به، وأسأل الفضلاء عن الفرق بينهما، وتحقيق ماهية كل واحدة منهما، فإن كل واحدة منهما خبر -فيقولون: الفرق بينهما أن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية، بخلاف الرواية، فإنها تصح من الواحد والمرأة والعبد.
فأقول لهم: اشتراط ذلك فيها فرع تصورها وتمييزها عن الرواية، فلو عرفت بأحكامها وآثارها -التى لا تعرف إلا بعد معرفتها- لزم الدور، وإذا وقعت لنا حادثة غير منصوصة من أين لنا أنها شهادة حتى يشترط فيها ذلك، فلعلها من باب الرواية التى لا يشترط فيها ذلك، فالضرورة داعية لتميزها. ولا يشترط فى بعض المسائل الأخرى.
ثم ذكر أن الفرق بينهما بمعرفة حقيقة كلّ منهما على حدة، فيقول (١): "مهما لم تتصور حقيقة الشهادة والرواية وتمييز كل واحدة منهما عن الأخرى لا يعلم اجتماع المتشابهتين منهما فى هذه الفروع، ولا يعلم أى الشبهين أقوى، حتى يرجح مذهب القائل بترجيحها. ولعل أحد القائلين ليس مصيبًا".
وليس فى الفروع إلا إحدى المتشابهتين أو أحد الشبهين، والآخر منفى، أو الشبهان معا منفيان، والقول بتردد هذه الفروع بينهما ليس صوابًا، بل يكون الفرع مخرجًا على قاعدة أخرى غيرها.
وهذا جميعه إنما يتلخص إذا علمت حقيقة كل واحدة منها من حيث هى. ونذكر فيما يأتى نموذخا آخر من فروقه:
الفرق الثالث والثمانون (٢): بين قاعدة الماء المطلق وبين قاعدة الماء المستعمل لا يجوز استعماله أو يكره على الخلاف.
اعلم أن الماء المطلق هو الباقى على أصل خلقته، أو تغير بما هو ضرورى له، كالجارى على الكبريت وغيره مما يلازم الماء فى مقره.
وكان الأصل فى هذا القسم ألا يسمى مطلقًا؛ لأنه تقيد بإضافة عين أخرى إليه، لكنه استغنى للضرورة، فجعل مطلقًا؛ توسعة على المكلف. واختير هذا اللفظ
стр. 212
لهذا الماء وهو قولنا مطلق- لأن اللفظ يفرد فيه إذا عبر عنه، فيقال: ماء، وشربت ماء، وهذا ماء، وخلق اللَّه الماء رحمة للعالمين. . ونحو ذلك من العبارات. فأما غيره فلا يفرد اللفظ فيه، بل يقال: ماء الورد، ماء الرياحين، ماء البطيخ. . ونحو ذلك. فلا يذكر اللفظ إلا مقيدًا بإضافة أو معنى آخر. وأما فى هذا الماء فيقتصر على لفظ مفرد مطلق غير مقيد وإن وقعت الإضافة فيه بقولنا: ماء البحر، ماء البئر، ونحوها، فهى غير محتاجة إليها. بخلاف ماء الورد ونحوه - لابد من ذلك القيد وتلك الإضافة، فمن ههنا حصل الفرق من جهة اليقين واللزوم.
وأما الماء المستعمل فهو الذى أديت به طهارة وانفصل من الأعضاء، لأن الماء مادام فى الأعضاء فلا خلاف أنه طهور مطلق مادام مترددًا، فإذا انفصل عن العضو اختلف فيه: هل هو صالح للتطهر؟ وهل هو نجس أم لا؟ وهل هو ينجس الثوب إذا لاقاه أم لا؟ هذه أقوال للحنفية ولغيرها. واختلف القائلون بخروجه عن صلاحيته للتطهر: هل ذلك معللًا بإزالة المانع أو بأنه أديت به لمحربة؟ ويتخرج على القولين مسائل.
فإن قولنا: إن العلة إزالة المانع - لم يندرج فى الماء المستعمل فى الغسل فى المرة الثانية والثالثة فى الوضوء إذا نوى فى الأولى الوجوب، ولا الماء المستعمل فى تجديد الوضوء، ونحو ذلك مما لا يزيل المانع. ويندرج فيه الماء المستعمل فى غسل الذمية، لأنه أزال المانع من الوطء.
وإن قلنا: إن سبب ذلك كونه أديت به قربة - اندرج فيه الماء المستعمل فى المرة الثانية والثالثة فى تجديد الوضوء.
ولا يندرج الماء المستعمل فى غسل الذمية؛ لأنه لم تحصل به قربة - عكس ما تقدم وللقائلين بالمنع وخروجه عن كونه صالحًا للتطهر مدارك، أحسنها أن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ - مطلق فى التطهر لا عام فيه، بل عام فى المكلفين، فإذا قال السيد لعبيده: أخرجت هذا الثوب لأغطيكم به - لا يدل ذلك على أنه يغطيهم به مرات ولا مرتين، بل يدل على أصل التغطية فى جميعهم، فإذا غطاهم به مرة حصل موجب اللفظ، وكذلك هههنا؛ إذا تطهرنا
стр. 213
بالماء حصل موجب اللفظ، فبقيت المرة الثانية فيه غير منطوق بها، فتبقى على الأصل غير مقيدة، فإن الأصل فى الأشياء عدم الاعتبار فى التطهر وغيره، إلا ما وردت الشريعة به، وهذا وجه قوى حسن، ومدرك جميل.
واحتج مع هذا الوجه بقوله: إنه ماء أديت به عبادة فلا تؤدى به عبادة أخرى كالرقبة فى العنق، وبقولهم: إنه ماء الذنوب؛ لما ورد فى الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال (١): "إذا توضأ المؤمن فغسل يديه خرجت الخطايا من بين أنامله، وإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من بين أطراف أذنيه. . " الحديث.
فدل ذلك على أن هذا الماء تخرج معه الذنوب. وإنما قلنا إنه إذا كان ماء الذنوب يكون نجسًا، لأن الذنوب ممنوع من ملامستها شرعًا. والنجاسة هى منع شرعى، فإذا حصل المنع حصلت النجاسة. والجواب عن الأول: أنكم تجوزون عتق الرقبة الكافرة فى الكفارات الواجبات، ولو أعتق عبدًا كافرًا ذميًا ثم خرج إلى أهل الحرب ناقضًا للعهد، ثم غنمناه - عاد رقيقًا، وجاز عتقه فى الواجب مره أخرى عندع؛ فما قستم عليه لا يتم على أصولكم. سلمنا صحة القياس لكنه معارض بأنه عين أديت به عبادة، فيجوز أن تؤدى به عبادة أخرى، كالثوب فى ستر الصلاة واستقبال الكعبة، وكذلك المال فى الزكاة لو اشتراه، فمن انتقل إليه من الفقراء جاز أن يخرجه فى الزكاة مرة أخرى.
وبهذا نأتى إلى ختام المبحث الأول.
* * *
стр. 214
المبحث الثانى فى موقف العلماء من وجوب النية فى الوضوء والغسل والتيمم
سنتعرض فى هذا المبحث للمطالب الآتية:
(١) تحقيق معنى النية، وتبيين ماهيتها لغة وشرعًا.
(٢) بيان محل النية، ووقتها، والمجزئ منها شرعًا.
(٣) بيان ما يفتقر إلى النية الشرعية.
(٤) بيان موقف العلماء من وجوب النية فى الوضوء والغسل والتيمم، ودليل كل مع التوجيه.
(٥) الترجيح، والاختيار.
стр. 215
المطلب الأول فى تحقيق معنى النية وتبيين ماهيتها لغة وشرعًا
١ - فى اللغة:
النيَّة (١) -بتشديد الياء-: مصدر نوى ينوى، وهذا هو المشهور عند أهل اللغة. وقد تخفف الياء فتصير نيَة.
ونويت وانتويت بمعنى واحد، كما قاله الجوهرى (٢)، ومعنى النية: هو القصد، لأنها مصدر نوى الشئ ينويه، أى: قصده واعتقده.
وفى لسان العرب (٣): "الناوى: الذى أزمع على التحول، وفلان ينوى وجه كذا، أى: يقصده من سفر أو عمل. والنوى: (الوجه) الذى تقصده.
وقال أعرابى من بنى سليم لابن له سماه إبراهيم: ناويت به إبراهيم، أى قصدت قصده فتبركت باسمه".
стр. 216
وتقول العرب: نويته تنوية، أى: وكلته إلى نيته. ونويك: صاحبك الذى نيته نيتك. ولى فى بنى فلان نية، أى: حاجة (١).
وبناء على هذا التحقيق تكون النية لغةً "قصد الشئ وعزم القلب عليه" كما قال الأزهرى (٢)، فقد جاء فى "نهاية الإحكام فى بيان ما للنية من الأحكام" نقلا عن "الشامل"، و"المهذب" وغيرهما (٣): "تقول العرب: نواك اللَّه بحفظه، أى: قصدك اللَّه بحفظه" (٤).
٢ - فى الشرع:
يؤخذ من تعبيرات الفقهاء وكلامهم عن النية أن معناها لا يخرج عن المعنى اللغوى الذى حققناه آنفا (وهو القصد).
يقول الأسنوى: نقلًا عن الماوردى -فى تعريفها: "إن النية هى القصد المقارن للفعل" ونقل عن إمام الحرمين "أن النية من قبيل القصود، والإرادات" (٥).
وقال ابن عابدين فى حاشيته "النية لغةً: عزم القلب على الشئ، واصطلاحًا: قصد الطاعة والتقرب إلى اللَّه -تعالى- فى إيجاد الفعل" (٦).
وفى الكلام عن التيمم يقول الأحناف: "إن التيمم ينبئ عن القصد، والنية هى القصد، فلا يتحقق التيمم بدون القصد أى النية" (٧).
стр. 217
وفى كتب الحنابلة: "النية القصد، يقال: نواك اللَّه بخير، أى: قصدك به، ونويت السفر، أى: قصدته وعزمت عليه" (١).
وهذا المعنى موجود أيضًا فى كتب الشيعة الإمامية (٢) والزيدية (٣).
ولهذا فقد ذكر صاحب الروض النضير أن "الدواعى إلى الفعل متعددة فى الأغلب لما فعل الفاعل لأجله، فالذى وقع بسببه التخصيص من الفاعل يسمى قصدًا، وتخصيصه من بين الحوامل المحتملة إرادة ونية، فإذا أحرم بالحج مثلًا، أى قصد إلى أفعاله الخصوصة فقد نواه، "وكذلك إذا قام إلى الصلاة وكبر، أو إذا خرج من بيته وركب راحلته، ونحو ذلك" (٤).
وعلى كون النية هى القصد فلا يخرج عنها إلا فعل الساهى والمجنون، ومن لا يعقل كالحيوانات البهمية، فإنها تقصد ولا يقال لقصدها نية؛ لأنها لا تميز مواقع الحوامل على الحقيقة، بخلاف العاقل المميز.
ولكن هل هناك فرق بين النية، والعزم، والقصد؟ بمطالعة أقوال الفقهاء فى الكلام على النية تلاحظ أنهم قد عبروا بتعيرات تفيد بوجود هذا الفرق.
فقد نقل الأسنوى عن الماوردى: "أن النية هى القصد المقارن للفعل، وأما المتقدم عليه فإنه عزم" (٥).
ونقل عن إمام الحرمين مثل ذلك وهو: "أن النية من قبيل القصود والإرادات وتتعلق بما يجرى فى الحال أو الاستقبال، ففيما يتعلق بالحال فهو القصد تحقيقًا، وما يتعلق بالاستقبال فهو الذى يسمى عزمًا" (٦).
وجاء فى كتب الإمامية أن "النية إرادة تؤثر فى وقوع الفعل، وبها يكون الفعل
стр. 218
فعل مختار، وهو المراد ممن فسرها بالقصد على ما يظهر من كلام الأصحاب وأهل اللغة، وربما فسرت بالعزم فى بعض عبارات الأصحاب، والمراد بالعزم الإرادة المتقدمة على الفعل" (١).
وذكر ابن عابدين فى حاشيته "وقيل: النية اسم للإرادة الحادثة، والعزم هو المتقدم على الفعل، والقصد هو المقترن به".
ولكن من تحقيق عبارات الفقهاء فى معنى النية يظهر لنا أنه لا يوجد أى فرق بينها.
وعلى هذا فيكون العزم قسمًا من أقسام النية، لا مباينًا لها، ويشهد لذلك تفسيرها بالعزم فى كتب اللغة كتفسيرها بالقصد أيضًا، وتفسيرها بالعزم فى بعض الأخبار المتواترة التى اشتملت على النية، كحديث: "نية المؤمن خير من عمله" (٢).
وعلى ما تقدم يمكن أن نقول: إن اعتبار الفقهاء المقارنة فيما اعتبروها فيه إنما هو على سبيل الشرطية، لا أن المقارنة جزء من مسمى النية؛ لأن مسمى النية الإرادة المتعلقة بالفعل من غير قيد، فمسماها كلى له نوعان: نوع اعتبرت فيه استقبالية متعلقة، وهو العزم، ونوع اعتبرت فيه حالية متعلقة وهو القصد التحقيقى، بمعنى الإرادة المؤثرة فى الفعل، وهو الذى اعتبرت المقارنة للفعل جزءًا منه.
فعلم أن مفهوم النية قدر مشترك بين النوعين، وانقسامه باعتبار انقسام الفصول
стр. 219
المقسمة له إلى ما يسبق على الفعل أو يقارنه، فالمقارنة جزء من ماهية النوع، لا ماهية الجنس (١).
فالنية إن أريد بها إرادة الفعل الكلية والقصد الكلى -كانت المقارنة خارجة، وإن أريد بها القصد التحقيقى، أى الإرادة المؤثرة فى الفعل من حيث خصوصها لا من حيث اندراجها- كانت المقارنة جزءًا منها.
فتعريف النية إذن "بأنها قصد الشئ مقترنًا بفعله إنما هو بالاعتبار الثانى لا بالاعتبار الأول؛ لأن الاعتبار الثانى هو المعتبر فى غالب أبواب العبادات وغيرها، فهو من قبيل المجاز المشهور وليس من قبيل الحقيقة العرفية؛ لأن المعنى الأصلى لم يهجر فى استعمالات الفقهاء، ويدل عليه التقييد بالمقارنة فى قولهم فى باب الوضوء: "مقرونة بأول غسل جزء من الوجه".
وفى باب الصلاة "يشترط مقارنتها للتكبير". وقول الإمام الشافعى فى الأم والمختصر: "والنية مع التكبير لا تتقدم عنه ولا تتأخره". ونحو ذلك من العبارات.
فذكر قيد المقارنة واشتراطها دليل على أنهم أرادوا بالنية معناها الكلى، وإلا لم يحتج إلى ذكر قيد المقارنة لدخوله فى مسماها فيكون تكرارًا (٢).
وهذا التحقيق لا ينافى قول الفقهاء فى تعريفها: هى لغةً القصد، وشرعًا قصد الشئ مقترنًا بفعله؛ لأن قولهم: "هى لغة القصد" ليس المراد منه أن هذا المعنى خاص باللغة وليس متفقًا فى الشرع، بل هو مستعمل فيه أيضًا، فكثير ما يستعمل لفظ النية فى لسان الشرع مرادًا به القصد، كقولهم: تجب نية الصوم. فالنية فيه بمعنى قصد الصيام قبل دخول وقته الذى أوله طلوع الفجر، وهو العزم الذى هو أحد نوعى القصد الذى هو معنى النية، فهذا المعنى شرعى أيضًا، أى إرادة أهل الشرع من لفظ النية، فلم يخالف اللغة.
وقولهم "شرعًا" ليس المراد منه أن هذا المعنى غير لغوى؟ لأنه أحد نوعى القصد المتقدم. وكثيرًا ما استعمل العرب لفظ النية مرادًا به المعنى المذكور، فهو لغوى
стр. 220
مجازى وليس معنى جديدًا مخترعًا شرعًا، وإنما نسبته إلى الشرع من حيث إنه معتبر فى جميع أبواب العبادات ما عدا الصيام، وفى جميع العادات التى تكون من العبادات بالنية، وفى النزول لتحصيل الثواب.
فالنية إذن معناها لغةً وعرفًا: القصد الكلى الشامل للعزم، والقصد المقارن للفعل، وتعريفها بالقصد المقارن للفعل تعريف لها باعتبار أحد نوعيها لكونه المعتبر فى الغالب، فالمقارنة ليست جزءًا بالنظر للمعنى الكلى، وهى جزء بالنظر للنوع وهو القصد التحقيقى.
وقد يسمى القصد بالاسم العام الذى هو لفظ النية، وهو الإرادة المتعلقة بالفعل حال الشروع والمؤثرة فيه، فتارة يطلق لفظ النية ويراد به القصد الكلى، وتارة يطلق ويراد به النوع المخصوص، ويعرف بالتعريف المتقدم من باب إطلاق الكلى وإرادة الجزئى، فهو من المجاز المشهور (١).
إذا علم ما تقدم فى تحقيق النية، وأنها الإرادة المتعلقة بالفعل، سواء فى الحال أو الاستقبال -نعلم أن كل فعل صدر من عاقل متيقظ مختار لا يخلو عن نية، سواء كان من قبيل العبادات أو من قبيل العادات، وهو متعلق الأحكام التكليفية من الإيجاب وغيره، وما خلا عنها فهو فعل غافل لاغ لا يتعلق به حكم، ونعلم ذلك من امتناع تكليف الغافل، فكل فعل من الأفعال العادية: كالأكل والشرب والقيام والقعود والبطش والمشى والنوم وإخراج الأذى والوطء، والحلول، والقعود -إذا صدر ممن ذكر لا يخلو عن حكم هو الإباحة، إن لم يقترن بما يوجب حظره أو طلبه، فهو معتبر شرعًا، بخلاف ما إذا صدر من غير عاقل متيقظ، بأن كان مجنونًا أو ناسيًا أو مخطئًا أو مكرهًا، فإنه لاغ لا يتعلق به حكم من الأحكام المذكورة لعدم وجود النية والقصد والإرادة فيه، فليس متعلق شرعًا ولا يتعلق به طلب ولا تخيير.
والحكم ببطلان الصلاة بفعل الناسى الذى ليس من جنس الصلاة إذا بلغ ثلاث حركات متوالية، وبكلامه إذا زاد عن ست كلمات، ونحو ذلك، وبطلان الوضوء والغسل والتيمم بالحدث والجنابة، إذا وقع من الناسى، وضمان المتعلقات من
стр. 221
المجنون ونحوه، وضمان الجزاء فى قتل الصيد المحرم أو من الحلال فى الحرم، وقطع أشجار الحرم منها، ووجوب الفدية على المحرم فى إزالة الشعر أو الظفر إذا وقع ذلك من ناس، وضمان الدية فى قتل النفس أو قطع الطرف أو إزالة المعانى إذا وقع ذلك خطأ، أو شبه عمد مع عدم نية القتل أو القطع، ونحو ذلك مما هو مذكور فى أبواب الفقه -لا يتنافى مع ذلك؛ لأن اعتبار الشارع ذلك ليس من باب التكليف، بل من باب خطاب الوضع، فهو لاغ تكليفًا وإن كان غير لاغ فى باب خطاب الوضع، فهو من باب ربط الأحكام بالأسباب (١).
وعلى الجملة يمكن أن نستخلص مما سبق أن النية لازمة لكل فعل عبادة أو عادة، إلا أن هذه النية الشرعية التى هى إرادة الفعل وتوجيه النفس إليه الشاملة للعزم والقصد تحقيقًا -لا تكفى فى العادة التى تفتقر صحتها إلى المقارنة، بل لا بد فيها من القصد تحقيقًا الذى هو أحد فرعى النية، وهو الإرادة المتعلقة بالفعل الحالى. فالنية المعتبرة فيه هى القصد تحقيقًا وهو المراد بالنية عند عدها من أركان العبادة كالوضوء، والغسل، والتيمم، والصلاة، والزكاة، والحج.
وأما الصيام فالمراد بالنية فيه: العزم الذى هو الفرد الآخر للنية التى هى الإرادة الكلية؛ لأنه هو والذى يتأتى فيه، ومثل الصلاة وأخواتها فيما ذكر كنايات العقود، والحلول، فلا بد فيها من القصد تحقيقًا الذى هو النية المقارنة للفظ الكنائى أو الكتابة أو إشارة الأخرس التى يفهمها الفطن، وكذا الاستثناء فى الأقارير، والطلاق، والتعليق بإن شاء اللَّه فى الطلاق، فلابد من النية بمعنى القصد تحقيقًا قبل الفراغ من المستثنى فيه.
* * *
стр. 222
المطلب الثانى فى بيان محل النية، ووقتها؛ والمجزئ منها شرعًا
١ - محل النية:
محل النية هو القلب، لأنه محل العاقل والإرادة والميل والاعتقاد، وهذا هو قول جمهور علماء الشريعة. وقيل: إن العقل فى الدماغ لا فى القلب، وروى هذا القول عن بعض الفقهاء، وبناء عليه تكون النية فى الدماغ لا فى القلب (١).
ومذهب الجمهور أقوى وأرجح، ويدل لهم:
أولًا: قول اللَّه تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٢).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ﴾ (٣).
وقد اتفق جمهور الفقهاء -خلافًا لما نقله الماوردى عن البعض بوجوب التلفظ وضعفه- على أنه لو نوى بقلبه من غير لفظ أجزأه ذلك، فإنه لما كانت النية قصد الإنسان بقلبه، وتوجهه به وميله إلى ما يريده بفعله أغنت عن التلفظ بقول: ونويت كذا (٤).
стр. 223
كما أن حديث النفس بالنية دون ميل إلى ما يريده بفعله لا يغنى عن ذلك الميل ولا يعتبر فيه نية.
كذلك لا يعتبر نية اللفظ المجرد عن القصد والميل، والأعمال التى تنبنى على حديث النفس أو اللفظ المجرد لا وزن لها؛ لأنها مبنية على غير أساس (١).
٢ - وقت النية:
إذا كان الفعل يشتمل على أجزاء متعددة كالوضوء والصلاة - فإن النية تكون فى أول الفعل، وتكفى حينئذ عما بعده من الأجزاء (٢).
ووقتها فى الوضوء عند المالكية أول بدء الوضوء، فلو غسل بعض الأعضاء بدون نية فإن وضوءه يبطل، وقد يغتفر تقدمها على الفعل عندهم بزمن يسير، فلو جلس للوضوء ونواه ثم جاءه الخادم بالإبريق وصب على يديه ولم ينو بعد ذلك فإن وضوءه يصح؛ لأنه لم يفصل بين وضوئه وبين النية فاصل كثير.
ولكن يلاحظ أن النية عند المالكية تلزم عند غسل الوجه، وعليه فينوى للسنن السابقة على الوجه نية منفردة (٣). وعلى هذا فلا يقال إنه يلزم على كون النية عند غسل الوجه خلو الأجزاء السابقة عليه عن النية، لأن للوضوء عندهم نيّتين (٤).
وقال بعضهم: إن النية عند غسل اليدين للكوعين، وقد جمع بعضهم بين القولين، فقال: إنه يبدأ بالنية أول الفعل ويستصحبها لأول الفروض، فإذا فعل ذلك صدق عليه أنه أتى بها عند غسل اليدين للكوعين، وصدق عليه أنه أتى بها عند غسل أول فرض (٥).
وأما عند الحنفية والشافعية، فهو أول غسل جزء من الوجه.
стр. 224
وأما عند الحنابلة، فإن وجوبها عندهم هو وقت المضمضة؛ لأنها أولى واجبات الوضوء عندهم وإن كان يستحب تقديمها على غسل اليدين والتسمية لتشمل أول واجباته، كما يستحب استدامة ذكرها فى سائر وضوئه (١).
وقد استثنى الفقهاء الصيام من شرط مقارنة النية لأول الفعل، ذلك لأن المقارنة لا تتأتى فيه، ومثلها كنايات العقود والحلول، فزمنها فيها زمن النطق بلفظ الكناية قبل الفراغ منه (٢).
وأما الزكاة والكفارة والأضحية فزمن النية فيها إما عزل المال المخرج للزكاة والكفارة وعزل الشاة التى يضحى بها، وإما زمن الإعطاء للمستحق فى الزكاة والكفارة وزمن الذبح فى الأضحية ويشترط فى ذلك كله إسلام الناوى وتمييزه، وعلمه بالمنوى، وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها كحكما (٣).
٣ - الحكمة من لزوم النية للأعمال الشرعية وحاجتها إليها:
سبق أن ذكرنا أن كل عمل اختيارى لا ينفك عن نية غالبًا، ولا يخرج عن ذلك إلا فاقد العقل أو ما لا يعقل أصلًا، كالبهائم، ولكن لما كان مجال هذا البحث هو النية الشرعية، وهو القصد الخاص - كان لا بد وأن نوضح الحكمة فى لزومها للأعمال الشرعية.
ويمكن أن نجملها فيما يأتى:
أ- تميز العبادات عن العادات بتميز ماهية ما هو للَّه من العمل وما ليس له.
ب- تمييز مراتب العبادات فى أنفسها لتتميز مكافأة العبد على ما فعله، ويظهر قدر تعظيمه لربه (٤).
стр. 225
ومن أمثلة الأول:
١ - الغسل: يكون تبردًا أو عادة.
٢ - دفع الأموال: يكون صدقة شرعية، ومواصلة عرفية.
٣ - الإمساك عن المفطرات: تكون عبادة، وحاجة.
٤ - حضور المساجد: يكون مقصودًا للصلوات ولحاجة يجرى مجرى الذات.
ومن أمثلة الثانى:
الصلاة تنقسم إلى فرض ومندوب، وكذلك القول فى قربات المال، والصوم، والنسك؛ فشرعت النية لتمييز هذه الرتب (١).
ويتضح مما سبق أن كل عبادة لم تشتبه بغيرها من العبادات بأن لم تختلف نوعًا ولا فردًا ولكن اشتبهت بغيرها من العادات - كفى فى نيتها ما يميزها عن العادات فقط.
وكل عبادة اشتبهت بغيرها من العبادات بأن شاركتها فى جنسها أو نوعها عبادة أخرى -كالظهر مثلًا- يشاركها فى نوعها -الذى هو الفرض- بقية الصلوات الخمس وصلاة الجنازة، وفى جنسها، الذى هو الصلاة الرواتب وباقى السنن - لا بد فى نيتها من ملاحظة جميع ما يميزها عن كل ما يشاركها فى جنسها ونوعها، بأن يلاحظ اسمها لتتميز عن باقى الخمس، وفرضيتها لتتميز عن السنن.
وإنما وجب ملاحظة ما سبق فى النية؛ لأن المقصود منها تميز العبادات المخصوصة عن غيرها كما سبق، وحيث حصل المقصود الذى هو واجب فى النية لم يجب شئ وراءه، وهو معنى قول الفقهاء: يجب أن يكون المنوى معلومًا.
فينتج من ذلك أن النية قصد مشترك بين العبادة وغيرها، ولكن شرطه بقصد العبادة فقط إذا كانت العبادة لا تشتبه بغيرها من العبادات، فتتميز حينئذ عن العادة بقصد العبادة فقط، أمّا إذا كانت العبادة تشتبه بغيرها من العبادات - فزاد شرط
стр. 226
تعيينها كالصلاة، إذ الواجب فيها متعدد، وكذا يزاد شرط الفرضية مثلا للاحتراز عن النفلية.
ومتى تعين المقصود بمخصصاته لم يشترط وراء ذلك شرط آخر. فصوم رمضان إن كان فى الوقت يكفى فيه صوم الغد لأنه متعين فى ذاته، فلا يحتاج لتعيينه. وأما إذا كان خارج الوقت فيشترط قصد القضاء عن رمضان؛ لأن الزمن لا يعينه.
فالشروط اللازمة فى قصد العبادة ما يعين تلك العبادة، وإلى هذا يئول قول الفقهاء. وإن كيفية النية تختلف باختلاف الأبواب؛ لأن العبادة إن كانت غير مشتبهة بغيرها -كما تقدم- لزم قصد العبادة فقط، وإلا خصصت بما يميزها، وهذه قاعدة مضطردة لا تختلف فى أىّ باب من أبواب الفقه وإن لم أرها منصوصة.
واللَّه أعلم
* * *
стр. 227
المطلب الثالث فى ما يفتقر إلى النية الشرعية
التعاليم الشرعية للعباد: إما مطلوبة، وإما مباحة. والمطلوب: إما أوامر وإما نواهٍ، ولكل حكمها.
الأوامر قسمان:
الأول: ما تكون صورة فعلة كافية فى تحصيل مصلحته: كأداء الديون والنفقات وما شابه ذلك، فإن المصلحة المقصودة من هذه الأمور انتفاع أربابها، وذلك لا يتوقف على قصد الفاعل لها، فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها.
القسم الثانى: أن تكون صورة فعله ليست كافية فى تحصيل المصلحة المقصودة منه: كالصلوات والطهارات والصيام والنسك، فإن المقصود منها تعظيم اللَّه -تعالى- بفعلها، والخضوع له فى إثباتها، وإنما يحصل ذلك إذا قصدت من أجله سبحانه، فإن التعظيم بالفعل من غير المعظم محال، كمن صنع ضيافة لإنسان انتفع بها غيره. فإنا نجزم بأن المعظم الذى قصد إكرامه الأول دون الثانى وهذا القسم من الأوامر الذى اشترطت النية فى الخروج من عهدته وفى تضعيف ثوابه (١).
стр. 228
٢ - النواهى والمباحات:
أما النواهى، فيخرج الإنسان من عهدتها بتركها. وإن لم يشعر بها، فضلًا عن القصد إلى ذلك الترك (١). وكذلك الأمر فى المباحات، فإنها ليست مفتقرة إلى نية وإن كانت لا تكون عبادة إلا إذا نوى بها العبادة: كالأكل والشرب يقصد بهما التقوى على الطاعة، والجماع يقصد به إعفاف نفسه وزوجه وحصول نسل يعبد اللَّه تعالى، وترك الزنا والخمر مثلا يقصد به امتثال نهى الشارع.
وهكذا كل فعل يصح أن يكون عبادة لا بد فيه من القصد؛ ليكون عبادة يترتب عليها الثواب، وإليه يشير حديث "إنما الأعمال بالنيات" (٢). وهذا الحديث متفق عليه، فيبقى استحضار النية عند المباحات والعادات؛ ليثاب عليها ثواب العبادة، ولا مشقة عليه فى القيام بها، بل هى مألوفة لنفسه مستلذة (٣).
* * *
стр. 229
المطلب الرابع فى بيان موقف العلماء والفقهاء من وجوب النية فى الوضوء والغسل والتيمم
يتبين موقف الجميع من هذا الموضوع على النحو التالى:
١ - موقف الجمهور: لا تصح طهارة إلا بنية، سواء كانت الطهارة عن حدث أصغر، أو حدث أكبر.
وعلى ذلك فلا بد من وجوبها فى الوضوء والغسل، والتيمم عنهما، وهذا مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والشيعة (الإمامية (١) والزيدية (٢)، والإباضية) (٣)، والزهرى، وربيعة شيخ مالك، وإسحاق، وأبى ثور، وداود، وهو قول جمهور أهل الحجاز، ويروى ذلك عن على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- (٤).
٢ - مذهب الأوزاعى ومن وافقه: يصح الوضوء والغسل والتيمم بلا نية، إلى ذلك ذهب الأوزاعى والحسن بن صالح، وزفر (٥).
٣ - مذهب الثورى وأصحاب الرأى: تجب النية فى التيمم دون الوضوء والغسل، وهو مذهب الثورى وأصحاب الرأى، ورواية عن الأوزاعى (٦).
стр. 230
٤ - أدلة الفريق الثانى والثالث: استدل الفريق الثانى، والفريق الثالث -وهم الذين قالوا بعدم الوجوب- بما يأتى:
أولًا: يقول اللَّه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (١) الآية.
ثانيًا: بقوله ﷺ لأم سلمة -رضى اللَّه عنها-: "إنما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضى عليك الماء فإذا أنت قد طهرت" (٢) وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة التى وردت فى الأمر بالغسل من غير ذكر للنية.
٥ - أدلة الجمهور: استدل القائلون بوجوب النية بالأدلة الآتية:
أولًا: يقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية.
ثالثًا: يقول الرسول ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٤) متفق عليه وقوله ﷺ : "الوضوء شطر الإيمان" (٥).
رابعًا: بقياس الشافعى -رضى اللَّه عنه- "إنها طهارة من حدث تستباح بها الصلاة فلم تصح بلا نية كالتيمم".
خامسًا: بقياس آخر "الطهارة عبادة ذات أركان، فوجبت فيها النية كالصلاة".
стр. 231
٦ - توجيه الأدلة: وقد وجه الفريق القائل بعدم الوجوب أدلته على النحو التالى:
أولًا: فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية.
أمر بالغسل والمسح مطلقًا عن شرط النية، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل (١).
ثانيًا: فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢) الآية.
نهى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال مطلقًا عن شرط النية، فيقتضى انتهاء حكم النهى عند الاغتسال المطلق، وشرط الغسل مقترنًا بالنية - فيه مخالفة للكتاب (٣).
ثالثًا: إن الأمر بالوضوء فى الآية: إنما هو الحصول للطهارة كما فى آخر آية الوضوء ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وحصول الطهارة لا يقف على النية، بل على استعمال المطهر فى عمل قابك للطهارة، والماء مطهر لما روى عن النبى ﷺ أنه قال: "إن الماء لا ينجسه شئ، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (٤).
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٥) والطهور اسما للطاهر فى نفسه المطهر لغيره، والمحل قابل. وبه تبين أن الطهارة عمل الماء خلقة. ونية الإنسان فضل فى الباب حتى لو انهال عليه المطر أجزأه عن الوضوء والغسل، فلا يشترط لها النية إذ اشتراطها لاعتبار الفعل الاختيارى. وبه تبين أن اللازم للوضوء معنى الطهارة دون معنى العبادة؛ لأن معنى العبادة فيه من الزوائد فإن اتصلت به النية يقع
стр. 232
عبادة، وإن لم تتصل به لا يقع عبادة لكنه يقع وسيلة إلى إقامة الصلاة لحصول الطهارة بالسعى إلى الجمعة (١).
رابعًا فى الحديث: "الوضوء شطر الإيمان" إن المقصود بالإيمان الصلاة، فتأويله بأنه شطر الصلاة بإجماعنا على أنه ليس يشترط للإيمان، لصحة الإيمان بدونه؛ لأن الإيمان هو التصديق، والوضوء ليس من التصديق فى شئ. فكان المراد منه أنه شطر الصلاة لأن الإيمان يذكر على إرادة الصلاة؛ لأن قبولها من لوازم الإيمان. قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢) أى صلاتكم إلى بيت المقدس.
يقول أصحاب الرأى: وهكذا نقول فى التيمم إنه ليس بعبادة، إلا أنه إذا لم تتصل به النية لا يجوز أداء الصلاة به، لا لأنه عبادة، بل لانعدام حصول الطهارة؛ لأنه طهارة ضرورية جعلت طهارة عند مباشرة فعل لا صحة له بدون الطهارة، فإذا عرى عن النية لم يقع طهارة، بخلاف الوضوء لأنه طهارة حقيقية فلا يقف على النية (٣).
وقد وجه الجمهور أدلتهم على النحو التالى:
أولًا: فى قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. إن الإخلاص هو عمل القلب، وهو النية، والأمر به يقتضى الوجوب (٤).
ثانيًا: فى قول اللَّه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية، إن معناه: فاغسلوا وجوهكم للصلاة، كما يقال: إذا لقيت الأمير فترجل، أى: له، وإذا رأيت الأسد فاحذر، أى: منه. وهذا معنى النية (٥).
ثالثًا: فى حديث: "إنما الأعمال بالنيات" قالوا: إن لفظ إنما للحصر، وليس المراد صورة العمل، فإنها توجد بلا نية، وإنما المراد أن حكم العمل لا يثبت إلا
стр. 233
بالنية، فنفى أن يكون له عمل شرعى إلا بالنية. فمعنى الحديث: أن الأعمال لا أساس لها ولا تقويم ولا اعتبار ولا تحسب ولا يترتب عليها ثواب أو عقاب - إلا بالنية. وهذا أحسن ما قرر به الحديث، فوجب الحمل إليه. وهو يتناول جميع الأعمال لإفادة الألف واللام العموم (١). ويقوى ذلك آخر الحديث "وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا لم ينو الوضوء فلا يكون له (٢).
رابعًا: فى توجيه قياس: "أنها طهارة من حدث استباح بها الصلاة، فلم تصح بلا نية كالتيمم" قالوا: التعبير بالحدث احتراز عن غسل الذمية من الحيض (٣). فإن قالوا بأن التيمم لا يسمى طهارة -فالجواب أنه ثبت فى الصحيح قوله ﷺ : "جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا" (٤). وفى رواية لمسلم "وتربتها طهورًا".
وثبت أنه ﷺ قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم" (٥). وما كان وضوءًا كان طهورًا، وحصلت به الطهارة.
فإن قيل: التيمم فرع للوضوء، ولا يجوز أن يؤخذ حكم الأصل من الفرع - فالجواب: أنه ليس مأخوذًا من الوضوء، بل بدل عنه، فلا يمنع أخذ حكم المبدل من حكم بدله. ولأنه إذا افتقر التيمم إلى النية مع أنه ضعيف -إذ هو فى بعض أعضاء الوضوء- فالوضوء أولى (٦).
فإن قيل: التيمم يكون تارة بسبب الحدث وتارة بسبب الجنابة، فوجبت فيه النية ليتميز - فالجواب من وجهين.
стр. 234
أحدهما: أن التمييز غير معتبر ولا يؤثر، بدليل أنه لو كان جنبًا فقط وظن أنه محدث فتيمم عن الحدث، أو كان محدثًا فظن أنه جنب فتيمم للجنابة - صحّ.
والثانى: أن الوضوء أيضًا تارة يكون عن البول، وتارة عن النوم، فإن قالوا: وإن اختلفت أسبابه فالواجب شئ واحد - قلنا: وكذا التيمم وإن اختلفت أسبابه الواجب مسح الوجه واليدين. فإن قيل: التيمم بدل، وشأن البدل أن يكون أضعف من المبدل فافتقر إلى نيه، ككنايات الطلاق - فالجواب: أن ما ذكروه منتقض بمسح الخف فإنه بدل ولا يفتقر عندهم إلى النية، وإنما افتقرت كناية الطلاق إلى النية؛ لأنها تحتمل الطلاق وغيره احتمالًا واحدًا، والصريح ظاهر فى الطلاق.
وأما الوضوء والتيمم فإنهما عبادة، بل التيمم أظهر فى إرادة القربة لا يكون عادة، بخلاف صورة الوضوء، فإذا افتقر التيمم المختص بالعبادة إلى النية فالوضوء المشترك بينهما وبين العادة أولى، فإن قيل: التيمم نص على القصد -وهو النية- بخلاف الوضوء فالجواب: أن المراد قصد الصعيد وذلك غير النية (١).
خامسًا: فى قياس: "الوضوء عبادة ذات أركان فوجبت فيها النية كالصلاة" أن العبادة هى الطاعة أو ما ورد التعبد به قربة إلى اللَّه تعالى، وهذا موجود فى الوضوء (٢).
ثم إن الأحاديث الكثيرة التى تدل على فضل الوضوء وسقوط الخطايا به مشهورة فى الصحيح، والتى جمعها النووى فى جامع النية. كل هذا مصرح بأن الوضوء عبادة، ولا حجة لمن ادعى أن ذلك خاص بمن فيه نية، ولا يلزم من ذلك أن ما لا نية فيه ليس بوضوء؛ لأن الوضوء فى هذه الأحاديث هو المراد بقوله ﷺ : "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور" (٣).
هذا هو مذهب الفريقين وأدلتهم وتقريراتها.
стр. 235
المطلب الخامس فى الترجيح والاختيار
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح مذهب الجمهور لقوة أدلتهم، وأما الجواب زيادة على ما قرره الجمهور عن احتجاج الفريق المخالف بالآية والأحاديث - فإنها جميعها مطلقة مصرحة ببيان ما يجب غسله، غير متعرضة للنية، وقد ثبت وجوب النية بالآية والأحاديث والأقيسة التى ذكرها الجمهور، كما أن دلالة الآية وإن لم تكن راجحة لمذهب الجمهور فمعارضة لدلالة الفريق الآخر، ثم إن حديث أم سلمة عن نقض الضفائر فقط وهل هو واجب أم لا، ليس فيه تعرض للنية، وقد عرف وجوب النية من قواعد الكتاب والسنة كما قرره الجمهور.
كما أن قياسهم الطهارة على إزالة النجاسة قياس مع الفارق لأنها من باب التروك، فلم تفتقر إلى نية كترك الزنا، بخلاف الطهارة فإنها من المأمور به فى الأفعال.
وأما الجواب عن قياسهم على ستر العورة، فهو أن ستر العورة وإن كان شرطًا للصلاة إلا أنه ليس عبادة محضة، بل المراد منه الحفظ والصيانة عن العيون، ولهذا يجب ستر عورة من ليس مكلفًا ولا من أهل الصلاة والعبادة، كمجنون وصبى لا يميز، فإنه يجب على وليه ستر عورته.
أما الجواب عن طهارة الذمية من الحيض، فهو أنها لا يصح طهارتها فى حق اللَّه تعالى، وليس لها أن تصلى بتلك الطهارة إذا أسلمت -كما نص عليه الشافعى وهو المذهب الصحيح (١) - وإنما تصح فى حق الزوج للوطء، للضرورة، إذ لو لم نقل به لتعذر الوطء ونكاح الكتابية. ثم إن ادعاء الحنفية ومن وافقهم بأن النية تجب فى
стр. 236
التيمم -دون الوضوء والغسل- بنص الآية؛ لأن آية التيمم ذكر فيها القصد، وهو النص على قصد التراب، وأن هذا القصد هو النية لا يقوى دليلًا لهم، وذلك لأن القصد فى الوضوء يؤخذ من نص الآية أيضًا، فإن الآية أمرت بالغسل، والغسل إذا أطلق كان المراد بالماء الطاهر، فحذف الماء لدلالة الغسل عليه، وهذا ما يدل عليه العرف واللغة، فإذا قلت "أغسل يداى دائمًا قبل الأكل وبعده" لا يفهم أى عاقل على أن ذلك يغير الماء فى العادة.
أما تخصيص الصعيد بالذكر فى الآية فليس ذلك؛ لأن المراد القصد فى التيمم دون الوضوء، وإنما ذلك لبيان ماهية التيمم وحقيقته، ولدرء السؤال الذى كان يرد على ذكر التيمم، نظرًا لأن التيمم هو القصد، وهو ماذا نتيمم به؟ فكان الجواب صعيدًا طيبًا. فأغنانا اللَّه عن مظنة السؤال وذكر لنا الجواب تخفيفًا، فضلًا منه ورحمة.
على أن المطلوب الفضل فى الموضعين وهو مأمور به فى كل منهما، فكان القصد واجبًا مطلوبًا لهم جميعًا، فلم التخصيص فى أحد الموضعين دون الآخر؟
على أن كثيرًا من أهل الرأى فى كتبهم يقررون فى أكثر من موضع بأن الوضوء عبادة وأن النية واجبة فيه، بل هى فرض، وكان البعض الآخر منهم يحاول أن يئول هذا التقرير حتى يخضعه لمذهبه، ويقول: يقصد أنها سنة، ومن ذلك:
١ - أن الوضوء لا يقع بلا نية إلا بالفعل مع الغفلة والذهول، إذ الفعل الاختيارى لا بد فى تحقيقه من القصد إليه. وهو إذا قصد الوضوء أو رفع الحدث أو استباحة ما لا يحل إلا به - كان منويًا (١).
٢ - أن الوضوء لا يقع عادة إلا بالنية، ولا كلام فى ذلك، وإنما الكلام فى أن استعمال الماء المطهر فى أعضاء الوضوء هل يوجد الطهارة بدون النية حتى يكون مفتاحا للصلاة، أو لا؟ (٢).
٣ - وصرحوا بأن الوضوء بدون النية ليس عبادة، وذلك كأن دخل الماء مدفوعًا أو
стр. 237
مختارًا لقصد التبرد أو لمجرد إزالة الوسخ، كما فى الفتح. قال فى "النهر"، ولا نزاع لأصحابنا مع الشافعى فى أن الوضوء المأمور به لا يصح بدون النية، وإنما نزاعهم فى موقف الصلاة على الوضوء المأمور به (١).
٤ - نقل ابن عابدين عن "أسرار" الدبوسى: "وكثير من مشايخنا يظنون أن المأمور به من الوضوء يتأدى من غير نية، وهذا غلط، فإن المأمور به عبادة، والوضوء بغير نية ليس بعبادة" (٢).
٥ - ونقل أيضًا عن صاحب المبسوط، ولا كلام فى أن الوضوء المأمور به لا يحصل بدون النية، لكن صحة الصلاة لا تتوقف عليه، لأن الوضوء المأمور به غير مقصود، وإنما المقصود الطهارة، وهى تحصل بالمأمور به وغيره، لأن الماء مطهر بالطبع.
٦ - وصرحوا بأن الوضوء بدون النية ليس بعبادة، ويأثم بتركها، وبأنها فرض فى الوضوء المأمور به، وفى التوضؤ بسؤر حمار ونبيذ تمر كالتيمم، وبأن وقتها عند غسل الوجه (٣).
٧ - النية فى الوضوء سنّة عندنا، والسنة ما يثاب على فعله، ويلام على تركه (٤).
٨ - النية لغة: عزم القلب على الشئ، واصطلاحًا: قصد الطاعة والتقرب إلى اللَّه -تعالى- فى إيجاد الفعل (٥).
وعلى ذلك وبناء على تقريرات نصوص أصحاب الرأى أنفسهم - لا يتصور من المكلف فعل العبادة بلا نية، فإنك إذا قلت للحنفى وهو يتطهر: ماذا تصنع؟ فسيقول لك: أتطهر.
وأما من لا يعرف ما يصنع فليس هو مكلف أصلًا.
стр. 238
ولعل شبهة من نقل عن الإمام أبى حنيفة عدم فرضية النية كونه لا يعرف اصطلاحه، فإن الفرض عنده ما صرح القرآن بالأمر به أو ما لحق به من السنة المتواترة والإجماع، وغير الفرض ما جاء فى السنة غير المتواترة الأمر به (١).
ففى السنة - عند أهل الرأى ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب إليه. فلا يلزم من نفى الإمام أبى حنيفة فرضية النية نفى وجوبها، ونظير ذلك: اصطلاح السلف على التعبير عن الحرام بلفظ الكراهة، فإذا قيل: وكره سفيان الوضوء باللبن مثلا - فمرادهم المنع من الفعل، والحرمة وعدم الصحة عند الفعل (٢). واللَّه أعلم.
* * *
стр. 239
المبحث الثالث السواك
سيكون منهجى فى الكلام عن هذا المبحث على النحو التالى:
١ - تعريف السواك.
٢ - فى حكم السواك، ومذاهب العلماء فيه.
٣ - حكم السواك للصائم بعد الزوال، وآراء الفقهاء فى ذلك.
٤ - الترجيح والاختيار.
٥ - الاستياك بالأصبع. هل يجزئ فى السنة؟
٦ - كيفية استخدام السواك، والأوقات التى يندب فيها.
* * *
стр. 240
المطلب الأول فى تعريف السواك
قال الأسنوى: السواك مأخوذ من قولهم: سكت الشئ سوكًا، إذا دلكته. وقيل: من التساوك، وهو التحايل. يقال: جاءت الإبل تتساوك، أى تضطرب من الهزال (١).
والجمع سوك بسكون الواو والأصل ضمها (٢).
وقال أهل اللغة: السواك بكسر السين: يطلق على الفعل -وهو الاستياك- وعلى الآلة التى يستاك بها. . ويقال فى الآلة: مسواك (٣). والسواك يذكر ويؤنث، إلا أن النووى قال: السواك مذكر، وغلط من قال إنه مؤنث، كما قال الأزهرى (٤). هذا فى اللغة.
أما فى اصطلاح الفقهاء، فهو: استعمال عود أو نحوه فى الأسنان لإذهاب التغير (٥).
وقيل: إن أول من تسوك هو الخليل إبراهيم، ﵇ (٦).
стр. 241
المطلب الثانى فى حكم السواك ومذاهب العلماء فيه
اختلف العلماء فى حكم السواك على مذهبين:
١ - الأئمة الأربعة والشيعة وجمهور أهل العلم: أن السواك سنة.
٢ - داود الظاهرى، وإسحاق: أنه واجب، وزاد إسحاق فقال: إن تركه عامدًا بطلت صلاته.
الأدلة:
وقد استدل من قال بالوجوب بأن السواك مأمور به، والأمر يقتضى الوجوب. وروى أبو داود بإسناده: "أن النبى ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة -طاهرًا أو غير طاهر- فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة" (١).
أمّا جمهور العلماء القائلين بعدم الوجوب - فكان استدلالهم هو أن جميع الأحاديث الواردة فى فضله لا تدل على الوجوب فى شئ، وإنما غاية الأمر أنها تدل على السنية.
قال ابن قدامة فى رد هذا الوجوب: ولنا قول النبى ﷺ : "لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢).
стр. 242
وهذا الحديث متفق عليه. يعنى لأمرتهم أمر إيجاب؛ لأن المشقة إنما تلحق بالإيجاب لا بالندب، وهذا يدل على أن الأمر فى حديثهم أمر ندب واستحباب.
ويحتمل أن يكون ذلك واجبًا فى حق النبى ﷺ على الخصوص؛ جمعًا بين الخبرين (١).
* * *
стр. 243
المطلب الثالث فى حكم السواك للصائم بعد الزوال وآراء الفقهاء فى ذلك
سبق ذكر حكم السواك مطلقًا، ومذاهب العلماء فى ذلك، والرأى الراجح. أمّا الآن فنتكلم عن حكمه بعد الزوال على مذهب الجمهور القائلين بعدم الوجوب.
وقد اختلف الجمهور أيضًا فيما بينهم على النحو التالى:
١ - يكره السواك للصائم بعد الزوال. وبه قال الشافعى، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
٢ - يكره السواك للصائم بعد العصر فقط، وحكى ذلك عن المحب الطبرى (١).
٣ - يجوز استعمال السواك مطلقًا فى أى وقت للصائم وغير الصائم، ولا يكره استعماله بعد الزوال. وبهذا الرأى قال أبو حنيفة ومالك، والرواية الثانية عن أحمد، وقول للشافعى ذكره الشوكانى حكاية عن الترمذى (٢). واختاره جماعة من أصحابه منهم المزنى وابن عبد السلام والنووى (٣).
الأدلة:
أولًا: أدلة من قال إن السواك لا يكره إلا بعد الزوال:
استدل الشافعى ومن وافقه بالحديث المتفق عليه "لخلوف فم الصائم أطيب عند
стр. 244
اللَّه من ريح المسك" (١). وقد وجه أصحاب الشافعى استدلالهم على النحو الآتى:
هذا الحديث وإن كان يقتضى أنه لا فرق بين ما قبل الزوال وما بعده -لكنه مخصوص بما رواه الإمام الحافظ أبو بكر السمعانى من حديث جابر أن النبى ﷺ قال: "أعطيت أمتى فى رمضان خمس خصال"، ثم قال: "وثانيها: أنهم يمسون وخلوف أفواهم عند اللَّه أطيب من ريح المسك" (٢). وهو حديث حسن.
والمساء بعد الزوال، فخصصنا عموم الأول الدال على الطيب مطلقًا بمفهوم هذا (٣).
ثانيا: أدلة من قال إن السواك لا يكره إلا بعد العصر
واستدل من قال بأن السواك يكره للصائم بعد العصر فقط بما يأتى:
١ - حديث أبى هريرة فى رواية الدارقطنى قال: "لك السواك إلى العصر، فإذا صليت فألقه فإنى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لخلوف فم الصائم. . . " الحديث (٤).
٢ - حديث على -رضى اللَّه عنه-: "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، فلا تستاكوا بالعشى؛ فإنه ليس من صائم تتيبس شفتاه بالعشى إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة". أخرجه البيهقى (٥).
قال صاحب هذا القول لتعضيد مذهبه: وهذه الأحاديث نص فى المطلوب.
ثالثًا: أدلة من أباحوا السواك فى كل وقت حتى للصائم
استدل أصحاب المذهب الثالث -وهم جمهور الفقهاء وأكثر أهل العلم- بما يأتى:
стр. 245
١ - بحديث عامر بن ربيعة قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ ما لا أحصى يتسوك وهو صائم" (١).
٢ - وبحديث عائشة -رضى اللَّه عنها- قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خير خصال الصائم السواك" رواه ابن ماجة (٢).
وقد وجه الجمهور أدلتهم على النحو التالى:
١ - فى الحديث الأول قالوا: إنه يدل على استحباب السواك للصائم من غير تقييد بوقت دون وقت، وهو رد على الشافعى فى قوله بالكراهة بعد الزوال مستدلًا بحديث الخلوف.
قال ابن عبد السلام فى قواعده الكبرى: وقد فضل الشافعى تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك، مستدلًا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك. ولا نوافق الشافعى على ذلك إذ لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية. ألا ترى أن الوتر عند الشافعى فى قوله الجديد أفضل من ركعتى الفجر مع قوله ﵇: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها وذكر فضيلتها، وغيرها أفضل منها، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما، فإن السواك نوع من التطهر المشروع لأجل الربّ سبحانه؛ لأن مخاطبة العظماء -مع طهارة الأفواه- تعظيم لا شك فيه، ولأجله شرع السواك. وليس فى الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذى الجلال بتنظيف الأفواه.
قال الحافظ فى "التلخيص": استدلال أصحابنا الشافعية بحديث "خلوف فم الصائم" على كراهة الاستياك بعد الزوال لمن يكون صائمًا - فيه نظر" (٣).
стр. 246
ثم قالوا فى توجيه الحديث الثانى: إنه يدل على أن السواك من خير خصال الصائم، من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده. وقد اعترض على الجمهور فى استدلالهم بهذا الحديث الأخير بأنه لا يصلح حجة لأنه ضعيف. ضعفه صاحب التلخيص، وقال ابن حبان: لا يصح. وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات (١).
وأجابوا عن هذا الاعتراض بما قاله الحافظ: إن له شاهدًا من حديث معاذ، رواه الطبرانى فى الكبير، ومن حديث ابن عباس، رواه ابن منيع فى سننه: "أن النبى ﷺ تسوك وهو صائم" وهو يدل على أن السواك من خير خصال الصائم من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده (٢).
وقد رد الجمهور على من قال بكراهة استعمال السواك بعد العصر فقط بأن الحديث الأول من أدلتهم معارض بحديث عامر على فرض صحته، لكنه لا حجة فيه مطلقًا؛ لأن فيه عمر بن قيس وهو متروك الحديث. وردوا الحديث الثانى -وهو حديث على- بأن إسناده ضعيف كما قال الحافظ، ولكن على فرض صحته لا دلالة فيه لأنه لم يصرح فيه بالرفع (٣).
* * *
стр. 247
المطلب الرابع فى الترجيح والاختيار
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح مذهب الجمهور لقوة أدلتهم، ولأن القول بالرأى الآخر فيه تعارض مع ما قرره التشريع الإسلامى السامى فى نصوصه القاطعة وقواعده العامة من قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، ومن قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وفى تقييد إزالة الرائحة الكريهة عن المرء بوقت دون آخر حرج عليه وضرر به، بل وعلى الغير أيضًا، وذلك لتضررهم من هذه الرائحة الكريهة التى تخرج من فمه وقت اللقاء به أو الاجتماع معه فى مجتمع ما، مما لا غنى للناس عنه بالضرورة: كالمساجد، والمركبات العامة، والخاصة، ودور العلم، والأماكن العامة، وغير ذلك. ولا شبهة لمن يعترض بأن ذلك يمكن تجنبه بالبعد عن الناس والاعتزال، فإن ذلك ضرر أكثر، والإنسان اجتماعى ومدنى بطبعه ولا غنى له عن الناس ولا للناس عنه، والإسلام يدعو إلى التجمع ويبغض العزلة.
فإذا ما أضفنا إلى ذلك أن الإسلام يعتنى بصحة الإنسان ونظافته، بل قد جعل هذه النظافة من جملة الإيمان، كما أنه يحافظ على مظهره الخارجى أمام الناس، وطلب منه أن يكون حسنًا وحثّه على ذلك كثيرًا.
وإذا ربطنا هذا التقرير الشرعى بما أكده الطب الحديث من أن أكثر الأمراض التى تصيب المرء قد يرجع سببها إلى إهمال الإنسان لصحته، وعدم المحافظة على نظافته ونظافة ما بداخله من أسنان ولثة، مما قد يترتب عن ذلك إصابتها بالأمراض التى قد تنتشر منها إلى باقى الجسم، وخصوصًا الباطنية منها - علمنا حكمة عدم التقييد فى استعمال السواك بوقت دون آخر، ولا بوصف دون وصف.
стр. 248
على أننى أرى أنه لا دلالة أيضًا فى الأحاديث المطلقة، بل والمقيدة منها، فى استحباب ترك إزالة الرائحة الكريهة التى نشأت عن الصيام أيضًا.
وإنما كل ما تدل عليه هذه الأحاديث أن الصيام فضله عظيم على ما ينال فيه المرء من مشقة حتى مشقة الخلوف على النفس، والتى قد تنشأ عادة من أثر الصيام، ويكون ذلك من داخل الجوف نفسه. وقد لا ينفع المرء معها حتى السواك الذى يمنع الأثر الخارجى فقط، والذى قد لا يفيد فى التغلب على إزالة هذه الرائحة الكريهة التى فيها مشقة على النفس. فبين اللَّه أن مغالبة ذلك له فضل عظيم، وهو وإن كان أثره مكروهًا عندنا إلا أنه أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وهذا فضل منه ورحمة على عباده.
ثم إن استدلال الشافعى بالحديث على كراهيته الاستياك بعد الزوال للصائم لأنه يزيل الخلوف الذى هو أطيب عند اللَّه من ريح المسك - لا ينهض ولا يقوى على تخصيص الأحاديث القاضية باستحباب السواك على العموم، ولا على معارضة تلك الخصوصات.
قال ابن دقيق العيد: "السر فيه -أى فى السواك عند الصلاة- أننا مأمورون به فى كل حال من أحوال التقرب إلى اللَّه -تعالى- بأن نكون فى حالة كمال ونظافة؛ إظهارًا لشرف العبادة (١).
стр. 249
المطلب الخامس فى الاستياك بالأصبع وهل يجزئ فى السنة ؟
بعد أن ذكرنا تعريف السواك، وحكمه، والسواك للصائم وآراء العلماء فى ذلك -بقى علينا أن نتكلم عن "المسواك"، أى: الآلة التى يستاك بها، وما المجزئ منها فنقول:
اتفق الأئمة وجميع العلماء بالإجماع على أن المسواك المجزئ فى حصول السنة للمرء هو كل ما يزيل التغير والقلح عن الفم والأسنان إذا كان منفصلًا عنه (١).
وإنما حصل الخلاف فى جزئه المتصل به كأصبع نفسه، هل تجزئ فى حصول سنة السواك؟ على ثلاثة أقوال:
مذاهب العلماء:
١ - عدم الإجزاء بالاتفاق: إذا كانت الأصبع لينة، وعلى اختلاف فيما بينهم إذا كانت خشنة والمشهور عندهم عدم الإجزاء، وهو مذهب جمهور الشافعية، وقال به الرافعى، واختاره الأسنوى (٢)، وقال النووى: إنه يجزئ لحصول المقصود وبهذا قطع القاضى حسين، والمحاملى، والبغوى، والرويانى (٣).
стр. 250
٢ - إن لم يقدر على عُود ونحوه مما يستاك به - حصل الإجزاء به لمكان العذر، وإلا فلا، وبهذا قال المالكية (١) والشيعة الإمامية (٢) وحكاية للرافعى (٣).
٣ - الإجزاء مطلقًا بدون تفصيل، وهو مذهب الحنفية والصحيح من مذهب أحمد ابن حنبل.
يقول الحنفية: وله أن يستاك بأى سواك كان: رطبًا أو يابسًا، مبلولًا أو غير مبلول، صائمًا أو غير صائم، قبل الزوال أو بعده، لأن نصوص السنة مطلقة (٤).
ويقول ابن قدامة (٥) الحنبلى: وإن استاك بأصبعه أو خرقة - فقد قيل لا يصيب السنة؛ لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل من الإنقاء حصوله بالعود. والصحيح أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها.
الأدلة:
وقد استدل الفريق الأول (جمهور الشافعية) على عدم الإجزاء بأن السواك بالأصبع لا يعد سواكًا، ولا يطلق عليه ذلك، واشترطوا فيه أن يكون منفصلًا. واستدل من فرق منهم بين الأصبع اللينة والخشنة بحصول المقصود - بالخشنة دون اللينة (٦).
واستدل الحنفية ومن وافقهم بالآتى:
أولا: بما رواه أحمد عن على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- أنه دعا بكوز من ماء فغسل به وجهه وكفيه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، فأدخل بعض أصابعه فى فيه، واستنشق ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح رأسه واحدة. وذكر باقى الحديث