← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 147669

قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم

ابن تيمية

Полный текст (214 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

منهجي في التحقيق: ١. اتخذت من النسخة الخطية أصلًا في إخراج هذه الرسالة، فقمت بقراءتها قراءة فاحصة، ثم قارنتها بالمطبوعة. ٢. اتبعت جميع ما في النسخة الخطية إلا ما رأيته حريًا بالتصحيح، فإن كانت الكلمة في النسخة ثابتة إلا أنها مصحفة، أو أخطأ الناسخ في كتابتها قمت بتصحيحها. ٣. كل ما كان بين معقوفتين هكذا [] فهو من إضافتي. ٤. خرجت الآيات في آخر الكتاب، والأحاديث والآثار الواردة في مواضعها باختصار شديد خشية الإطالة. * * *

стр. 72

نماذج مصورة للنسخ الخطية

стр. 73

صورة الصفحة الأولى من النسخة الخطية

стр. 74

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية

стр. 75

صورة صفحة العنوان من المطبوعة

стр. 76

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فصل في قتال الكفار هل هو سبب المقاتلة أو مجرد الكفر؟ وفي ذلك قولان مشهوران للعلماء: الأول: قول الجمهور، كمالك، وأحمد بن حنبل، وأبي حنيفة وغيرهم. الثاني: قول الشافعي وربما علل به بعض أصحاب أحمد. فمن قال بالثاني قال: مقتضى الدليل قتل كل كافر، سواء كان رجلا أو امرأة، وسواء كان قادرًا على القتال أو عاجزًا عنه، وسواء سالمنا أو حاربنا. لكن شرط العقوبة بالقتل. أن يكون بالغًا، فالصبيان لا يقتلون لذلك. وأما النساء فمقتضى الدليل قتلهن، لكن لم يقتلن لأنهن يصرن سبيًا بنفي الاستيلاء عليهن، فلم يقتلن لكونهن مالا للمسلمين كما لا تهدم المساكن إذا ملكت. وعلى هذا القول: يقتل الرهبان وغير الرهبان لوجود الكفر. وذلك أن الله علق القتل لكونه مشركا بقوله (فاقتلوا المشركين) فيجب قتل كل مشرك، كما تحرم ذبيحته ومناكحته لمجرد الشرك. وكما يجب قتل كل من بَذلَ دينه لكونه بدله، وإن لم يكن من أهل القتال، كالرهبان. وهذا لا نزاع فيه. وإنما النزاع في المرأة المرتدة خاصة. وقول الجمهور: هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار. فإن الله سبحانه قال (٢: ١٩١ - ١٩٤ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) إلى قوله - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فقوله "الذين يقاتلونكم" تعليق للحكم بكونهم يقاتلوننا. فدل على أن هذا علة الأمر بالقتال. صورة الصفحة الأولى من المطبوعة

стр. 77

صورة الصفحة الأخيرة من المطبوعة

стр. 78

القسم الثاني النص المحقق

стр. 79

قَاعِدَةٌ مُخْتَصَرَةٌ فِي قِتَالِ الكُفَّار وَمُهَادَنَتِهِمَ وَتَحْرِيمِ قَتْلِهِمَ لِمُجَرَّدِ كُفْرهِمَ (قَاعِدِةٌ تبيِّن القِيَم السَّامِية لِلحَضَارَة الإسْلَاميَّةِ في الحَربِ وَالقِتَال) تأليف شيخ الإسْلَام أحْمَد بن عَبْد الحَليم ابْن تيميَّة الحرَّاني (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) حقّقَها ودَرسهَا درَاسَة مُقَارنة د. عبْد العزيز بْن عَبْد اللَّه بن إِبْراهِيم الزِّير آل حمَد غفرَ الله لَه وَلوَالديْه وللمُسلمين

стр. 80

فَصْلٌ في قِتَالِ الكُفَّارِ هَل هُوَ سَبَبُ المُقَاتَلَة، أَو مُجَرَّدُ الكُفْرِ ؟ وفَي ذَلِكَ قَوْلانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ: الأولُ: قَوْلُ الجُمْهُوْر، كَمَالِكٍ، وأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي حَنِيْفَةَ وَغَيْرِهِمْ (١).

стр. 81

الثَّانِي: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَرُبَّما عَلَّلَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ (٢). فَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي، قَالَ: مُقْتَضَى الدَّلِيْلُ قَتْلُ كُلِّ كَافِرٍ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ إِمْرَأَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى القِتَالِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ، وَسَوَاءٌ سَالَمَنا أَوْ حَارَبَنَا؛ لَكِنَّ شَرْطَ العُقُوْبَةِ بِالْقَتْل، أَنْ يَكُوْنَ بَالِغًا، فالصِّبيَانُ لا يُقْتَلُوْنَ لِذَلكَ. وأَمَّا النِّسَاءُ: فَمقْتَضى الدَّليلُ قَتْلُهنُّ، لَكنْ يُقْتلْنَ لأَنَّهنَّ يَصِرْنَ سَبْيًا بِنَفْسِ الاسْتِيَلاءِ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ يُقْتلنْ لِكَونِهنَّ مَالًا للِمُسلمِينَ، كَمَا لا تُهْدمُ المَسَاكِنُ إِذَا مُلِكتْ.

стр. 82

وَعَلى هَذَا القَولِ: يُقْتلُ الرُّهْبَانُ وَغَيرُ الرُّهبَانِ لوُجُودِ الكُفِرِ؛ وذَلك أَنَّ الله عَلَّق القَتْل لِكَونِهِ مُشْرِكًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فَيجِبُ قَتْلُ كُلِّ مُشْرِكٍ، كَمَا تَحْرُمُ ذَبِيْحَتَهُ ومُنَاكَحَتُهُ لِمُجَرَّدِ الشِّركِ. وَكما يَجِبُ قَتْلُ كُلِّ مَنْ بَدَّلَ دِينهُ؛ لِكونِهِ بَدَّلَهُ، وإنْ لمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ، كالرُّهْبَانِ، وهَذَا لا نِزَاعَ فِيهِ (١)، وإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي المَرْأَةِ المُرْتَدَّةِ خَاصَّة (٢).

стр. 83

وَقُوْلُ الجُمْهُورِ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلِيْهِ الكِتَابُ والسُّنّة والإِعْتِبَارُ (١).

стр. 84

[الدَّلِيلُ الأَوَّلُ عَلَى تَحْرِيمِ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنَ الكُفَّارِ] فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. فَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ تَعْلِيقٌ لِلْحُكْمِ بِكَوْنِهِمْ يُقَاتِلُوْنَنَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا عِلَّةَ الأَمْرِ بِالقِتَالِ (١).

стр. 85

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، والعُدْوَانُ: مُجَاوَزَةُ الحدِّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قِتَالَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا عُدْوَانٌ (١)، ويدُلُّ عَلَيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى أنَّه لا يحوز الزِّيَادَة. وَقُوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وَلم يَقُلْ: قَاتِلُوْهُمْ، أَمْرٌ بِقَتْلِ مَنْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ حَيثُ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَائِفَةٍ مُمتنِعَةٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وَالْفِتنَةُ: أَنْ يُفْتَنَ المُسْلمُ

стр. 86

عَنْ دِينِهِ، كما كَانَ المُشْرِكُوْن يَفْتِنُونَ مَنْ أَسْلَمَ عَنْ دِينِهِ (١)؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُوْنُ: إِذَا اعْتَدَوْا عَلَى المُسْلِمِين، وَكَانَ لهمْ سُلْطَانٌ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ قِتَالُهُمْ (٢)، حَتَّى لا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ، حَتَّى لا يَفْتِنِوا مُسْلِمًا، وَهَذَا يَحْصُلُ بِعَجْزِهِمْ عَنْ القِتَالِ، وَلَمْ

стр. 87

يَقُلْ: وَقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوْا (١). وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، وَهَذَا يَحْصُلُ إِذا ظهَرَتْ كَلِمَة الإِسلامِ، وَكَانَ حُكْمُ الله وَرَسوْلِهِ غَالِبًا، فَإِنَّه قَدْ صَارَ الدِّينُ للهِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أنَّا إِذَا قَاتَلْنَا أَهْلَ الكِتَاب، فَإِنَّا نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى لا تَكُوْنَ فِتْنَةٌ، ويكُوْنَ الدِّينُ كُلُّهُ لله، وَهَذَا المَقْصُوْدُ يَحْصُلُ إَذَا أَدَّوا

стр. 88

الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَكَانُوا صَاغِرِين (١). وَقوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوْا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّي رَسُوْلُ الله، فَإِذَا فَعَلُوْا ذَلِكَ عَصَمُوْا مِنِّي دِمَاءَهمْ وَأَمْوَالَهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله" (٢). هُوَ ذِكْرٌ لِلْغَايَةِ الَّتِي يُبَاحُ قِتَالُهُمْ إِلَيهَا، بِحَيثُ إِذَا فَعَلُوْهَا حَرُمَ قِتَالهمْ. وَالمَعْنَى: أَنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتَالِ إِلَّا إِلى هَذِهِ الغَايَةِ. ليسَ المُرَادُ: أَنِّي أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ كُلَّ أحَدٍ إِلَى هَذه الغَايَة (٣)، فَإِنَّ

стр. 89

هَذَا خِلافُ النَّصِّ والإِجْمَاعِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا قَطٌ، بَلْ كَانَت سِيرتُهُ أَنَّ مَنْ سَالمَهُ لَمْ يُقَاتِلْهُ (١).

стр. 90

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 91

وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ والإِجْمَاعِ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ والمَجُوْسِ إِذَا أَدَّوْا الجِزْيةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُوْنَ حَرُمَ قِتَالهمْ (١). وَقَد اِدَّعَى طَائِفَةٌ أَنَّ هَذِهِ الآيةَ مَنْسُوْخَةٌ، يَعْنِي قَوْلَه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. قَالَ أبوْ الفَرَجِ (٢): اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: هَلْ هَذِهِ الآيَة مَنْسُوْخَة أَمْ

стр. 92

لا؟ عَلَى قَوْلَينِ: أَحَدُهُمَا: بِأَنَّهَا مَنْسُوْخَةٌ، واخْتَلَفَ أَرْبَابُ هَذَا القَوْل في المَنْسُوْخِ مِنْهَا عَلَى قَوْلَينِ: أَحَدُهُمَا: أنَّهُ أَوَّلُها، وَهُوَ قَولهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾. قَالُوْا: وَهَذَا يَقْتَضي أَنَّ القِتَالَ مُبَاحٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَلَ مِنَ الكُفَّار، وَلا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.

стр. 93

[بَيَانُ مَعْنَى الاعْتِدَاء، وَأنَّهُ غَيرُ مَنْسُوخٍ] الثَّانِي: أَنَّ المَنْسُوْخَ مِنْهَا: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾. وَلهِؤُلَاءِ فِي هَذَا الاعْتِدَاءِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أنَّهُ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ. الثَّانِي: أنَّهُ ابْتِدَاءُ المُشْرِكِينَ بِالقِتَالِ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِآيةِ السَّيفِ. قَالَ (١): والقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَمَعْنَاهَا عِنْدَ أَرْبَابِ هَذَا القَوْلِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، وَهُمُ الَّذِينَ أعَدُّوْا أَنْفُسَهَمْ لِلْقِتَالِ. فَأَمَّا مَنْ لَيسَ بِمُعِدٍّ نَفْسَهُ لِلْقِتَالِ، كَالرُّهْبَانِ، والشُّيُوْخِ الفُنَاةِ، والزُّمْنَى، والمَكَافِيفِ، والمَجَانِين، فَإِنَّ هَؤُلاءِ لا يُقَاتَلُوْن، فَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ غَيرُ مَنْسُوخٍ.

стр. 94

قُلْتُ: هَذَا القَوْلُ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَمَاء، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَغَيرِهِمْ. والقَوْلُ الأَوْلُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ دَعْوَى النَّسْخَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَيسَ فِي القُرْآنِ مَا يُنَاقِض هَذِهِ الآيَة، بَلْ فِيهِ مَا يُوافِقُهَا، فَأَينَ النَّاسِخُ؟

стр. 95

[تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾] وَقَوْلهُمْ: هَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ القِتَالَ مُبَاحٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَل مِنَ الكُفَّار، وَلا يُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَهَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. يُقَالُ: قَوْلُهُ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. مَذْكُوْرٌ فِي مَوْضِعَينِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا الموْضِعُ، وَهُوَ قَولُهُ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾، وَهَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾. فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى هَؤُلاءِ الَّذِين يُقَاتِلُونَ المُؤْمِنِينَ، هَمُ الَّذِين قَالَ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، وَهَذَا لا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ؛ بَلْ مَنْ كَانَ مِنَ المُحَارِبِينَ المُقَاتِلِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلْ حَيثُ ثَقِف، وَلَيس مِنْ حُكْمِهِ أَنْ لا يُقَاتَلَ إِلَّا فِي حَالَ قِتَالِه، بَلْ مَتَى كَانَ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ

стр. 96

الَّذي يُحِيفُ المُسْلِمِينَ، وَمنْ شأَنِهِ أَنْ يُقَاتِلَ، قُتِل قَائِمًا، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ نَائِمًا. وَهُوَ يُقْتَلُ أَسِيرًا، فَقَدْ قَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَيرَ وَاحِدٍ بَعْدَ الأَسْر، مِثْل: عُقْبَة بنِ أَبِي مُعَيطٍ، وَالنَّضْرِ بنِ الحارِثِ (١)، وَحَكَّمَ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيظَةَ - لمَّا نَزَلُوْا - أَنْ يَقْتُلَ مُقَاتِلَهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيهِمْ، فَقَتَلَهُمْ كُلَّهُمْ، وَكَانُوْا مِائَتَين (٢).

стр. 97

ثُمَّ ذَكَرَ ﵀ حَدِيثَ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنْ المُشْرِكِينَ، يَبِيتُوْنَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ؟ فَقَالَ: "هُمْ مِنْهُمْ" (١). قَالَ: وَهَذَا لا يُنَاقِضُ نَهْيَهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَان، فَإِنَّ هَذَا إِذَا أُصِيبُوْا بِغَيرِ تَعَمُّدٍ لَهمْ، وَذَاك إِذَا تَعَمَّدُوْا، فَإِنَّهُمْ لَيسُوْا كَصِبْيَانِ المُسْلِمِين وَذُرِّيَّتَهُمْ، وَلا كَأَهْلِ العَهْد، فَإِنِّ لهِؤُلاءِ عِصْمَةً مَضْمُوْنَةً، وَمُؤْتَمَنَةً بِالأَيمَانِ وَالأَمَانِ. وَنِسَاءُ أَهْلِ الحَرْبِ وِصِبْيَانُهُمْ لِيسَ لَهُمْ عِصْمَةٌ مَضْمُوْنَةٌ، وَلَكِنْ لا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ عَمْدًا، إِذَا كَانوْا لَيسُوا مِنْ أَهْلِ القِتَالِ. وِإِذَا قُتِلُوْا فِي الحِصَار وَالبَيَاتِ، فَلَيسَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَدَعُوْا

стр. 98

مَا أُمِرُوْا بِهِ مِنْ الجِهَادِ لِئَلَّا يُصَابَ مِثْل هَؤُلاءِ (١).

стр. 99

فَمَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهَ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾، - إِنْ كَانَ قَدْ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أَنَّهُمْ لا يُقْتَلُوْن إِلَّا حَالَ قِتَالهِمْ - فَقَدْ غَلِطَ فِي فَهْمِ الآيَة، وَكَيفَ تَكُوْنُ مَنْسُوْخَة بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾! ! .

стр. 100

اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ قَائِلُ هَذَا القَوْل مِمَّنْ يُسَمِّي تَقْييدَ المُطْلَقِ وَتَخْصِيصَ العَامِ نَسْخًا، حَتَّى قَدْ يُسَمِّي الاسْتِثْنَاء نَسْخًا، وَهَذَا اصْطِلَاحُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَف، فَكُلُّ آيَةٍ رَفَعَتْ مَا يُظَنُّ مِنْ دَلالَةٍ أُخْرَى قَالُوْا: إِنَّها نَسَخَتْهَا، وَتَسْمِيةُ هَذَا نَسْخًا مُطَابِقٌ لِلغَة، كَمَا سَمَّى اللهُ رَفْعَ مَا أَلْقَى الشَّيطَانُ نَسْخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (١).

стр. 101

وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُوْلُ: قَوْلُهُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١). مَعَ أَنَّ هَذِهِ فِي آلِ عِمْرَان، وَهِي

стр. 102

مَدَنِيَّةٌ، وَتِلْكَ فِي التَّغَابُنِ وَهِي مَكِّيَّةٌ، أَوْ بَعْضُهَا. والنَّسْخُ هُوَ: الرَّفْعُ وَالإِزَالَةُ (١)، فَإِذَا جَاءَتْ آيَةٌ رَفَعَتْ مَا يُظَنُّ دَلالَةَ تِلْكَ الآيَةِ عِلَيهَا كَانَتْ رَفْعًا لِهَذَا الظَّنِّ، وَهَذَا بَيَانٌ. وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ (٢) أَنَّ النَّسْخَ هُوَ: بَيانُ مَا لَمْ يَرِدْ بِاللَّفْظِ العَامِ فِي الأزْمِانِ مَعْ تَرِاخِيهِ عَنْهُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّخْصِيص، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّرَاخِي. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَابُدَّ عِنْد نُزُوْلِ المَنْسُوْخِ مِنْ الاسْتِعَارَةِ بِالنَّاسِخ، وَعَلَى هَذَا: فَالنَّسْخُ عِنْد هَؤلاءِ مِنْ جِنْسِ تَقْيِيدِ المُطْلَق، وَهُوَ بَيَانُ مَا لَمْ يَرِد بِالخِطَاب، وَهَذَا النَّسْخُ لا يُنْكِر أَحَدٌ، لا اليَهُوْدُ ولا غَيرُهُمْ.

стр. 103

وَتَسْمِيَةُ هَذَا النَّوْعِ نَسْخًا جَائِزٌ لا نِزَاعَ فِيه، لَكِنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُوْلُ: (لا نَسْخَ إِلَّا هَذَا)، هُوَ مَحَلُّ النِّزَاع، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ الأُخْرَى تَقَوْلُ فِي النَّسْخِ هُوَ: رَفْعٌ لِلحُكْمِ بَعْد شَرْعِهِ؛ وَلهِذَا يَجُوْزُ النَّسْخُ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْتِ وَقَبْلَ التَّمَكُّن، كَمَا نَسَخَ اللهُ أَمْرَ ابْرَاهِيم بِالذَّبْحِ قَبْلَ التَّمَكُّن، وَنَسَخَ الصَّلَوَاتِ مِنَ الخَمْسِينَ إِلَى خَمْسٍ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْت، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاء، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الكَلَامِ كَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْن عَقِيلٍ، وَالغَزَّالِيِّ، وأَبَي مُحَمَّدٍ المَقْدِسِيّ، وَغَيرِهِمْ (١). وَالْقَوْلُ الأَوْلُ، هُوَ قَوْلُ المُعْتَزِلَة، وَقَدْ وَافَقَتْهُمْ عَلِيهِ طَائِفَةٌ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُتَكَلِّمِين، كَأَبِي الحَسَنِ الجَزَرِيّ، وَالقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَكَأَبِي إِسْحَاق الأَسْفَرَايِنِيّ، وَأَبِي

стр. 104

المَعَالِيِّ (١). لَكِنَّ هَؤُلاءِ تَنَاقَضُوْا، فَإِنَّهُمْ يُجَوّزُوْنَ النَّسْخَ قَبْلَ مَجِيءِ الوَقْت، وَالتَّخْصِيصُ لَا يَكُوْنُ بِرَفْعِ جَمِيعِ مَدْلُوْلِ الخِطَابِ (٢)، وَطَائِفَةٌ طَرَدَتْ قَوْلَهَا كَأَبِي الحَسَنِ الجَزَرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغِيرِه، فَإِنَّ هَؤُلاءِ وَافَقُوا المُعْتَزِلَةَ فِي المَنْعِ مِنَ النَّسْخِ قَبْل التَّمَكُنِ مِنَ الفِعْل، وَقَبْلَ

стр. 105

حُضُوْرِ الوَقْتِ، وَهَذَا فِي الحقِيقَةِ مُوَافَقَةٌ مِنْهُمْ لَمِنْ مَنَعَ النَّسْخَ مِنَ اليَهُوْدِ. وَمَنْ حُكِيَ عَنْهُ مِنَ المُسْلِمِينَ المَنْعُ مِنَ النَّسْخِ كَأَبِي مُسْلِمٍ الأَصْفَهَانِيِّ (١)، فَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِ إِذَا كَان التَّخْصِيصُ المُتَّصِلُ لا يَمْنَعَهُ أَحَدٌ مِنْ عُقَلاءِ بَنِي آدَمَ. وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ البَيَانِ عَنْ مَوْرِدِ الخِطَاب، وَلَا فِي النَّسْخ، كَأَبِي الحُسَينِ البَصْرِيّ، فَإِنَّهُ يَقُوْلُ: لابُدَّ إِذَا وَرَدَ خِطَابٌ - وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَخَهُ فِيمَا بَعْدُ - أَنْ يُشْعِرَ المُخَاطَبِينَ بِنَسْخِهِ؛ لئَلَّا يُفْضِي إِلَى

стр. 106

تَجْهِيلِهِمْ بِاعْتِقَادِهِ (١). وَالجُمْهُوْرُ يَقُوْلُونَ: مَنِ اعْتَقَدَ تَأْبِيدَهُ بِغَيرِ دَلِيلٍ كَانَ قَدْ فَرَّطَ، وَأُتِيَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ. فَالَّذِينَ قَالُوْا: هَذَا مَنْسُوْخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ قَدْ أَرَادُوْا: أَنَّ قَوْلَهَ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾ بيَّنَ مَعْنَى قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، وَنَسَخَ مَا يُظَنُّ مِنْ أَنَّهَمْ لا يُقَاتَلُونَ إِلَّا حَالَ المُسَايَفَة، وَهَذَا مَعْنَى صَحِيحٌ لا يُنَاقِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا قَوْلٌ مَنْ قَالَ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ مَنْسُوخٌ. فَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الاعْتِدَاءَ هُوَ الظُّلْمُ (٢)، وَاللهُ لا يُبِيحُ الظُّلْمَ

стр. 107

قَطٌّ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالنَّسْخِ بَيَانُ الاعْتِدَاءِ المُحَرَّم، كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 108

[بَيَانُ مَعْنَى الاعْتِدَاءِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ] وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الفَرَجِ فِي الاعْتِدَاءِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ (١): أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ (٢)، وَمُجَاهِدٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: لا تُقَاتِلُوْا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْكُمْ، قَالَهُ سَعِيدُ بن جُبَيرٍ، وَأَبُو العَالِيَةَ، وَابْنُ زَيدٍ. والثَّالِثُ: أَنَّهُ إِتْيَانُ مَا نُهُوْا عَنْهُ، قَالَهُ الحَسَنُ. والرَّابِعُ: أَنَّهُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الثَّانِي وَالرَّابِعَ مَنْسُوْخٌ بآيَةِ السَّيفِ. فَيُقَالُ: كَثِيرًا مَا يَقُوْلُ بَعْضُ [المُفَسِّرِينَ]: "آيَةُ السَّيفِ"، وَآيَةُ

стр. 109

السَّيفِ اسْمُ جِنْسٍ لِكُلِّ آَيَةٍ فِيهَا الأَمْرُ بِالجِهَادِ، فَهَذِهِ الآَيَةُ سَيفٌ، وَكَذَلِكَ غَيرُهَا، فَأَين النَّاسِخُ (١)؟ . وَإِنْ أُرِيدَ بِآيَةِ السَّيفِ قَوْلُهُ فِي بَرَاءَة ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فَتِلْكَ لا تُنَاقِضُ هَذِهِ فَإِنَّ ذَاكَ مُطْلَقٌ - وَالمُشْرِكُ لَهُ حَالٌ لا يَجُوْزُ

стр. 110

قِتَالُهُ فِيهَا، مِثْلُ: * أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أَمَانٌ، أَوْ عَهْدٌ (١). * كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ القِتَالِ (٢)، -
следующие страницы →