Полный текст (214 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
منهجي في التحقيق:
١. اتخذت من النسخة الخطية أصلًا في إخراج هذه الرسالة، فقمت بقراءتها قراءة فاحصة، ثم قارنتها بالمطبوعة.
٢. اتبعت جميع ما في النسخة الخطية إلا ما رأيته حريًا بالتصحيح، فإن كانت الكلمة في النسخة ثابتة إلا أنها مصحفة، أو أخطأ الناسخ في كتابتها قمت بتصحيحها.
٣. كل ما كان بين معقوفتين هكذا [] فهو من إضافتي.
٤. خرجت الآيات في آخر الكتاب، والأحاديث والآثار الواردة في مواضعها باختصار شديد خشية الإطالة.
* * *
стр. 72
نماذج مصورة للنسخ الخطية
стр. 73
صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية
стр. 74
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية
стр. 75
صورة صفحة العنوان من المطبوعة
стр. 76
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فصل في قتال الكفار هل هو سبب المقاتلة أو مجرد الكفر؟
وفي ذلك قولان مشهوران للعلماء:
الأول: قول الجمهور، كمالك، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة وغيرهم.
الثاني: قول الشافعي وربما علل به بعض أصحاب أحمد.
فمن قال بالثاني قال: مقتضى الدليل قتل كل كافر، سواء كان رجلا أو امرأة، وسواء كان قادرًا على القتال أو عاجزًا عنه، وسواء سالمنا أو حاربنا. لكن شرط العقوبة بالقتل. أن يكون بالغًا، فالصبيان لا يقتلون لذلك. وأما النساء فمقتضى الدليل قتلهن، لكن لم يقتلن لأنهن يصرن سبيًا بنفي الاستيلاء عليهن، فلم يقتلن لكونهن مالا للمسلمين كما لا تهدم المساكن إذا ملكت.
وعلى هذا القول: يقتل الرهبان وغير الرهبان لوجود الكفر. وذلك أن الله علق القتل لكونه مشركا بقوله (فاقتلوا المشركين) فيجب قتل كل مشرك، كما تحرم ذبيحته ومناكحته لمجرد الشرك. وكما يجب قتل كل من بَذلَ دينه لكونه بدله، وإن لم يكن من أهل القتال، كالرهبان. وهذا لا نزاع فيه. وإنما النزاع في المرأة المرتدة خاصة.
وقول الجمهور: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار. فإن الله سبحانه قال (٢: ١٩١ - ١٩٤ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) إلى قوله - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فقوله "الذين يقاتلونكم" تعليق للحكم بكونهم يقاتلوننا. فدل على أن هذا علة الأمر بالقتال.
صورة الصفحة الأولى من المطبوعة
стр. 77
صورة الصفحة الأخيرة من المطبوعة
стр. 78
القسم الثاني النص المحقق
стр. 79
قَاعِدَةٌ مُخْتَصَرَةٌ فِي قِتَالِ الكُفَّار وَمُهَادَنَتِهِمَ وَتَحْرِيمِ قَتْلِهِمَ لِمُجَرَّدِ كُفْرهِمَ
(قَاعِدِةٌ تبيِّن القِيَم السَّامِية لِلحَضَارَة الإسْلَاميَّةِ في الحَربِ وَالقِتَال)
تأليف
شيخ الإسْلَام أحْمَد بن عَبْد الحَليم ابْن تيميَّة الحرَّاني
(٦٦١ - ٧٢٨ هـ)
حقّقَها ودَرسهَا درَاسَة مُقَارنة
د. عبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه بن إِبْراهِيم الزِّير آل حمَد
غفرَ الله لَه وَلوَالديْه وللمُسلمين
стр. 80
فَصْلٌ في قِتَالِ الكُفَّارِ
هَل هُوَ سَبَبُ المُقَاتَلَة، أَو مُجَرَّدُ الكُفْرِ ؟
وفَي ذَلِكَ قَوْلانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
الأولُ: قَوْلُ الجُمْهُوْر، كَمَالِكٍ، وأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي حَنِيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام كما في الفتاوى (٢٠/ ١٠١ - ١٠٢): (فأبو حنيفة رأى أن الكفر مطلقًا إنما يقاتل صاحبه لمحاربته، فمن لا حراب فيه لا يقاتل؛ ولهذا يأخذ الجزية من غير أهل الكتاب العرب وإن كانوا وثنيين، وقد وافقه على ذلك مالك وأحمد في أحد قوليه ... وأما الشافعي فعنده نفس الكفر هو المبيح للدم إلا أن النساء والصبيان تركوا؛ لكونهم مالًا للمسلمين). وقال أيضًا كما في الفتاوى (٨/ ٥٣٤)، والفتاوى الكبرى (٤/ ٣٤٧): (أن المرتد يقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلى الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة، ومالك وأحمد). وقال أيضًا كما في الفتاوى (٢٨/ ٦٥٩ - ٦٦٠): ) الرهبان .. تنازع العلماء في قتلهم كتنازعهم في قتل من لا يضر المسلمين لا بيده ولا لسانه، كالأعمى، والزمن، والشيخ الكبير، ونحوه كالنساء =стр. 81
الثَّانِي: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (١) ، وَرُبَّما عَلَّلَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ (٢) .
فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي، قَالَ: مُقْتَضَى الدَّلِيْلُ قَتْلُ كُلِّ كَافِرٍ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ إِمْرَأَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى القِتَالِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ، وَسَوَاءٌ سَالَمَنا أَوْ حَارَبَنَا؛ لَكِنَّ شَرْطَ العُقُوْبَةِ بِالْقَتْل، أَنْ يَكُوْنَ بَالِغًا، فالصِّبيَانُ لا يُقْتَلُوْنَ لِذَلكَ.
وأَمَّا النِّسَاءُ: فَمقْتَضى الدَّليلُ قَتْلُهنُّ، لَكنْ يُقْتلْنَ لأَنَّهنَّ يَصِرْنَ سَبْيًا بِنَفْسِ الاسْتِيَلاءِ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ يُقْتلنْ لِكَونِهنَّ مَالًا للِمُسلمِينَ، كَمَا لا تُهْدمُ المَسَاكِنُ إِذَا مُلِكتْ. الحواشي
(١) انظر: الأم (٤/ ٢٩٣).(٢) قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (٨/ ٥١٦): (والقول الآخر الذي قاله الشافعي ذكره الخرقي في مختصره، ووافقه عليه طائفة من أصحاب أحمد).стр. 82
وَعَلى هَذَا القَولِ: يُقْتلُ الرُّهْبَانُ وَغَيرُ الرُّهبَانِ لوُجُودِ الكُفِرِ؛ وذَلك أَنَّ الله عَلَّق القَتْل لِكَونِهِ مُشْرِكًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فَيجِبُ قَتْلُ كُلِّ مُشْرِكٍ، كَمَا تَحْرُمُ ذَبِيْحَتَهُ ومُنَاكَحَتُهُ لِمُجَرَّدِ الشِّركِ.
وَكما يَجِبُ قَتْلُ كُلِّ مَنْ بَدَّلَ دِينهُ؛ لِكونِهِ بَدَّلَهُ، وإنْ لمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ، كالرُّهْبَانِ، وهَذَا لا نِزَاعَ فِيهِ (١) ، وإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي المَرْأَةِ المُرْتَدَّةِ خَاصَّة (٢) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (٢٠/ ١٠٠): (المرتد يقتل بالاتفاق، وإن لم يكن من أهل القتال إذا كان أعمى، أو زمنًا، أو راهبًا).(٢) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٨/ ٢٧٤): (إذا قيل في المرأة المرتدة كفرت بعد إسلامها فتقتل قياسًا على الرجل؛ لقول النبي: "لا يحل دم إمرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا فقتل بها" فإذا قيل له: لا تأثير لقولك كفر بعد إسلامه، فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر، وحينئذ فالمرأة لا تقتل بمجرد الكفر، فيقول: هذه علة ثابتة بالنص، وبقوله: "من بدل دينه فاقتلوه". وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وجراءته، ولهذا لا أقتل من كان عاجزًا عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه، =стр. 83
وَقُوْلُ الجُمْهُورِ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلِيْهِ الكِتَابُ والسُّنّة والإِعْتِبَارُ (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في النبوات ص(١٤٠) : (الكفار إنما يقاتلون بشرط الحراب، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة، كما هو مبسوط في موضعه). وقال أيضًا في السياسة الشرعية ص(١٠٤) : (وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء، والصبيان، والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزمن، ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر إلا النساء والصبيان لكونهم مالًا للمسلمين، والأول هو الصواب). وقال أيضًا كما في الفتاوى (٢٨/ ٣٥٤): (الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد). وقال أيضًا في الموضع السابق (٢٨/ ٤١٤): ) والكافر الأصلي .. لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء كما دلت عليه السنة). وقال أيضًا في الفتاوى (١٦/ ٨٠): (قوله ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ دليل على أنه لا يجوز قتل النفس إلا بذنب =стр. 84
[الدَّلِيلُ الأَوَّلُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ]
فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
فَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ يُقَاتِلُوْنَنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا عِلَّةَ الأَمْرِ بِالقِتَالِ (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٥١٥): (فإنما يقاتل من كان ممانعًا عن ذلك، وهم أهل القتال، فأما من لا يقاتل عن ذلك فلا وجه لقتله؛ كالمرأة والشيخ الكبير والراهب ونحو ذلك). وقال أيضًا في الصارم المسلول (٢/ ٢٠٧): (ثم إنه كتب عليهم القتال مطلقًا، وفسره بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ الآية، فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله).стр. 85
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، والعُدْوَانُ: مُجَاوَزَةُ الحدِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِتَالَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا عُدْوَانٌ (١) ، ويدُلُّ عَلَيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى أنَّه لا يحوز الزِّيَادَة.
وَقُوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وَلم يَقُلْ: قَاتِلُوْهُمْ، أَمْرٌ بِقَتْلِ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ حَيثُ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَائِفَةٍ مُمتنِعَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وَالْفِتنَةُ: أَنْ يُفْتَنَ المُسْلمُ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٥١٣): (إن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فأمر بقتال الذين يقاتلون، فعلم أن شرط القتال كون المقاتل مقاتلًا) وقال في السياسة الشرعية ص(١٠٤) : (لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾).стр. 86
عَنْ دِينِهِ، كما كَانَ المُشْرِكُوْن يَفْتِنُونَ مَنْ أَسْلَمَ عَنْ دِينِهِ (١) ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُوْنُ: إِذَا اعْتَدَوْا عَلَى المُسْلِمِين، وَكَانَ لهمْ سُلْطَانٌ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ قِتَالُهُمْ (٢) ، حَتَّى لا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ، حَتَّى لا يَفْتِنِوا مُسْلِمًا، وَهَذَا يَحْصُلُ بِعَجْزِهِمْ عَنْ القِتَالِ، وَلَمْ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (٢/ ٥١٤ - ٥١٥): (وذلك لأن المقصود بالقتال أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وأن لا تكون فتنة، أي: لا يكون أحد يفتن أحدًا عن دين الله، فإنما يقاتل من كان ممانعًا عن ذلك، وهم أهل القتال، فأما من لا يقاتل عن ذلك فلا وجه لقتله؛ كالمرأة، والشيخ الكبير، والراهب، ونحو ذلك).(٢) قلت: وهذا الوجوب يتعين على جميع المسلمين يوم أن كانت الدولة الإسلامية واحدة، وكان واليها واحدًا بحيث يقاتل تحت لوائه، أما في هذا العصر الذي تعددت فيه الولايات، وأصبحت كل دولة لها ولي أمرها المستقل في الحكم والسياسة والنظام، فإن الوجوب يكون وجوبًا عينيًا متحققًا في أهل ذلك البلد الذي اعتدي عليه، ولا يعذر أحد منهم بتركه، أما في حق غيرهم فهو واجب أيضًا لكن على الكفاية، ما لم يترتب عليه مفسدة ظاهرة متحققة، فإن ترتب عليه ما ذكر، فإن لولي الأمر فعل الأصلح للإسلام والمسلمين.стр. 87
يَقُلْ: وَقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوْا (١) .
وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، وَهَذَا يَحْصُلُ إِذا ظهَرَتْ كَلِمَة الإِسلامِ، وَكَانَ حُكْمُ الله وَرَسوْلِهِ غَالِبًا، فَإِنَّه قَدْ صَارَ الدِّينُ للهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أنَّا إِذَا قَاتَلْنَا أَهْلَ الكِتَاب، فَإِنَّا نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى لا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ، ويكُوْنَ الدِّينُ كُلُّهُ لله، وَهَذَا المَقْصُوْدُ يَحْصُلُ إَذَا أَدَّوا الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في منهاجه (٨/ ٥٠٩ - ٥١٠): (وهؤلاء وجد فيهم أحد الأمرين القتال أو الإسلام، وهو سبحانه لم يقل: (تقاتلونهم أو يسلمون) إلى أن يسلموا، ولا قال: (قاتلوهم حتى يسلموا)؛ بل وصفهم بأنهم يقاتلون أو يسلمون، ثم إذا قوتلوا فإنهم يقاتلون كما أمر الله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). وقال أيضًا في الموضع السابق (٨/ ٥١٦): (وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، ولم يقل: قاتلوهم حتى يتوبوا). وقال أيضًا في الصفدية (٢/ ٣٢١): (وكانوا قد دعوا عام الحديبية إلى قتال من يقاتل أو يعاهد وبعد ذلك يدعون إلى قتال من يقاتلون أو يسلمون، ولم يقل أو يسلموا فإنه كان يكون المعنى حتى يسلموا، وقتالهم لا يجب إلى هذه الغاية).стр. 88
الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَكَانُوا صَاغِرِين (١) .
وَقوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوْا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّي رَسُوْلُ الله، فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ عَصَمُوْا مِنِّي دِمَاءَهمْ وَأَمْوَالَهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (٢) . هُوَ ذِكْرٌ لِلْغَايَةِ الَّتِي يُبَاحُ قِتَالُهُمْ إِلَيهَا، بِحَيثُ إِذَا فَعَلُوْهَا حَرُمَ قِتَالهمْ.
وَالمَعْنَى: أَنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتَالِ إِلَّا إِلى هَذِهِ الغَايَةِ.
ليسَ المُرَادُ: أَنِّي أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ كُلَّ أحَدٍ إِلَى هَذه الغَايَة (٣) ، فَإِنَّ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الصفدية (٢/ ٣٢١): (إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فقد قوتلوا القتال المأمور به). وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (١/ ٧٩): (والمقصود: إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، وليس في إبقائهم بالجزية ما يناقض هذا المعنى، كما أن إبقاء أهل الكتاب بالجزية بين ظهور المسلمين لا ينافي كون كلمة الله هي العليا وكون الدين كله لله).(٢) أخرجه البخاري (ح/ ٢٥، ٣٩٢)، ومسلم (ح / ٢٠، ٢١).(٣) قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (٨/ ٥١٦): (وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" حق، فإن من قال لا إله إلا الله لم يقاتل بحال، ومن =стр. 89
هَذَا خِلافُ النَّصِّ والإِجْمَاعِ.
فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا قَطٌ، بَلْ كَانَت سِيرتُهُ أَنَّ مَنْ سَالمَهُ لَمْ يُقَاتِلْهُ (١) . الحواشي
(١) قال ابن القيم في هداية الحيارى (١/ ١٢): (ولم يكره أحدًا قط على الدين، وإنما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالًا لأمر ربه سبحانه، حيث يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، وهذا نفي في معنى النهي، أي: لا تكرهوا أحدًا على الدين .. والصحيح أن الآية على عمومها في حق كل كافر، وهذا ظاهر على قول من يجوز أخذ الجزية من جميع الكفار فلا يكرهون على الدخول في الدين؛ بل إما أن يدخلوا في الدين وإما أن يعطوا الجزية ... ومن تأمل سيرة النبي ﷺ تبين له أنه لم يكره أحدًا على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيمًا على هدنته لم ينقض عهده؛ بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له ... ولما قدم المدينة صالح اليهود، وأقرهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا =стр. 90
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عهده وبدؤوه بالقتال قاتلهم، فمنَّ على بعضهم، وأجلى بعضهم، وقتل بعضهم، وكذلك لما هادن قريشًا عشر سنين، لم يبدءهم بقتال حتى بدؤوا هم بقتاله ونقضوا عهده، فعند ذلك غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم أحد، ويوم الخندق، ويوم بدر أيضًا هم جاؤوا لقتاله، ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم، والمقصود: أنه ﷺ لم يكره أحدًا على الدخول في دينه البتة، وإنما دخل الناس في دينه اختيارًا وطوعًا).
وقال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (١/ ٧٩): (القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر، ولذلك لا يقتل النساء، ولا الصبيان، ولا الزمنى، والعميان، ولا الرهبان، الذين لا يقاتلون؛ بل نقاتل من حاربنا، وهذه كانت سيرة رسول الله في أهل الأرض، كان يقاتل من حاربه إلى أن يدخل في دينه، أو يهادنه أو يدخل تحت قهره بالجزية، وبهذا كان يأمر سراياه وجيوشه إذا حاربوا أعداءهم، كما تقدم من حديث بريدة، فماذا ترك الكفار محاربة أهل الإسلام وسالموهم، وبذلوا لهم الجزية عن يد وهم صاغرون كان في ذلك مصلحة لأهل الإسلام وللمشركين، أما مصلحة أهل الإسلام: فما يأخذونه من المال الذي يكون قوة للإسلام مع صغار الكفر وإذلاله، وذلك أنفع لهم من ترك الكفار بلا جزية، وأما مصلحة أهل الشرك: فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام الإسلام وبراهينه أو بلغتهم أخباره فلا بد أن يدخل في الإسلام بعضهم، =стр. 91
وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ والإِجْمَاعِ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ والمَجُوْسِ إِذَا أَدَّوْا الجِزْيةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُوْنَ حَرُمَ قِتَالهمْ (١) .
وَقَد اِدَّعَى طَائِفَةٌ أَنَّ هَذِهِ الآيةَ مَنْسُوْخَةٌ، يَعْنِي قَوْلَه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
قَالَ أبوْ الفَرَجِ (٢) : اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: هَلْ هَذِهِ الآيَة مَنْسُوْخَة أَمْ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (٨/ ٥١٤): (ولما أمر الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أخذ النبي ﷺ الجزية من المجوس، واتفق المسلمون على أخذها من أهل الكتاب والمجوس، وتنازع العلماء في سائر الكفار على ثلاثة أقوال، فقيل: جميعهم يقاتلون بعد ذلك حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون إذا لم يسلموا، وهذا قول مالك، وقيل: يستثنى من ذلك مشركوا العرب، وهو قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وقيل: ذلك مخصوص بأهل الكتاب ومن له شبهة كتاب، وهو قول الشافعي وأحمد في رواية أخرى عنه، والقول الأول والثاني متفقان في المعنى).(٢) انظر: زاد المسير (١/ ١٩٧).стр. 92
لا؟ عَلَى قَوْلَينِ: أَحَدُهُمَا: بِأَنَّهَا مَنْسُوْخَةٌ، واخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا القَوْل في المَنْسُوْخِ مِنْهَا عَلَى قَوْلَينِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّهُ أَوَّلُها، وَهُوَ قَولهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾.
قَالُوْا: وَهَذَا يَقْتَضي أَنَّ القِتَالَ مُبَاحٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الكُفَّار، وَلا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
стр. 93
[بَيَانُ مَعْنَى الاعْتِدَاء، وَأنَّهُ غَيرُ مَنْسُوخٍ]
الثَّانِي: أَنَّ المَنْسُوْخَ مِنْهَا: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾.
وَلهِؤُلَاءِ فِي هَذَا الاعْتِدَاءِ قَوْلانِ:
أَحَدُهُمَا: أنَّهُ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ.
الثَّانِي: أنَّهُ ابْتِدَاءُ المُشْرِكِينَ بِالقِتَالِ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِآيةِ السَّيفِ.
قَالَ (١) : والقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَمَعْنَاهَا عِنْدَ أَرْبَابِ هَذَا القَوْلِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، وَهُمُ الَّذِينَ أعَدُّوْا أَنْفُسَهَمْ لِلْقِتَالِ.
فَأَمَّا مَنْ لَيسَ بِمُعِدٍّ نَفْسَهُ لِلْقِتَالِ، كَالرُّهْبَانِ، والشُّيُوْخِ الفُنَاةِ، والزُّمْنَى، والمَكَافِيفِ، والمَجَانِين، فَإِنَّ هَؤُلاءِ لا يُقَاتَلُوْن، فَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ غَيرُ مَنْسُوخٍ. الحواشي
(١) يعني ابن الجوزي ﵀.стр. 94
قُلْتُ: هَذَا القَوْلُ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَمَاء، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَغَيرِهِمْ.
والقَوْلُ الأَوْلُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ دَعْوَى النَّسْخَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَيسَ فِي القُرْآنِ مَا يُنَاقِض هَذِهِ الآيَة، بَلْ فِيهِ مَا يُوافِقُهَا، فَأَينَ النَّاسِخُ؟
стр. 95
[تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾]
وَقَوْلهُمْ: هَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ القِتَالَ مُبَاحٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَل مِنَ الكُفَّار، وَلا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
يُقَالُ: قَوْلُهُ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. مَذْكُوْرٌ فِي مَوْضِعَينِ:
أَحَدُهُمَا: هَذَا الموْضِعُ، وَهُوَ قَولُهُ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾، وَهَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.
فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى هَؤُلاءِ الَّذِين يُقَاتِلُونَ المُؤْمِنِينَ، هَمُ الَّذِين قَالَ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وَهَذَا لا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ؛ بَلْ مَنْ كَانَ مِنَ المُحَارِبِينَ المُقَاتِلِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلْ حَيثُ ثَقِف، وَلَيس مِنْ حُكْمِهِ أَنْ لا يُقَاتَلَ إِلَّا فِي حَالَ قِتَالِه، بَلْ مَتَى كَانَ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ
стр. 96
الَّذي يُحِيفُ المُسْلِمِينَ، وَمنْ شأَنِهِ أَنْ يُقَاتِلَ، قُتِل قَائِمًا، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ نَائِمًا.
وَهُوَ يُقْتَلُ أَسِيرًا، فَقَدْ قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَيرَ وَاحِدٍ بَعْدَ الأَسْر، مِثْل: عُقْبَة بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَالنَّضْرِ بنِ الحارِثِ (١) ، وَحَكَّمَ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيظَةَ - لمَّا نَزَلُوْا - أَنْ يَقْتُلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، فَقَتَلَهُمْ كُلَّهُمْ، وَكَانُوْا مِائَتَين (٢) . الحواشي
(١) انظر: الصارم المسلول (٢/ ٢٨٧، ٢٧٩، ٢٨٠، ٥٠٠، ٥٠٨).(٢) انظر: الفتاوى (٣٣/ ٤٠)، والصارم المسلول (٢/ ٤٧٧)، وكتب في هامش المطبوعة: (الذي في المغازي وكتب السير: أنهم كانوا ستمائة، أو أكثر إلى تسعمائة) وانظر: الطبقات الكبرى (٢/ ٧٤)، وزاد المعاد (٣/ ١٣٥).стр. 97
ثُمَّ ذَكَرَ ﵀ حَدِيثَ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ المُشْرِكِينَ، يَبِيتُوْنَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ؟ فَقَالَ: "هُمْ مِنْهُمْ" (١) .
قَالَ: وَهَذَا لا يُنَاقِضُ نَهْيَهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَان، فَإِنَّ هَذَا إِذَا أُصِيبُوْا بِغَيرِ تَعَمُّدٍ لَهمْ، وَذَاك إِذَا تَعَمَّدُوْا، فَإِنَّهُمْ لَيسُوْا كَصِبْيَانِ المُسْلِمِين وَذُرِّيَّتَهُمْ، وَلا كَأَهْلِ العَهْد، فَإِنِّ لهِؤُلاءِ عِصْمَةً مَضْمُوْنَةً، وَمُؤْتَمَنَةً بِالأَيمَانِ وَالأَمَانِ.
وَنِسَاءُ أَهْلِ الحَرْبِ وِصِبْيَانُهُمْ لِيسَ لَهُمْ عِصْمَةٌ مَضْمُوْنَةٌ، وَلَكِنْ لا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ عَمْدًا، إِذَا كَانوْا لَيسُوا مِنْ أَهْلِ القِتَالِ.
وِإِذَا قُتِلُوْا فِي الحِصَار وَالبَيَاتِ، فَلَيسَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَدَعُوْا الحواشي
(١) أخرجه البخاري (ح/ ٢٨٥٠)، ومسلم (ح/ ١٧٤٥) وغيرهما.стр. 98
مَا أُمِرُوْا بِهِ مِنْ الجِهَادِ لِئَلَّا يُصَابَ مِثْل هَؤُلاءِ (١) . الحواشي
(١) كلام النبي ﷺ ، وكلام شيخ الإسلام هنا ينصب فيما لو (حاصر) المسلمون (الكفار فقط) في حال الحرب، أما أن يقاس كلامهما ويحمل على تجويز شن الحرب على معسكر المسلمين في بلاد الإسلام، واستحلال الخروج على إمام المسلمين، وكذلك استهداف المباني المدنية، أو السكنية، أو التجارية، مما يكون فيها جملة من المسلمين أو بعضهم، أو فيها جملة من المعاهدين - مما لم يثبت أنه قاتل بيد أو لسان - وتشبيه ذلك بمسألة التترس، فهذا من القياس الفاسد، والرأي الكاسد، ومن الضلال المبين الذي يعلمه كل منصف متبع للحق، قال ابن عبد البر بعد أن أورد هذا الحديث في كتابه الإستذكار (٥/ ٢٥): (حديث الصعب بن جثامة وما كان مثله من التبييت والغارة، فليس فيه ذكر مسلم يتترس به، وقول مالك أصح ما قيل في ذلك؛ لتحريم الله دم المسلم تحريمًا مطلقًا لم يخص به موضعًا من موضع) قلت: وأعلم - رعاك الله - أن من مسالك أهل الأهواء والبدع اتباع المتشابه من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام أهل العلم، وترك المحكم، قال شيخ الإسلام في الكلام عن سبب ضلال بني آدم، كما الجواب الصحيح: (٢/ ٧١٥): (ومما ينبغي أن يعلم أن سبب ضلال النصارى، وأمثالهم من الغالية، كغالية العُبَّاد، والشيعة ... ألفاظ متشابهة، مجملة، مشكلة منقولة عن الأنبياء، وعدلوا عن الألفاظ الصريحة المحكمة، =стр. 99
فَمَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، - إِنْ كَانَ قَدْ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أَنَّهُمْ لا يُقْتَلُوْن إِلَّا حَالَ قِتَالهِمْ - فَقَدْ غَلِطَ فِي فَهْمِ الآيَة، وَكَيفَ تَكُوْنُ مَنْسُوْخَة بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾! ! .
الحواشي
(١) = وتمسكوا بها، وهم كلما سمعوا لفظًا لهم فيه شبهة تمسكوا به وحملوه على مذهبهم، وإن لم يكن دليلًا على ذلك) إلخ.
وقال أيضًا في الفتاوى (٣/ ٦٢ - ٦٣): (ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهى ما يشتبه فيها الحق والباطل، حتى تشتبه على بعض الناس ومن أوتى العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل والقياس الفاسد، إنما هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه للشىء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه، فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الإشتباه، والقياس الفاسد، وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه، وإفتراق من وجه، فلهذا كان ضلال بنى آدم من قبل التشابه، والقياس الفاسد لا ينضبط ... وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات).стр. 100
اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ قَائِلُ هَذَا القَوْل مِمَّنْ يُسَمِّي تَقْييدَ المُطْلَقِ وَتَخْصِيصَ العَامِ نَسْخًا، حَتَّى قَدْ يُسَمِّي الاسْتِثْنَاء نَسْخًا، وَهَذَا اصْطِلَاحُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَف، فَكُلُّ آيَةٍ رَفَعَتْ مَا يُظَنُّ مِنْ دَلالَةٍ أُخْرَى قَالُوْا: إِنَّها نَسَخَتْهَا، وَتَسْمِيةُ هَذَا نَسْخًا مُطَابِقٌ لِلغَة، كَمَا سَمَّى اللهُ رَفْعَ مَا أَلْقَى الشَّيطَانُ نَسْخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (١) . الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٣/ ٢٧٢): (قال طائفة من المفسرين المتقدمين: إن المحكم هو الناسخ، والمتشابه المنسوخ، أرادوا - والله أعلم - قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾، والنسخ هنا: رفع ما ألقاه الشيطان، لا رفع مما شرعه الله، وقد أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد وهو أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه تارة، ومقابل المنسوخ أخرى، والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف العام كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق، فإن هذا متشابه؛ لأنه يحتمل معنيين) إلى أن قال: (وتارة يكون الأحكام في إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع، وهو اصطلاحي، أو =стр. 101
وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُوْلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١) . مَعَ أَنَّ هَذِهِ فِي آلِ عِمْرَان، وَهِي الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٣/ ٢٩ - ٣٠): (ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول تفسرها، فإن سنة رسول الله تبين القرآن، وتدل عليه، وتعبر عنه، وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخًا لها، فالنسخ عندهم: اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل، وإن كان ذلك المعنى لم يرد بها، وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية؛ بل قد لا يفهم منها، وقد فهمه منها قوم فيسمون ما رفع ذلك الإبهام والإفهام نسخًا، وهذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد منهم، وأصل ذلك من إلقاء الشيطان ثم يحكم الله آياته فما ألقاه الشيطان في الأذهان من ظن دلالة الآية على معنى لم يدل عليه سمى هؤلاء ما يرفع ذلك الظن نسخًا، كما سموا قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسخًا لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ناسخًا لقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه).стр. 102
مَدَنِيَّةٌ، وَتِلْكَ فِي التَّغَابُنِ وَهِي مَكِّيَّةٌ، أَوْ بَعْضُهَا.
والنَّسْخُ هُوَ: الرَّفْعُ وَالإِزَالَةُ (١) ، فَإِذَا جَاءَتْ آيَةٌ رَفَعَتْ مَا يُظَنُّ دَلالَةَ تِلْكَ الآيَةِ عِلَيهَا كَانَتْ رَفْعًا لِهَذَا الظَّنِّ، وَهَذَا بَيَانٌ.
وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ (٢) أَنَّ النَّسْخَ هُوَ: بَيانُ مَا لَمْ يَرِدْ بِاللَّفْظِ العَامِ فِي الأزْمِانِ مَعْ تَرِاخِيهِ عَنْهُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّخْصِيص، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرَاخِي.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَابُدَّ عِنْد نُزُوْلِ المَنْسُوْخِ مِنْ الاسْتِعَارَةِ بِالنَّاسِخ، وَعَلَى هَذَا: فَالنَّسْخُ عِنْد هَؤلاءِ مِنْ جِنْسِ تَقْيِيدِ المُطْلَق، وَهُوَ بَيَانُ مَا لَمْ يَرِد بِالخِطَاب، وَهَذَا النَّسْخُ لا يُنْكِر أَحَدٌ، لا اليَهُوْدُ ولا غَيرُهُمْ. الحواشي
(١) انظر: روضة الناظر (١/ ٦٩).(٢) منهم: القاضي أبو بكر الباقلاني، والصيرفي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وابن الانباري وغيرهم. انظر: (إرشاد الفحول) ص(٣١٢) .стр. 103
وَتَسْمِيَةُ هَذَا النَّوْعِ نَسْخًا جَائِزٌ لا نِزَاعَ فِيه، لَكِنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُوْلُ: (لا نَسْخَ إِلَّا هَذَا)، هُوَ مَحَلُّ النِّزَاع، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الأُخْرَى تَقَوْلُ فِي النَّسْخِ هُوَ: رَفْعٌ لِلحُكْمِ بَعْد شَرْعِهِ؛ وَلهِذَا يَجُوْزُ النَّسْخُ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْتِ وَقَبْلَ التَّمَكُّن، كَمَا نَسَخَ اللهُ أَمْرَ ابْرَاهِيم بِالذَّبْحِ قَبْلَ التَّمَكُّن، وَنَسَخَ الصَّلَوَاتِ مِنَ الخَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْت، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاء، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الكَلَامِ كَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْن عَقِيلٍ، وَالغَزَّالِيِّ، وأَبَي مُحَمَّدٍ المَقْدِسِيّ، وَغَيرِهِمْ (١) .
وَالْقَوْلُ الأَوْلُ، هُوَ قَوْلُ المُعْتَزِلَة، وَقَدْ وَافَقَتْهُمْ عَلِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِين، كَأَبِي الحَسَنِ الجَزَرِيّ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَكَأَبِي إِسْحَاق الأَسْفَرَايِنِيّ، وَأَبِي الحواشي
(١) انظر: روضة الناظر (١/ ٧٥)، وإرشاد الفحول ص(٣١٥) .стр. 104
المَعَالِيِّ (١) .
لَكِنَّ هَؤُلاءِ تَنَاقَضُوْا، فَإِنَّهُمْ يُجَوّزُوْنَ النَّسْخَ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْت، وَالتَّخْصِيصُ لَا يَكُوْنُ بِرَفْعِ جَمِيعِ مَدْلُوْلِ الخِطَابِ (٢) ، وَطَائِفَةٌ طَرَدَتْ قَوْلَهَا كَأَبِي الحَسَنِ الجَزَرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغِيرِه، فَإِنَّ هَؤُلاءِ وَافَقُوا المُعْتَزِلَةَ فِي المَنْعِ مِنَ النَّسْخِ قَبْل التَّمَكُنِ مِنَ الفِعْل، وَقَبْلَ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٤/ ١٤٦): (والمعتزلة تنكر الحكمة الناشئة من نفس الأمر؛ ولهذا لم يجوزوا النسخ قبل التمكن، وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب أحمد، وغيرهم كأبي الحسن التميمي). وانظر الفتاوى (١٩/ ٢٩٠).(٢) قال شيخ الإسلام في الفتاوى (١٧/ ١٩٨): (فالمعتزلة القدرية: .. لا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحكمة تنشأ من الأمر نفسه؛ ولهذا أنكروا جواز النسخ قبل التمكن من فعل العبادة، كما في قصة الذبيح ونسخ الخمسين صلاة التي أمر بها ليلة المعراج إلى خمس، ووافقهم على منع النسخ قبل وقت العبادة طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر؛ لظنهم أنه لابد من حكمة تكون في المأمور به والمنهى عنه فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما أمر به، وهذا قياس من يقول: إن النسخ تخصيص في الزمان، فإن التخصيص لا يكون برفع جميع مدلول اللفظ لكنهم تناقضوا).стр. 105
حُضُوْرِ الوَقْتِ، وَهَذَا فِي الحقِيقَةِ مُوَافَقَةٌ مِنْهُمْ لَمِنْ مَنَعَ النَّسْخَ مِنَ اليَهُوْدِ.
وَمَنْ حُكِيَ عَنْهُ مِنَ المُسْلِمِينَ المَنْعُ مِنَ النَّسْخِ كَأَبِي مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيِّ (١) ، فَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِ إِذَا كَان التَّخْصِيصُ المُتَّصِلُ لا يَمْنَعَهُ أَحَدٌ مِنْ عُقَلاءِ بَنِي آدَمَ.
وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ مَوْرِدِ الخِطَاب، وَلَا فِي النَّسْخ، كَأَبِي الحُسَينِ البَصْرِيّ، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ: لابُدَّ إِذَا وَرَدَ خِطَابٌ - وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَخَهُ فِيمَا بَعْدُ - أَنْ يُشْعِرَ المُخَاطَبِينَ بِنَسْخِهِ؛ لئَلَّا يُفْضِي إِلَى الحواشي
(١) قال الآمدي في الأحكام (٣/ ١٢٧): (وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا وعلى وقوعه شرعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني، فإنه منع من ذلك شرعًا وجوزه عقلًا، ومن أرباب الشرائع سوي اليهود).стр. 106
تَجْهِيلِهِمْ بِاعْتِقَادِهِ (١) .
وَالجُمْهُوْرُ يَقُوْلُونَ: مَنِ اعْتَقَدَ تَأْبِيدَهُ بِغَيرِ دَلِيلٍ كَانَ قَدْ فَرَّطَ، وَأُتِيَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ.
فَالَّذِينَ قَالُوْا: هَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ قَدْ أَرَادُوْا: أَنَّ قَوْلَهَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ بيَّنَ مَعْنَى قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، وَنَسَخَ مَا يُظَنُّ مِنْ أَنَّهَمْ لا يُقَاتَلُونَ إِلَّا حَالَ المُسَايَفَة، وَهَذَا مَعْنَى صَحِيحٌ لا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا قَوْلٌ مَنْ قَالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ مَنْسُوخٌ.
فَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الاعْتِدَاءَ هُوَ الظُّلْمُ (٢) ، وَاللهُ لا يُبِيحُ الظُّلْمَ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح (٥/ ١٤٧): (هل من شرط النسخ الإشعار بالمنسوخ، ولنظار المسلمين فيه قولان، أحدهما: أنه لا بد إذا شرع حكما يريد أن ينسخه، فلا بد أن يشعر المخاطبين بأنه سينسخه؛ لئلا يظنوا دوامه فيكون ذلك تجهيلا لهم. والثاني: لا يشترط ذلك).(٢) قال شيخ الإسلام في الزهد والورع والعبادة (١/ ٢٨): (والظلم هو الاعتداء).стр. 107
قَطٌّ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالنَّسْخِ بَيَانُ الاعْتِدَاءِ المُحَرَّم، كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 108
[بَيَانُ مَعْنَى الاعْتِدَاءِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ]
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ فِي الاعْتِدَاءِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ (١) :
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ (٢) ، وَمُجَاهِدٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: لا تُقَاتِلُوْا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْكُمْ، قَالَهُ سَعِيدُ بن جُبَيرٍ، وَأَبُو العَالِيَةَ، وَابْنُ زَيدٍ.
والثَّالِثُ: أَنَّهُ إِتْيَانُ مَا نُهُوْا عَنْهُ، قَالَهُ الحَسَنُ.
والرَّابِعُ: أَنَّهُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الثَّانِي وَالرَّابِعَ مَنْسُوْخٌ بآيَةِ السَّيفِ.
فَيُقَالُ: كَثِيرًا مَا يَقُوْلُ بَعْضُ [المُفَسِّرِينَ]: "آيَةُ السَّيفِ"، وَآيَةُ الحواشي
(١) انظر: زاد المسير (١/ ١٩٧).(٢) أخرج ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٩٠) بسنده عن ابن عباس قال: "لا تقتلوا النساء، ولا الصبيان، ولا الشيخ الكبير، ولا من ألقى إليكم السلم، وكف يده، فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم".стр. 109
السَّيفِ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ آَيَةٍ فِيهَا الأَمْرُ بِالجِهَادِ، فَهَذِهِ الآَيَةُ سَيفٌ، وَكَذَلِكَ غَيرُهَا، فَأَين النَّاسِخُ (١) ؟ .
وَإِنْ أُرِيدَ بِآيَةِ السَّيفِ قَوْلُهُ فِي بَرَاءَة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
فَتِلْكَ لا تُنَاقِضُ هَذِهِ فَإِنَّ ذَاكَ مُطْلَقٌ - وَالمُشْرِكُ لَهُ حَالٌ لا يَجُوْزُ الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح (١/ ٢٣٢): (إن القائل إذا قال: إن آية مجادلة الكفار أو غيرها مما يدعي نسخه منسوخة بآية السيف. قيل له: ما تعني بآية السيف، أتعني آية بعينها أم تعني كل آية فيها الأمر بالجهاد؟ . فإن أراد الأول: كان جوابه من وجهين: أحدهما: أن الآيات التي فيها ذكر الجهاد متعددة فلا يجوز تخصيص بعضها)، وقال أيضًا في الفتاوى (٢/ ٣٢): (يوجد كثير من المفسرين يقول في آيات يظن معناها النهي عن الققال: إنها منسوخة بآية السيف)، ومثله ذكره في الصفدية (٢/ ٣٢٠)، وقال أيضًا في الفتاوى (٨/ ٣٢٥): (وبعض المفسرين يقول: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهذا يتوجه إن كان في الآية النهي عن القتال، فيكون هذا النهي منسوخًا ليس جميع أنواع الصبر منسوخة، كيف والآية لم تتعرض لذلك هنا لا بنفي ولا إثبات! )стр. 110
قِتَالُهُ فِيهَا، مِثْلُ:
* أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أَمَانٌ، أَوْ عَهْدٌ (١) .
* كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ (٢) ، - الحواشي
(١) قال شيخ الإسلام في الجواب الصحيح (١/ ٢١٩): (أن من كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم لا يجاهد بالقتال، فهو داخل فيمن أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي هي أحسن، وليس هو داخلًا فيمن أمر الله بقتاله). وقال في الصارم المسلول (٢/ ١٨٢): (لا يجوز قتله - أي المستأمن - بمجرد الكفر، فإن الأمان يعصم دم الحربي، ويصير مستأمنًا).(٢) قال شيخ الإسلام في "الفتاوى" (٢٨/ ٣٥٤): (الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد). وقال أيضًا في الموضع السابق (٢٨/ ٤١٤): (والكافر الأصلي .. لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء كما دلت عليه السنة). وقال أيضًا في الفتاوى (١٦/ ٨٠): (قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ دليل على أنه لا يجوز قتل النفس إلا بذنب منها، فلا يجوز قتل الصبي والمجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهما فلا ذنب لهما، وهذه العلة لا ينبغي أن يشك فيها في النهي عن قتل =следующие страницы →