة: (كلما احترقت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها). أي: هم في عذاب دائم يشبه ديمومة كفرهم في الأرض ومكرهم المتتابع بالرسل والمؤمنين. وقوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. أي: ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته، مقابلة لما كانوا يستكبرون ويبغون في الأرض بغير الحق. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. أي: ﴿عَزِيزًا﴾ في انتقامه ممن عانده، ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيره وقضائه. وقد جاءت السنة الصحيحة بوصف بعض ألوان العذاب للكفار ونعت بعض صفاتهم آنذاك: الحديث الأول: أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [ما بين منكبي الكافر في النار مسيرةُ ثلاثة أيام للراكب المسرع]. وفي رواية: [ضِرسُ الكافر مثل أحد، وغِلظ جلده مسيرة ثلاث] (١). الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : [إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضِرْسَهُ مثل أحد، وإن مَجْلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإِمام مسلم عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: [منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِه، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرْقُوَتِه] (٣).

стр. 958

الحديث الرابع: أخرج الحاكم في المستدرك بسند حسن عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل النار ليبكون، حتى لو أُجريت السفن في دموعهم جَرَتْ، وإنهم ليبكون الدم] (١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. هذه هي الصورة المقابلة للصورة الأولى. فجنات الخلود والنعيم والسعادة والاستقرار، وهي تجري من تحتها الأنهار، من ثواب العاملين المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. قال ابن عباس: (مطهرة من الأقذار والأذى). وقال مجاهد: (مطهرةٌ من البول والحيض والنُّخام والبزاق والمني والولد). وقال قتادة: (مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كَلَف). والمقصود أن الله سبحانه هيأ للمؤمنين في الجنة أزواجًا جمعن من الحسن والجمال والأدب والطهارة والفتنة والبهاء أعلى درجاته. وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. أي: ظلًّا كنينًا عميقًا ممدودًا. قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لشجرةً يسير الراكبُ الجوادَ المضمَّرَ السريع في ظلها مئة عام ما يقطعها] (٢). زاد ابن جرير في رواية عنده: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾). ٥٨. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾. في هذه الآية: أَمْرٌ من الله سبحانه بأداء الأمانات إلى أهلها، وإقامة العدل عند الحكم بين الناس، فنعم الأمر هو من المنعم الكبير السميع البصير.

стр. 959

أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء] (١). وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: [أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك] (٢). قال أبو العالية: (الأمانة ما أمروا به ونُهوا عنه). وقال أبيّ بن كعب: (من الأمانات أن المرأة اؤْتُمِنَتْ على فَرْجها). وقال ابن عباس: (يدخل فيه وَعْظُ السلطان النساء، يعني يوم العيد). وقال الربيع بن أنس: (هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس). وفي الصحيح: [وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا]. وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. هذا أمر للولاة بإقامة العدل في الحكم بين الناس، ويدخل في ذلك كل من وُكل إليه أمر الفصل بين الناس في شؤونهم المختلفة، وأمر القضاء. أخرج الإِمام أحمد بسند حسن عن معقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى مع القاضي ما لم يَحِفْ عمْدًا] (٣). ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبي أوفى بلفظ: [إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجرْ، فإذا جارَ تبرّأَ منه، وألزمه الشيطان]. ورواه ابن حبان عنه بلفظ: [إن الله مع القاضي ما لم يَجُرْ عمدًا، فإذا جار وكلهُ إلى نفسه]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. أي: نعم ما يعظكم الله به من أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، فهو سبحانه لم يزل سميعًا بما تقولون وتنطقون، بصيرًا بما تعملون وتفعلون فيما وكل إليكم حفظه من الأمانة أو الرعية.

стр. 960

أخرج أبو داود وابن خزيمة في الصفات بسند على شرط مسلم، عن المقري، حدثنا حرملة، حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: [هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه] (١). ٥٩. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾. في هذه الآية: أمْرُ الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأمراء الحق والعلماء من بعدهم، وَبِرَدِّ الأَمْرِ عند الخلاف إلى الأصلين العظيمين: الكتاب والسنة، ذلك هو السبيل القويم لمن آمن بالله واليوم الآخر. أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄: [﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عَدِيّ إذ بعثه رسول الله ﷺ في سَرِية] (٢). وعن عطاء: (﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، قال: طاعة الرسول، اتباعُ سنته). أو قال: (طاعة الرسول، اتباع الكتاب والسنة). وقد ورد أكثر من قول في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: ١ - قال أبو هريرة: (هم الأمراء) - ذكره ابن جرير. ٢ - وقال مجاهد: (أولي الفقه منكم). أو قال: (أولي الفقه والعلم). ٣ - وقال ابن أبي نجيح: (أولي الفقه في الدين والعقل). ٤ - وقال ابن عباس: (يعني: أهل الفقه والدين).

стр. 961

٥ - قال مجاهد: (أهل العلم). وقال عطاء: (الفقهاء والعلماء). ٦ - وقال مجاهد في رواية: (أصحاب محمد). وقال عكرمة: (أبو بكر وعمر). واختار ابن جرير أنهم الأمراء والولاة. وقال الحافظ ابن كثير: (والظاهر -والله أعلم- أن الآية عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء). قلت: ولا شك أن الأمراء المسلمين من الخلفاء والحكام ومن قام بالأمر منهم على منهاج الكتاب والسيرة النبوية يجب طاعتهم، فإن غابوا أو غاب الحكم بالإِسلام فالواجب طاعة العلماء الربانيين الذين هم يقتفون أثر المنهج النبوي لإعادة بناء جماعة المسلمين واستئناف الخلافة في الأرض والشوكة. وفي ذلك أحاديث: الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "السمعُ والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكَرِه، ما لم يؤمَرْ بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولا طاعة] (١). الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: [اسمعوا وأطيعوا، وإن أُمِّرَ عليكم عبدٌ حَبَشيٌ كأن رأسه زبيبة] (٢). الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن عُبادة بن الصامت قال: [بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في مَنْشَطِنا ومكرهنا، وعُسْرنا ويُسْرِنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا نُنازعَ الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كُفرًا بَواحًا عندكم فيه من الله برهان] (٣). الحديث الرابع: أخرج الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: [أوصاني خليلي أن أسمع وأُطيعَ، وإن كان عبدًا حبشيًا مُجَدَّعَ الأطراف] (٤). الحديث الخامس: أخرج البخاري ومسلم، وأحمد واللفظ له، عن علي قال: [بعث رسول الله ﷺ سَرِيَّةً، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، فلما خرجوا وَجَدَ عليهم في شيء، فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطبًا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخُلُنَّها.

стр. 962

قال: فَهَمَّ القوم أن يدخلوها. قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تَعْجَلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم: لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعةُ في المعروف] (١). الحديث السادس: أخرج البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: [كانت بنو إسرائيل تَسُوسُهم الأنبياء، كلَّما هلك نبي خلفَهُ نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم] (٢). الحديث السابع: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : [من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية] (٣). وله شاهد في صحيح مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: [من خلعَ يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حُجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية]. وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال مجاهد: (أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله). فهذا منهاج المؤمنين عند التنازع، التجرد من حظوظ النفس والشبهات، والنزول عند حكم الله ورسوله في أصول الدين وفروعه، ولا حياة للأمة ولا قوة ولا شوكة إلا بهذا المنهج العظيم، فهو الذي يوحد القلوب والنفوس ويحيي مجد هذه الأمة من جديد، وغيابه شر عظيم يمزق الأمة ويفرق قلوب أبنائها ويُسلط عليها أعداءها. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. في هذه الآية تشكيك بإيمان من لا يرضى بالتحاكم لله وسنة رسوله وسيرته العطرة عند التنازع، يشكك الله بها بإيمانه به وبلقائه في الدار الآخرة.

стр. 963

وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. أي: التحاكم إلى المنهاج الأحكم والأمثل: كتاب الله وسنة نبيه. وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال مجاهد: (أحسن جزاءً). وقال قتادة: (أحسن ثوابًا وخيرٌ عاقبة). وقال ابن زيد: (وأحسن عاقبة. والتأويل: التصديق). ٦٠ - ٦٣. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله بالكفر بمناهج الطاغوت واقتراحات الشياطين، وتحكيم شرع الله الحكيم، وفضح لسبل المنافقين والمُبْطلين والمعاندين، وكَشْفٌ لِما في قلوبهم من الزيغ والهوى وما في ألسنتهم من الافتراء والكذب والحلف الباطل. يروي الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، عن عكرمة عن ابن عباس قال: [كان أبو بَرْزَةَ الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ -إلى قوله- ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾] (١). ثم إن الآية عامة في كل من عدل عن الكتاب والسنة ورضي التحاكم إلى منهج من مناهج أهل الدنيا، وهو المراد بالطاغوت في تعريفه العام: كل منهج يخالف منهج الله

стр. 964

ورسوله، فيدخل بذلك الشيطان ومناهج الكهنة والسحرة وأهل المناهج الوضعية الأرضية. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. أي: يمتنعون من المجيء إليك لتحكم بينهم، كما يمنعون من المصير إليك غيرهم، فيعرضون عنك كبرًا وعُلوًا. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. أي: كيف بهم يا محمد إذا نزلت بهم نقمة من الله أو مصيبة بما اكتسبوه من ذنوبهم ثم جاؤوك يعتذرون ويحلفون كذبًا وزورًا، أنهم ما ذهبوا ليتحاكموا إلى غيرك إلا مداراة ومصانعة، فإن قلوبهم معك ومع التحاكم إليك. فقال سبحانه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. أي: من الكذب وإرادة التحاكم إلى الطاغوت لأنه يناسب أهواءهم وشهواتهم ومنهاج حياتهم الفاسد. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾. قال ابن جرير: (يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأسَ الله أن يحلّ بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذِّرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، يقول: مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده). ٦٤ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى أن الرسل طاعتهم مرهونة بإذنه سبحانه، فلا أحد يستطيع في هذه الدنيا أن يحدث طاعة لله إلا بإذن الله ومشيئته وتوفيقه، ثم يخبر عن حال العصاة المذنبين زمن النبوة أنهم لو تواضعوا حينئذ وجاؤوك -يا محمد- لتستغفر لهم الله، لوجدوا الله توابًا غفورًا رحيمًا يحب التوبة والاستغفار والندم من المذنبين،

стр. 965

تم يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع أموره، ثم ينقاد للحق الذي يحكم به ويستسلم لذلك دون حرج أو مدافعة. قال مجاهد: (﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله). وهذا توبيخ من الله للمنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل الله إلى رسوله ﷺ . فإن من هداه الله ونوّر قلبه وفقه لطاعة رسله، وإلا تركه متخبطًا تائهًا في ظلمات الهوى. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. إرشاد من الله للعصاة المذنبين أن يأتوا إلى الرسول ﷺ ، فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، إذن لوجدوا مغفرة الله ورحمته قريبة منهم. قلت: وهذه الآية خاصة في حياة النبي ﷺ ، أما وقد غاب عنا ومات فلا يلجأ العبد عند استغفاره إلا إلى الله العزيز الغفار. ففي صحيح مسلم عن الأغَرِّ بن يسار المُزَني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مئة مرة] (١). وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: [إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مُسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها] (٢). وفيه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : [من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه] (٣). قال القرطبي: (هذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يُفهم منه قبول التوبة واستدامة اللطف والرحمة، وهو تنزل عن مقتضى الغني القوي القاهر إلى مقتضى اللطليف الرؤوف الغافر).

стр. 966

وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. أي: حتى يجعلوك حكمًا بينهم فيما تشابه واختلط عليهم والتبس حكمه. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. قال مجاهد: (شكًّا). وقال الضحاك: (إثمًا). وقوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال الضحاك: (ويُسلّموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهما بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا). أخرج البخاري ومسلم عن عروة قال: [خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شريج (١) من الحَرَّة، فقال النبي ﷺ : اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقال الأنصاري: يا رسول الله، أَنْ كان ابن عمتك؟ فتلوّنَ وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجعَ إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك. واستوعى النبي ﷺ للزبير حَقَّهُ في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سَعَة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ... الآية] (٢). ورواه ابن ماجه بسند صحيح عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير حدثه: [أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبيرَ عند رسول الله ﷺ في شِراج الحَرَّةِ التي يسقون بها النخل. فقال الأنصاري: سرِّح الماء يمر. فأبى عليه. فاختصما عند رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : اسْقِ يا زُبَيْر. ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله, أَنْ كان ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: يا زُبيرُ، اسْقِ، ثم احبسِ الماء حتى يرجع إلى الجَدْر. قال، فقال الزبير: والله، إني لأحْسِبُ هذه الآية نزلت في ذلك. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾] (٣).

стр. 967

٦٦ - ٧٠. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾. في هذه الآيات: يخبر تعالى عن قلوب هؤلاء المتحاكمين للطاغوت وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، فلو أمروا بقتل أنفسهم أو الخروج من ديارهم طاعة لله ما فعلوا ذلك ولا هاجروا, ولو امتثلوا أمر الله لهم لكان لهم عنده ذخرًا وأجرًا ونورًا، فإن من يطع الله والرسول يجعله الله مع مَنْ أنعم عليهم من خير خلقه: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهؤلاء خير الرفقاء، وهذا فضل كبير من الله الكريم العلم. قال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم). وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. قال السدي: (تصديقًا). أي: لو أنهم امتثلوا ما يُذكرونَ به من طاعة الله وتعظيم أمره لكان خيرًا لهم في عاجل دنياهم وآجل معادهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾. يعني: جزاء وثوابًا كبيرًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. أي: طريقًا لا اعوجاج فيه يسهل فيه الثبات، فهداية الله تحمل الثبات، والصراط المستقيم هو دين الله القويم. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. أخرج الطبراني في "الصغير" بسند جيد، عن عائشة قالت: [جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحَبَّ إلي من نفسي، وإنك لأحب إلى من أهلي

стр. 968

ومالي، وأحب إلى من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فانظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئا حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾] (١). وقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. يعني في الجنة. فإن مرافقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ممّا أعظيم يوم القيامة. أخرج البخاري عن عائشة قالت: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: [ما من نبي يمرَضُ إلا خُيِّرَ بين الدنيا والآخرة. وكان في شكواه الذي قبض فيه فأخذته بُحَّةٌ شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُيِّرَ] (٢). ثم قال ﵊ وهو مسند ظهره إلى عائشة: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى. كرّرها ثلاثًا ثم مالت يده. فكذلك أخرج البخاري عنها -في قصة وفاته ﵊ قالت: [فجعل يُدخل يديه في الماء فيمسَحُ بهما وجهه يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سَكَرات. ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى. حتى قُبِضَ ومالت يَدُه] (٣). وفي رواية: [أنها سمعت النبي ﷺ ، وأصغَتْ إليه قبل أن يموتَ، وهو مسندٌ إليَّ ظهره يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى". قالت عائشة: [فكانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى]. والرفيق: اسم جنس يشمل الواحد والجماعة. أي: أدخلني في جملة الرفقاء الذين

стр. 969

خصصتهم بالمكانة الرفيعة في أعلى الجنان. وهم المذكورون في آية النساء السابقة. وفي صحيح مسلم عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: [كنتُ أبيتُ عند النبي ﷺ فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: سل، فقلت: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود] (١). وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : [إن أهلَ الجنة ليتراءَوْنَ أهل الغُرَف من فوقهم، كما تراءَونَ الكوكب الدُّرِيَّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين] (٢). وفي صحيح البخاري عن أنس: [أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، متى الساعةُ قائمة؟ قال: وَيْلَكَ، وما أعْدَدْتَ لها؟ قال: ما أعددتُ لها إلا أني أُحِبُّ الله ورسوله، قال: إنك مع من أحْبَبْت، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرِحْنا يومئذٍ فرَحًا شديدًا] (٣). وفي رواية: [المرء مع من أحب]. قال أنس: (فما فرح المسلمون فَرَحهم بهذا الحديث). في رواية أخرى قال أنس: (إني لأحبُّ رسول الله ﷺ ، وأحبُّ أبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن يبعثني الله معهم وإن لم أعمل كعملهم). وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. يعني ذلك عطاء الله المؤمنين وفضله عليهم. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. أي: بطاعة المطيع منهم، ومعصية العاصي، ومن يستحق صحبة الذين أنعم الله عليهم من الرفيق الأعلى.

стр. 970

٧١ - ٧٤. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَال قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله تعالى عباده المؤمنين بالتأهب للعدو وأخذ الحذر واستكمال العدة لِقتالِهِ والحثّ على ملاقاته جماعة جماعة وفرقة بعد فرقة وسرية بعد سرية لإنهاكه وتحقيق كسره. ثُمَّ تحْذيرٌ من سبيل المنافقين وأساليب مكرهم وخداعهم، وحث على الصدق في التجارة مع الله سبحانه وشراء الحياة الدنيا بالآخرة، وتذكيرٌ بأجر القتال في سبيل الله في الدنيا والآخرة. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾. وكقوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]. قال القرطبي: (هذا وصاة بالحذر لئلا ينال العدو أمله، ويدرك فرصته). وفي معجم الطبراني بسند صحيح من حديث معاذ، عن النبي ﷺ قال: [استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود] (١). فالآية أمر من الله بأخذ العدة والسلاح الذي ينفع في مواجهة العدو وغزوه وحربه. وقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾. قال ابن عباس: (يقول: عصبًا، يعني سرايا متفرقين). وقال مجاهد: (فرقًا، قليلًا قليلًا). وقال قتادة: (الثبات: الفرق). والثبات: جمع ثُبَة، وقد تجمع على ثُبينَ. والمقصود انفروا جماعة بعد جماعة وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، بما يحصل فيه كسر العدو وقهره.

стр. 971

وقوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. قال ابن عباس: (كلكم). وقال السدي: (مع النبي ﷺ ). وكل ذلك يرجع إلى قرار الإِمام والقائد. قال القرطبي: (ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإِمام ليكون متجسسًا لهم، عَضُدًا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى دَرْئه). وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. قال قتادة: (عن الجهاد والغزو في سبيل الله). وقال ابن جُريج: (المنافق يُبَطِّئُ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله). وكلاهما صحيح. وقوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَال قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. فقوله: ﴿مُصِيبَةٌ﴾. قال ابن زيد: (هزيمة). وقال ابن جريج: (بقتل العدو من المسلمين). فينطق يقول الشامت الكاذب: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. ولم يدر هذا المنافق كم فاته من أجر الشهادة والصبر على القتال وحضور المعركة. وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾. أي نصر وظفر وغنيمة. قال ابن جريج: (ظهور المسلمين على عدوهم فأصابوا الغنيمة). وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. قال القرطبي: (أي: كأن لم يعاقدكم على الجهاد). وقال ابن كثير: (أي: كأنه ليس من أهل دينكم). وقال القاسمي: (أي: صلة في الدين، ومعرفة بالصحبة). والكلام فيه تقديم وتأخير. فالمنافقون كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، ويبغون لهم الغوائل في الباطن، فقولهم هذا: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ -أي: أصيب غنائم كثيرة، وحظًا وافرًا- هو قول من لم تتقدم له معكم موادّة، بل هو قول الحاسد. قال قتادة وابن جريج: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ حسدًا منهم لهم). ثم حثّ سبحانه المؤمنين على الجهاد -بعد ذم المبطئين المنافقين- فقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعونها بها. فهناك تأويلان: ١ - قال السدي: (يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة). وقال ابن زيد: ﴿يشري﴾: يبيع، ﴿يشري﴾: يأخذ، وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا). فالمعنى هنا: ليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أعداءَ الله.

стр. 972

٢ - قيل: بل عني بالاسم الموصول ﴿الذين﴾ المنافقين المبطئين. قال القاسمي: (أي الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، فيكون وعظًا لهم بأن يبدلوا التثبيط بالجهاد). وقال ابن كثير: (﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعَرض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم). وكلا المعنيين يحتملهما البيان الإلهي، والسياق القرآني. وقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [تضمّن الله لمن خرج في سبيله لا يُخرجُه إلا جهادٌ في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجِعَهُ إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة] (١). وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [مثلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلمُ بمن يجاهدُ في سبيله- كمثل الصائم القائم، وتوكَّلَ الله للمجاهد في سبيله بأنْ يتوفّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجنة أو يَرْجِعَهُ سالمًا مع أجْرٍ أو غنيمة] (٢). وأما حديث عبد الله بن عمرو -رواه مسلم-: [ما من غازية تَغْزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم] (٣). فلا تعارض مع الحديث قبله، فالحديث الأول محمول على مجرّد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة، وإما ردّه إلى أهله مأجورًا غانمًا، ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فلما انقسمت نيّته انحط أجره. ذكره القرطبي.

стр. 973

٧٥ - ٧٦. قوله تعالى. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾. في هذه الآيات: يحث تعالى أهل الصدق والإيمان على الجهاد لكسر شوكة الكافرين، واستنقاذ المستضعفين بمكة، -ثم الآية عامة في كل وضع مشابه إلى قيام الساعة- من الرجال والنساء والولدان الذين يقاسون تحت حكم الكفر. فالمؤمنون يقاتلون في سبيل الله العظيم، والكافرون يقاتلون في سبيل الشيطان الرجيم المهين. قال مجاهد: (أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين، كانوا بمكة). وقال ابن عباس: (هم أناس كانوا بمكة، لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا، فعذرهم الله، فهم أولئك). وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (كنت أنا وأمي من المستضعفين) (١). وفيه عن ابن مُلَيْكة أن ابن عباس تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: (كنت أنا وأمي ممن عذر الله . قال ابن زيد: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، قال: وما لكم لا تفعلون؟ تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة، فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم الله هؤلاء ودينهم؟ قال: و ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، مكة). وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. أي: هم يسألون الله سبحانه أن سخّر لنا من عندك وليًّا وناصرًا لنخرج مما نحن فيه من الفتنة في الدين. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: في سبيل إعلاء كلمته وإقامة منهاج

стр. 974

دينه وشريعه. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ -أي: في سبيل طاعة الشيطان وحزبه وفي سبيل نشر منهاجه وطريقه. وقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. أمْرٌ من الله للمؤمنين بقتال أعدائه الذين يتولون الشيطان وحزبه، ويريدون أن يحكموا في الأرض بمنهاجه، وتهوين لكيد الشيطان وأوليائه، فإنه ضعيف مهزومٌ لا يثبت أمام الصدق مع الله والصدق في الجهاد. ٧٧ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَال إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَال لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾. في هذه الآيات: لقد كان الأمر في بدء الإِسلام بتمكين إقامة الدين والمجاهدة بالقرآن الكريم، فأُمر المسلمون بمكة بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة -دون نصاب معلوم قد عرف بعد- بمواساة الفقراء والمحتاجين والأرحام، وكان كثير من الصحابة يتمنون لو أُمروا بالقتال ليشفوا صدورهم من جَلّاديهم ومن الطغاة المجرمين الذين كانوا يعيثون في البلاد فسادًا -وهي البلاد أشرف بقاع الأرض وفيها بيت الله الحرام- فلما حوّلهم الله إلى المدينة وصارت للمسلمين دولة وشوكة ونزل الأمر بالقتال خاف بعضهم من سفك الدماء ويتم الأولاد وتأيم النساء ومتاع الحياة الدنيا، فنزلت هذه الآية تقرعهم. إن الموت الذي تفرون منه قادم ولو تحصّنتم في قصور مشيدة، والنصر والهزيمة من عند الله، وإنما ينصر المسلمون لإخلاصهم لربهم، ويهزمون بمعصيتهم وتخاذلهم عن الحق والصبر. أخرج النسائي والحاكم والبيهقي بسند صحيح عن عكرمة عن ابن عباس: [أن عبد

стр. 975

الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عزة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا، فلما حولنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال فكفوا، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ... ﴾ الآية] (١). وقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت. قال ابن جريج: (قال: إلى أن نموت موتًا، و"الأجل القريب"). وقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. قل يا محمد لهؤلاء: إن عيشكم في الدنيا وتمتعكم بها قليل لأنها فانية وما فيها فان، وإن نعيم الآخرة هو النعيم الباقي لمن أقام الدين وجاهد في سبيل الله. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: أي لا ينقصكم الله من أجوركم مقدار فتيل -وهو ما يكون في شق النواة. وقرأ الحسن: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ فقال: (رحم الله عبدًا صَحِبها على حَسب ذلك، وما الدنيا كلُّها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومةً، فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه) - ذكره ابن كثير بسَنده عند ابن أبي حاتم. وقال ابن معين: كان أبو مُسْهر ينشد: ولا خيرَ في الدنيا لمن لم يكنْ له ... من الله في دار المقام نصيب فإن تعجِب الدنيا رجالًا فإنها ... متاعٌ قليل والزّوال قريب وقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. قال قتادة: (في قصور محصنة). وقال ابن جريج: (قصور مشيدة). وقال السدي: (وهي قصور بيض في سماء الدنيا، مبنية). وقال الربيع: (ولو كنتم في قصور في السماء). والمقصود أن الموت قادم إلى العبد لا محالة ولو تحصن في أعلى أبراج الدنيا وقصورها. وفي التنزيل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾.

стр. 976

وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال ابن جرير: "وإن ينلهم رخاء وظفر وفتح ويصيبوا غنيمة "يقولوا هذه من عند الله"، يعني: من قبل الله ومن تقديره، "وإن تصبهم سيئة"، يقول: وإن تنلهم شدة من عيش وهزيمة من عدو وجراح وألم، يقولوا لك يا محمد: "هذه من عندك"، بخطئك التدبير). وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: (يقول: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها). وقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. أي لا يكادون يعلمون حقيقة ما يجري حولهم في شأن الحسنات والسيئات، وقسمة الله ذلك بين عباده كالأرزاق، فمن ﵁ وفقه لفعل الحسنات، ومن سخط على منهجه ذلل له فعل السيئات، والله وحده أعلم بالشاكرين. وقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. المعنى: الحسنة فضل من الله ييسّرها للعبد ليرفعه عنده سبحانه، والسيئة عقاب من الله لتقصير في حياة العبد يبتعد العبد بها عن ربه. قال ابن جريج: (﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، قال: عقوبةً بذنبك). أخرج الإِمام مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: [ما يصيب المسلمَ من نصب ولا وصب ولا همٍّ ولا حَزَنٍ ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يُشاكُها إلا كفّر الله بها من خطاياه] (١). والنصب: التعب، والوصب: المرض. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن البراء، عن النبي ﷺ قال: [ما اختلج عِرْقٌ ولا عينٌ إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر] (٢).

стр. 977

وفي التنزيل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. المعنى: وإنما جعلناك يا محمد رسولًا إلى الخلق كافة، تبلغهم رسالة ربك فيما أوحى إليك، وقد أيّدك الله بحجة الوحي وبإثباتات النبوة، فما عليك إلا البلاغ، ثم الله شهيد على أعمال عباده ومطلع على قلوبهم، وهو جامعهم بين يديه يوم يقوم الناس لرب العالمين. ٨٠ - ٨١. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾. في هذه الآيات: طاعة رسول الله ﷺ واجبة لأنها من طاعة الله، ولا عذر لأحد عند الله في التنكر لمنهاج نبيه وسنته وسيرته، فهو رسوله الذي دعا إلى دينه الذي ارتضى، والله محيط بما يبيِّت المنافقون والكافرون من المكر بدينه ورسوله، فتوكل عليه يا محمد، وكفى بالله وكيلًا. أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: [من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني] (١). وقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. قال ابن زيد: (هذا أول ما بعثه، قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]. قال: ثم جاء بعد هذا بأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا). والمقصود أن من أطاعه فقد نجا، ومن عصاه فقد خاب وخسر، فلا عليك منه يا محمد. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [كل أمتي يدخلون الجنة إلا

стр. 978

من أبى، قيل: ومن يأبى؟ قال: من أَطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى] (١). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ خبر عن المنافقين يظهرون الموافقة ويقولون لنبي الله ﷺ أمرك طاعة، وهم الذين ذُكر أنهم يخشون الناس من الجهاد كخشية الله أو أشد خشية. وقوله: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾. أي: إذا خرجوا من لقائك غيّر جماعة منهم ليلًا الذي تقول لهم. قال قتادة: (يغيّرون ما عهد نبي الله ﷺ ). وقال ابْن عباس: (غَيَّرَ أولئك ما قال النبي ﷺ ). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، أي: ما يقولون ويغيرون. قال الضحاك: (هم أهل النفاق). وقال ابن جرير: (والله يكتب ما يغيرون من قولك ليلًا في كُتب أعمالهم التي تكتبها حفظتُه). وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. إرشاد من الله لنبيه ﷺ بالصفح عنهم وعدم مكاشفتهم، والاعتصام بالله سبحانه وكفى به منتقمًا منهم، ودافعًا عنك ووليًّا وناصرًا ومعينًا. ٨٢ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾. في هذه الآيات: يرشد تعالى هؤلاء ويأمرهم بِتَدَبُّرِ هذا الكتاب وتفهم معانيه، ويحذرهم مغبة الإعراض عنه، فإنه لو كان مفتعلًا لوجدوا فيه اضطرابًا كثيرًا. ثم يحذر سبحانه من الإشاعة الكاذبة وبث الأخبار بيّن المسلمين دون تثبت من مصادرها ونقلتها، وأنهم لو ردوها إلى عالميها لكان خيرًا لهم من بثها وخلخلة الصفوف بها، وتدخل الشيطان في محاولات الإفساد والتخريب لمجتمع المسلمين. فعن قتادة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

стр. 979

أي: قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف). وقال الضحاك: (﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾، النظر فيه). وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ... ﴾. أخرج الإِمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: [لما اعتزل رسول الله ﷺ نساءه قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله نساءه، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب. قال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم -فذكر الحديث، وفيه بعد استئذانه على رسول الله ﷺ فقلت: أطلقتهنَّ يا رسول الله؟ قال: لا، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والناس ينكتون بالحصى يقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه، فأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، فذكر الحديث وفيه: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. قال: وكنت أنا استنبطت ذلك، وأنزل الله آية التخيير] (١). فالآية إنكار على من يبادر بنشر الأمور قبل التحقق منها، فإنه قد لا يكون لها أساس من الصحة. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: [كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع] (٢). قلت: والآيتان مترابطتان مع بعضهما في المنهج، فإن العلم بالواقع جزء من العلم بالدين، فكما أن فهم القرآن لا يكون إلا من عالم بتأويله وبتفسير رسول الله ﷺ له، وكذلك الواقع لا يؤخذ الخبر فيه إلا من أهل التثبت والدقة. وتفصيل ذلك: أ - في أمر الدين وفهم المتشابه من القرآن أخرج الإِمام أحمد بسند حسن عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده قال: [لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ عند باب من أبوابه، فَكَرِهْنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرَة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مُغْضَبًا

стр. 980

حتى احمرَّ وجهه يرميهم بالتراب ويقول: مهلًا يا قوم، بهذا أُهْلِكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكَذّبُ بعضه بعضًا، إنما نزل يُصَدِّقُ بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه] (١). وله شاهد عند ابن ماجه بسند حسن عنه قال: [خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يُفْقَأ في وجهه حَبُّ الرمّان من الغضب. قال: فقال لهم: ما لكم تَضْرِبُون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم. قال: فما غَبَطْتُ نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس، أني لم أشهده] (٢). وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: [هَجَّرْتُ إلى رسول الله ﷺ يومًا، فإنّا لجلوسٌ إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما فقال: إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب] (٣). ب- في أمر الواقع وفقهه أخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي ﷺ : [إن الله حَرَّم عليكم عقوق الأمهات، ووأدَ البنات، ومَنَعَ وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال] (٤). فقوله: "وكره لكم قيل وقال" يشمل إشاعة الأخبار بين الناس دون تثبت من صحتها، ودون الرجوع إلى مصادرها، وسؤال أهل العلم فيها وبمدلولاتها. وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. يعني بفضل الله ورحمته كان حفظ المؤمنين من اتباع سبيل المنافقين والشياطين. قال ابن زيد: (هذه الآية مقدَّمة ومؤخرة، إنما هي: أذاعوا به إلا قليلًا منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لم ينج قليل ولا كثير).

стр. 981

٨٤ - ٨٧. قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾. في هذه الآيات: أَمْرٌ مِنَ الله لرسوله ﷺ بمجاهدة المشركين أعداء الله وقتالهم، ثم لا عليك يا محمد بمن نكل عنك، وإنما عليك أن تحرض المؤمنين وتحثهم على قتال الكفار لعل الله أن يكف قتال من جحد وعاند، والله أشد نكاية في عدوه من هؤلاء الكفار في المؤمنين. ثم إن من يسعى في أمر فيترتب عليه خير يناله من ذلك نصيب، ومن يسعى في أمر يترتب منه شر يناله من ذلك الوزر والله حفيظ على كل ذلك. ثم مَن سلم عليكم فردوا عليه بمثل ما سلم أو أحسنوا والله حفيظ كذلك على كل ذلك. فهو إلإله المعبود وحده لا شريك له ليبعثنكم بعد مماتكم وليحشرنكم جميعًا إلى موقف الحساب فهو وعْدُه، ومن أصدق من الله حديثًا. أخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن أبي إسحاق قال: [قلت للبراء: الرجلُ يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التَّهلُكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسوله ﷺ وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إنما ذلك في النفقة] (١). وقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: وحضهم على قتال من أمرت بقتاله. وقد امتلأت السنة الصحيحة بكنوز في الحث على الجهاد والترغيب بأجره ومقامه. الحديث الأول: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى ألزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها. قالوا:

стр. 982

يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: إن في الجنة مئة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفجَّرُ أنهار الجنة] (١). الحديث الثاني: أخرج الإِمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: أيا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولا ونبيًّا، وجَبَتْ له الجنة. قال: فعَجِبَ لها أبو سعيد، فقال: أَعِدها عَليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله ﷺ : وأخرى يرفع الله العبد بها مئة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٢). الحديث الثالث: أخرج الإِمام مسلم عن أنس -في غزوة بدر حين دنا المشركون-: [فقال رسول الله ﷺ : قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض] (٣). الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [مَنْ راح روحةً في سبيل الله، كان له بمثل ما أصابه من الغبار مِسْكًا يوم القيامة] (٤). الحديث الخامس: يروي الطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: [عليكم بالجهاد في سبيل الله، فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم] (٥). وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن كثير: (أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هِمَمُهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حَوزَةِ الإِسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم).

стр. 983

وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. قال قتادة: (أي عقوبة). وقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. قال مجاهد: (شفاعة بعض الناس لبعض). وقال الحسن: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، كتب له أجرها ما جرت منفعتها). وقال السدي: (أما "الكفل" فالحَظّ). وقال الربيع: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ قال: حَظّ منها، فبئس الحظّ). وخلاصة المعنى: أنَّ من يسعى في أمر يترتب عليه نفع وخير كان له نصيب من ذلك، كما لو سعى في أمر ترتبت عليه مفسدة في حياة الناس كان له من ذلك الوزر. وفي الصحيحين والمسند من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: [اشفعوا تُؤْجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء] (١). وأصل الشفاعة والشّفعة من الشَّفع وهو الزوج من العدد، ومنه الشفيع؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شَفْعًا. والشفاعة تشمل البر والطاعة والدعاء وكل وجوه الخير. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء، قال رسول الله ﷺ : [منْ دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكَّلُ به: آمين، ولك بِمثل] (٢). وفي لفظ: [دعوة المرء المسلم لأخيه -بِظَهْرِ الغَيْبِ- مستجابة، عند رأسه ملك مُوَكَّلٌ، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكَّلُ به: آمين، ولك بمثل]. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. قال ابن عباس: (حفيظًا). وقال مجاهد: (شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا). وقال السدي: (قديرًا). وقال الضحاك: (المقيت الرزاق). وقال عبد الله بن كثير: (المُقيت: الواصب). أي القائم على الأمر أحسن القيام. قلت: وكلها معان يحتملها البيان الإلهي، وهي تزيد المعنى ثراء وتوضح آفاقه.

стр. 984

وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال ابن زيد: قال أبي: حق على كل مسلم حيِّي بتحية أن يحيِّيَ بأحسن منها، وإذا حيّاه غير أهل الإِسلام أن يردّ عليه مثل ما قال). وقال ابن كثير: (أي: إذا سَلّم عليكم المُسَلِّم فرُدوا عليه أفضل مما سلَّم، أو ردوا عليه بمثل ما سَلَّم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة). وقال الحسن البصري: (السلام تطوع، والردّ فريضة). أخرج الإِمام أحمد بسند صحيح عن عِمْران بن حُصَين: [أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، فرَدَّ عليه ثم جلس. فقال: عَشْرٌ. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرَدَّ عليه ثم جلس، فقال: عشرون. ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردَّ عليه، ثم جلس فقال: ثلاثون] (١). وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: [إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: وعليك] (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطرُّوهم إلى أضيقه] (٣). قلت: "السلام" اسم من أسماء الله تعالى وضعه بين المؤمنين في الأرض ليفشوه بينهم، فإذا فعلوا تحاببوا، وزادت المودة والأخوة بينهم. فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع في الأرض فأفشوا السلام بينكم] (٤). ورواه البيهقي من حديث ابن مسعود بلفظ: [السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم]. ورواه البزار وزاد: [فإن الرجلَ المسلمَ إذا مرَّ بقوم فسَلَّمَ عليهم

стр. 985

فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة، فإن لم يردوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم وأطيب] (١). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : [لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفشوا السلام بينكم] (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾. قال مجاهد: (حفيظًا). أي حتى يجازيكم بها جزاءه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. المعنى: هو الإله المعبود سبحانه الذي لا تنبغي الألوهية إلَّا له، ولا يليق التعظيم والكبرياء إلا به، ليبعثنكم من بعد مماتكم، ثم ليحشرنكم في مشهد الحساب، ثم يضع الميزان سبحانه ليزن أعمالكم، فيجازي كلًّا حسب عمله، قوله الصدق وخبره الحق وليس في الوجود أصدق من الله حديثًا وخبرًا، سبحانه وتعالى عما يشك المنافقون علوًا كبيرًا. ٨٨ - ٩١. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
следующие страницы →