١٤ - " تذكرة النبيه فى تصحيح التنبيه ":
فرغ منه المؤلف سنة ٧٣٨ هـ، وقد اطلعت على نسخة خطية منه ضمن مجموعة بمكتبة الجامع الأزهر تحت رقم ٢١٦٨ خصوصية، بخط يوسف الخابورى، وتقع أوراقها من المجموعة فى ٦٧ ورقة. والنسخة كاملة، وعرف من نهايتها أن الناسخ قد انتهى منه فى جمادى الأولى سنة ٧٥٢ هـ، الموافق ٣ يوليه سنة ١٣٥١ م (١).
وسبب التأليف يعرف مما ذكره الأسنوى نفسه فى مقدمته: أنه بعد أن ألف كتابه "التنقيح على تصحيح التنبيه"، أراد أن يجرد هذه الأمور التى أخذها على التصحيح، والزيادات التى وضعها من عنده، ويضعها فى تأليف مستقل مختصر يسهل حفظه، ثم إنه قد نبه فى هذا المختصر على مواضع أهملها فى التأليف السابق ولم يذكرها. يقول الأسنوى: "وسميته تذكرة النبيه فى تصحيح التنبيه" وحذوت فيه حذو الشيخ محيى الدين تصحيحًا، واصطلاحًا، وميزت الزيادات التى من قبلى لخلوها من "أن" فى أول الكلام، فأقول مثلا الأصح جواز كذا. وفى العطف أقول: وجواز كذا، فإذا قلت: الأصح أنه يجوز كذا، وأن كذا جائز. وقلت فى العطف: وأنه يجوز كذا لو أن كذا جائز. . فهو للشيخ محيى الدين النووى (٢).
١٥ - "جواهر البحرين فى تناقض الخبرين" فى الفقه (٣):
وقد اطلعت على نسخة خطية منه بخط قديم، بقلم أحمد بن محمد بن على بن
стр. 177
سليمان القوصى المصرى. وهى برقم ١٠٩١ فقه شافعى عام بمكتبة الجامع الأزهر، فى حجم الريع، وعدد أوراقها ١٢١ ورقة. وكان الفراع من نسخها فى يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر المحرم سنة ٧٤٧ هـ ثلاث وأربعين وسبعمائة (١).
وقد فرغ المؤلف فى شهر شعبان سنة ٧٣٣ خمس وثلاثين وسبعمائة على ما قاله الناسخ نقلًا عن المؤلف نفسه. وهذه النسخة قوبلت على النسخة التى قوبلت على نسخة المصنف وعليها إمضاؤه.
وهذا الكتاب يقوم على تبيين الأخبار والتعارض الذى وقع فى "الروضة" للإمام النووى. والسبب فى تأليفه يعرف مما قاله المؤلف فى مقدمته، فيقول: "وبعد، فإن "الروضة" فى الفقه للشيخ محيى الدين النووى لما جمعت أشتات فرق المذهب، وقطعت أسباب علق المطلق؛ لاشتمالها على أحكام الشرح الكبير، واختصاصها بزيادات أحجم عنها الكثير -ووردت من قبول الكافة موردًا لا مصدر فيه لبعض، وعاد لوقوفهم عند حكمها موقفًا لن يتنزل الأرض، فلذلك تمسكوا بفروعها وأغصانها، وتعلقوا بأصولها وأفنانها حتى صارت منزل قاصدهم، ومنهل واردهم. فيسر اللَّه -تعالى- الوقوف على جملة كثيرة من مسائلها متناقصة. وطائفة عريزة من أحكامها متعارضة. حيث يقل أن يخلو عنها كتاب، أو يصفو منها باب. وكثيرًا ما وقع فى الباب، الواحد عدة من ذلك، وجملة مما هنالك، كما سنراه مبينًا إن شاء اللَّه، تعالى. وهذا التعارض على أنواع شتى: فمنه ما يشاركه فيها الرافعى وهو الأكثر، ومنه ما هو فى باب واحد وهو كثير جدًا، ومنه ما هو فى إثبات الخلاف ونفيه، بل ربما اجتمع الأمران فى المسألة الواحدة: مثل أن ينفى الخلاف عنها ثم يصح عكسها فى موضع آخر، ومنها ما هو على وجهين فقط - وهو الأكثر، ومنه ما هو على ثلاثة أوجه: بأن يذكر المسألة الواحدة فى ثلاثة مواضع كل مخالف حكمه لحكم الآخر "إلى غير ذلك من وجوه التعارض العجيبة". . وهكذا جمع الأسنوى كل هذه الأمور فى مؤلف سماه "جواهر البحرين فى تناقض الخبرين".
стр. 178
١٦ - " زوائد المنهاج" فى الفقه:
نسبه إليه صاحب الكشف، وقال (١). هو قطعة. وإسماعيل البغدادى، وأشار إليه صاحب مقدمة تحقيق الطبقات.
١٧ - " زوائد الأصول على منهاج الأصول" للبيضاوى (٢):
نسبه إليه صاحب مقدمة كتابه البحر المحيط، وابن حجر، والسيوطى، وذكره صاحب مقدمة تحقيق كتابه الطبقات، ولم أعثر عليه.
١٨ - شرح "البحر المحيط" (٣) فى الفقه:
نسبه إليه صاحب هذين العارفين، وقال: كتب منه مجلدًا. ولم أطلع عليه.
١٩ - " شرح التسهيل لابن مالك ":
فى النحو. نسبه إليه السيوطى، وقال: كتب منه قطعة. كما ذكره الجبورى فى مقدمة التحقيق لـ "طبقات الأسنوى".
٢٠ - " شرح التنبيه" فى الفقه:
نسبه إليه السيوطى، وقال: كتب منه مجلدًا. ونسبه إليه أيضًا الشيخ بخيت
стр. 179
فى مقدمة التحقيق لكتابه "نهاية السول" نقلا عن طبقات الغزى، وقال: لم يتمه تأليفًا.
٢١ - " شرح ألفية ابن مالك" فى النحو:
نسبه إليه البغدادى، والسيوطى وحاجى خليفة. كما ذكره صاحب تحقيق الطبقات من ضمن مؤلفاته. ولم أطلع عليه (١).
٢٢ - " شرح أنوار التنزيل" للبيضاوى فى التفسير:
نسبه إليه صاحب إيضاح المكنون (٢) ولم أطلع عليه.
٢٣ - " شرح سنن ابن ماجة" فى الحديث:
نسبه إليه الشوكانى فى البدر (٣). ولم أطلع عليه.
٢٤ - " طبقات الفقهاء الشافعية ":
ذكره ابن تغرى بردى، والسيوطى، وحاجى خليفة. ولم يذكره ابن حجر، وابن هداية اللَّه، وخير الدين الزركلى. وقد طبع هذا الكتاب للمرة الأولى فى بغداد عن لجنة إحياء التراث الإسلامى بالعراق، طبعة مطبعة الإرشاد ببغداد سنة ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م، نشر رئاسة ديوان الأوقاف.
وقد تفضل مشكورًا بتحقيقه السيد الفقير إلى مولاه عبد اللَّه الجبورى العراقى، من ذوى الخبرة بالتحقيق، جزاه اللَّه عن هذا العمل خير الجزاء.
وصدر منه جزءان كبيران هما الأول والثانى، واحتوى الجزء الأول على ٥٦٩
стр. 180
ترجمة، وأشار المحقق إلى أنه يقدر أن يخرج فى أربعة أجزاء كبار. أما نسخه المخطوطة فكثيرة، هى:
١ - نسخة فى الظاهرية بدمشق برقم (٥٦ تاريخ) فى ١٩١ ورقة، كتبت سنة ٧٩٢ هـ وبها خرم (١).
٢ - نسخة فى خزانة السيافى الجزار فى حلب، ذكرها الجبورى فى مقدمة الطبقات ولم يذكر وصفها ولا تاريخها (٢).
٣ - نسخة فى خزانة طلعت فى القاهرة برقم (٢٠٦٣) تاريخ فى ١٣٣ ورقة، كما فى مجلة معهد المخطوطات (٣).
٤ - نسخة فى مكتبة جامعة بابل فى أفريقيا، ذكرها كوريس عواد (٤).
٥ - نسخة فى مكتبة آل باش أعيان فى البصرة، برقم (١٨٨) بخط خشكندى عتيق، فرغ منها فى أول صفر سنة ٨٦٤ هـ، فى ٢٨٦ صفحة (٥).
٦ - نسخة فى الخزانة التيمورية، برقم (٤٨١) تاريخ، كتبت سنة ٧٩٨ هـ، فى ١٨٠ ورقة ٢٠ × ٢٥ سم.
ومنها نسخة مصورة فى معهد المخطوطات العربية المصورة فى القاهرة برقم ٣١١.
ومنها نسخة مصورة فى مكتبة الأوقاف العامة ببغداد (٦).
٧ - نسخة فى مكتبة كوبريلى، فى تركيا، كتبت سنة ٧٧١ هـ، وقوبلت على نسخة قرئت على المؤلف، برقم (١١١٤)، فى ١٦٩ ورقة، ٢٦.٥ سم × ١٧.٨ سم (٧).
стр. 181
ومنها مصورتان:
الأولى: فى معهد المخطوطات العربية المصورة برقم (٣١١).
والثانية: فى مكتبة الأوقاف العامة ببغداد (١).
٨ - نسخة فى مكتبة الأوقاف العامة ببغداد، برقم (٩٧٠) والنسخة متقنة، ملكها مؤرخ حلب إبراهيم بن الملا أحمد العباسى. كتبت سنة ٩٤٦ هـ فى ٢٠ × ١٥ سم. ومنها مصورتان:
الأولى: فى المكتبة المركزية لجامعة بغداد، برقم (١٣).
والثانية: لمركز اليونسكو، فى باريس (٢).
٩ - نسخة بحط المؤلف، كتبها سنة ٧٦٩ هـ، فى مكتبة أحمد الثالث برقم (٢٨٤٠) فى ١٨٢ ورقة. ومنها مصورتان:
الأولى فى مكتبة الأوقاف العامة ببغداد (٣).
والثانية: فى معهد المخطوطات العربية برقم (٣١١).
الكتاب (الطبقات) مهم جليل يعتمد عليه المؤرخون وأصحاب العلم المشهورون فى عصره ومن بعد عصره. ونقل عنه السبكى صاحب الطبقات الكبرى، والسيوطى، وغيرها.
وهو مرتب على حروف الشهرة، حسب حروف المعجم، حيث اعتبر الحرف من اللفظ الذى يحصل عنده "التعريف والشهرة" اسمًا أو لقبًا، أو نسبة أو صفة وغير ذلك.
سبب التأليف: ويبين لنا الأسنوى فى مقدمته سبب تأليفه له، قال: "ولما ألفت كتابى الكبير المهمات، وكان من جملة أنواعه الكلام على ما وقع فى الكتابين من أصحاب الشافعى حصل ترتيبها على نمط حسن وقعت من الفضلاء موقعًا كبيرًا، لسهولة الإخراج، وتشوقت الأنفس إلى طبقات مستقلة جامعة لشهرة الأسماء
стр. 182
وغيرها على هذا الأسلوب" (١). ثم يقول بعد ذلك: "ولما اتصف التصانيف المشهورة من عدم إخراج ما احتيج إلى إخراجه، ومن خلو الأعصار المتأخرة عن تراجم أهلها بالكلية، والمتقدمة عن كثير منهم، حملنى ذلك على هذا التأليف"، ثم يقول بعد ذلك: "وإنى شرعت فى جمعه من نحو عشرين سنة أصيد أوابده وأقيد شوارده، وأنا مستمر من ذلك الزمن وإلى الآن فى الفحص عما لم أعثر عليه، وإلحاق ما يتجدد، وتهذيب ما يتحصل" (٢).
٢٥ - " طراز المحافل فى ألغاز المسائل" فى الفقه:
ذكره ابن حجر، والبغدادى، والحاجى خليفة، وبروكلمان. وقد أطلعت على نسخة منه مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٥٧ فاقه شافعى، كامله ومرتبة على أبواب الفقه، وهى بخط المؤلف. وبالاطلاع عليها تبين أنه فرغ منها سنة سبعين وسبعمائة من الهجرة، وأنه ابتدأ فى جمعها من سنة ٧٥٠ هـ خمسين وسبعمائة هجرية، كما أشار بذلك المصنف نفسه فى آخرها. وتقع هذه النسخة فى ٧٥ ورقة من الحجم المتوسط (٣).
وهذا الكتاب مهم جليل، عديم النظير، يراد به تفتح الأذهان وتقويتها، وهو يدلنا على قوة علمه وسعة اطلاعه، وفى الوقت نفسه يعتبر هذا الكتاب مرجعًا للنكات الفقهية الحسنة الطريفة.
نماذج من الألغاز
ونذكر نماذج منها ليمكن تصور موضوعه، وليحكم القارئ بنفسه على دقة ظرفه:
стр. 183
أولا: من باب الطهارة:
١ - " طهارة لا تبطل بوجود الحدث وتبطل بعدمه". وصورته: فيمن به سلس البول أو الاستحاضة إذا انقطع عنه الحدث زمانًا يسع الطهارة والصلاة (١).
٢ - "شخص يجب عليه فى الاستنجاء استعمال روث أو غيره من الأعيان النجسة".
وصورته: أن يكون عنده من الماء ما يكفيه لو أزال العين أولا بجامد ولم يجد من الجامدات إلا ما ذكرناه أولا (٢).
ثانيًا: من باب ما يوجب الغسل:
١ - " غسل صحيح نبطله بكلام الغير". وصورته: فيما إذا تزوج المسلم ذمية وحاضت فإنه يحرم عليه وطؤها قبل الغسل فإذا اغتسلت صح غسلها بالنسبة إلى الوطء وقيل يصح مطلقا حتى إذا أسلمت لم يحتج إلى إعادته فإذا -أسلم أبو الزوجة وكانت مجنونة- فإنا نحكم بإسلامها، ونبطل الغسل الذى سبق فى الكفر، ونمنع الزوجة قربانها إلا بعد غسل جديد؛ لأن النية شرط، وهى لا تصح من الكافر. وإنما حكمنا بصحته فى الكفر للضرورة وقد زالت، وإن شئت قلت نبطله بكلامه وكلام غيره، فإن إسلامها بنفسها مبطل له أيضًا (٣).
٢ - "جنب يحرم عليه الصلاة أو الطواف ونحوهما دون القراءة". وصورته: فيمن تيمم عن الجنابة ثم أحدث. قال النووى وغيره: ولا يعرف لذلك صورة غير هذه (٤).
ثالثًا: من باب الصلاة:
١ - " صلاة يجب أداؤها ولا يجب قضاؤها، بل يجوز". وصورته: فى الجمعة فإنها
стр. 184
لا تقضى إذا فاتت وإنما يقضى الظهر، والظهر صلاة أخرى غير واجبة عليه بسبب سفره ونحوه (١).
٢ - عبادة وقعت خارج وقتها المعين شرعًا، ومع ذلك تكون أداء".
وصورته: فى صلاة العيد إذا شهد عدلان ليلة الثلاثين برؤية الهلال (٢).
رابعًا: من باب ستر العورة:
" امرأة يحرم على الرجال أن ينظروا إلى وجهها إذا أذنت لهم فى النظر، ويباح لهم ذلك إن منعت منه".
وصورته: فيما إذا علق طلاق زوجته التى لم يدخل بها على المنع منه، فإنه يجوز لكل من رغب فى نكاحها أن ينظر إليها لكونها بالمنع طلقت وليست فى عدة (٣).
خامسًا: من باب ما يفسد الصلاة:
" عبادة تبطل بعد الفراغ منها والحكم بصحتها".
وصورته: فى الردة بعد التيمم (٤).
سادسًا: من باب صلاة الجمعة:
" رجل مسلم بالغ عاقل حر مقيم اجتمعت فيه شرائط صحة الإقامة لزمته جمعة يصح أن يكون مأمومًا فيها ولا يصح أن يكون إمامًا".
وصورته: فيما إذا لم يحضر الخطبة. كذا جزم به الرافعى. وفيه نظر. ويؤيده جواز استخلافه فيها (٥).
стр. 185
سابعًا: من كتاب الحج:
" صبى مميز، كلفناه بإيقاع الحج فى صباه ويجزيه أيضًا عما كلف به".
وصورته: إذا أحرم به بإذن وليه ثم أفسده بالجماع، فإن الأصح وجوب القضاء عليه وأنه يجزيه فى زمن الصبا (١).
ثامنًا: من كتاب الحجر:
" مال لسفيه لا يجوز للولى أن يبيعه إلا بإذنه وكذا الصبى". وصورته: فى تدبيرها إذا صححناه وقلنا يجوز الرجوع عن التدبير بالفعل دون القول، فالتصرف الذى يحصل به الرجوع لا يصح من الولى إذا رأى المصلحة فى بيعه، كذا ذكره الرافعى. فلو أذن له الصبى فى البيع كان بيع الولى عن إذنه رجوعًا بكل حال، كذا قال الماوردى، ولا شك أن السفيه مثله وأولى به، وبه يصح ما قلناه (٢).
تاسعًا: من كتاب اللقطة:
" إنسان التقط شيئًا بنية التعريف والتملك، ثم عرفه ومضت مدة التملك ومع ذلك لا يجوز له التملك". وصورته: فيما إذا التقط شيئًا بنية الحفظ فقط، ثم طرأ له نية التملك، فعرفه ومضت المدة، فإنه لا يجوز له التملك إلا بعد تعريفه مدة جديدة (٣).
٢٦ - " فتاواه ":
ونسخة منها فى مكتبة المدرسة الأحمدية فى الموصل ضمن مجموعة، برقم (٢٨) وقد أشار إليها صاحب مقدمة التحقيق لكتابه الطبقات (٤).
٢٧ - " المسائل الأسنوية" (الفتاوى الحموية):
وهى المسائل التى بعث بها الإمام الأسنوى إلى الشيخ شرف الدين البارزى
стр. 186
الحموى (١) الشافعى بحماة فأجاب عنها، وهى عبارة عن مائة مسألة من تأليف الإمام الأسنوى.
وهذه المسائل قد عثرت عليها فى نسخة خطية ضمن مجموعة بمكتبة الأزهر تحت رقم ٩٠١ خصوصية فقه شافعى. وتقع فى ١٠ ورقات من المجموعة من ١٧٢ - ١٨٧. وتوجد نسخ أخرى منها بالمكتبة نفسها برقم (٣٣٦) مجاميع فقه شافعى فى مجلد ضمن مجموعة بقلم معتاد (قديم) فى ١٤٩ ورقة، ومسرطتها مختلفة ٢٧ سم (من ورقة ٣١ - ٦٤) وأخرى برقم (٧٤٦) ٦٥٣ فقه شافعى فى مجلد بقلم معتاد قديم بخط محمد بن أبى بكر سنة ٨٧٩ هـ، وبها خرم وتلويث وتقع فى ١٣٣ ورقة، ومسطرتها ٣١ سطرًا - ٢٦ سم (من ورقة - ١٧)، كما عثرت على نسخة أخرى لهذه الفتاوى "مستقلة" بدار الكتب المصرية. بخط أحمد بن شعبان المغربى الشافعى، وقد فرغ منها فى ١٩ ذى القعدة سنة ٨٧٩ هـ وعلى هامشها تعليقات وهى برقم ٢٥٨ فقه طلعت. إلا أنها حفظت فى التعبئة. ولها ميكروفيلم فلم أتمكن من قراءته لصغر الخط إلى درجة كبيرة. وقد اطلعت على النسخة الأولى بتمامها. وظهر منها أن الإمام الأسنوى قد وضعها على هيئة مسائل منتظمة على أبواب الفقه، وبعث بها إلى القاضى البارزى للإجابة عنها (٢). ولعل السبب فى ذلك قد يرجع إلى حب الاطلاع، والتزود بما عند غيره من علم وثقافة، زيادة فى التوثق من علمه.
стр. 187
ونضع فيما يأتى نموذجًا منها للقارئ؛ زيادة فى تصورها والحكم عليها.
مسألة: "فى الحضانة ":
العمياء: هل تثبت لها الحضانة أم يكون عماها مانعًا من استحقاقها إياها؛ لأن ذلك يخل بالعلم بما عساه أن يترتب عليه مفسدة، مما يتعلق بالصبى لقصده إلى البئر والنار ويبقى الحيوانات المهلكة إليه، فإن مثل هذا قادح. والميول بيان ما فيه من المنقول، فإنى كشفت كتبًا كثيرة فلم أر لها ذكرًا، فكتب الرافعى، ومصنفات الغزالى، وإمامه الشيخ أبى إسحاق، والماوردى، والحاوى، والرويانى فى البحر، والمتولى فى التتمة، والفورانى فى العمد، وابن القاص وغير ذلك من الكتب، ولم يتعرض لها ابن الرفعة.
أجاب: لا يكون العمى قادحًا فى الحضانة لكن شرط الحاضن أن يكون قائمًا بمصالح المضمون، إما بنفسه أو بمن يستعين به، سواء كان الحاضن أعمى أو بصيرًا (١).
وعلى كل حال فهى مسائل مهمة يحسن الرجوع إليها لمن أراد زيادة الفائدة.
٢٨ - " كافى المحتاج إلى شرح المنهاج" فى الفقه:
ذكره ابن حجر، وقال: لم يكمل. وابن تغرى بردى، وبروكلمان. وقد اطلعت على نسخة (٢) الأزهر رقم ٧٣٤ خصوصية فقه شافعى. وهى فى جزأين
стр. 188
كبيرين: الأول ٢٣٦ ورقة من الحجم الكبير، والثانى ٣١٢ وينتهى بكتاب القراض. وفى شذرات الذهب وبغية الوعاة أنه وصل فيه إلى المساقاة (١).
وقد كمّل هذا الكتاب من بعده تلميذه بدر الدين الزركشى (٢). وزعم بعض المؤرخين أن اسمه "الفروق" (٣)، بل وجدت هذه التسمية على النسخة التى اطلعت عليها بالأزهر. ولكن الصحيح ما ذكرناه من التسمية أولا، أخذًا من المؤلف نفسه فى مقدمة الكتاب، حيث يقول: وسميته "كافى المحتاج إلى شرح المنهاج" (٤).
سبب التأليف: ومما حدا بالإمام الأسنوى إلى وضع هذا الكتاب، أنه قد رأى العلماء والفقهاء قد اعتنوا بشرح المنهاج للنووى وما حواه من ذخيرة العلم، وقد كثرت شروحه ما بين مسهب ومختصر، فأراد الأسنوى أن يضع عليه شرحًا نافعًا يبتعد عن الإسهاب الممل، وعن الاختصار المخل، فوضع شرحًا وسطا قال عنه العلماء: هو بلا شك من أحسن شروح المنهاج (٥).
وفى الدور الكامنة (٦): "مهذب منقح ومن أنفع شروح المنهاج مع كثرتها". ومع ذلك فهو يشتمل على نفائس أعمال يعتمد عليها دارسوه، ورءوس أموال ينفق منها مدرسوه، وفوائد يندر أن تكون مسطورة، وفرائد لا توجد فى الكتب المشهورة. ومن رام ذلك فعليه به.
стр. 189
٢٩ - " مختصر الشرح الصغير للرافعى" فى الفقه:
لم يتمه تأليفًا بل وصل فيه إلى البيع. وقد عزاه إليه السيوطى وغيره (١). ولم أعثر عليه.
٣٠ - " مطالع الدقائق فى تحرير الجوامع والفوارق ":
فى فروع الفقه الشافعى، وهو كتاب مختصر مهم جليل الأثر عظيم الفائدة. مرتب على أبواب الفقه. وموضوعه القسم الثانى (التحقيق) وقد سبق التعريف به فى المقدمة، وسنزيده فى الخاتمة عند الكلام على الفروق الفقهية (٢)، إن شاء اللَّه.
٣١ - " نجب الطواهر فى أجوبة الجواهر فى الفقه ":
عزاه إليه البغدادى فى هدية العارفين (٣). ولم أعثر عليه.
٣٢ - " نزهة النواظر فى رياض النطائر ":
فى فروع الفقه الشافعى نسبه إليه البغدادى فى هدية العارفين (٤). ويغلب على الظن أنه هو "الأشباه والنظائر" لأن مضمون التسمية واحد. وسبق التعريف بالأشباه (٥).
стр. 190
٣٣ - " نصيحة أولى النهى ":
فى الفقه، وسماه البعض "الانتصارات الاسمية" (١)، والبعض الآخر "النصيحة الجامعة والحجة القاطعة" فى منع استخدام النصارى. لم أعثر عليه. وقد اختصره السيوطى وسماه "جهد القريحة فى تجريد النصيحة" ذكره حاجى خليفة، وبروكلمان، وأشار إليه صاحب تحقيق الطبقات، وقال: منه نسخة بالقاهرة. ولم يذكر رقمها.
٣٤ - " نهاية السول فى شرح منهاج الأصول" للبيضاوى:
وهو من أحسن شروح المنهاج فى الأصول بشهادة الجميع. فقد جاء فى "روضات الجنان" (٢) قوله: وشرحه على منهاج الأصول كتاب مشهور مقدم على سائر شروح المنهاج التى كتبها جماعة من أعظم علماء الجمهور.
وقد طبع لأول مرة، فى القاهرة، سنة ١٣١٦ هـ - ١٣١٧ هـ (١٨٩٨) م بهامش كتاب: التنوير والتحرير لابن أمير حاج، المتوفى سنة ٨٧٩ هـ، فى ثلاثة مجلدات. ثم طبع للمرة الثانية مع كتاب (سلم الوصول لشرح نهاية السول) للشيخ محمد بخيت المطيعى، بالقاهرة، مكتبة العرب، ١٣٤٣ هـ - ١٣٤٥ هـ فى أربعة مجلدات.
٣٥ - " نهاية الراغب فى شرح عروض ابن الحاجب " (٣):
ذكره ابن حجر، وابن تغرى بردى، وصاحب المنهل الصافى، وصاحب هدية العارفين، والحاجى خليفة (٤).
стр. 191
وتوجد منه ثلاث نسخ خطية بدار الكتب المصرية. الأولى برقم ٧٨ تيمور بخط المولى خليل بن محمد الشهير بصبولاق زادة. وهذه النسخة ضمن مجموعة، وعليها تعليقات، بعضها للناسخ من شرح شمس الدين محمد بن محمد السفاقسى المغربى المالكى، المتوفى سنة ٧٤٤ هـ الذى سماه بـ "المورد الصافى فى شرح عروض ابن الحاجب والقوافى". وتبدأ النسخة من أول المجموعة إلى ص ١٠٨. وتقع فى (٥٤) ورقة من المجموعة (٢٠ × ١٣ سم).
والثانية: برقم ٢٠ عروض وقوافى بخط محمد بن سليمان.
والثالثة: برقم ٥٧٣٠ هـ.
وبهذا نأتى إلى تمام الفصل الثالث من الباب الثانى؛ ليكون خاتمة الكلام عن إمامنا الأسنوى الفقيه.
* * *
стр. 192
خاتمة فى بعض المسائل التطبيقية للفروق الفقهية النية، والسواك، والتيمم، والغسل من الجنابة، وبيع آلات اللهو والغناء
بعد أن تكلمنا عن الحركة العلمية للقرن الثامن الهجرى فى الباب الأول ومهدنا لذلك بالتطور الذى حصل لها فى القرون السابقة، ثم تكلمنا عن الإمام الأسنوى فى الباب الثانى وأوفيناه البحث.
بقى علينا أن نعقد هذه الخاتمة لنتكلم فيها بإيضاح عن الفروق الفقهية والأسنوى، والتطور التاريخى الذى حصل لهذه المادة، حيث إنها هى التى تهمنا فى هذا البحث؛ لأنها موضوعه الأساسى، وعليها قامت المباحث الأخرى.
ولما اقتضى الأمر الكلام عن الفروق الفقهية عند الأسنوى، كان من الواجب أن نختار منها عدة مسائل لتكون موضعًا للبحث يظهر فيه رأى الأسنوى مع المقارنة بجميع المذاهب الأخرى.
وقد عقدنا لكل مسألة مبحثًا مستقلًا خاصًا بها ناقشنا فيه آراء العلماء والفقهاء فى المذاهب المختلفة، مع إظهار الرأى الراجح بالدليل، مبرزين الرأى الخاص الذى نختاره منها بالدليل.
ولذلك فسيكون منهج البحث لهذه الخاتمة كالآتى:
أولًا: الفروق الفقهية عند الأسنوى والتطور التاريخى لها.
ثانيًا: النية وأثرها فى العبادات والعادات.
стр. 193
ثالثًا: السواك.
رابعًا: التيمم.
خامسًا: الغسل من الجنابة.
سادسًا: بيع آلات اللهو والغناء.
وقد كان اختيارى لهذه المباحث بالذات؛ لأنه ظهر لى من البحث أنها جميعها تحتاج إلى التبيين والوضوح أكثر من غيرها، أو على الأقل بعضها، وخاصة فى هذا العصر الذى حدثت فيه مشاكل ترتبط ببعض هذه المباحث، فكان من الأجدر علاجها فى مباحث مستقلة. كما أن أقلام الكتاب وأصحاب الرسائل العلمية اتجهت فى بحثها نحو المعاملات دون العبادات.
* * *
стр. 194
المبحث الأول الفروق الفقهية عند الأسنوى، وتطورها التاريخى
سيكون منهجى للكلام فى هذا المبحث على النحو التالى:
(أ) التعريف بالجوامع والفوارق.
(ب) التطور التاريخى للفروق الفقهية.
(جـ) الفروق عند الأسنوى ومنهجه فى تأليفها.
(د) مقارنة بين منهج الأسنوى فى هذه المادة ومنهج الآخرين.
* * *
стр. 195
أ- التعريف بالجوامع والفوارق:
الجوامع والفوارق من القواعد الأصولية التى تنبنى عليها مسائل الفقه وأحكامه.
فالجامع هو الأمر المشترك بين شيئين يعطيهما حكمًا واحدًا، والجوامع جمع "جامع".
والجامع لغة اسم فاعل لجمع. والجمع تأليف المتفرق، والجمع ضد التفرق وجماع الشئ جمعه، وفى الحديث "أوتيت جوامع الكلم" (١). واجتمع، وتجمع، واستجمع ضد تفرق (٢).
وفى لسان العرب (٣): "جمع الشئ عن تفرقه يجمعه جمعًا، جمعه وأجمعه فاجتمع، وكذلك تجمع واستجمع ضد تفرق، والمجموع الذى جمع من ههنا وههنا، وإن لم يجعل كالشئ الواحد.
وقال ابن الأثير (٤): "الجامع هو الذى يجمع الخلائق ليوم الحساب. وقيل هو المؤلف بين المتماثلات، والمتضادات فى الوجود". والمعنى الأخير هو الموافق لما نحن فيه.
أما الفارق فهو الأمر الفاصل بين الشيئين.
стр. 196
وفى لسان العرب (١): "الفرق خلاف الجمع، وفرقه يفرقه، فرقًا وفرقة، وانفرق الشئ، وتفرق، وافترق.
وفى حديث الزكاة: "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة" (٢).
والتفرقة والافتراق سواء. ومنهم من يجعل التفرق للأبدان، والافتراق للكلام، يقال: فرقت بين الكلامين فافترقا، وفرقت بين الرجلين فتفرقا. وهذا المعنى الأخير هو الموافق لما نحن فيه.
يقول الأسنوى (٣): "إن اللفظ المستعمل هنا هو المخفف لأنه الموافق لما نحن فيه. إلا أن يقصد معنى التكثير".
وقال الجوهرى (٤): "فرقت أفرق بين الكلام، وفرقت بين الأجسام، وقول النبى ﷺ (٥): "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" بالأبدان لأنه يقال فرّقت بينهما فتفرقا".
والفرقة مصدر الافتراق. قال الأزهرى (٦): "الفرقة اسم يوضع موضع المصدر الحقيقى من الافتراق".
وفارق الشئ مفارقة وفراقًا: باينه، والاسم الفرقة، وتفارق القوم: فارق بعضهم بعضًا، وفارق فلان امرأته مفارقة وفراقًا. وهذا كله فى اللغة.
أما فى الاصطلاح: فالفارق والفرق شئ واحد. وهو من قوادح علة الحكم (٧).
стр. 197
ويطلق الفرق على نوعين:
أحدهما: اعتبار ما فى الأصل من الخصوصية جزءًا من العلة.
وثانيهما: جعل خصوص الفرع مانعًا من ثبوت الحكم فيه.
مثال الأول: أن يستدل الحنفى على نقض الخارج من غير السبيلين للوضوء إذا كان نجسًا بقوله: خارج نجس، فيكون ناقضًا كالخارج من السبيلين، والجامع بينهما النجاسة. فيقول الشافعى: قياس مع الفارق لأن نقض الوضوء فى الخارج من السبيلين علته خروج النجس من السبيلين، فخصوصية الخروج من السبيلين معتبرة، وليست تلك الخصوصية موجودة فى الخارج من غيرها (١).
ومثال الثانى: أن يستدل الحنفى على قتل المسلم بالذمى بقوله "قاتل" فيقتص منه قياسًا على من قتل مسلمًا، والجامع بينهما القتل العمد والعدوان. فيقول الشافعى: قياس مع الفارق، لأن خصوصية الفرع وهى كون القاتل مسلمًا تعتبر مانعًا من وجوب الاتصاص عليه إذا كان المقتول زميّا لعدم التكافؤ بينهما، فإن الذمى حقير، والمسلم شريف. وقال بدر الدين البكرى نقلا عن البيضاوى (٢): "الفرق عند الأصوليين هو جعل تعيّن الأصل علة، أو النوع مانعًا".
ب- التطور التاريخى للفروق الفقهية:
الفروق الفقهية بمعناها العام قد تطلق على الفروع الفقهية، ولذلك وجدنا كثيرًا من المؤلفات الفقهية فى الفروع أطلق عليها اسم "الفروق". فمثلًا كتاب الأسنوى، "كافى المحتاج فى شرح المنهاج" فى فروع الفقه الشافعى سماه البعض "بالفروق"، ونجد ذلك فى عدة مراجع مختلفة كالكشف (٣) وغيره من الفهارس والمراجع.
стр. 198
والنسخة التى اطلعت عليها وهى كافى المحتاج تحمل هذا العنوان (١). "الفروق للأسنوى". مع أن المؤلف لم يشر إلى هذه التسمية فى مقدمته لهذا الكتاب.
ولعل ذلك قد يرجع إلى أن المصنفين فى هذا النوع (الفروق) يجمعون مسائله مما تحتويه بطون عديد من المختصرات والمطولات، من المحاسن المتفرقات فى مكان من الفروع الفقهية، كما أشار إلى ذلك الأسنوى.
وقد يكون السبب هو أن هذه الفروع تحتوى على كثير من المسائل الفروقية. فهى الأم بالنسبة لما حصل عليها من مؤلفات، من إطلاق العام وإرادة الخاص.
وبهذا الإطلاق العام يمكن أن نقول بأن الفروق الفقهية قد ظهرت منذ ظهور الفقه الإسلامى الأول، وكثيرًا ما نجد ذلك مفرقا فى فقه الصحابة والتابعين.
يقول عمر بن الخطاب- رضى اللَّه عنه- فى خطابه لأبى موسى الأشعرى: "اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور عند الاختلاف" (٢). ثم ازداد ذلك وضوحًا بظهور عصر المذاهب الفقهية، والعمل بالقياس، وكثيرًا ما نجد ذلك مفرقًا فى كتب الأئمة أنفسهم كالأم للشافعى، والموطإ للإمام مالك، وكذا باقى الأئمة فى كتبهم. ثم اتسع هذا الأمر وضوحًا بزيادة الاتجاه نحو التأليف والتصنيف بعد عصر المذاهب الفقهية، وظهور مبدإ التقليد.
وقد حفظت لنا المكتبات الفقهية من هذا النوع آلاف الكتب مع اختلاف العصور، وهى موسوعات فقهية كبرى، بل إن المؤلفات التى خصصت بعد ذلك للفروق بمعناها الخاص قد جمعت مادتها العلمية من بطون هذه الكتب فى أغلب أصولها.
أما الفروق بالمعنى الاصطلاحى الخاص الذى أوضحناه سابقًا:
فظهورها يرتبط بتاريخ التصنيف فيها كفن من فنون التصنيف والتأليف، وقد ظهر هذا النوع فى وقت مبكر أيضًا، وذلك منذ ظهور الاتجاه نحو التأليف، والتصنيف، ولكنه بالقياس إلى الفروع كان قليلًا جدًا.
стр. 199
وقد كان تأليف الفقهاء لهذا النوع على قسمين:
١ - منها ما هو موضوع للجمع والفرق بخصوصه، كالجمع والفرق للجوينى، والجوامع والفوارق للأسنوى (١).
٢ - ومنها ما جاء وهو أعم من ذلك: كفروق (٢) الجرجانى ويسمى "بالمعاياة". وقد ظهر هذا النوع من التأليف (وهو الفروق) فى القرن الثالث الهجرى على يد محمد بن الحسن بن بشير الحكيم الترمذى، المتوفى سنة ٢٥٥ هجرية الموافق ٨٦٨ ميلادية. وألف فى ذلك كتابه "الفروق" إلا أن هذا الكتاب كان عامًّا، وليس خاصًّا بالفروق الفقهية. فقد جاء بأمور متغايرة المعنى، يفرق فيه بين المواراة والمداهنة، والمحاجة والمجادلة، والمناظرة والمغالبة، والانتصار والانتقام. . . وهلم جرّا (٣). والظاهر أنه خاص بفروق علل الحديث.
ثم جاء من بعده ابن سريج (٤)، وألف فى الفروق أيضًا، وفروقه مشتملة على أجوبة متعلقة بمختصر المزنى (٥).
ثم جاء محمد بن صالح الكرابيسى الحنفى (٦) فى القرن الرابع، وصنف فى الفقه الحنفى كتابه "الفروق" (٧).
ثم جاء من بعده أبو عبد اللَّه القطان (٨)، وألف فى الفروق كتابه "المطارحات" إلا أنه يجمع فيه بين الفروع والفروق معًا (٩).
ثم جاء أبو عبد اللَّه بن يوسف الجوينى الشافعى، المتوفى سنة ٤٣٨ هـ وألف فى ذلك كتابه "الجمع والفرق" وهو كتاب مطول، يذكر فيه المسألة الفقهية بجميع
стр. 200
جوانبها وأدلتها، ثم يذكر الفرق. وقد يستطرد من مسألة إلى أخرى، والنسخة التى اطلعت عليها -مع أنها ناقصة من أولها- تقع فى ٢٣١ ورقة من الحجم الكبير، وتنتهى بجزء من الكلام على الرهن. وإليك نموذجًا مما جاء فيه:
مسألة (١): نص الشافعى -رضى اللَّه عنه- فى رواية الربيع على أن المسافر إذا تيمم وصلى، ثم وجد بئرًا ومعها الدلو والرشا -فليس عليه قضاء تلك الصلاة، ونص فى رواية المزنى- والربيع على أن المتيمم إذا فرغ من الصلاة فى السفر، ثم تذكر الماء فى رحله - كان عليه قضاء الصلاة. وفى مسألة البئر رواية أخرى عن الشافعى -رضى اللَّه عنه- رواها حرملة خلاف رواية الربيع، حتى أنه ادعى بعض أصحابه قولين فى مسألة البئر وادعى بعضهم حالين. ولم يختلف المذهب فى النَّاسى أن القضاء واجب عليه.
والفرق بينهما أن الناسى منسوب إلى التفريط الظاهر والتقصير الفاحش، ووجه تفريطه أنه قد كلّف الطلب قبل التيمم، وإذا أراد الاشتغال بالطلب فعليه تأمل رحله وتفتيشه والطلب من رفقته وفى طريقه، فإذا تذكر بعد الصلاة أن الماء فى رحلة ظهر تقصيره فى طلبه، وربما تكون الإداوة المشتملة على الماء فى عنقه. وأما آبار الوادى فغير محصورة، وربما يجهد فى الطلب ولا يعثر على البئر منها إلا بسابق علم، فلا يكاد ينسب إلى التفريط، حتى أنه إن تحققت له صفة التفريط ألزمناه أيضًا القضاء، مثل أن يكون له علم سابق بها وبمكانها وبالمرحلة التى فيها، فإذا نسيها لم يعذر وقد علمها، ولو تصور فى الرجل انتفاء التفريط يسقط عنه القضاء، وربما يتصور أن يعلم الرجل خلو رحله ومزاده عن الماء، ولم يعلم أن صديقًا له دس فى رحله ماء هدية ومبرة. فلا يلزمه القضاء فى مثل هذه الحالة.
ثم جاء من بعده: أبو الخير لسلامة بن إسماعيل بن جماعة المقدسى الشافعى، المتوفى سنة ٤٨٠ هـ - ١٠٨٧ م، وألف فى ذلك كتابه "الوسائل فى فروق المسائل" وهو كتاب جليل، عزيز الوجود - على ما قاله الأسنوى (٢) - لم أطلع عليه.
ثم جاء القاضى: أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الجرجانى الشافعى،
стр. 201
المتوفى سنة ٤٨٢ هـ - ١٠٨٩ م، وألف فى ذلك كتابه "الفروق"، ويعرف أيضا بـ "المعاياة" - وهو متوسط التأليف، والنسخة التى اطلعت عليها كاملة، وتقع فى ٢١٧ ورقة من الحجم الكبير (١). قال فى مقدمتها: هذه مسائل تصلح للإلقاء عند المعاياة، خرجتها على ترتيب أبواب الفقه لتعم الفائدة لمكانها ومسألتها على من يريد المحاضرة. ولذلك سماها البعض بالمعاياة (٢). وهو يجمع فيه بين الفروق والفروع معًا، فهو من النوع الثانى عند الأسنوى. وإليك نموذجًا منه:
مسألة: الماء القليل إذا تغير بالنجاسة، وأضيف إليه من الماء ما زاد. به نظر، فإن كان قد بلغ قلتين فهو طاهر مطهر، وإن لم يبلغ قلتين نظر، فإن كان الوارد أقل من المورود عليه فهو طاهر لوجود المكاثرة. كالأرض النجسة إذا كوثرت بالماء، ولكنه غير مطهر لأن الغلبة للماء الذى كوثر به، وهو يستعمل فى إزالة النجاسة، فهو كما لو طرح ماء مستعملًا على ماء مطلق منه. لم يكن مطهرًا لأن الغلبة للمستعملة (٣).
وله فى ذلك كتاب آخر يسمى "المطارحات" مهم، وقد نسبه إليه الأسنوى وأخذ منه. ولم أطلع عليه.
ثم جاء أبو الحسين بن مسعود بن محمد، المعروف بابن الفراء البغوى (٤)، وألف فى ذلك كتابه، المسائل والفروق (٥) لم أعثر عليه.
ثم جاء فى القرن السادس: أسعد بن محمد الكرابيسى النيسابورى الحنفى، المتوفى سنة ٥٧٠ هـ - ١١٧٤ م، وألف فى ذلك كتابه "الفروق" (٦).
وفروقه مسائل التقطها من الكتب الأخرى، ليس فيها قياس ولا استحسان، ولا خلاف مشهور بين الحنفية (٧). وإليك نموذجًا منها:
стр. 202
كتاب الطهارة (١): قال أبو حنيفة -رضى اللَّه عنه- إذا خرج الدود من إحدى السبيلين ينتقض الوضوء، وإن خرج من الجرح لم ينتقض. الفرق: أن الدود لا يخلو من قليل بلة يكون معها، وتلك البلّة قليل نجاسة، وقليل النجاسة إذا خرج من غير السبيلين لم ينتقض الوضوء لأن الدود حيوان. وهو طاهر فى الأصل، والشئ الطاهر إذا خرج من إحدى السبيلين لم يوجب نقض الوضوء كالدمع والعرق. وفرق محمد بن شجاع بأن الدود من الجرح يتولد من اللحم، فصار كما لو كان كذلك لم ينتقض وضوؤه كذا أصله. وأما فى السبيلين فإنه يتولد من النجاسة، وتلك النجاسة لو خرجت بانفرادها أوجبت نقض الوضوء، فكذلك ما يتولد منها إذا خرج.
ثم جاء فى القول الصحيح. الإمام المقدسى الشافعى المعروف بأبى العباس الحنبلى، المتوفى سنة ٦٣٠ هـ - ١٢٤١ م، وألف فى ذلك كتابه "الفروق" (٢). لم أطلع عليه.
ثم جاء من بعده شهاب الدين القرافى: أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجى، المتوفى سنة ٦٨٤ هـ - ١٢٨٥ م، وألف فى ذلك كتابه الفروق المسمى بـ "أنوار البروق فى أنواع الفروق". وهو عبارة عن فروق بين القواعد الكلية للفقه كالفرق بين الشهادة والرواية. وقد جمع فيه من القواعد ٥٤٨ ثمانية وأربعين وخمسمائة قاعدة، أوضح فى كل قاعدة ما يناسبها من الفروع، وهو كتاب مطول مهم جليل مشهور. وسنوضح منهجه فى تأليفه لهذه الفروق أكثر عند الكلام عن منهج الأسنوى فى تأليفه للفروق، ونعقد مقارنة بينهما بعد قليل.
ثم جاء يونس بن عبد الحميد بن داود الهذلى، المعروف بالقاضى سراج الدين الأرمنتى، المولود سنة ٦٤٤ هـ - ١٢٤٦ م، المتوفى سنة ٧٢٧ هـ سنة ١٣٢٦ م، وألف فى ذلك كتابه "الجمع والفرق" (٣). ولم أطلع عليه.
وقد ألف فيه من أهل القرن السابع أيضًا: على بن يحيى الوشلى اليمنى، الذى
стр. 203
ينتهى نسبه إلى سلمان الفارس الصحابى. ولد سنة ٦٦٢ هـ - ١٢٦٣ م، ولم أقف على تاريخ وفاته. وفى هذا الكتاب قال البعض: "وأتى فيه الجمع والفرق بما لم يأت به غيره" (١).
ثم جاء من بعده محمد بن على بن عبد الواحد بن يحيى بن عبد الرحيم، المغربى الأصل، المصرى، المعروف بابن النقاش، الذى ولد سنة ٧٢٠ هـ - وتوفى سنة ٧٦٣ هـ - ١٣٦١ م. وألف فى "الفروق" (٢). ولكننى لم أطلع عليه. ثم ألف الأسنوى فى ذلك كتابه "المطالع".
ثم جاء شرف الدين عيسى بن عثمان الغزى، تلميذ الأسنوى، المتوفى سنة ٧٩٩ هـ - ١٣٩٧ م. وألف فى ذلك كتابًا سمى "بالفروق" لم أقف عليه. ويقول عنه المؤرخون: "وفروقه عبارة عن قواعد ومسائل غريبة، وفروق بين المسائل، وأن القاعدة الفلانية تخالف القاعدة الفلانية فى كذا وكذا" (٣).
ثم أتى البلقينى تلميذ الأسنوى، المتوفى سنة ٨٠٥ هـ - ١٤٠٢ م، ووضع فى ذلك فروقًا بين الصحة والموجب. وقد جمع هذه الفروق أبو زرعة (٤) العراقى تلميذ الأسنوى ورفيقه، ووضحها فى كتاب سمى "الفروق بين الحكم بالصحة والموجب" وقد علق عليها أبو زرعة (٥).
ثم جاء من بعد ذلك بدر الدين محمد بن سليمان البكرى الشافعى فى القرن
стр. 204
العاشر، وألف فى ذلك كتابه "الفرق والاستثناء" (١)، إلا إنه قد ضمنه القواعد الكلية الفقهية وجعلها فى ٦٠٠ ستمائة قاعدة. يذكر القاعدة ثم الاستثناءات التى ترد عليها، وعند ذكره لهذه الاستثناءات قد يعرض له من الفروع ما يوجب الفرق بين مسألتين فيذكره، وهو قليل فى بعض الأحيان بالنسبة لما وضع له الكتاب.
ثم جاء زين العابدين بن نجيم المصرى فى القرن العاشر (٢) أيضًا، وألف فى ذلك. وقد كان تأليفه للفروق الفقهية على قسمين: قسم خصصه للفرق بين المسائل، والآخر خصصه للجمع والفرق معًا، وجعل كلًا منهما فنًا مستقلًا من فنون الفقه، ولكن يلاحظ أنه لم يجرد لكل واحد منهما مؤلفًا خاصًّا به، بل جعله قائمًا على الأشباه والنظائر وفنًا من فنونها.
وقد بدأ بالكلام فى الفروق على المسائل التى جردها من كتابه "الأشباه والنظائر" وجمعها فى عدة أوراق، وعنون لها بقوله: "هده تتمة فى الفروق من الأشباه والنظائر"، وهى تقع من الأشباه فى ٧ سبع صفحات فقط (٣). ومنهجه فى جمعها يشبه إلى حد كبير منهج الكرابيسى، وهى على جميع أبواب الفقه الحنفى، وقد بدأها بكتاب الأيمان، وانتهت بكتاب الوصايا.
وإليك نموذجًا من فروقه:
(١) من كتاب الأيمان: لو قال: واللَّه. وسكّن أو رفع أو نصب كان يمينًا، ولو حذف الواو لا يكون يمينًا إلا بالخفض.
والفروق: أن الخفض قائم مقام حرف القسم، إلّا فى رواية.
(٢) ولو قال: إن دخلت الدار واللَّه. لا يكون يمينًا. ولو قال: لا أدخل الدار واللَّه. يكون يمينًا.
والفرق: دقيق، كأن مبناه على العرف.
стр. 205
(٣) رجل له عليه مائة، فقال: إن أخذتها منك اليوم درهمًا دون درهم فعبدى حر. فغربت الشمس وقد قبض خمسين لا يحنث، ولو قال: إن أخذت منها اليوم درهما دون درهم يحنث.
والفرق: أن شرط الحنث فى الأول قبض المائة فى اليوم منه متفرقة، ولم يوجد لأن الهاء كناية عنها، وفى الثانى شرط قبض البعض وقد وجد.
من كتاب الحدود: حدّ الزنا والشرب والسرقة يبطل بالتقادم، وحدّ القذف والقصاص لا. والفرق أن حد القذف والقصاص يتوقف على الدعوى، فيحمل التأخير فى الشهادة على عدم الدعوىَ، بخلاف التأخير فيما عدا السرقة، فإنه يحمل على ضغينة حملته على الشهادة لعدم توقفهما عليها، وحد السرقة وإن توقف عليها لكن ضمنًا للمال لأنه بتأخيره الدعوى بعد تحييزه تارك للحسبة، فتمكنت التهمة فى الدعوى.
وهكذا سار فى جميع الكتب الباقية
أما القسم الثانى: وهو الجمع والفرق، فقد جرده فى الفن الثالث من الأشباه والنظائر (١) أيضا؛ ولذلك وجدناه يسير على طريقة الأشباه والنظائر، بمعنى أنه يجمع كل المسائل المتناظرة فى مكان واحد، فإذا عرض له فى أثناء الكلام ما يقتضى الفرق بين مسألتين من هذه المسائل ذكره، إلا أنه قليل، فهو موضوع للأحكام العامة والفرق فيها: كالنسيان والجهل والإكراه.
يقول المؤلف (٢) ابن نجيم: هذا هو الفن الثالث من الأشباه والنظائر وهو من الجمع والفرق، ونبهت فيه على أحكام يكثر ورودها ويقبح بالفقيه جهلها من أحكام الناسى والجاهل والمكره، وأحكام الصبيان والعبيد والسكارى. . إلى آخره. وإليك نموذجًا من هذا الفن:
أحكام الناسى (٣): وحد النسيان فى التحرير: "بأنه عدم تذكر الشئ وقت
стр. 206
حاجته إليه" واختلفوا فى الفرق بين السهو والنسيان. والمعتمد أنهما مترادفان. واتفق العلماء على أنه مسقط يلائم مطلقًا للحديث الحسن: "إن اللَّه -تعالى- وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١). قال الأصوليون: إنه من باب ترك الحقيقة بدلالة محل الكلام؛ لأن عين الخطإ وأخويه غير مرفوع، فالمراد حكمها، وهو نوعان: أخروى وهو المآثم، ودنيوى وهو الفساد. والحكمان مختلفان، فصار الإثم -بعد كونه مجازًا- مشتركًا، فلا يعم. وأما عندنا، فلأن المشترك لا عموم له.
وأما عند الشافعى ﵀ فلأن المجاز لا عموم له. فإذا ثبت الأخروى إجماعًا لم يثبت الآخر. كذا فى التنفيح وتمامه فى شرحنا على "المنار".
وأما الحكم الدنيوى فإن وقع فى ترك مأمور، لم يسقط، بل يجب تداركه، ولا يحصل الثواب المترتب عليه أو فعل منهى عنه، فإن أوجب عقوبة كان شبهة فى إسقاطها، فمن نسى صلاة أو صومًا أو حجًا أو زكاة، أو كفارة أو نذرًا؛ وجب عليه قضاؤه بلا خلاف، وكذا لو توقف بغير عرفة غلطًا يجب القضاء اتفاقًا. ومنها من صلى بنجاسة مانعة ناسيًا، أو نسى ركنًا من أركان الصلاة، أو تيقن الخطأ فى الاجتهاد فى الماء والثوب وقت الصلاة والصوم، أو نسى مسه الصوم، أو تكلم فى الصلاة ناسيًا، ربما يسقط حكمه فى النسيان: لو أكل أو شرب ناسيًا فى الصوم، أو جامع؛ لم يبطل، ولو أكل ناسيًا فى الصلاة تبطل.
والناسى والعامد فى اليمين سواء، وكذا فى الطلاق لو قال: زوجتى طالق، ناسيًا إن كان له زوجة، وكذا فى العتاق، وكذا فى محظورات الإحرام. وقد جعل له أصلًا فى التحرير، فقال: إن كان معه مذكّر ولا داعية له فأكل المصلى لم يسقط لتقصيره، بخلاف سلامه فى القعدة أو لا معه مع داع -كأكل الصائم- سقط أولى، ولا فأولى: كترك الذابح التسمية.
ومن مسائل النسيان: لو نسى المديون الدين حتى مات، فإن كان ثمن مبيع أو قرض لم يؤاخذ به، وان كان غصبًا يؤاخذ به، كذا فى الخانية.
стр. 207
وهكذا سار على المنوال السابق بالنسبة لجمع المسائل التى تتعلق بهذه المسألة أو تنبنى عليها (١).
ثم انتهى المؤلف من هذا الفن فى ص ٢٣٩، بقوله: "وهذا آخر ما أوردناه من فن الجمع والفرق مما يكثر تذكره ويقبح بالفقيه جهله. وللَّه الحمد".
جـ- الفروق عند الأسنوى ومنهجه فى تأليفها:
وعلى ضوء هذا العرض السريع السابق ودراستنا للفروق الفقهية والتطورات التاريخية التى مرت بها، يتضح لنا أن ما كتب فى هذا الفن قد اشتمل على الغث والسمين، وعلى ما يذكر الأسنوى أحد كبار المؤلفين فى هذا النوع من الفن.
وبالمقارنة بين ما كُتب فى هذا الموضوع وبين ما كتبه الأسنوى يظهر لنا أن الأسنوى قد نحا فى تأليفه لهذا النوخ منحًا فريدًا محدد المعالم -لا يتعداه إلى فن آخر- متوسطًا، أتى فيه بما يستظرف ويستحسن، ونأى فيه عما يسمج ويستهجن، يشهد بنفاسته أولو الفضل والإنصاف، هذا وإن كان فى تأليفه لم يخرج عن الخط العام الذى سار عليه الأئمة السابقون له، وهو تاقيد كل فقيه بمذهب إمامه لا يخرج عنه إلا فى القليل النادر، وعند الضرورة القصوى. وقد تمسك بهذا الاتجاه الأسنوى أكثر، وأعلن صراحة فى أكثر من مكان من مؤلفاته أنه يناصر مذهب الإمام الشافعى، وأنه يعمل على إحيائه وإبراز تراثه العظيم، حتى يبقى خالدًا نقيًا.
هذا مع أن المسائل التى ذكرها الأسنوى فى كتابه الجوامع والفوارق من المسائل التى هى فى أنفسها مقصودة بالنظر والبحث، وكثير منها غريب قل من اطلع عليه، ثم إنها مع ذلك مشتملة على فوائد نفيسة وقعت استطرادًا كما سنقف عليه (٢).
стр. 208
وهكذا خرّج لنا الأسنوى هذا الكتاب (الجوامع والفوارق) مع قلة حجمه، درة ثمينة يفخر بها الفقيه المسلم، ونورًا يستضئ به كل إمام باحث وكل فقيه عالم، وزخيرة قوية تفجر فى النفس همة البحث والابتكار، وتضيف إلى المكتبة الإسلامية زادًا لا غنى للفقيه عنه.
وقد جاء فى الدرر الكامنة (١) أنه لم يبيضه، بل مات عنه مسودة. وعلى ذلك يغلب على الظن أن اتجاه الأسنوى للتأليف فى هذا الفن كان فى آخر حياته، وذلك حرصًا منه على ألا يدع فنًا من فنون الفقه تكلم عنه أو يبحث فيه إلا واطلع عليه، ولعل سبب التأخير يرجع إلى أن هذا النوع من الفقه قد يحتاج إلى إلمام كامل بكل فروع الفقه ودقائقه وخوافيه؛ لأن هذا النوع من التأليف هو الذى يميز مواضع أقدار الفضلاء ومواضع مجال العلماء، لذلك لم يشأ الإمام الفاضل أن يخرج هذا الكتاب إلا وقد ألم بما وقع عليه نظره من قديم أو حديث، حتى إذا تحقق له ذلك وظن قرب أجله فى الاتجاه إليه، فبدأ فى جمعه وتصنيفه، على ترتيب أبواب الفقه.
وقد اشتمل الكتاب على جميع مباحث الفقه تقريبًا: يذكر الكتاب وما يندرج تحته من الفصول، ويتتبع كل فصل، وما يندرج تحته من المسائل، مثل: كتاب الطهارة، باب الآنية، مسألة. ثم يذكر المسألة.
هذا من جهة التنظيم والترتيب، أما جهة الموضوع: فكان فى بحثه للمسائل التى تعرض لها ينفرد بأنه قد جعل كل مسألة من مسائله كأنها بحث خاص مستقل، يذكر فيه جميع ما ورد من آراء بالصحة أو الضعف، ويعزى ذلك بدقة لقائله، مع تحديد المرجع الذى ينقل عنه.
ثم يذكر الفرق بين المسألتين على أساس الرأى الذى يختاره مبينًا ذلك إن كان هناك أكثر من قول فى المسألة، ثم إن كان الفرق الذى بين المسألتين لغيره بينه صراحة، وإن كان هذا الفرق الذى ذكره قد وجد ما يخالفه -سواء من عنده أو من عند غيره- ذكر هذا المخالف، معضدًا كل ذلك بالدليل.
стр. 209
ولعل هذا المنهج قد يخالف كثيرًا منهج السابقين عليه ممن ألفوا فى هذا الميدان، كما سبق عرضه؛ ولذلك تأثر به لفيف من الفقهاء الذين أتوا بعده وألفوا فى هذا النوع من الفن.
فإذا أخذنا بدر الدين البكرى صاحب "الفرق والاستثناء" السابق التعريف به نموذجًا لمن تأثر بالأسنوى فى منهجه لهذا الفن، ودرسنا كتابه "الفرق والاستثناء"، لوجدنا أنه قد تأثر إلى حد كبير بالإمام الأسنوى، ويتضح ذلك من خلال مطالعتك لهذا الكتاب.
فمثلا يذكر المؤلف القاعدة الأولى بقوله: "كل ماء مطلق لم يتغير فهو الطهور" إلا فى مسائل (١):
منها: الماء الطهور إذا استحال منه دود ثم استحال ماء، فطهور قطعًا. فلو طرح فيه من خارج؛ جرى فيه الخلاف المذكور فيما لا نفس له سائله إذا وقع فى الماء القليل ومات فيه.
وهكذا يستطرد المؤلف فى بقية المسائل المستثناة على تلك القاعدة، حتى إذا عرض له مسألة توجب الفرق ذكرها. فيقول:
"ولو وقع فى ماء قليل نجاسة معافو عنها؛ لم يضر، فإن قال قائل: قد قلتم إن المستعمل فى فرض الطهارة إذا لم يبلغ قلتين فليس بطهور، وما استعمل فى نقلها فطهور فى أصح القولين. وصححه صاحب البحر وكذا النووى فى شرح المهذب، وكل منهما مستعمل، فما الفرق؟ قيل فى الفرق بينهما: إن المستعمل فى نفل الطهارة لم تكتسب الأعضاء به صفة الفرض ولم نؤد به عبارة الفرض بانفراد، فلذلك لم يسلب عنه اسم الطهور، وليس كذلك الماء المستعمل فى ذلك؛ لأنه تأدت به عبارة مع اشتراك، واكتسبت الأعضاء به صفة، فلذلك سلب عنه اسم الطهورية، فدل على الفرق بينهما. فإن قيل: قد اكتسبت الأعضاء بما استعمل فى النفل صفة، قلنا نعم، صفة كمال عند وجود الفرض لا صفة وجوب ولا كمال مع انفراده، فدل على ما قلناه.
стр. 210
د- مقارنة بين فروق الأسنوى وفروق القرافى:
وبعد ذلك بقى علينا أن نعقد مقارنة خاصة بين الأسنوى ومن سبقه فى فن الفروق، وقد اخترت من السابقين عليه الإمام "القرافى" المالكى. ولعل ذلك يرجع إلى اشتهار القرافى بمعالجته لهذا الفن دون غيره. كما أن هناك فرقًا كبيرًا بينهما من جهة الموضوع.
وإذا عرفنا فيما سبق موضوع "فروق الأسنوى" وأنها بين المسائل الفرعية الفقهية؛ نعرف أن فروق القرافى موضوعها: قواعد الفقه الكلية أصلًا. ولكنها كثيرًا ما تكون بين مسألتين فرعيتين من مسائل الفقه.
يقول القرافى (١): "وجعلت مبادئ المباحث فى القواعد -بذكر الفروق والسؤال عنها- فرعين أو قاعدتين، فإن وقع فى السؤال عن الفرق بين الفرعين فبيانه بذكر قاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق، وهما المقصودتان، وذكر الفرق وسيلة لتحصيلهما.
وإن وقع السؤال عن الفرق بين القاعدتين -فالمقصود تحقيقهما، ويكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولى؛ لأن الضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء".
وعلى هذا فالمقصود الأساسى لمؤلف القرافى هو ذكر الفرق بين القواعد لا ذكر الفرق بين الفروع، وإنما يقع ذلك فيه استطرادًا عند ضرورة توضيح القاعدة وإظهارها.
وفروق القرافى تقع فى ٥٤٨ ثمانية وأربعين وخمسمائة قاعدة، وكلامه فيها مفصل. فهو يذكر القاعدتين ثم يذكر جميع الآراء التى تكلمت عن الفرق بينهما ويناقش ذلك، ثم يأتى بالفرق الذى يرتضيه مع الدليل.
ففى كلامه عن الفرق الأول وهو بين الشهادة والرواية يقول (٢):
". . ابتدأت الفرق بين هاتين القاعدتين لأنى أطلبه نحو ثمانى سنوات فلم أظفر
стр. 211
به، وأسأل الفضلاء عن الفرق بينهما، وتحقيق ماهية كل واحدة منهما، فإن كل واحدة منهما خبر -فيقولون: الفرق بينهما أن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية، بخلاف الرواية، فإنها تصح من الواحد والمرأة والعبد.
فأقول لهم: اشتراط ذلك فيها فرع تصورها وتمييزها عن الرواية، فلو عرفت بأحكامها وآثارها -التى لا تعرف إلا بعد معرفتها- لزم الدور، وإذا وقعت لنا حادثة غير منصوصة من أين لنا أنها شهادة حتى يشترط فيها ذلك، فلعلها من باب الرواية التى لا يشترط فيها ذلك، فالضرورة داعية لتميزها. ولا يشترط فى بعض المسائل الأخرى.
ثم ذكر أن الفرق بينهما بمعرفة حقيقة كلّ منهما على حدة، فيقول (١): "مهما لم تتصور حقيقة الشهادة والرواية وتمييز كل واحدة منهما عن الأخرى لا يعلم اجتماع المتشابهتين منهما فى هذه الفروع، ولا يعلم أى الشبهين أقوى، حتى يرجح مذهب القائل بترجيحها. ولعل أحد القائلين ليس مصيبًا".
وليس فى الفروع إلا إحدى المتشابهتين أو أحد الشبهين، والآخر منفى، أو الشبهان معا منفيان، والقول بتردد هذه الفروع بينهما ليس صوابًا، بل يكون الفرع مخرجًا على قاعدة أخرى غيرها.
وهذا جميعه إنما يتلخص إذا علمت حقيقة كل واحدة منها من حيث هى. ونذكر فيما يأتى نموذخا آخر من فروقه:
الفرق الثالث والثمانون (٢): بين قاعدة الماء المطلق وبين قاعدة الماء المستعمل لا يجوز استعماله أو يكره على الخلاف.
اعلم أن الماء المطلق هو الباقى على أصل خلقته، أو تغير بما هو ضرورى له، كالجارى على الكبريت وغيره مما يلازم الماء فى مقره.
وكان الأصل فى هذا القسم ألا يسمى مطلقًا؛ لأنه تقيد بإضافة عين أخرى إليه، لكنه استغنى للضرورة، فجعل مطلقًا؛ توسعة على المكلف. واختير هذا اللفظ
стр. 212
لهذا الماء وهو قولنا مطلق- لأن اللفظ يفرد فيه إذا عبر عنه، فيقال: ماء، وشربت ماء، وهذا ماء، وخلق اللَّه الماء رحمة للعالمين. . ونحو ذلك من العبارات. فأما غيره فلا يفرد اللفظ فيه، بل يقال: ماء الورد، ماء الرياحين، ماء البطيخ. . ونحو ذلك. فلا يذكر اللفظ إلا مقيدًا بإضافة أو معنى آخر. وأما فى هذا الماء فيقتصر على لفظ مفرد مطلق غير مقيد وإن وقعت الإضافة فيه بقولنا: ماء البحر، ماء البئر، ونحوها، فهى غير محتاجة إليها. بخلاف ماء الورد ونحوه - لابد من ذلك القيد وتلك الإضافة، فمن ههنا حصل الفرق من جهة اليقين واللزوم.
وأما الماء المستعمل فهو الذى أديت به طهارة وانفصل من الأعضاء، لأن الماء مادام فى الأعضاء فلا خلاف أنه طهور مطلق مادام مترددًا، فإذا انفصل عن العضو اختلف فيه: هل هو صالح للتطهر؟ وهل هو نجس أم لا؟ وهل هو ينجس الثوب إذا لاقاه أم لا؟ هذه أقوال للحنفية ولغيرها. واختلف القائلون بخروجه عن صلاحيته للتطهر: هل ذلك معللًا بإزالة المانع أو بأنه أديت به لمحربة؟ ويتخرج على القولين مسائل.
فإن قولنا: إن العلة إزالة المانع - لم يندرج فى الماء المستعمل فى الغسل فى المرة الثانية والثالثة فى الوضوء إذا نوى فى الأولى الوجوب، ولا الماء المستعمل فى تجديد الوضوء، ونحو ذلك مما لا يزيل المانع. ويندرج فيه الماء المستعمل فى غسل الذمية، لأنه أزال المانع من الوطء.
وإن قلنا: إن سبب ذلك كونه أديت به قربة - اندرج فيه الماء المستعمل فى المرة الثانية والثالثة فى تجديد الوضوء.
ولا يندرج الماء المستعمل فى غسل الذمية؛ لأنه لم تحصل به قربة - عكس ما تقدم وللقائلين بالمنع وخروجه عن كونه صالحًا للتطهر مدارك، أحسنها أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ - مطلق فى التطهر لا عام فيه، بل عام فى المكلفين، فإذا قال السيد لعبيده: أخرجت هذا الثوب لأغطيكم به - لا يدل ذلك على أنه يغطيهم به مرات ولا مرتين، بل يدل على أصل التغطية فى جميعهم، فإذا غطاهم به مرة حصل موجب اللفظ، وكذلك هههنا؛ إذا تطهرنا
стр. 213
بالماء حصل موجب اللفظ، فبقيت المرة الثانية فيه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير مقيدة، فإن الأصل فى الأشياء عدم الاعتبار فى التطهر وغيره، إلا ما وردت الشريعة به، وهذا وجه قوى حسن، ومدرك جميل.
واحتج مع هذا الوجه بقوله: إنه ماء أديت به عبادة فلا تؤدى به عبادة أخرى كالرقبة فى العنق، وبقولهم: إنه ماء الذنوب؛ لما ورد فى الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال (١): "إذا توضأ المؤمن فغسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله، وإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من بين أطراف أذنيه. . " الحديث.
فدل ذلك على أن هذا الماء تخرج معه الذنوب. وإنما قلنا إنه إذا كان ماء الذنوب يكون نجسًا، لأن الذنوب ممنوع من ملامستها شرعًا. والنجاسة هى منع شرعى، فإذا حصل المنع حصلت النجاسة. والجواب عن الأول: أنكم تجوزون عتق الرقبة الكافرة فى الكفارات الواجبات، ولو أعتق عبدًا كافرًا ذميًا ثم خرج إلى أهل الحرب ناقضًا للعهد، ثم غنمناه - عاد رقيقًا، وجاز عتقه فى الواجب مره أخرى عندع؛ فما قستم عليه لا يتم على أصولكم. سلمنا صحة القياس لكنه معارض بأنه عين أديت به عبادة، فيجوز أن تؤدى به عبادة أخرى، كالثوب فى ستر الصلاة واستقبال الكعبة، وكذلك المال فى الزكاة لو اشتراه، فمن انتقل إليه من الفقراء جاز أن يخرجه فى الزكاة مرة أخرى.
وبهذا نأتى إلى ختام المبحث الأول.
* * *
стр. 214
المبحث الثانى فى موقف العلماء من وجوب النية فى الوضوء والغسل والتيمم
سنتعرض فى هذا المبحث للمطالب الآتية:
(١) تحقيق معنى النية، وتبيين ماهيتها لغة وشرعًا.
(٢) بيان محل النية، ووقتها، والمجزئ منها شرعًا.
(٣) بيان ما يفتقر إلى النية الشرعية.
(٤) بيان موقف العلماء من وجوب النية فى الوضوء والغسل والتيمم، ودليل كل مع التوجيه.
(٥) الترجيح، والاختيار.
стр. 215
المطلب الأول فى تحقيق معنى النية وتبيين ماهيتها لغة وشرعًا
١ - فى اللغة:
النيَّة (١) -بتشديد الياء-: مصدر نوى ينوى، وهذا هو المشهور عند أهل اللغة. وقد تخفف الياء فتصير نيَة.
ونويت وانتويت بمعنى واحد، كما قاله الجوهرى (٢)، ومعنى النية: هو القصد، لأنها مصدر نوى الشئ ينويه، أى: قصده واعتقده.
وفى لسان العرب (٣): "الناوى: الذى أزمع على التحول، وفلان ينوى وجه كذا، أى: يقصده من سفر أو عمل. والنوى: (الوجه) الذى تقصده.
وقال أعرابى من بنى سليم لابن له سماه إبراهيم: ناويت به إبراهيم، أى قصدت قصده فتبركت باسمه".