← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147671

مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق

الإسنوي

Полный текст (660 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وسماه "المعتبر فى اختصار المختصر". (٤٠) وخرج أحاديثه ابن الملقن، وله شرح المختصر أيضًا (١). وعلى "منهاج الوصول إلى علم الأصول" (٢) للقاضى ناصر الدين عبد اللَّه بن عمر البيضاوى، المتوفى سنة ٦٨٥ هـ (١٣٨٣ م). قامت مؤلفات كثيرة منها: (٤١) شرح فخر الدين أبى المكارم أحمد بن حسن التبريزى الجاربردى، المتوفى سنة ٧٤٦ هـ (١٣٤٥ م)، وسماه "السراج الوهاج". (٤٢) شرح الأسنوى، وسماه "نهاية السول فى شرح منهاج الأصول" (٣). (٤٣) شرح القاضى عبد اللَّه بن محمد التبريزى، المتوفى سنة ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م). (٤٤) شرح غياث الدين محمد بن محمد الواسطى، المتوفى سنة ٧١٨ هـ (١٣١٨ م). (٤٥) شرح شمس الدين محمد بن يوسف الجزرى الشافعى، المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (١٣٣٢ م). (٤٦) شرح تاج الدين عبد الوهاب السبكى، المتوفى سنة ٧٧١ هـ (١٣٦٩ م). (٤٧) شرح سراج الدين عمر بن على بن الملقن، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ (١٤٠١ م). (٤٨) شرح نور الدين فرج بن محمد الأردبيلى، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م). (٤٩) شرح برهان الدين عبد اللَّه بن محمد الفرغانى الطبرى، المتوفى سنة ٧٤٣ هـ (١٣٤٢ م).

стр. 107

(٥٠) ونظمه شمس الدين عبد الرحيم العراقى، المتوفى سنة ٨٠٦ هـ (١٤٠٣ م). (٥١) وخرج أحاديثه العراقى السابق. (٥٢) ونظمه أيضًا محمد بن عثمان الزرعى، المتوفى سنة ٧٧٩ هـ (١٣٧٧ م). (٥٣) وشرحه أيضًا يوسف بن حسن التبريزى، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ (١٤٠١ م). (٥٤) وعليه نكت لأبى زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقى، المتوفى سنة ٨٢٦ هـ (١٤٢٣ م)، سماه "التحرير لما فى منهاج الأصول" (١). وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن الباب الأول. * * *

стр. 108

الباب الثانى فى جمال الدين الأسنوى من مولده إلى وفاته الفصل الأول نتكلم فى هذا الفصل عن: ١ - التعريف به: هو الإمام جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن الحسن بن على بن عمر الأموى الأسنوى (١) نسبة إلى البلدة التى نزلت بها أسرته واستقرت، وولد فيها ونشأ وترعرع على صعيدها وتغذى من لبانها، وهى بلدة إسنا (٢) إحدى مدن صعيد

стр. 109

مصر الأعلى واقعة على الشاطئ الغربى للنيل، وهى الآن مركز يتبع محافظة قنا، آخر مركز فيه من جهة أسوان. ٢ - نسبه: أما نسبه: فهو نسب أصيل، ويزداد ذلك شرفًا بكونه يلتقى ببيت النبوة، وبالإمام الأعظم محمد بن إدريس صاحب المذهب الشافعى فى بنى عبد مناف. فهو أموى، قرشى عربى أصيل. حوى من مواريث النبوة إرثه ... وحاز حقيقًا سهمه غير عائل (١) أما كيفية صلته ببيت النبوة فيتضح ذلك من تمام نسبه. يقول صاحب المنهل الصافى عند التعريف به (٢) هو: عبد الرحيم بن الحسن بن على بن عمر بن على بن إبراهيم بن على بن الحكم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحسن بن عمر بن الحكم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو محمد القرشى الأموى الأسنوى. فهو يلتقى مع النبى ﷺ فى بنى عبد مناف. أما التقاؤه مع الإمام الشافعى -رضى اللَّه عنه- فى نسب واحد، فلما هو ثابت من التقاء الشافعى نسبا مع النبى ﷺ فى بنى عبد مناف بلا خلاف.

стр. 110

فالإمام الشافعى هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد اللَّه بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف (١). فالمطلب جد الإمام الشافعى، وعبد شمس جد الأسنوى وهاشم جد النبى ﷺ إخوة، وهم جميعًا أولاد عبد مناف الذى يعتبر الجد الأكبر للجميع. ٣ - مولده: اتفقت كتب التاريخ على أنه ولد بإسنا فى سنة ٧٠٤ هـ أربع وسبعمائة من الهجرة، سنة ١٣٠٤ م أربع وثلثمائة وألف من الميلاد، ولم تختلف فى مكان ولادته ولا فى السنة التى ولد فيها، ولكنه قد حصل الخلاف فى تحديد اليوم والشهر من السنة. فالبعض يذكر أنه ولد فى رجب سنة أربع وسبعمائة (٢)، والبعض الآخر يذكر أنه ولد فى أواخر سنة ٧٠٤ هـ فى شهر ذى الحجة (٣). وقد زاد البعض وضوحًا فقال: فى العشر الأواخر من ذى الحجة سنة أربع وسبعمائة (٤). ويترجح عندى أن التاريخ الأخير هو الصحيح وهو ما عليه جمهور المؤرخين، فقد جاء فى الدرر: "ولد سنة أربع وسبعمائة فى العشر الأخير من ذى الحجة على ما ذكر هو فى طبقات الشافعية له، وجاء فى طبقاته عند الكلام عن عمه وكانت ولادتى فى آخر سنة أربع وسبعمائة" (٥). ويؤكد ذلك أيضًا ذكر البعض بأنه قد توفى وعنده من العمر سبع وستون سنة ونصف. قال فى روضات الجنات: (٦) "توفى فى جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، وله سبع وستون سنة ونصف".

стр. 111

رسم توضيحى لهذا النسب عبد مناف سنة ٤٣٠ م المطلب. . . عبد شمس. . . هاشم هاشم. . . أمية. . . عبد المطلب عبد يزيد. . . أبو العاص. . . عبد اللَّه سنة ٥٤٥ م عبد اللَّه. . . الحكم. . . محمد ﷺ سنة ٥٧١ م السائب. . . مروان شافع. . . عبد الملك عثمان. . . الحكم العباس. . . عبد الرحمن إدريس. . . محمد محمد "الإمام الشافعى". . . عبد اللَّه . . . عبد الرحمن . . . الحكم . . . عمر . . . الحسن . . . عبد اللَّه . . . عبد الرحمن . . . الحكم . . . عمر . . . الحسن . . . عبد اللَّه . . . عبد الرحمن . . . الحكم . . . على . . . إبراهيم . . . على . . . عمر . . . على . . . الحسن . . . عبد الرحيم "الأسنوى"

стр. 112

ومع اتفاق المؤرخين على أنه ولد فى سنة ٧٠٤ هـ (١٣٠٤ م) إلا أن هناك من قال بأنه قد ولد فى سنة ٧٧٢ هـ. وقد ذكر ذلك الشيخ بخيت عند التعريف به فى مقدمة التحقيق لكتابه "نهاية السول"، فقال: (١) "ولد سنة ٧٧٢ هـ" ثم إنه يذكر بعد ذلك -عند الكلام عن نشأته- (٢) "أنه قدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ إحدى وعشرين وسبعمائة". ويتضح لنا من ذلك أن التاريخ الذى ذكره الشيخ بخيت لولادته خطأ. وكان من الممكن أن نعتبر ذلك خطأ مطبعيًا لولا أنه ضبط ذلك التاريخ فقال: ولد بصعيد مصر الأعلى فى أواخر ذى الحجة سنة ٧٧٢ هـ اثنتين وسبعين وسبعمائة. ولعل هذا سهو منه وقع له عند ذكر تاريخ الولادة فذكر بدلًا منه تاريخ الوفاة. ولا يمكن أن نعتبر ذلك منه قصدًا. وإلا لما ذكر بعد ذلك أنه قدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ. ثم إنه يذكر بعد ذلك التاريخ مباشرة قوله: "وصلى عليه ثلاث مرات أولاهن بجامع الحاكم لكثرة المشيعين، والأخيرة عند قبره"، وهذا ما يؤكد وجهة نظرنا فى سبب ذكر الشيخ بخيت هذا التاريخ لولادته. ٤ - نشأته وحياته: نشأ الأسنوى ﵀ فى بلدته إسنا التى تمت ولادته بها. وتعهده أبوه بالرعاية الكاملة، ورباه تربية فاضلة، ونشّأه تنشئة عربية، وثقفه ثقافة دينية وفقهية مما كان له الأثر الأكبر فى نبوغه العلمى والفكرى وجلوسه على كرسى الرئاسة فى زمانه، وخضوع العلماء له بالولاء واعترافهم بفضله عليهم فى حياته وبعد مماته. ولا غرو أن ينشئه أبوه هذه التنشئة، فأبوه عالم وفاضل كبير، بل هو من بيت كله علم ويموج بالثقافة الفكرية فى جميع مجالاتها. وسنوضح ذلك أكثر فى مكانه عند الكلام عن ثقافته. لقد حفظ الأسنوى القرآن الكريم فى صغره، وجَدّ فى حفظ متون العلم حتى حفظ كتاب التنبيه للشيرازى فى فقه الإمام الشافعى -رضى اللَّه عنه- وأدام الاشتغال

стр. 113

ببلدته إسنا حتى قدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ (١٣٢١ م) إحدى وعشرين وسبعمائة هجرية بعد وفاة والده بثلاث سنين؛ للأخذ عن علمائها المشهورين، فبعد أن استوى عود جمال الدين، وهو شاب يافع، ورسخت قدمه فى العلوم العربية والشرعية، هجر بلده إسنا واستقر فى القاهرة سنة ٧٢١ هـ، وفيها تكاملت ثقافته العامة، ونبغ فى علوم الفقه والعربية، حتى بَزَّ معاصريه فى الفقه الشافعى، بحيث صار شيخ الشافعية، ومفتيهم ومصنفهم ومدرسهم فى الديار المصرية. فقد نزل بدار الحديث الكاملية، وكرس حياته جلَّها فى خدمة العلم والدين حتى آخر لحظة من حياته، ونال درجة الأستاذية التى أهَّلته لتدريس التفسير بالجامع الطولونى، والفقه بالمدرسة الملكية، والمدرسة الأقبغاوية، والمدرسة الفارسية والمدرسة الناصرية، والمدرسة الصالحية. (٥) اشتغاله بالحياة السياسية والإدارية: ولم تقتصر حياة الأسنوى على الاشتغال بالعلم فقط بل شارك أيضًا فى الحياة السياسية ونظم إدارتها، وتوفر له من ذلك نصيب كبير -مع احترازه وتمنعه؛ لانشغاله بالتأليف والتصنيف- ولكنها كانت تفرض عليه فى بعض الأحيان، لكونه كريمًا فاضلًا عند الجميع، ولا يقدر على حمل عبء هذه المناصب غيره مع وجوده. . ومع ذلك فكان عالى الهمة، عزيز المقدار، لا يجرى وراء جاه ولا مال، ولا يتودد إلى الأمراء والحكام طمعًا فى منصب أو جاه، بل هم الذين كانوا يتوددون إليه ويطلبون علمه وفضله. ومن هذه المناصب التى تولاها: رئاسة الحسبة مكرها، ووكالة بيت المال (وزير المالية)، ونظارة الكسوة، ولكنه عزل نفسه وقدم استقالته من عمل الحسبة، وذلك لكلام وقع بينه وبين الوزير ابن قزينة سنة ٧٦٢ هـ (١٣٦٠ م) (١)، وأبت نفسه العلية أن تذل أو تخضع فى طلب منصب دنيوى أو جاه. ثم بعد ذلك ترك الحياة السياسية كلية وتفرغ للعلم وخدمته، وذلك حينما عزل نفسه من وكالة بيت المال أيضًا دون تأثير من أحد.

стр. 114

٦ - ثقافته: لقد تعددت جوانب الثقافة عند الأسنوى، حتى شملت جميع فروع العلم والمعرفة، فهى لغوية، دينية، أصولية، فقهية، وبتعبير آخر هى ثقافة إسلامية شاملة، فلقد فتح الإمام الأسنوى عينيه على بيت يموج بالعلم والمعرفة، وأحاطه جو الأسرة الكبيرة بنور العلم والعرفان، يرى وفود العلماء وهى تنسل إلى مجلس أبيه وعمه، وخاله وأخيه، ينهلون من علمهم ويفيدون فوائده. فليس غريبًا أن يبدأ الأسنوى فى التحصيل مبكرًا، وأن يحفظ القرآن فى صغره، ويتتلمذ على أساتذة عصره وعظمائهم الأجلاء. ولم يكتف الأسنوى بتلقيه العلم على يد هؤلاء الأعلام، وإنما اتجه إلى التحصيل بنفسه، وأقبل على العلم بهمة فتية ونفس مشوقة، حتى أصبح بلا نزاع أستاذ عصره، وتتلمذ على يديه أغلب علماء دهره. وأول ما يستلفت النظر فى ثقافة الأسنوى أنها ثقافة قد تعددت جوانبها، ولقد حظى الفقه عنده باهتمام خاص، حيث كان الفقه فى ذلك الوقت قد نال اهتمام العلماء لحاجة الناس إليه، ولتصدرهم به مناصب الفُتيا والقضاء. وقد ضرب جمال الدين الأسنوى بسهم وافر فى هذا المجال، كما اهتم بأصول الفقه، وصنف فى ذلك كتابًا جليلًا طالما عكف عليه الدارسون والباحثون، "نهاية السول" جمعه من مائة مصنف ومؤلف. كما اهتم بالتاريخ، وألف فى ذلك كتابه الطبقات، ولم يكن تأليفه لهذا الكتاب لفكرة عابرة أرقته فسجلها فى كتاب، وإنما كان يعد لذلك منذ صباه، ويكلف بأخبار العلماء بجمعها، وكلما وقع نظره على شاردة قيدها، أو حادثة أمعن النظر فيها، حتى إذا استقام عوده ونضجت ثقافته وكثرت تجاربه، وملك زمام القول، أفرغ هذا كله فى كتابه الطبقات، مارًا بك على رياض الفكر، وقد كان تمام جمعه له بعد عشرين سنة من بدء جمعه (١).

стр. 115

كما اهتم كذلك بالنحو وأصوله، وألف فى ذلك كتابه المهم "الكوكب الدرى" بل وصل به المطاف إلى التأليف فى أغلب أصول العلم وفروعه. وسنحصى الكلام فيما يأتى عن فقهه حيث هو الذى يعنينا فى هذا النطاق. ٧ - الإمام الأسنوى الفقيه: (فقهه): لقد بلغ الأسنوى فى الفقه مرتبة لا يضاهيه فيها أحد من أهل زمانه، فلقد اهتم به واشتغل فيه؛ فحقق، ودقق، وهذب وصنف، وألف حتى نال درجة الاجتهاد فى المذهب (١). ولئن كان علماء تاريخ التشريع الفقهى يقدرون أن الإمام النووى هو آخر المحققين، ومن به درجة الترجيح من أصحاب الشافعى -فإننى أنقض هذا بالإمام الأسنوى الذى تحققت فيه هذه الدرجة، وذلك بالعوامل الكثيرة التى توافرت له وجعلته يحتل هذه المرتبة بجدارة. يقول ابن الصلاح فى فتاويه: "إن الشيخ أبا إسحاق وإمام الحرمين والغزالى مجتهدون مقيدون. وهذا هو ضابط أصحاب الوجوه" (٢). ويقول الأسنوى: "وقد اتفق لى مثل هذا فى ثلاثة تصانيف فيما صنفته فى هذا المعنى. أحدها: مع النووى فى كتابى المسمى بـ "التنقيح فى الاستدراك على التصحيح". والثانى: مع ابن الرفعة فى كتابى المسمى بـ "الهداية إلى أوهام الكفاية". والثالث: مع الرافعى، والنووى فى كتابى "المهمات" الذى يتعين تحصيله على كل فقيه شافعى خصوصًا القضاة والمفتين والمدرسين". وبهذا يكون الأسنوى قد بلغ فى الفقه مرتبة الأئمة الذين لا خلاف بين العلماء

стр. 116

على أنهم من مجتهدى المذهب، وبقولهم يفتى ويؤخذ، كالرافعى، والنووى، وابن الحداد. وبلغ من شدة حرصه على العلم وتحقيقه للمذهب أنه قد اطلع على جميع كتب المتقدمين عليه والمحدثين مما لا يقع تحت حصر، بل بلغ به المطاف اطلاعه على ما لم يطلع عليه أشهر أئمة المذهب، وهما: الرافعى، والنووى. يقول الأسنوى فى مؤلفاتهما -ويمثل بالشرح الكبير للرافعى والروضة للنووى: "إنها قد حوت من الأمور الخفية المخالفة للمذهب" وفيها من القوائل القديمة المشارك، والدسائس الخفية المدارك مما لا يهتدى إليها إلا من يسره اللَّه لذلك، وهيأه لما هنالك. فقطع عنه القواطع والعوائق، ودفع عنه الموانع. وانتصب للفحص، ولازم النظر، وألف السهاد ودوام السهر، وأمعن النظر فى نصوص الشافعى المتفرقة، وتتبع كتب الأصحاب طبقة بعد طبقة، وعمر بمطالعتها عمره، وبمراجعتها دهره، وأكثر التفتيش والتنقيب والتردد إلى الباب بعد الباب" (١). هذه الأسباب، بزيادات قد تيسرت للإمام الأسنوى، فهو يقول: "وقد تيسر لى -بحمد اللَّه- مع ذلك من مؤلفات الشافعى وأصحابه وخصوصًا الأقدمين منهم ما لم يطرق بالكلية أذن أكثر المكثرين، ولم أعلمه قد اجتمع فى مدينتنا عند أحد العصريين، هذا وهى اليوم أعظم مدن الإسلام، ومجمع العلم وموطن الأعلام، ومحط رحال أولى المحابر والأقلام" (٢). "وقد تيسر لى -بحمد اللَّه تعالى- ما وقف عليه النووى من هذه النصوص بزيادة الإملاء والأمالى، ونهاية الاختصار للمزنى وهو عزيز الوجود" (٣). وإذا أخذنا نموذجًا لمؤلفاته فى الفقه ورجعنا إلى كتابه المهمات كأحد هذه النماذج، لظهر لنا أنه قد اطلع على جميع الكتب التى ظهرت فى مذهب الشافعى، بنفسه، وكان يقتنى من كل مؤلف، نسخه بمكتبته التى حَوَت نفائس الكتب فى جميع الفنون، حتى أخرج لنا كتابه "المهمات" الذى لا غنى عنه لكل فقيه شافعى.

стр. 117

يقول الأسنوى (١): "فهذه الكتب التى وقعت عليها ونقلت منها بغير واسطة إلى حالة وضع هذا الفصل على نقصان فى نحو العشرين منها نقصانًا متفاوتًا بالنسبة إلى القلة والكثرة -وذكر لنا حوالى ١٦٠ مائة وستين كتابًا- وغالبها جارية فى ملكى -بحمد اللَّه تعالى- وذلك كله خارج عن كتب النووى فمن بعده إلى زمننا. وفى ظنى أن هذا العدد لم يتيسر الوقوف عليه لأحد ممن صنف الفروع، فإنك إذا استقريت كتب الشافعية المنقولة وجدت الرافعى أكثرهم اطلاعًا على المصنفات، مع أنه ﵀ كان شديد التثبت والاحتراز فى النقل، لا يطلق نقلا من كتاب إلا إذا رآه فيه، فإن لم يقف عليه عزاه إلى حاكيه، وغالب ما وقف عليه الرافعى إنما هو من الطبقات المتأخرة عن الأربعمائة إلى زمانه. وأما المتقدمة عليها فنادر جدًا، لاسيما كتب الشافعى نفسه، بل فإنه أيضًا مما بعد الأربعمائة أصول كثيرة هى أمهات مطولات، ككتاب التقريب وتعليق البندنيجى، وكتب الفورانى، وتعليق القاضى أبى الطيب، وأكثر تعليق الشيخ أبى حامد، والحاوى للماوردى، وكتب الدارمى كلها، وكتب سليم الرازى جميعها، وكتب الشيخ نصر المقدسى بأسرها، وعدة أبى الحسين الطبرى، وغير ذلك مما لا يخطر بالبال" (٢).

стр. 118

الفصل الثانى فى العوامل التى ساعدت على تكوين ثقافة الأسنوى وازدهارها لقد كان هناك عدة عوامل ساعدت فى مجموعها على تكوين هذه الثقافة العلمية الكبرى، وهذه العوامل هى: العامل الأول: تنشئته: ما سبق أن ذكرناه فى نشأته، من اهتمام والده به، وتثقيفه ثقافة دينية خاصة فى مبدإ حياته، ومقتبل عمره. العامل الثانى: أسرته وعائلته: لقد كان لأسرة جمال الدين الأسنوى، عامل حساس وأثر ملموس فى نبوغ هذه الثقافة عنده، وارتقائها هذا المرتقى العظيم. فقد فتح جمال الدين عينيه وأبصر النور فى أسرة كل أفرادها عالم وفقيه، وأديب، فدرج فى مدارج الفقاهة والعلم، وأشرب قلبه حب المعرفة. والده: الحسن بن على بن عمر الذى ولد قبل الستين وسبعمائة من الهجرة، وتوفى فى الثامن من المحرم لمحنة ٧١٨ هـ -اشتغل بالعلم على الشيخ بهاء الدين القفطى (١) إلى

стр. 119

أن نبغ فى العلم ونعت بـ "بدر الدين" (١) وأصبح عالمًا فى الفقه والفرائض والحساب، وعليه تخرج فقهاء كثيرون، منهم ابنه العماد الأسنوى وجميع أولاده؛ فابنه محمد أخذ عنه الفقه والفرائض والحساب حتى مهر فيه (٢) وتوفى بإسنا. خاله: فهو الإمام الكبير الفقيه المؤرخ سليمان بن جعفر الأسنوى محيى الدين، ولد سنة ٧٠٠ هـ (١٣٠٠ م)، واشتغل بالعلم، وأفتى ودرس، وناب فى الحكم، وصنف طبقات الفقهاء، مات عنها مسودة (٣)، وكان ماهرًا فى الجبر والمقابلة، وتوفى سنة ٧٥٦ هـ (١٣٥٥ م) (٤). عمه: الفقيه عبد الرحيم بن على بن الحسن الأسنوى، ينعت جمال الدين. وقد نال من العلم والفقه والحياة حظًا وافرًا حتى سمى ونعت الأسنوى باسمه تيمنًا ببلوغه المكانة العلمية التى بلغها عمه هذا. فلقد كان من الفقهاء الصالحين، وتولى الحكم بأرمنت، وبإدفو، وبهوّ، وقمولا، ودشنا، وفاو، وكان فقيهًا عابدًا صالحًا متعففًا، يركب دابة. أخذ الفقه عن الشيخ بهاء الدين القفطى وشهد له بالفقه، وتوفى سنة ٧٠٣ هـ (١٣٠٣ م) (٥). وفى الدرر: (٦) "مات سنة ٧٠٤ هـ (١٣٠٤ م). وفى هذه السنة ولد الشيخ جمال الدين الأسنوى فسمى باسمه" ويغلب الظن أن التاريخ الأخير هو الصحيح؛ لأنه يتفق وما سبق من سبب التسمية للأسنوى عند مولده، فقد جاء فى طبقات الأسنوى عند الكلام عن عمه: "توفى قبل ولادتى بأشهر قلائل فسمانى الوالد باسمه ولقبنى بلقبه، وكانت ولادتى فى آخر سنة أربع وسبعمائة" (٧).

стр. 120

أخوه الأكبر: فهو العماد الأسنوى: محمد بن الحسن، كان فقيهًا إمامًا فى الأصلين، والخلاف والجدل والتصوف، نظارًا بحّاثًا، طارحًا للتكلف مؤثرًا للتقشف، ولد سنة ٦٩٥ هـ (١٢٩٥ م) وأخذ عن مشايخ القاهرة، وانتصب للتدريس والإفتاء والتصنيف (١). وقد اشتغل بالعلم على والده وغيره؛ فأخذ عن والده الفقه والفرائض والحساب إلى أن مهر فى ذلك، ثم رحل إلى القاهرة وأخذ عن مشايخ عصره إلى أن برع فى العلوم، ولم يسبقه فى الأصلين والخلاف، والجدل نظير، ولا من يقاربه فى ذلك من أشياخه ولا غيرهم. واجتمعت عليه الطلبة للاستفادة منه. وصنف مختصرًا فى علم الجدل سماه المعتبر وصنف عليه شرحًا جيدًا، وصنف فى التصوف كتابًا حسنا سماه حياة القلوب، وتصنيفًا فى الرد على النصارى، توفى فى رجب سنة ٧٨٠ هـ (١٣٨٢ م) (٢). أخوه الآخر: نور الدين على بن الحسن كان فقيهًا فاضلًا، شَرحَ التعجيز. مات فى رجب سنة ٧٧٥ هـ، ديسمبر سنة (١٣٧٣ م) (٣). ابن عمه: فهو: محمد بن أحمد بن على بن عمر الإمام شمس الدين الأسنوى كان أحد العلماء العاملين. اختصر الشفاء للقاضى عياض، وشرح مختصر مسلم، والألفية لابن مالك. توفى سنة ٧٦٣ هـ (١٣٦١ م) (٤). العامل الثالث: اشتغاله بالعلم على علماء عصره: من العوامل التى شاركت فى تكوينه علميًا وارتقائه ثقافيًا وكان لها الأثر الأكبر فى ذلك -تتلمذه على أكبر علماء عصره، واشتغاله بالفقه على أعظم فقهاء دهره،

стр. 121

وبالأصول على أرباب فنه، وباللغة على أهل لسانها وبيانها فى زمنه، وبالعروض على أساتذة وقته، وبالعلوم العقلية على أساتذتها، وبالحديث على من ملكوا زمام الاشتغال به فى أوانه. العامل الرابع: الحياة الفكرية والحركة العلمية: لقد كان للحياة الفكرية والحركة العلمية فى ذلك العصر والظروف التى هيأتها وأحاطت بها ونمتها وغذتها بلبانها -أثر كبير فى ازدهار العلم والعلماء وظهور الموسوعات العلمية فى مختلف المجالات، وبالتالى فى إظهار هؤلاء الكبار الذين قادوا حركة العلم والتأليف، وتتلمذ على أيديهم الإمام الأسنوى، مما كان له أكبر الأثر فى احتلاله المكانة العلمية التى تليق وما حصله من علم فى مختلف فروعه، حتى أصبح وحيد عصره وفريد دهره، وتقدم على أقرانه بل بعض شيوخه، وشهد له بذلك أساتذته، وأصبح يشار إليه بالبنان. قال ابن العماد (١) نقلا عن ابن الملقن فى وصفه: "شيخ الشافعية ومفتيهم، ومصنفهم، ومدرسهم، ذو الفنون: الأصول والفقه والعربية وغير ذلك، تخرج به خلق كثير، وأكثر علماء الديار المصرية طلبته". وقال فى الدرر (٢): "برع فى الفاته والأصلين، والعربية، وانتهت إليه رياسة الشافعية، وصار إليه المسار بالديار المصرية، ودرس وأفتى، وازدحمت عليه الطلبة وانتفعوا به، وكثرت تلامذته، وكانت أوقاته محفوظة مستوعبة للأشغال والتصنيف، وكان ناصحًا فى التعليم، مع البر والدين والتواضع، والتودد". وشهد له شيخه أبو حيان وكتب له "بحث على الشيخ فلان كتاب التسهيل، ثم قال له لم: أشيخ أحدًا فى سنك" (٣). وقد تكلمنا عن الحياة العقلية والحركة العلمية بإيضاح فيما سبق فى الباب الأول.

стр. 122

ويبقى أن نتكلم عن شيوخه بتفصيل حتى يمكننا أن نتعرف على مقدار ما حصل عليه من ثقافة عصره على يد هؤلاء، ومقدار تأثره بكل منهم على حدة؛ لأن لهذا دخلًا كبيرًا فى اتجاهاته الفكرية والثقافية وأثرًا فعالًا فى مصنفاته وتغليب فنٍّ على آخر. ولذلك آثرنا أن نتكلم عنهم بالتفصيل فيما يأتى: أساتذة الإمام الأسنوى (شيوخه): أولًا: فى الحديث: منهم: (١) الأيوبى (١): أبو محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن عيسى بن الملك العادل أبى بكر الأيوبى. وجاء فى الدرر الكامنة أنه هو: عبد القادر بن عبد العزيز بن المعظم عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب أسد الدين أبى محمد بن الملك المغيث شهاب الدين، ولد بالكرك سنة ٦٤٢ هـ ١٢٤٤ م. سمع من خطيب مرو السيرة لابن هشام، وأجاز له الصدر البكرى ومحمد بن عبد الهادى وأخوه عبد الحميد، وعبد اللَّه بن الجشوعى وغيرهم وكان حسن الأخلاق حسن الشكل، ولم يتزوج، مات بالرملة فى أواخر شهر رمضان سنة ٧٣٧ هـ - إبريل سنة ١٣٣٦ م, ودفن بالقدس (٢). (٢) الدبّوسى (٣): يونس بن إبراهيم بن عبد القوى بن قاسم بن داود الكنانى العسقلانى، فتح الدين أبو النون الدبابيسى ولد سنة ٦٣٥ هـ - ١٢٣٨ م. سمع من أبى الحسن بن المعز، وأجاز له. وسمع عليه غير الأسنوى كثيرون منهم: المزى، والبرزالى، وابن نباتة، وأبو العلاء الفرضى، والقطب الحلبى، وأبو الفتح اليعمرى، والسبكى وابن رافع. كان دينًا ساكنًا صبورًا على الاستماع حسن الصمت، مات فى جمادى الأولى سنة ٧٢٩ هـ - مارس سنة ١٣٢٨ م، من آثاره "ذيل على المعجم" (٤).

стр. 123

(٣) الصابونى (١): الإمام المحدث عبد المحسن بن أحمد بن على الصابونى، أمين الدين أبو الفضل، حفيد الحافظ أبى حامد الصابونى. ولد فى ذى الحجة سنة ٦٥٧ هـ - نوفمبر سنة ١٢٥٨ م. وسمع من ابن عزون والمعين الدمشقى، وابن علان، والنجيب وغيرهم بالقاهرة، ومن ابن أبى اليسر، وابن جماعة بدمشق، وكان يجلس مع الشهود ويحدث وعاش إلى أن ضعف بصره وارتعش خطه، مات فى جمادى الأولى سنة ٧٣٦ هـ - ديسمبر سنة ١٣٣٥ م (٢). (٤) شمس الدين القماح (٣): هو القاضى محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة بن على بن عقيل المصرى، الشافعى أبو عبد اللَّه المعروف بابن القماح. ولد فى ذى الحجة سنة ٦٥٦ هـ، ديسمبر سنة ١٣٥٨ م. وسمع من أبى إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر صحيح مسلم، ومن النجيب عبد اللطيف والعز عبد العزيز ابنى عبد المنعم بن على الحرانى، وعبد الرحيم بن يوسف بن حطيب المزة، وتقى الدين محمد بن الحسين بن رزين الشامعى وآخرين. ثم تفقه حتى أفتى وحدث ودرس، وناب عن قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة فى تدريس الكاملية، وناب فى الحكم بالقاهرة. من آثاره مجاميع كثيرة مشتملة على فوائد، منها سلسلة الواصل. مات فى ربيع الأول سنة ٧٤١ هـ - أغسطس أو سبتمبر سنة ١٣٤٠ م (٤). (٥) ابن الأثير: حسين بن أسد بن الأثير، وقد نسبه إليه صاحب المنهل الصافى (٥)، ولم أعثر له على ترجمة كاملة. ثانيًا: فى الفقه: منهم: (١) السنكلونى (٦): الشيخ مجد الدين أبو بكر بن عبد العزيز، المعروف

стр. 124

بالسنكلونى نسبة إلى سنكلوم، وتعرف اليوم بالزنكلون إحدى قرى مركز الزقازيق محافظة الشرقية (١) كان من الفقهاء الشافعية الذين يرجع إليهم فى المذهب الشافعى. سمع من الركن: عمر بن محمد بن يحيى العينى، والعماد بن بكر بن عبد البارى بن الصعيدى ومن غيرهما (٢). واعتنى بالفقه فمهر فيه، وكان من العلماء العاملين بل مهر فى جميع العلوم (٣). وولى مشيخة خانقاه الملك المظفر بيبرس وتعرف بالبيبرسية، ودرس بالمسرورية وغيرهما، وصنف فى شرح التنبيه شرحًا كبيرًا حسنًا لخصه من الرافعى وابن الرفعة وسماه "تحفة النبيه فى شرح التنبيه" (٤). مات فى ربيع الأول سنة ٧٤٠ هـ - سبتمبر سنة ١٣٣٩ م. (٢) الوجيزى (٥): أحمد بن محمد بن أحمد الواسطى الأشمونى الشافعى المصرى، جمال الدين أبو العباس، المعروف بالوجيزى لكثرة قراءته كتاب "الوجيز" فى الفقه (٦). وذكر (٧) البعض أن اسمه: أحمد بن محمد بن سليمان الواسطى. والجمهور على الأول. وكان الوجيزى فقيهًا عالمًا معدودًا من فقهاء الشافعية، تولى قضاء قليوب والجيزة. ولد بأشمون الرمان سنة ٦٤٣ هـ - ١٢٤٥ م (٨)، ولزم بيته بعد أن ضعف عن الحركة فى آخر حياته. توفى فى رجب سنة ٧٢٩ هـ - سنة ١٣٢٨ م.

стр. 125

(٣) القونوى (١): علاء الدين على بن إسماعيل بن يوسف المعروف بالقونوى. ولد بقونية من بلاد الروم سنة ٦٦٨ هـ - ١٣٦٦ م، واشتغل بها فى أول أمره. . ثم قدم دمشق فى أول سنة ٦٩٣ هـ - ١٣٩٠ م، فسمع بها ودرس، ثم توجه للديار المصرية سنة ٧٠٠ هـ - ١٣٠٠ م، فسمع بها من الشيخ شرف الدين الدمياطى، وابن دقيق العيد. وتولى تدريس المدرسة الشريفية وغيرها، وبلغ من العلم حتى ذاع صيته وانتشر فضله، وعم النفع به. يقول الأسنوى فيه: "ارتفعت منزلته فما أوفاها أحد فى عصره يزهو فخرًا على الملوك، إمامًا عالمًا ضابطًا، متثبتًا صالحًا حافظًا لأوقاته، وكان أجمع من رأيناه للعلوم العقلية واللغوية، لا يشار منها إلا إليه، ولا يحال فيها إلا عليه. وتخرج به أكثر علماء الديار المصرية (٢). وقال فى حقه السلطان ابن قلاوون: "لا أعرف فى مملكتى مثله" (٣). وله مصنفات كثيرة منها: شرح الحاوى، وتلخيص كتاب المنهاج للحليمى. توفى عشية السبت منتصف ذى القعدة سنة ٧٢٩ هـ - سبتمبر سنة ١٣٢٨ م (٤). (٤) السبكى (٥): تقى الدين على بن عبد الكافى بن على بن تمام بن يوسف الأنصارى الخزرجى، الفقيه المحدث المفسر، المقرئ الأصولى، النحوى، اللغوى، الأديب، المنطقى، الجدلى الخلافى، النظار. ولد ببلدة سبك العبيد من الشرقية فى صفر سنة ٦٨٣ هـ - إبريل سنة ١٣٨٤ م، وحفظ التنبيه، وقدم القاهرة، وتفقه على جماعة آخرهم ابن الرفعة، وسمع الحديث من الدمياطى، والفرائض من الشيخ عبد اللَّه العمارى (٦)، ونال درجة الأستاذية فى العلوم، وشهد بذلك تلميذه الأسنوى فقال فيه: "كان أنظر من لقيناه من العلماء وأحسنهم كلامًا فى الأشياء الدقيقة" (٧).

стр. 126

وقال عن نفسه: "وأنا الآن مجتهد الدنيا على الإطلاق لا يقدر أحد أن يرد على هذه الكلمة". . وقال السيوطى معقبًا على ذلك: "وهو محق فيما قال عن نفسه" (١). رحل إلى الإسكندرية سنة ٧٠٤ هـ، ثم إلى الشام فى سنة ٧٠٧ هـ، وولى قضاء دمشق سنة ٧٣٩ هـ. . وتفقه به كثيرون، منهم: جمال الدين الأسنوى، وابن النقيب، وغيرهم من الأئمة الفضلاء. قال ابن قاضى شهبة (٢): "صنف وأفتى وتخرج به فضلاء عصره، من تصانيفه التى بلغت أكثر من مائة وعشرين كتابًا (٣): الدر النظيم فى التفسير، والطوالع المشرفة فى الوقف على طبقة بعد طبقة، والمواهب العمدية فى المواريث الصعدية، والفتاوى" جمعها ولده تاج الدين فى ثلاثة مجلدات. توفى بالقاهرة سنة ٧٥٦ هـ، فى ثالث جمادى الآخرة - يونية سنة ١٣٥٧ م (٤). (٥) التسترى: (٥) بدر الدين محمد بن أسعد التسترى، قدم الديار المصرية فى أوائل سنة ٧٢٧ هـ - أواخر نوفمبر سنة ١٢٢٩ م. وأقام بها أشهرًا قلائل بعد أن أقام بقزوين يدرس نحو عشر سنين. ثم رحل إلى العراق. وكان فقيهًا إمام زمانه فى الأصلين والمنطق والحكمة، محققًا مدققًا، وكان أعجوبة فى معرفة مصنفات متعددة بخصوصها، مطلعًا على أسرارها، ووضع على كثير منها تعاليقه متضمنة لنكت غريبة. إلا أن البعض يصف عبارته بأنها ركيكة (٦)، وقال بعضهم إنه كان رافضيًا، وداوم على لعب الشطرنج وترك الصلاة، ومنهم تلميذه الأسنوى (٧).

стр. 127

توفى بهمزان فى سنة نيف وثلاثين وسبعمائة على ما ذكره الأسنوى، وقد جعله ابن العماد الحنبلى من وفيات سنة ٧٣٢ هـ (١). ومن آثاره: نكت على "شرح ابن الحاجب" "ومنهاج البيضاوى" "ومختصر الوسيط" للبيضاوى وغير ذلك، كما شرح أيضًا كتب ابن سينا. (٦) الجلال القزوينى (٢): محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عبد الكريم ابن دلف العجلى القزوينى الشافعى، ويعرف بخطيب دمشق. ولد سنة ٦٦٦ هـ - ١٢٦٨ م بالموصل وسكن بلاد الروم، وقدم دمشق وولى الخطابة بها. وولى فيها القضاء سنة ٧٢٧ هـ - ١٣٢٦ م. وبلغ من العز والوجاهة ما لا يوصف. وكان حسن التقاضى، لطيف العبارة، لا يكاد يمنع من شئ يسأل فيه، وكان فصيحًا حلو العبارة، مليح الصورة، موطأ الأكناف، سمحًا جوادًا، حليمًا جَمّ الفضائل، حاد الذهن، يراعى قواعد البحث، يتوقد ذهنه ذكاءً (٣) فأضحى فقيهًا أصوليّا، محدثًا، أديبًا، عالمًا بالعربية والمعانى والبيان، شاعرًا، مشاركًا فى علوم أخرى (٤). أخذ المعقول عن الشيخ شمس الدين الأيكى وغيره، وسمع الحديث من الشيخ عز الدين الفاروقى وطائفة. ومن تصانيفه الكثيرة: تلخيص مفتاح العلوم للسكاكى، والإيضاح فى المعانى والبيان. وغير ذلك. توفى بدمشق فى ٢٧ جمادى الأولى سنة ٧٣٩ هـ - ديسمبر سنة ١٣٣٨ م (٥). (٧) السنباطى (٦): قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر بن صالح

стр. 128

المعروف بالسنباطى (١). ولد سنة ٦٥٣ هـ - ١٢٥٠ م. واشتغل بالعلم، فسمع من الأبرفوهى، وابن الصواف، والدمياطى، وغيرهم. وتفقه بالظهير القزوينى، وتقى الدين السبكى، وابن رزين، وغيرهم (٢). "وجد فى أخذ العلم حتى صار إمامًا حافظًا للمذهب، عارفًا بالأصول. وتخرج به المصريون، فدرس بالمدرسة الحسامية، ثم الفاضلية. وتولى وكالة بيت المال، وناب فى الحكم بالقاهرة" (٣). من تصانيفه: شرح التنبيه للشيرازى فى فروع الفقه الشافعى، أحكام المبعض، ومختصر قطعة من الروضة. توفى بالقاهرة فى ذى الحجة سنة ٧٢٢ هـ - ديسمبر سنة ١٣٢٢ م (٤). ثالثًا: فى النحو: منهم: (١) الأنصارى (٥): أبو الحسن، على بن أحمد بن عبد الرحمن بن حديدى الأنصارى المغربى، والد ابن الملقن. أخذ عن أحمد بن محمد بن حسن الجزائرى بمالقة، وغيره، وروى عنه أبو زيد عبد الرحمن بن على بن عبد الرحمن الجزائرى، وأرخ وفاته سنة ٧٣٨ هـ (٦). (٢) أبو حيان التوحيدى (٧): محمد بن يوسف بن على بن حيان الأندلسى: ولد بغرناطة فى أواخر سنة ٦٥٤ هـ وأواخر سنة ١٢٥٦ م. وسمع بها وبمصر من جماعات كثيرة، وأخذ النحو عن أبى جعفر بن الزبير خاتمة نحاة المغرب، ثم قدم

стр. 129

إلى الديار المصرية، وقرأ الكتاب لـ "سيبويه" على الشيخ بهاء الدين النحاس الحلبى، كما أخذ عن أبى الحسن الأبدى وابن الصائغ، ثم تولى تدريس التفسير بجامع طولون، والحديث بالقبة المنصورية (١). وأخذ عنه جهابذة عصره، وتخرجوا على يديه، وتقدموا فى حياته. وقال الأسنوى (٢) "إمام زمانه فى علم النحو، وصاحب التصانيف المشهورة فيه وفى التفسير شرقًا وغربًا، وكان إمامًا فى الفقه، عارفًا بالقراءات السبع والحديث، شاعرًا مجيدًا. صادق اللهجة، كثير الإتقان والتحرى. ملازمًا على الاشتغال والإشغال إلى آخر وقته، واشتغل بالفروع". ومهما يكن من شئ فقد كان وجود أبى حيان بمصر خيرًا على أبنائها؛ فقد تتلمذ على يديه أعلامها وشيوخها، ومنهم: الكمال الأدفوى، وتقى الدين السبكى، وابنه تاج الدين السبكى، والأسنوى، وابن قاسم، وابن عقيل، والصفدى، وخلائق كثيرون (٣). ولقد كان الشيخ أبو حيان بمصر أمة وحدة. ومدرسة كبرى جامعة لأنواع المعرفة الإسلامية فى عصره، ملمّا باللغات الشرقية من فارسية وتركية وحبشية، مصنفًا فيها (٤). من مصنفاته: مختصر كتاب المنهاج للنووى وغيره. توفى عشية السبت ٢٧ صفر سنة ٧٤٥ هـ - يولية سنة ١٣٤٤ م (٥). رابعًا: فى العلوم العقلية: وأخذ الأسنوى العلوم العقلية عن كثيرين منهم: (١) التسترى (٦).

стр. 130

(٢) القونوى (١). وقد تكلمنا عنهما فيما سبق (٢). وهكذا بإلقاء الضوء على من تتلمذ على يديهم الأسنوى وأخذ منهم - يتضح لنا أنهم كانوا أساطين علم وبلاغة، فلا غرو أن يتمثل الأسنوى بهم وينهج نهجهم حتى يتربع على عرش هذه المكانة العلمية الكبرى التى أشرنا إليها سابقًا. العامل الخامس: أقرانه: ومن العوامل الحساسة التى كان لها الأثر الفعال فى ازدياد الثقافة عند الأسنوى وتعدد جوانبها: اجتماعه بأقرانه من أهل عصره، والتعرف على آرائهم، ومناقشتهم ومناظرتهم، وآخذه منهم ما لم يصل هو إليه بنفسه من علم أو فن. وكثيرا ما تكون الصحبة لها أثر فعال فى نبوغ الشخصية علميًا وثقافيًا، بل عادة ما تكون لها الأثر المباشر فى أخلاقه وصافاته. وهكذا وجدنا الأسنوى ينتقى من أقرانه الفضلاء والعلماء والأوفياء لينتفع منهم ثم يفيدهم، ولذلك آثرنا أن نتكلم عن هذا العامل بتفصيل فيما يأتى: أقران جمال الدين الأسنوى: لقد كان لهؤلاء الأقران تأثير فعال فى حياة الأسنوى العلمية، ونذكر منهم: (١) ابن النقيب: أحمد بن لؤلؤ بن عبد اللَّه المصرى الشافعى المعروف بابن النقيب، ولد بالقاهرة سنة ٧٠٢ هـ - ١٣٠٢ م. ثم اشتغل بالعلم، فأخذ الفقه عن الشيخ تقى الدين

стр. 131

السبكى، والقطب السنباطى وغيرهما. وأخذ النحو عن أبى حيان، وأخذ باقى العلوم عن مشايخ عصره. حتى أصبح فقيهًا، أديبًا، مفسرًا أصوليًا، نحويًا، مقرئًا (١). ذكره صاحبه الشيخ جمال الدين الأسنوى وقال: كان عالمًا بالفقه والقراءات والتفسير والنحو (٢). من آثاره: تهذيب التنبيه، وعمدة الممالك وعدة المناسك، وترشيح المذهب فى تصحيح المهذب فى فروع الفقه الشافعى (٣)، ومختصر الكفاية فى ستة مجلدات، ونكت المهمات فى ثلاثة مجلدات (٤). توفى فى ١٤ رمضان سنة ٧٦٩ هجرية - ٤ مايو سنة ١٣٦٧ م ميلادية. (٢) العقيلى: عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن عقيل. الطالبى الحلبى ثم المصرى، المعروف بأبى محمد العقيلى. ولد بمصر سنة بضع وستين وستمائة من الهجرة، وأخذ الفقه عن الشيخ زين الدين بن الكسائى وغيره، والنحو عن أبى حيان ولازمه اثنتى عشرة سنة، كما أخذه عن سيبويه، وأخذ الأصول عن الشيخ علاء الدين القونوى ولازمه وأخذ عنه الفقه أيضًا، كما أخذ عن القاضى جلال الدين القزوينى وتولى تدريس الفقه، ثم ألف وصنف. ومن آثاره: شرح الألفية، وشرح التسهيل. توفى فى ربيع الأول سنة ٧٦٩ هجرية - أكتوبر أو نوفمبر سنة ١٣٦٧ ميلادية (٥).

стр. 132

(٣) بهاء الدين المراغى المصرى: عبد الوهاب بن عبد المولى بن عبد السلام المصرى، الإخميمى الدمشقى. ولد بالقاهرة سنة ٧٠٠ هـ - ١٣٠٠ م، واشتغل بالعلم، فأخذ بالقاهرة عن الشيخ تقى الدين السبكى وقرأ عليه الفقه والأصول، ولازم الشيخ علاء الدين القونوى، ثم خرج إلى الشام فاستوطنها. وقد برع فى العلوم حتى أصبح إمامًا فى علم الكلام والأصول، وقد ألف فى أصول الفقه. توفى فى ذى القعدة سنة ٧٦٤ هجرية - أغسطس سنة ١٣٦٢ - ميلادية (١). (٤) محمد الأنصارى: محمد بن عبد البر بن يحيى بن على بن تمام بن يوسف بن تمام الأنصارى الخزرجى ابن القاضى سديد الدين السبكى، ولد بالقاهرة فى ربيع الأول سنة ٧٠٧ هجرية - أغسطس أو سبتمبر ١٣٠٧ ميلادية. تفقه على القطب السنباطى، ومجد الدين الزنكلونى، وأخذ الأصول عن القونوى، وابن عم أبيه القاضى تقى الدين السبكى، وقرأ النحو على أبى حيان، وأخذ المعانى عن القاضى جلال الدين القزوينى. روى الحديث بمصر والشام، وخرج له الحافظ أبو العباس الدمياطى جزءا من حديثه. وقد تولى القضاء بدمشق والديار المصرية. وقال ابن قاضى شهبة فى طبقاته (٢): "كان الشيخ جمال الدين الأسنوى يقدمه على أهل عصره". وقد اشتغل بالتأليف والتصنيف، فكتب على المختصر شرحًا لم يبيض، وشرح قطعة من الحاوى، وكتب على الروضة كتابًا (٣). توفى سنة ٧٧٧ - هجرية فى جمادى الأولى أواخر سبتمبر أو أول أكتوبر سنة ١٣٧٥ ميلادية (٤).

стр. 133

(٥) محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن على الأنصارى السبكى: ولد سنة ٧٠٤ هجرية ١٣٠٤ ميلادية. ثم طلب الحديث فى صغره، وتفقه على الشيخ تقى الدين السبكى، وعلى الشيخ قطب الدين السنباطى، وقرأ النحو على الشيخ أبى حيان، حتى أصبح فقيهًا محدثًا، وناب فى الحكم بالقاهرة. كما ذكر رفيقه الأسنوى. توفى سنة ٧٤٤ هجرية - ١٣٤٣ ميلادية (١). (٦) تاج الدين المراكشى: محمد بن يوسف المراكشى المصرى. ولد بالقاهرة سنة ٧٠٣ هجرية - ١٣٠٣ ميلادية، تم اشتغل بالعلم، فأخذ عن الشيخ علاء الدين القونوى، كما أخذ النحو عن أبى حيان، وسمع الحديث عن جماعة بالقاهرة ودمشق، حتى أصبح فقيهًا كبيرًا. توفى فى جمادى الآخرة سنة ٧٥١ هجرية - أغسطس سنة ١٣٥٠ ميلادية (٢). (٧) التبريزى المصرى: محمود بن على بن إسماعيل بن يوسف التبريزى المصرى. ولد بمصر سنة ٧١٩ هجرية - ١٣١٩ ميلادية. وأخذ عن مشايخ عصره حتى برع فى العلوم؛ فاشتغل، وأفتى، وصنف. وقد ذكره الأسنوى فى طبقاته وبالغ فى المدح والثناء عليه، وقال: "كان عالمًا بالفقه وأصوله، فاضلًا فى العربية والبيان والمعانى" (٣). وقد بحث فى كتب كثيرة على مشايخ عصره، منها: التسهيل على أبى حيان، ومنتهى السول للآمدى على الأصفهانى، والإيضاح فى البيان على القاضى جلال الدين القزوينى، وكل هذا وله نحو العشرين سنة.

стр. 134

من آثاره شرح المختصر فى جزأين، وهو من أحسن شروحه (١). وهكذا من خلال دراستنا لبعض أقران الأسنوى ومعاصريه - يتضح لنا مدى ازدهار الثقافة العلمية الدينية فى عصره، وبالتالى تأثره بها وتأثيرها عليه. العامل السادس: استعداده الشخصى والذهنى: وإن من العوامل التى كانت سببًا فى نهضة الإمام الأسنوى علميًا وارتقائه ثقافيًا وفقهيًا "استعداده الشخصى والذهنى"، بل قد أعتبر هذا العامل الرئيسى، والذى يحتوى على كل العوامل التى سبق أن تكلمنا عليها، فبدون هذا الاستعداد كان لا يمكن أن يخرج لنا موسوعة علمية كبرى فى جميع المجالات. ولقد وجدنا هذا الاستعداد عند الأسنوى مبكرًا منذ صغره، فهو يحفظ التنبيه فى الفقه وعمره لا يتجاوز العشر فى ستة أشهر (٢)، وهذا يدلنا على مدى نبوغه العلمى، وكثرة استعداده وحبه للعلم والعلماء. ولكثرة طموحه فإنه لم يقتصر على أن يأخذ العلم عن والده والعلماء من أسرته الذين استقروا فى مدينة إسنا، والتى كانت مركزًا كبيرًا من مراكز الثقافة العلمية فى البلاد المصرية، وتخرج فيه كثير من أكابر العلماء والفقهاء والشعراء (٣)، بل اتجه إلى مدينة القاهرة بعد وفاة والده سنة ٧٢١ هجرية، حيث العلم الذى يُشبع منه ظمأه، والعلماء الذين يرفع إليهم هامته، والمدارس العلمية التى تكفل له حاجته، والمكتبات العديدة التى تضج بها مدارس القاهرة وجوامعها، مع ما تحتويه من ذخائر العلم ونفائس الفقه، مما يجد فيه طموحه العلمى، ومما قد لا يتوافر بالطبع فى مدينته الصغرى "إسنا" المركز الأول لإشعاعه العلمى. "وكانت القاهرة فى ذلك من أعظم مدن الإسلام ومجمع العلماء وموطن الأعلام، ومحط أولى المعابر والأقلام، ومقصد الحاضر والبادى" (٤).

стр. 135

وهكذا وجد الأسنوى ضالته فى مدينة القاهرة، فشمر عن ساعد الجد حتى أصبح بلا منازع وحيد عصره، وفريد دهره، وتخرج به فضلاء عصره "بل أغلب علماء الديار المصرية فى وقته كانوا طلبته" (١). العامل السابع: صفاته وأخلاقه: ومن العوامل التى ساعدت فى تكوين ثقافة الأسنوى وكان لها أثر كبير فى تربعه على عرش الرئاسة فى عصره - أخلاقه وصفاته، فلقد كان الأسنوى ﵀ حسن الأخلاق، كريم الشمائل، لين الجانب، كثير الإحسان للطلبة، وكان فى بحثه نظارًا بحاثًا طارحًا للتكلف مؤثرًا للتقشف، ملازمًا للإفادة والتصنيف (٢). وكان فقيهًا ماهرًا، ومعلمًا ناصحًا، ومفيدًا صالحًا، مع البر والدين والتودد والتواضع، وكان يقرب الضعيف المستهان من طلبته، ويحرص على إيصال الفائدة المطروقة فيصغى إليه كأنه لم يسمعها جبرًا لخاطره (٣). وكان له مثابرة على إيصال البر والخير إلى كل محتاج مع فصاحة عبارة، وحلاوة محاضرة، ومروءة بالغة (٤)، وكان دائم البسمة، سرير الوجه، دائم البشر والترحاب لكل من يقابله (٥). يلقاك بالترحيب والبشر دائمًا ... فلم تره إلّا كريم الشمائل (٦) العامل الثامن: مكانته العلمية: أما مكانته العلمية فقد بلغت مرحلة يحسده عليها أهل زمانه، ونال سيادة علمية كم حاول أعداؤه أن يصلوا إليها فلم يظفروا بطائل.

стр. 136

هو البحر علمًا بل هو البحر فى ندا ... لقد مرج البحرين فقه لآمل وإن ابن رفعة لو تقدم عصرها ... طوى نحوها البيداء سير المحاصل ولو شاهد القفال يومًا دروسه ... لما كان يومًا عن حماه يغافل بحق حوى عبد الرحيم سيادة ... وأعداؤها كم حاولوها بباطل تطاول قوم كى يحلوّا محله ... فما ظفروا مما تمنوا بطائل (١) ولقد برع الأسنوى فى الأصول، والعربية، والعروض. "وتقدم فى الفقه فصار إمام زمانه، وانتهت إليه رياسة الشافعية" (٢). ولقد أهلته هذه المكانة العلمية أن يتولى التدريس فى عدة مدارس: فدرّس التفسير بجامع طولون (٣) والفقه بالمدرسة الملكية والأقبغاوية، والفارسية، والناصرية، والصالحية (٤). حتى أصبح حافظ عصره. وإمام علمه عجاج، وماء فضله ثجاج، ولسان قلمه عن المشكلات فجاج. وبحرًا فى الفروع والأصول، محققًا لما يقول من النقول، فتخرج به الفضلاء، وانتفع به العلماء (٥). يقول صاحب الدرر (٦): "هو شيخ الشافعية ومفتيهم، ومصنفهم ومدرسهم. ذو الفنون، اشتغل فى العلوم حتى صار أوحد أهل زمانه، وشيخ الشافعية فى أوانه، وصنف التصانيف النافعة السائرة، وتخرج به طلبة الديار المصرية".

стр. 137

وإذا ثبتت لنا مكانته العلمية هكذا جلية واضحة، وشهد له الكل بالفضل والعلم والرياسة، فلا غرو أن يكون لذلك تأثير كبير، ويخلد لنا من فكره الثاقب ثروة علمية كبرى، تضمنتها مؤلفاته الكثيرة الفائدة، المتعددة النفع؛ لتضاف إلى المكتبة الإسلامية الكبرى فتزيد من رصيدها عملة صعبة، ويعم بها النفع، ويقيد الأسنوى فى سجل الأئمة الخالدين. وأن يترك لنا أيضًا هذه الثروة البشرية الكبرى التى أخذت على يديه، وتأثرت به، وأضافت من مؤلفاتها وعلمها إلى المكتبة الإسلامية الكثير والكثير. وسيزداد الأمر وضوحًا عندما نتكلم عن آثاره. * * *

стр. 138

الفصل الثالث فى وفاته وآثاره أولًا: وفاته ورثاء العلماء له: بعد حياة حافلة بجلائل الآثار ومفاخر الأعمال توفى الإمام جمال الدين، عبد الرحيم بن الحسن الأسنوى ﵀ بالقاهرة فى ليلة الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ٧٧٢ اثنتين وسبعين وسبعمائة من الهجرة، الثامن من ديسمبر سنة ١٣٧٠ م سبعين وثلاثمائة وألف من الميلاد، وذلك باتفاق (١) المؤرخين، وله سبع وستون سنة ونصف. وقبل موته ظهرت إرهاصات تدل على أن هناك حدثًا خطبًا سيحدث. فقد ظهر فى الشام وحمص وحلب بعد العشاء حمرة عظيمة كأنها الجمر، وصارت فى خلال النجوم كالعمد البيض حتى سدت الأفق ودامت إلى الفجر، وخفى بسببه ضوء القمر؛ فتباكى الناس وضجوا بالدعاء، وعلموا أنه لا بد من خطب جليل سيحدث (٢).

стр. 139

ولقد تحققت نبوءة العالم، فبعد قليل توفى جمال الدين فكان الخطب عليهم فادحًا، ولقد كانت جنازته مشهودة تنطق له بالولاء. دفن بمقبرته بالقرب من حوش خارج باب النصر بقرب مقابر الصوفية بالقاهرة (١) ورثاه البرهان القيراطى بقوله (٢): ١ - نعم قبضت روح العلا والفضائل ... بموت جمال الدين صدر الأفاضل ٢ - تعطل من عبد الرحيم مكانه ... وغيب عنه فاضل أى فاضل ٣ - أحقًا وجوه الفقه زال جمالها ... وحطت أعالى هضبها للأسافل ٤ - لقد هاب طرق المذهب اليوم سالك ... ولو كان يحمى بالقنا والقنابل ٥ - لقد حل فى ذا العام فقدان عالم ... يقول فلا يلقى له غير قائل ٦ - قفوا خبرونا من يقوم مكانه ... ومن ذا يرد الآن لهفة سائل ٧ - قفوا خبرونا من يوفق طالبًا ... ويجرى فى ميدان كل مناضل ٨ - قفوا خبرونا هل له من مشابه ... قفوا خبرونا هل له من مماثل ٩ - فأعظم بحبر كان للعلم ساعيًا ... بعزم صحيح ليس بالمتكاسل ١٠ - وأعظم به يوم الجدال مناظرًا ... إذا كان لم يترك مكانًا لقائل ١١ - وأسيافه فى البحث قاطعة الظبى ... بجوهرها لم تفتقر للصياقل ١٢ - يقوم بإيضاح المسائل مرشدًا ... لمستفهم أو طالب علم أو مسائل ١٣ - ويجمع أشتات الفوائد جاهدا ... ويسعى بجد نحوها غير هاذل ١٤ - طوى الموت حقّا شافى زمانه ... فمن بعده للأم وجد الثواكل ١٥ - ومنذ رأته خير نجل لبره ... بها أرضعته در ثدى الحوافل

стр. 140

١٦ - أبان الخفايا شارحًا ببيانه ... منزهة فى الوصف عن سحر بابل ١٧ - له قدم فى الفقه سابقة الخطا ... يقصر عنها كل حافٍ وناعل ١٨ - تبارك من أعطاه فيه مراتبا ... يقر له بالفضل كل مجادل ١٩ - فكم كان يبدى فيه كل غريبة ... وتظهر من أبكاره بالعقائل ٢٠ - وكم بات يحيى فيه ليلًا كأنما ... يصيد درارى زهرة بالحبائل ٢١ - فأقلامه قيد الأوابد لم تزل ... يقيد منها كل صعب التناول ٢٢ - مثقفة ألفاظه حلوة الحنا ... فما هز فى الحالين غير عوامل ٢٣ - مضى فمضى فقه كثير إلى الثرى ... وهالت عليه بالترب راحة هائل ٢٤ - تنكرت الدنيا ولكن تعرفت ... بطيب الثنا عن فضله المتكامل ٢٥ - وما شقت الأقلام إلا تأسفًا ... لفقدانها بالرغم من خير أنامل ٢٦ - وكم لبست ثوب الحداد محابر ... لحبر غدا فى سندس أى رافل ٢٧ - لقد كان للأصحاب منة بلا مرا ... جمال فدع قول الغبى المجامل ٢٨ - حوى من مواريث النبوه إرثه ... وحاز حقيقًا سهمه غير عائل ٢٩ - هو النجم إلا أنه البدر كاملا ... على أنه شمس الضحى فى التعادل ٣٠ - وبلدته إسنا محلّا ومحتدًا ... ومنزله فى الخلد أسنى المنازل ٣١ - إذا ما أفاد النقل فهو ختامه ... فلا يُسمعن من بعده نقل ناقل ٣٢ - صدوق فى عزو النقول محقق ... وحاشاه من تلك النقول البواطل ٣٣ - وسبحان من نطق فى الدروس فصاحة ... فدع من له فى درسه عمى باقل ٣٤ - يؤدى من الأشغال بالعلم للورى ... فروضًا ويغنى مقدمًا بالنوافل ٣٥ - وينصر نص الشافعى ولم يزل ... يناضل عنه كل خصم مناصل ٣٦ - حوى العلم والعلياء والجود والتقى ... وحاز بسبق فضل هذى الخصائل

стр. 141

٣٧ - هو النجم من أفق المعارف قد هوى ... فعاد رجى ضوء البدور الكوامل ٣٨ - هو الجبل الراسى تصدع ركنه ... فللأرض ميد بعده بالزلازل ٣٩ - فمن ذا تطيب النفس يومًا بقوله ... إذا هو أفتى فى عويص المسائل ٤٠ - لئن مهد التمهيد مضجعه له ... فكوكبه من بعده غير آمل ٤١ - فيا عالمًا قد أذكر الناس آخرًا ... مزايا أولى العلم الكرام الأوائل ٤٢ - كفيت الورى أمر المهمات ناهضًا ... بأعبائها يا خير كافٍ وكافل ٤٣ - وأعملت فيها الدهر حتى تنقحت ... ولم تشتغل عن أمرها بالشواغل ٤٤ - وأبرزت مكنون الجواهر للورى ... لأنك بحر ماله من مساحل ٤٥ - وأوضحت فى الإيضاح للخلق مشكلًا ... فليس يرى فى حسنه من مشاكل ٤٦ - وان جمعت أهل العلوم محافل ... فألغازك العليا طراز المحافل ٤٧ - فروقك يامن كان للعم جامعًا ... تحير أذهان الرجال الأماثل ٤٨ - تصانيف لا تخفى محاسنها التى ... هدايتها تهدى الورى بالدلائل ٤٩ - وتبدو فتغنى عن رياض أنيقة ... وتتلى فتغنى عن سماع البلابل ٥٠ - تمحص منها القصد فأرشدته ... حيارى ثووا من جهلهم فى مجاهل ٥١ - توفرت سهمًا فى الأصول لأجله ... غدا السيف نائى الحد واهى الحمائل ٥٢ - لعمرك إن النحو يا زيده بدا ... لموتك فى حال من الحزن طائل ٥٣ - فلو قارئ الفن عامرك اغتدى ... لنحوك يسعى وهو فى ذى راجل ٥٤ - يمد مناك شيخًا كم جلا من علومه ... عقائل صينت بعده فى معاقل ٥٥ - وكم جاء فى فن الخليل بن أحمد ... بأحمد أقوال أتت بالفواصل ٥٦ - لئن نال أسباب السماء بعلمه ... فأوتاده فى المجد غير مزايل ٥٧ - وأدمعنا بحر مديد وحزننا ... طويل لبحر وافد الجود كامل

стр. 142

٥٨ - وكان أبا للطالبين يريهم ... فواضله مقرونة بالفضائل ٥٩ - نصيحًا لطلاب العلوم جميعهم ... فلم يأل جهدًا عند تعليم جاهل ٦٠ - يحرر فى علم إدريس للورى ... دروسًا تولى حملها خير حامل ٦١ - ويرشد بالتهذيب طلاب علمه ... فينظر منهم كاملًا بعد كامل ٦٢ - ولا يرتئى فى شكره غير حاسد ... ولا يمترى فى علمه غير ناكل ٦٣ - يجود بأنواع الفضائل جهرة ... ويجهد فى إخفائها للفواضل ٦٤ - هو البحر علمًا بل هو البحر فى ندا ... لقد مرج البحرين منه لآمل ٦٥ - وإن ابن رفعة لو تقدم عصرها ... طوى نحوها البيداء سير المحاصل ٦٦ - ولو شاهد القفال يومًا دروسه ... لما كان يومًا عن حماه بقافل ٦٧ - ترنم فى إمداحه كل صادق ... فاطرب فى إنشادها سمع ذاهل ٦٨ - سأبكيه بالدرين دمع ومنطق ... لبحرين من علم وبر حواصل ٦٩ - لقد هجرت صاد المناصب نفسه ... كما هجرت راء الهجر نفس واصل ٧٠ - تنزه عنها وهى لا تستفزه ... بزخرفها الخداع خدع المجامل ٧١ - وما مد عينًا نحوها إذ تبرجت ... تبرج حسناء الحلى فى القلائل ٧٢ - ويلقاك بالترحيب والبشر دائمًا ... فلم تره إلا كريم الشمائل ٧٣ - صفت عنه أخلاق لقاصد كما ... صفا منه للحاقدين شرب المناهل ٧٤ - أعزى محاريب العلا بإمامها ... وإن كنت مأمومًا بأعظم نازل ٧٥ - أعزى دروس الفقه بعد دروسها ... لتصديرهم من بعده كل خامل ٧٦ - فقل لحسود لا بد مكانه ... سيفضحك التخجيل بين المحافل ٧٧ - بحق حوى عبد الرحيم سيادة ... وأعداؤها كم حاولوها بباطل ٧٨ - تطاول قوم كى يحلوا محله ... فما ظفروا مما تمنوا بطائل

стр. 143

٧٩ - أيمتد نحو النجم راحة فاجر ... وأين الثريا من يد المتناول ٨٠ - ومن رام فى الإقراء عالى شأنه ... فذلك عند الناس ليس بعاقل ٨١ - أحل جمال الدين فى الخلد ربُّه ... ليحظى بعفو منه شاف وشامل ٨٢ - ورواه مولاه الرحيم برحمة ... يحييه منها هاطل بعد هاطل ٨٣ - ووافاه رضوان الجنان مبادرا ... بشيرًا برضوان سريع معاجل ٨٤ - وحياه بالروحان والروح والرضى ... إله البرايا فى الضحى والأصائل ٨٥ - لقد كان فى الأعمال والعلم مخلفًا ... لمن لم يضيع فى عد سعى عامل ٨٦ - فلهفى لأمداح عليه تحولت ... حراثى تبكى بالدموع الهوائل ٨٧ - يساعدنى فيه الحمام بشجوها ... وأغلبها من لوعتى بالبلابل ٨٨ - صرفت عليه كنز حبرى وأدمعى ... فأفنيت من هذا وهذا حوامل ٨٩ - سأنشد قبرا حل فيه رثاؤه ... وأسمع ما أمليه صم الجنادل ٩٠ - وما نحن إلا كواكب موت إلى العلا ... تسير أيامنا كالرواحل ٩١ - قطعنا إلى نحو القبور مراحلًا ... وما بقيت إلا أقل المراحل ٩٢ - وهذا سبيل العالمين جميعهم ... فما الناس إلا راحل بعد راحل * * *

стр. 144

ثانيًا: آثاره نتكلم فى آثار الإمام الأسنوى على النحو التالى: أ- آثاره البشرية (تلاميذه). ب- آثاره الفكرية (إنتاجه العلمى). أ - آثاره العلمية البشرية (تلاميذه): لقد خلف لنا الأسنوى من هذه الآثار ثروة كبرى كان لها فضل فى خدمة العلم لفقه، والابتكار فيه والتجديد. ومنها: ١ - البيجورى (١): إبراهيم بن أحمد البيجورى. برهان الدين الفقيه أعلم الشافعية فى وقته. أخذ عن الأسنوى وغيره، ومهر فى الفقه حتى كان يستحضر الروضة وأصلها. توفى سنة ٨٠٥ هجرية - ١٤٠٢ ميلادية (٢). ٢ - برهان الدين الأبناسى (٣): أبو محمد إبراهيم بن أيوب، ولد بأبناس (٤) فى سنة ٧٢٥ هـ خمس وعشرين وسبعمائة من الهجرة - ١٣٢٤ ميلادية. وقدم القاهرة وله بضع وعشرون سنة، وتخرج فى الفقه على الشيخين جمال الدين الأسنوى، وولى الدين المنفلوطى، وغيرهما. ودرس بالجامع الأزهر، وولى القضاء، ومات فى المحرم أثناء حجه بالقرب من عقبة أيلة، ودفن هناك سنة ٨٠٢ هـ (١٣٩٩ م). وله مؤلفات فى الحديث والفقه، والأصول، والعربية منها: الشذى الفياح فى مختصر ابن الصلاح، وشرح ألفية ابن مالك فى النحو،

стр. 145

ومناقب أبى العباس البصير، وغير ذلك (١). ٣ - البلقينى (٢): سراج الدين أبو حفص، عمر بن رسلان بن نصر بن صالح بن عبد الخالق بن عبد الحق الكنانى القاهرى الشافعى العسقلانى الأصل، البلقينى. مجتهد عصره وعالم المائة الثامنة، وانتهت إليه رياسة المذهب والإفتاء، وبلغ رتبة الاجتهاد (٣). ولد ببلقينة (٤) فى ١٢ رمضان سنة ٧٢٤ هجرية أربع وعشرين وسبعمائة - ١٣٢٤ ميلادية، ونشأ بالقاهرة، وكان كثير الرحلات. دخل بيت المقدس، وقدم دمشق وتولى قضاءها، وتوفى بالقاهرة فى ١٠ ذى القعدة سنة ٨٠٥ خمس وثمانمائة من الهجرة - الثانى من شهر يونيه سنة ٨٠٥ خمس وثمانمائة من الميلاد (٥). من تصانيفه الكثيرة: ترجمة شعب الإيمان، حاشية على كشاف الزمخشرى فى ثلاثة مجلدات، حواشٍ على مهمات الأسنوى، والعرف الشذى على جامع الترمذى فى الحديث، وزهر الربيع فى فنون المعانى والبيان والبديع، وغير ذلك (٦). ٤ - شهاب الدين بن العماد (٧): أحمد بن عماد بن أحمد الأقفهسى المصرى. أخذ عن الأسنوى، والبلقينى وآخرين. ومهر فى مذهب الشافعى وتقدم فى الفقه حتى صنف التصانيف الكثير: نظمًا ونثرًا، ومنها: الاقتصاد فى الاعتقاد، ونظم حوادث الهجرة وشرحه، وأحكام الحيوان، وأحكام المساجد، ونظم عما عفى عنه من النجاسات، وشرحه، وكتاب رفع الإلباس عن وهم الوسواس، وشرح المنهاج، والتعقبات على المهمات (٨). توفى
следующие страницы →