Полный текст (214 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
تَجْهِيلِهِمْ بِاعْتِقَادِهِ (١).
وَالجُمْهُوْرُ يَقُوْلُونَ: مَنِ اعْتَقَدَ تَأْبِيدَهُ بِغَيرِ دَلِيلٍ كَانَ قَدْ فَرَّطَ، وَأُتِيَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ.
فَالَّذِينَ قَالُوْا: هَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ قَدْ أَرَادُوْا: أَنَّ قَوْلَهَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ بيَّنَ مَعْنَى قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، وَنَسَخَ مَا يُظَنُّ مِنْ أَنَّهَمْ لا يُقَاتَلُونَ إِلَّا حَالَ المُسَايَفَة، وَهَذَا مَعْنَى صَحِيحٌ لا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلٌ مَنْ قَالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ مَنْسُوخٌ.
فَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الاعْتِدَاءَ هُوَ الظُّلْمُ (٢)، وَاللهُ لا يُبِيحُ الظُّلْمَ стр. 107
قَطٌّ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالنَّسْخِ بَيَانُ الاعْتِدَاءِ المُحَرَّم، كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 108
[بَيَانُ مَعْنَى الاعْتِدَاءِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ]
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ فِي الاعْتِدَاءِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ (١):
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ (٢)، وَمُجَاهِدٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: لا تُقَاتِلُوْا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْكُمْ، قَالَهُ سَعِيدُ بن جُبَيرٍ، وَأَبُو العَالِيَةَ، وَابْنُ زَيدٍ.
والثَّالِثُ: أَنَّهُ إِتْيَانُ مَا نُهُوْا عَنْهُ، قَالَهُ الحَسَنُ.
والرَّابِعُ: أَنَّهُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الثَّانِي وَالرَّابِعَ مَنْسُوْخٌ بآيَةِ السَّيفِ.
فَيُقَالُ: كَثِيرًا مَا يَقُوْلُ بَعْضُ [المُفَسِّرِينَ]: "آيَةُ السَّيفِ"، وَآيَةُ стр. 109
السَّيفِ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ آَيَةٍ فِيهَا الأَمْرُ بِالجِهَادِ، فَهَذِهِ الآَيَةُ سَيفٌ، وَكَذَلِكَ غَيرُهَا، فَأَين النَّاسِخُ (١)؟ .
وَإِنْ أُرِيدَ بِآيَةِ السَّيفِ قَوْلُهُ فِي بَرَاءَة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
فَتِلْكَ لا تُنَاقِضُ هَذِهِ فَإِنَّ ذَاكَ مُطْلَقٌ - وَالمُشْرِكُ لَهُ حَالٌ لا يَجُوْزُ стр. 110
قِتَالُهُ فِيهَا، مِثْلُ:
* أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أَمَانٌ، أَوْ عَهْدٌ (١).
* كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ (٢)، - стр. 111
وَهَذِهِ الآَيَةُ خَاصَّةٌ مُقَيَّدَةٌ، وَتِلْكَ مُطْلَقَةٌ، لَمْ يُصَرَّحْ فِيهَا بِقَتْلِهِ. وإِنْ كَانَ شَيخًا كَبِيرًا فَانِيًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ مَكْفُوفًا لا يُقَاتِلْ بِيَدٍ وَلَا لِسَانٍ، مِثْل دُرَيدِ ابنِ الصُّمَّة، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ قَتَلُوْهُ؛ لِكَوْنِهِ ذَا رَأْيٍ.
وَكَذَلِكَ المَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ رَأْيٍ تُقَاتَلْ، كَمَا أَهْدَرَ النَّبِيُّ ﷺ دَمَ هِنْدٍ وَغَيرِهِمَا مِمَّن كَانَ يُقَاتِلُ بِلِسَانِهِ.
فَمَنْ قَاتَلَ بِيَدٍ أَوْ لِسَانٍ، قُوْتِلَ (١). стр. 112
[الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
وَأَيضًا: فَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مرَّ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ. فَقَالَ: "مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ" (١).
فَعُلِمَ أَنَّ العِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِهَا: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُقَاتِلُ، لا كَوْنَها مَالًا стр. 113
لِلمُسْلِمِين (١).
وَأَيضًا: فَفِي السُّنَنِ عَنِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "انْطَلِقُوْا بِاسْمِ الله، وِبِالله، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُوْلِ الله، وِلَا تَقْتُلُوْا شَيخًا فَانِيًا، وَلا طِفْلًا، وَلَا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً وَلَا تغَلُّوْا، وَضُمُّوْا غَنَائِمَكُمْ، وَأصْلِحُوْا، وَأحْسِنُوْا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ" (٢) رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ. стр. 114
[الدَّلِيلُ الثَّالِثُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
وَأَيضًا: فَقَوْلُهُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ وَهَذَا نَصٌّ عَامٌّ، أَنَّا لا نُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى الدِّين، فَلَوْ كَانَ الكَّافِرُ يُقْتَل حَتَّى يُسْلِمَ لَكَانَ هَذَا أَعْظَم الإِكْرَاهِ عَلَى الدَّيْنِ (١).
وَإِذَا قِيلَ: المُرَادُ بِهَا أَهْلُ العَهْدِ. стр. 115
قِيلَ: الآَيَةُ عَامَّةٌ (١)، وَأَهْلُ العَهْدِ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ الوَفَاءُ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، فَلَا يُكْرَهُوْنَ عَلَى شَيءٍ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ الآَيَةُ مَخْصُوْصَةٌ أَوْ مَنْسُوْخَةٌ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ ذَكَرَهُ مَمَّنْ يَقُوْلُ بِإِكْرِاهِ المُشْرِكِينَ.
قَالَ أَبُو الفَرَجِ (٢): (اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ النَّاسِخِ والمَنْسُوْخِ فِي هَذَا القَدْرِ مِنَ الآَيَةِ:
* فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مُحْكَمٌ، وَإِلَى أَنَّهُ مِنَ العَامِ المَخْصُوْص، فَإِنَّ أَهْلَ الكِتَابِ لا يُكْرَهُوْنَ عَلَى الإِسْلَام، بَلْ يُخَيَّرُوْنَ بَينَهُ وَبَينَ الجِزْيَة، فَالآَيَةُ مُخْتَصَّةٌ بِهِمْ. قَالَ: وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ. стр. 116
وَقَالَ ابنُ الأَنْبَارِيِّ: مَعْنَى الآَيَةِ: لَيسَ الدِّين مَا تَدِينُ بِهِ مِنَ الظَّاهِرِ عَلَى جِهَةِ الإِكْرَاهِ عَلَيه، وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ القَلْبُ، وَتَنْطَوِي عَلَيهِ الضَّمَائِرُ، إِنَّمَا الدَّينُ هُوَ المُنْعَقِدُ بِالقَلْبِ.
قَالَ (١): وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّها مَنْسُوْخَةٌ، وَقَالُوْا: هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ قَبْل الأَمْرِ بِالقِتَال، فَعَلى قَوْلِهمْ يَكُوْنُ مَنْسُوْخًا بِآيَةِ السَّيف، وَهَذَا مَذْهَبُ الضَّحَّاك، والسِّدِّيّ، وَابْنِ زَيدٍ).
قِيلَ (٢): جُمْهُوْرُ السَّلَفِ وَالخَلَفِ عَلَى أَنَّهَا لَيسَتْ مَخْصُوْصَةً وَلَا مَنْسُوخَةً (٣)، بَلْ يَقُوْلُوْنَ: إِنَّا لَا نُكْرِهُ أَحَدًا عَلَى الإِسْلَام، وَإِنَّمَا نُقَاتِلُ стр. 117
مَنْ حَارَبَنَا (١)، فَإِنْ أَسْلَمَ عُصِمَ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْ فَعَلَ القِتَالَ لَمْ نَقْتُلْهُ، وَلَمْ نُكْرِهْهُ عَلَى الإِسْلَامِ. стр. 118
[الدَّلِيلُ الرَّابِعُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
وَأَيضًا: فَالَّذِينَ نُقَاتِلُهُمْ لحِرِابِهِمْ مَتَى آتَوْا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُوْنَ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ (١) إِذَا كَانَوا أَهْلَ كِتَابٍ أَوْ مَجُوْسًا بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ.
وإِنْ كَانُوْا مِنْ مُشْرِكِي التُّرْكِ وَالهِنْدِ وَنَحْوِهِمْ، فَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ لَا يُجَوِّزُوْنَ قِتَالَهمْ حِينَئِذٍ (٢)، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، стр. 119
وَالأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوِايَتَينِ عَنْهُ، وَهِيَ المَنْصُوْصَةِ عَنْهُ صَرِيحًا، والأُخْرَى: هِيَ مَا ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ وَغَيرُهُ.
وَقَوْلُ القَائِل: (إِنَّ هَذِهِ كَانَتْ قَبْل الأَمْرِ بِالقَتْلِ).
стр. 120
يَحْتاجُ إِلَى بَيانِ ذَلِكَ، ثُمَّ إِلَى بَيَانِ أَنَّ الأَمْرَ بِالقِتَالِ يُوجِبُ نَسْخهَا، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ، كَيفَ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ.
فَإِنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ كُلُّهَا، وَفِيهَا غَيرُ آيَةٍ تَأْمُرُ بِالجِهَاد، وَفِيهَا: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ﴾ فَكَيفَ يُقَالُ: إِنَّهَا قَبْل الأَمْرِ بِالقِتَالِ! ! .
ثُمَّ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الأَمْرِ بِالجِهَادِ بِمُدَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ، كُلّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَأَشْهَرُهَا:
مَا قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وَغَيرُهُ، قَالُوا:
إِنَّ المَرْأَةَ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ تَكُونُ مِقْلَاةً - لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ - فَتَحْلِفُ لَئِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ؛ لأَنَّ اليَهُودَ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ بِخَلافِ المُشْرِكِينَ، فَكَانُوا أَقْرَبَ إِلَى العِلْمِ والدِّينِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِير كَانَ فِيهِمْ أُنَاسٌ مِنَ أَبْنَاءِ الأَنْصَار، فَقَالَ:
стр. 121
الأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ الله، أَبْنَاؤُنَا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَة (١).
ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيرِهِمَا نَحْوَ ذَلِك. стр. 122
[الدَّلِيلُ الخَامِسُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
ثُمَّ قَالَ: وَالمَمْلُوكُ المُسْتَرَقُّ لا يُكْرَهُ عَلَى الإِسْلَامِ بِالاتِّفَاقِ (١)، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ إِقْرَارُ المُشْرِكِينَ بِالجِزْيَة، فَفَي جَوَازِ استِرْقَاقِهِمْ قَولان، هُمَا رِوَايِتَانِ عَنْ أَحْمَد (٢).
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالمُؤْمِنُونَ مَعَهُ يَأْدِرُونَ الرِّجَالَ والنِّسِاءَ مِنْ стр. 123
المُشْرِكِينَ، وَلا يُكْرِهُونَهُمْ عَلَى الإِسْلَام، بَلْ قَدْ أَسَرَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَامَةَ بنَ أَثَّالٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيه، وَلَمْ يُكْرِهْهُّ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ (١)، وَكَذَلِكَ مَنَّ عَلَى بَعْضِ أَسْرَى بَدْرٍ (٢).
وَأَمَّا سَبْيُ المُشْرِكَاتِ فَكَانَ كَثِيرًا، وَلَمْ يُكْرِه امْرَأَةً عَلَى الإِسْلَام، فَلَمْ يُكْرِهْ عَلَى الإِسْلَامِ لا رَجُلًا، وَلا امْرَأَةً. стр. 124
[الدَّلِيلُ السَّادِسُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
ثَمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ: وَأَنَّهُ ﷺ منَّ عَلَيهِمْ، وَلَمْ يُكْرِهْهُمْ عَلَى الإِسْلَام، بَلْ أَطْلَقَهُمْ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيهِمْ؛ وَلِهَذَا سُمُّوا (الطُّلَقَاءُ)، وَهُمْ مَسْلَمَةُ الفَتْحِ (١)، وَالطَّلِيقُ: خِلَافُ الأَسِيرِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَأْسُورِينَ مَعَهُ، وَأَنَّهُ أَطْلَقَهُمْ كَمَا يُطْلَقُ الأَسِيرُ، وَلَمْ يُكْرِهَهُمْ عَلَى الإِسْلَام، بَلْ بَقِيَ مَعَهُ صَفْوَانُ بن أَمَيَّةَ وَغَيرُهُ مُشْرِكِينَ، حَتَّى شَهِدُوا مَعَهُ حُنَينًا، وَلَمْ يُكْرِهَهُمْ حَتَّى أَسْلَمُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ. стр. 125
فَأَيُّ شَيءٍ أَبْلَغ فِي أَنَّهُ ما أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى الإِسْلام مِنْ هَذَا (١).
وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ قَطُّ أَنْ يَنْقُلَ أَنَّهُ أَكْرَهَ أَحَدًا عَلَى الإِسْلَام، لا مُمْتَنِعًا، وَلَا مُقْدُورًا عَلَيه، وَلا فَائِدةَ إِسْلاِمِ مِثْل هَذَا، لَكَنْ مَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ مِنْهُ ظَاهِرُ الإِسْلَام، وَإِنْ كَانَ يُظَنُّ أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ خَوفًا مِنَ السَّيفِ (٢) - كَالمُشْرِكِ والكِتَابِيِّ الَّذِيِ يَجُوزُ قِتَالُهُ - فَإِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ حَرُمَ دَمُهُ وَمَالُهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ فَإِذَا قَالُوهَا عَصمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ" (٣). стр. 126
وَأَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ بنِ زيدٍ لمَّا قَتَلَ رَجُلًا قَدْ أَسْلَمَ، وَقَالَ: "إِنَّمَا قَالَهَا خَوفًا مِنَ السَّيفِ" (١).
وَلَكِنْ فَرْقٌ بَينَ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَو أَحَدٌ أَكْرَهَهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا، وَبَينَ أَنْ يَكُونَ قَاتَلَهُمْ؛ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُمْ وَعُدْوَانَهُمْ عَنِ الدِّين، فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَارُوا مِنْ أَهْلِ الدِّين، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ.
وَكَانَ مَنْ يَعْلَمَ مِنْهُ أَنَّهُ لا يَظْلِمْ الدِّينَ وَأَهْلَهُ لا يُقَاتُلُهْ، لا كِتَابِيًّا وَلا غَيرَ كِتَابِيٍّ.
ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ خُزَاعَةَ، وَسَرِيَّةَ ابْنِ الحَضْرَمِيّ، وَقِصَّةَ بَدْرٍ، وَبَنِي النَّضِير، وَقُرَيظَةَ وَغَيرِهَا، ثُمَّ قَالَ: стр. 127
[الدَّلِيلُ السَّابِعُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
وَكَانَتْ سِيرتُهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ الكُفَّارِ لا يُقَاتِلُهُ، وَهَذِهِ كُتُبُ السِّير، والحَدِيث، والتَّفْسِير، والفِقْه، والمَغَازِي تَنْطِقُ بِهَذَا، وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ مِنْ سِيرَتِهِ.
فَهُوَ لَمْ يَبْدأْ أَحَدًا مِنَ الكُفَّارِ بِقِتَالٍ، وَلَو كَانَ اللهُ أَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَ كُلَّ كَافِرٍ لَكَانَ يَبْتَدِئُهُمْ بِالْقَتْلِ والقِتَالِ (١). стр. 128
[الدَّلِيلُ الثَّامِنُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا النَّصَارَى: فَلَمْ يُقَاتِلْ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَى هَذِهِ الغَايَة، حَتَّى أَرْسَلَ رُسَلَهُ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيبِيَة إِلَى جَمِيعِ المُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَأَرْسَلَ إِلَى قَيصَرَ، وَإِلَى كِسْرَى، وَالمُقَوقِس، وَالنَّجَاشِيّ، وَمُلُوكِ العَرَبِ بِالشَّرْق، وَالشَّامِ (١). стр. 129
فَدَخَلَ فِي الإِسْلَامِ مِنَ النَّصَارَى وَغَيرِهِمْ مَنْ دَخَلَ، فَعَمَدَ النَّصَارَى بِالشَّام، فَقَتَلُوا بَعْضَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ مِنْ كُبَرَائِهِمْ بِمَعَان (١).
فَالنَّصَارَى حَارَبُوا المُسْلِمِينَ أَوَّلًا، وَقَتَلُوا مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ بَغْيًا وَظُلْمًا، وَإِلَّا فَرُسُلُهَ أَرْسَلَهُمْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الإِسلَامِ طَوعًا стр. 130
لا كَرْهًا، فَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى الإِسْلَامِ (١).
فَلَمَّا بَدَأَهُ النَّصَارَى بِقَتْلِ المُسْلِمِينَ أَرْسلَ سَرِيَّةً أَمَّرَ عَلَيهَا زَيدَ بنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ جَعْفَرًا، ثُمَّ ابنَ رَوَاحَةَ، وَهُوَ أَوُّلُ قِتَالٍ قَاتَلَهُ المُسْلِمُونَ لِلنَّصَارَى بِمُؤْتَة مِنْ أَرْضِ الشَّام، واجْتَمَعَ عَلَى أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ стр. 131
مِنَ النَّصَارَى.
وَاسْتُشْهِدَ الأُمَرَاءُ ﵃، وَأَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بن الوَلِيد، وَكَانَ خَالِدٌ قَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيبِيَةَ هُوَ، وَعَمْرُو بن العَاص، وَعُثْمَانُ بن طَلْحَةَ، فَسَلَّمَ اللهُ المُسْلِمِينَ، وَرَجَعُوا (١)، وَهَذَا قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَبَعْدَ خَيبَرٍ. стр. 132
[مُعَاهَدَةُ الكُفَّارِ وَمُهَادَنَتُهُمْ]
ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى أَوَّلِ سُورَةِ بَرَاءَة، ثُمَّ قَالَ:
فَدَلَّتْ الآَيَاتُ عَلَى أَنَّ البَرَاءَةَ كَانَتْ إِلَى المُعَاهَدِينَ الَّذَينَ لَهُمْ عَهْدٌ مُطْلَقٌ غَيرُ مُؤَقَّتٍ، أَو كَانَ مُؤَقَّتًا وَلَمْ يُوَفُوا بِمُوجِبِه، بَلْ نَقَضُوهِ (١). стр. 133
وَهُنَا لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
قِيلَ: لا يَجُوزُ العَهْدُ المُطْلَقُ، كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ فِي قَولٍ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَهَؤُلاءِ يَقُولونَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْيَهُودِ: "نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكَم اللهُ" (١)؛ لأَنَّ الوَحَيَّ كَانَ يَنْزِلُ. стр. 134
ثُمَّ العَهْدُ المُؤَقَّت قَدْ يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يُنْقُضَهُ بِلا سَبِبٍ، كَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَؤُلاءِ قَدْ يَحْتَجُّون بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَومٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾.
فَإِنَّ هَؤُلِاءِ عَهْدُهُمْ كَانَ مُوَقَّتًا، وَنَقَضَهُ (١).
وَالثَّالثُ: وَهُوَ قَولُ الأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ المُطْلَقُ وَالمُؤَقَّتُ، وَأَنَّ المُؤَقَّتَ: لازِمٌ مِنَ الطَّرَفَينِ يَجِبُ الوَفَاءُ بِه، مَا لَمْ يَنْقُضُهُ العَدَوُّ، وَلِمَا يَجِبُ من الوَفَاءُ بِسَائِرِ العُهُودِ اللَّازِمَة.
وَأَمَّا المُطْلَقُ: فَهُوَ عَقْدٌ جَائِزٌ، إِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْسَخْهُ، كَمَا فِي العُقُودِ الجَائِزَة، كَالوَكَالَة، وَالشَّرِكَة، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا هُوَ القَولُ الآَخَرُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَولُ الشَّافِعِيِّ، стр. 135
وَالآَيَةُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا القَولِ.
فَإِنَّ اللهَ أَمَرَهُ بِنَبْذِ العُهُودِ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ، ثُمَّ وَفَّى بِمُوجَبِه، فَلَمْ يَتْرُكْ مَا أَوجَبَهُ العَهْدُ، فَلَمْ يَنْقُضْهُ شيئًا وَلَا أَعَانَ عَدُوًّا (١).
وَأَمَّا قَولُهُ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَومٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. فَتِلْكَ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ، وَهِي مُتَقَدِّمَةٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي العُهُودِ المُطْلَقَةِ مَتَى خَافَ مِنْهُمْ خِيَانَةً، فَإِنَّهُ يَنْبِذ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ (٢)، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُمْ بَغْتَةً، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ آمِنُونَ. стр. 136
وَأَمَّا العُقُودُ اللَّازِمَة: هَلْ يَجُوزُ فَسْخُهَا بِمُجَرَّدِ خَوفِ الخِيَانَةِ؟ هَذَا فِيهِ قَولَان، وَالَأظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (١)؛ لَأنَّ سُورَةَ بَرَاءَة تُوجِبُ الوَفَاء (٢). стр. 137
[المُرَادُ بِالْأَشْهُرِ الحُرُمِ]
إِلَى أَنْ قَالَ:
وَالمُرَادُ بِالْأَشْهُرِ الحُرُمِ فِي قَولِهِ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ هِيَ أَشْهُرُ السِّيَاحَة عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ (١)، وَعَلَيهِ يَدَلُّ الكِتَابُ والسُّنَّةُ.
وَظَنَّ طَائِفَةٌ: أَنَّهَا الحُرُمُ الثَّلَاثَةُ وَرَجَبٌ، وَنُقِلَ هَذَا عَنْ أَحْمَدَ، وَهَؤُلَاءِ اشْتَبَهَ عَلِيهِمْ لَفْظُ الحُرُمِ بالحُرُم، وَتِلْكَ لَيسَتْ مُتْصِلَةٌ؛ بَلْ стр. 138
هِيَ ثَلاثَةٌ سَرْدٌ، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ (١)، وَهُوَ قَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ أَشْهُرَ السِّيَاحَةِ فَلَابُدَّ أَنَّ يَذْكُرَ الحُكْمَ إِذَا انْقَضَتْ، فَقَالَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
إِلَى أَنْ قَالَ:
فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أُولَئِكَ المُشْرِكَينَ طَائِفَةٌ تُقَاتِلُ البَتَّةَ، بَلْ قَهَرَ جَمِيعَ المُشْرَكَينَ وَ [مَنْ] لَا عَهْدَ لَهَمْ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ القِتَال، فَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. стр. 139
وَلَمْ يَقُلْ: فَقَاتِلُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ طَائِفَةٌ تُقَاتِلُ (١)، بَلْ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ حَيثُ وُجِدُوا وأَخْذِهِمْ، وَهُوَ الأَسْرُ، وَحَصْرِهِمْ فِي أَمْكِنَتِهِمْ، كَمَا حَصَرَ أَهْلَ الطَّائِف.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: قَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةِ (٢)؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُقَاتِلْ، стр. 140
وَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَأَخْذِهِمْ وَحَصرِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ القِتَال، وَلَو قَدِرُوا عَلَى فَسَادِ الدِّينِ وَأَهْلِهِ لَفَعَلُوا ذَلِكَ.
إلى أن قال ﵀:
стр. 141
[الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ الكُفَّارِ]
ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَمْرَ المُشْرِكِينَ قَالَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَومِ الْآخِرِ﴾ الآية.
فَذَكَرَ قِتَالَ النَّصَارَى، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالحُكْمِ (١)، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قِتَالُ اليَهُودِ وَالمَجُوسِ بِالنَّصِ стр. 142
وَالإِجْمَاعِ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، وَهَذَا قَولُ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ (١). стр. 143
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ لَهُ كِتَابٌ، وَأَنَّ المَجُوسَ لَهُمْ كِتَابُ مُبَدَّلٌ، أَو لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ، وَآَنَّ آَيَةَ بَرَاءَة تَقْتَضِي التَّخْصِيص.
وَلَيسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، وَلَمْ تَجُزْ مُعَاهَدَتُهُمْ بِلَا جِزْيَة، فَغَيرُهُمْ مِنَ الكُفَّارِ أَولَى، فَإِنَّ المُشْرِكِينَ وَالمَجُوسَ شَرٌّ مِنْهُمْ، وَاليَهُودَ أَشَدُّ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾.
فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ إِذَا كَانُوا مُتَحَارِبِينَ وَجَبَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا الجِزَيَةَ، فَغَيرُهُمْ أَولَى (١) إِذَا كَانَ مُحَارِبًا أَنْ يُقَاتَلَ حَتَّى يُعْطِي الجِزْيَةَ. стр. 144
وَعَلَى هَذَا حَدَيثُ بُرَيدَةَ بنِ الحَصَيبِ الأَسْلَمِي الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَو جَيشٍ أَوصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيَرًا. ثُمَّ قَالَ:
اُغْزُوا بِاسْمِ الله، فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اُغْزُوا، وَلَا تَغَلُّوا، ولَا تَغْدُرُوا، ولَا تُمثِّلِوا، ولَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ خِصَالٍ أَو خِلَالٍ: فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَأَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَأَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ.
ثُمَّ اُدْعُهُمْ إِلَى التَحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِين، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوا أَنْ يَتَحَوُّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ،
стр. 145
يَجْرِي عَلَيهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةَ وَالفَيءِ شَيءٌ، إَلَّا أَنْ يجاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَلَهُمْ الجِزَيَةُ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (١) وَذَكَرَ الحدِيثَ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي الحدِيثِ قِتَالُ مَصَافَّة، هَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - لَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَقِيَ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ تُقَاتِلُ مَصَافَّة (٢)، وَإِنَّمَا لَجَأَ الْكُفَّارُ إِلَى حُصُونِهِمْ فَكَانُوا يُحْصَرُونَ، وَهُوَ المُحْصَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ المَحْصُورَ: следующие страницы →