ثم قالوا فى توجيه الحديث الثانى: إنه يدل على أن السواك من خير خصال الصائم، من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده. وقد اعترض على الجمهور فى استدلالهم بهذا الحديث الأخير بأنه لا يصلح حجة لأنه ضعيف. ضعفه صاحب التلخيص، وقال ابن حبان: لا يصح. وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات (١).
وأجابوا عن هذا الاعتراض بما قاله الحافظ: إن له شاهدًا من حديث معاذ، رواه الطبرانى فى الكبير، ومن حديث ابن عباس، رواه ابن منيع فى سننه: "أن النبى ﷺ تسوك وهو صائم" وهو يدل على أن السواك من خير خصال الصائم من غير فرق بين ما قبل الزوال وما بعده (٢).
وقد رد الجمهور على من قال بكراهة استعمال السواك بعد العصر فقط بأن الحديث الأول من أدلتهم معارض بحديث عامر على فرض صحته، لكنه لا حجة فيه مطلقًا؛ لأن فيه عمر بن قيس وهو متروك الحديث. وردوا الحديث الثانى -وهو حديث على- بأن إسناده ضعيف كما قال الحافظ، ولكن على فرض صحته لا دلالة فيه لأنه لم يصرح فيه بالرفع (٣).
* * *
стр. 247
المطلب الرابع فى الترجيح والاختيار
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح مذهب الجمهور لقوة أدلتهم، ولأن القول بالرأى الآخر فيه تعارض مع ما قرره التشريع الإسلامى السامى فى نصوصه القاطعة وقواعده العامة من قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، ومن قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وفى تقييد إزالة الرائحة الكريهة عن المرء بوقت دون آخر حرج عليه وضرر به، بل وعلى الغير أيضًا، وذلك لتضررهم من هذه الرائحة الكريهة التى تخرج من فمه وقت اللقاء به أو الاجتماع معه فى مجتمع ما، مما لا غنى للناس عنه بالضرورة: كالمساجد، والمركبات العامة، والخاصة، ودور العلم، والأماكن العامة، وغير ذلك. ولا شبهة لمن يعترض بأن ذلك يمكن تجنبه بالبعد عن الناس والاعتزال، فإن ذلك ضرر أكثر، والإنسان اجتماعى ومدنى بطبعه ولا غنى له عن الناس ولا للناس عنه، والإسلام يدعو إلى التجمع ويبغض العزلة.
فإذا ما أضفنا إلى ذلك أن الإسلام يعتنى بصحة الإنسان ونظافته، بل قد جعل هذه النظافة من جملة الإيمان، كما أنه يحافظ على مظهره الخارجى أمام الناس، وطلب منه أن يكون حسنًا وحثّه على ذلك كثيرًا.
وإذا ربطنا هذا التقرير الشرعى بما أكده الطب الحديث من أن أكثر الأمراض التى تصيب المرء قد يرجع سببها إلى إهمال الإنسان لصحته، وعدم المحافظة على نظافته ونظافة ما بداخله من أسنان ولثة، مما قد يترتب عن ذلك إصابتها بالأمراض التى قد تنتشر منها إلى باقى الجسم، وخصوصًا الباطنية منها - علمنا حكمة عدم التقييد فى استعمال السواك بوقت دون آخر، ولا بوصف دون وصف.
стр. 248
على أننى أرى أنه لا دلالة أيضًا فى الأحاديث المطلقة، بل والمقيدة منها، فى استحباب ترك إزالة الرائحة الكريهة التى نشأت عن الصيام أيضًا.
وإنما كل ما تدل عليه هذه الأحاديث أن الصيام فضله عظيم على ما ينال فيه المرء من مشقة حتى مشقة الخلوف على النفس، والتى قد تنشأ عادة من أثر الصيام، ويكون ذلك من داخل الجوف نفسه. وقد لا ينفع المرء معها حتى السواك الذى يمنع الأثر الخارجى فقط، والذى قد لا يفيد فى التغلب على إزالة هذه الرائحة الكريهة التى فيها مشقة على النفس. فبين اللَّه أن مغالبة ذلك له فضل عظيم، وهو وإن كان أثره مكروهًا عندنا إلا أنه أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وهذا فضل منه ورحمة على عباده.
ثم إن استدلال الشافعى بالحديث على كراهيته الاستياك بعد الزوال للصائم لأنه يزيل الخلوف الذى هو أطيب عند اللَّه من ريح المسك - لا ينهض ولا يقوى على تخصيص الأحاديث القاضية باستحباب السواك على العموم، ولا على معارضة تلك الخصوصات.
قال ابن دقيق العيد: "السر فيه -أى فى السواك عند الصلاة- أننا مأمورون به فى كل حال من أحوال التقرب إلى اللَّه -تعالى- بأن نكون فى حالة كمال ونظافة؛ إظهارًا لشرف العبادة (١).
стр. 249
المطلب الخامس فى الاستياك بالأصبع وهل يجزئ فى السنة ؟
بعد أن ذكرنا تعريف السواك، وحكمه، والسواك للصائم وآراء العلماء فى ذلك -بقى علينا أن نتكلم عن "المسواك"، أى: الآلة التى يستاك بها، وما المجزئ منها فنقول:
اتفق الأئمة وجميع العلماء بالإجماع على أن المسواك المجزئ فى حصول السنة للمرء هو كل ما يزيل التغير والقلح عن الفم والأسنان إذا كان منفصلًا عنه (١).
وإنما حصل الخلاف فى جزئه المتصل به كأصبع نفسه، هل تجزئ فى حصول سنة السواك؟ على ثلاثة أقوال:
مذاهب العلماء:
١ - عدم الإجزاء بالاتفاق: إذا كانت الأصبع لينة، وعلى اختلاف فيما بينهم إذا كانت خشنة والمشهور عندهم عدم الإجزاء، وهو مذهب جمهور الشافعية، وقال به الرافعى، واختاره الأسنوى (٢)، وقال النووى: إنه يجزئ لحصول المقصود وبهذا قطع القاضى حسين، والمحاملى، والبغوى، والرويانى (٣).
стр. 250
٢ - إن لم يقدر على عُود ونحوه مما يستاك به - حصل الإجزاء به لمكان العذر، وإلا فلا، وبهذا قال المالكية (١) والشيعة الإمامية (٢) وحكاية للرافعى (٣).
٣ - الإجزاء مطلقًا بدون تفصيل، وهو مذهب الحنفية والصحيح من مذهب أحمد ابن حنبل.
يقول الحنفية: وله أن يستاك بأى سواك كان: رطبًا أو يابسًا، مبلولًا أو غير مبلول، صائمًا أو غير صائم، قبل الزوال أو بعده، لأن نصوص السنة مطلقة (٤).
ويقول ابن قدامة (٥) الحنبلى: وإن استاك بأصبعه أو خرقة - فقد قيل لا يصيب السنة؛ لأن الشرع لم يرد به، ولا يحصل من الإنقاء حصوله بالعود. والصحيح أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها.
الأدلة:
وقد استدل الفريق الأول (جمهور الشافعية) على عدم الإجزاء بأن السواك بالأصبع لا يعد سواكًا، ولا يطلق عليه ذلك، واشترطوا فيه أن يكون منفصلًا. واستدل من فرق منهم بين الأصبع اللينة والخشنة بحصول المقصود - بالخشنة دون اللينة (٦).
واستدل الحنفية ومن وافقهم بالآتى:
أولا: بما رواه أحمد عن على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- أنه دعا بكوز من ماء فغسل به وجهه وكفيه ثلاثًا، وتمضمض ثلاثًا، فأدخل بعض أصابعه فى فيه، واستنشق ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح رأسه واحدة. وذكر باقى الحديث
стр. 251
وقال: هكذا كان وضوء نبى اللَّه ﷺ (١). ففى قوله: "فأدخل بعض أصابعه فى فيه" دليل على أنه يجزئ التسوك بالأصبع.
ثانيًا: بما رواه ابن عدى، والدارقطنى، والبيهقى من حديث عبد اللَّه بن المثنى، عن النضر، عن أنس مرفوعًا بلفظ: "يجزى عن السواك الأصابع" (٢).
وهذا الحديث وإن ضعفه البعض من جهة السند إلا أن الحافظ صححه وقال: لا أرى بسنده بأسًا. وقد روى من طرق أخرى عن عائشة.
ثالثًا: بما رواه أبو عبيد فى كتاب الطهور عن عثمان -رضى اللَّه عنه- أنه كان إذا توضأ يسوك فاه بأصبعه (٣).
رابعًا: بما رواه الطبرانى فى الأوسط من حديث عائشة: "قلت: يا رسول اللَّه! الرجل يذهب فوه فيستاك؟ قال: نعم. قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل أصبعه فى فيه".
وقد رد المعارضون هذا الحديث، وقالوا: لا يصح الاحتجاج به؛ لأن فى إسناده عيسى بن عبد اللَّه الأنصارى، ولا يروى إلا بهذا الإسناد، وقد قال الحافظ: وعيسى ضعفه ابن حبان. وذكر له ابن عدى هذا الحديث من مناكيره.
الترجيح:
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح ما ذهب إليه الحنفية ومن وافقهم، وذلك لقوة أدلتهم، ولا يضعفها ما ذكره المخالف من أحاديث ضعفت. فإنه على فرض عدم صحتها فإنه يكفى فى ذلك حديث على وهو صحيح، وكذا الأثر المروى عن عثمان، فإنهما نص فى المطلوب.
стр. 252
المطلب السادس فى كيفية استخدام السواك، والأوقات التى يندب فيها
كيفية الاستعمال:
أما عن كيفية استعماله، فقد أجمع العلماء على أنه يستعمل بالطريقة التى لا تضر بالأسنان، ولا تصيب اللثة بسوء، وقالوا: يكره ما يتحقق معه هذا الضرر.
وجاء فى حاشية الدسوقى (١): وكره بعود الريحان والرمان لتحريكهما عرق الجزام، أو بعود الحلفاء أو أصبع الغير؛ فإنه يورث الأكلة والبرص.
وتحقيقًا لهذا الغرض فقد ذكروا أنه يستاك عرضًا فى الأسنان وطولا فى اللسان، والمقصود بعرض الأسنان أن يستعمله من أعلى الأسنان إلى أسفل، أو من أسفلها إلى أعلاها، أى: تحريك السواك حتى يأتى إلى نهاية الأسنان مبتدئًا بالفك الأيمن كما فى السنة.
ونقل الرافعى عن الإمام الغزالى أنه يستحب طولًا وعرضًا، فإن اقتصر على أحدهما فالعرض أولى (٢).
قال الأسنوى: المراد بالعرض: عرض الأسنان، وهو عرض الوجه أيضًا، وأما السواك فى عرض الفم -وهو طول الأسنان- فإنه مكروه، وسببه أنه يجرح اللثة (٣). وهذا ما أرشدنا إليه الطب الحديث.
стр. 253
وقت الاستعمال:
أما عن وقت الاستعمال فإن السواك مستحب فى كل وقت يكون الإنسان فى حاجة إليه، وقد جمعها الإمام النووى فى ثلاثة: عند القيام للصلاة، وعند اصفرار الأسنان، وعند تغير الفم (١). وزاد صاحب المغنى: (٢) عند القيام من النوم، لحديث حذيفة قال: "كان رسول اللَّه ﷺ لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا وتسوك قبل أن يتوضأ" (٣). رواه أبو داود. وهذا ما أرشدنا إليه الطب الحديث أيضًا. فقد نصح بعدم الإكثار من استخدامه، ولكنه أكد الحرص على استعماله عند القيام من النوم، وخصوصًا الطويل منه؛ لأن البكتريا التى تضر بالأسنان تنشط فى ذلك الوقت، فكان الإسراع باستعمال السواك عند القيام من النوم إزالة لهذه البكتريا وقتلًا لها معًا.
وفى الوقت الذى يعلن فيه الطب الحديث ذلك، وأنه قد اكتشف الجديد فى مجال طب الأسنان، وأنه قد أرشد إلى الداء وقدم العلاج -نعلن أن أستاذ الطب الإسلامى الأول محمد بن عبد اللَّه ﷺ قد سبق إلى ذلك بأربعة عشر قرنًا من الزمان حينما شخص الداء وأرشد إلى العلاج فى قوله الحكيم: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب" وقدمه إلى العالم أجمع فى ملايين التذاكر الطبية، والتى احتوتها كتب الفقه والحديث، وتوجد فى المكتبات العلمية فى شتى أرجاء العالم ليأخذ كل ما يفيده منها على مدى الأجيال ومستقبل البشرية جمعاء.
فسبحان صاحب هذا التشريع الإسلامى من إله حكيم عليم.
стр. 254
المبحث الرابع الغسل من الجنابة
سيكون منهجى فى هذا المبحث على النحو التالى:
١ - تحقيق ماهية الغسل من الجنابة.
٢ - موقف الفقه الإسلامى فى الغسل من المنى إذا خرج عن محله ولم يندفع أو لم يظهر فى الخارج.
٣ - موقف الفقه الإسلامى من العمليات الجراحية التى يترتب عليها عدم تدفق المنىّ وعدم خروجه من قصبة الذكر. وهل الغسل واجب فى هذه الحالة أو غير واجب، مع الترجيح والاختيار.
* * *
стр. 255
المطلب الأول فى تحقيق ماهية الغسل من الجنابة
لتحقيق هذه الماهية يلزم أن نحقق ماهية أفرادها كل على حدة: لغة وشرعًا، مبتدئين بمعنى الغسل ثم الجنابة.
أ- تحقيق الغسل: الغسل بالضم فى اللغة هو الاغتسال، كما يطلق على الماء الذى يغتسل به، وبالفتح مصدر غسل، وبالكسر ما يغسل به الرأس من خطمى وغيره (١) وغسل الرجل المرأة، يغسلها غسلًا: أكثر نكاحها. وشرعًا: استعمال ماء طهور مباح فى جميع البدن (٢).
ب- الجنابة: قال أهل اللغة (٣): رجل جنب بمعنى غريب، والجمع أجناب. والجنابة ضد الغرابة، ومنه قول علقمة بن عبده:
فلا تحرمنى نائلا عن جنابة ... فإنى امرؤ وسط العباب غريب
وأجنب الرجل تباعد (٤). والجنابة المنى، وفى التنزيل: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥) وقد أجنب الرجل، وجنب أيضًا بالضم، وجنب وتجنب، قال ابن برى فى آماليه على قوله "جنب بالضم": المعروف عند أهل اللغة أجنب، وجنب بكسر النون وأجنب أكثر من جنابته، ومنه قول ابن عباس -رضى اللَّه عنهما-: الإنسان لا يجنب، والثوب لا يجنب والماء لا يجنب، والأرض لا تجنب. وقد فسر
стр. 256
ذلك الفقهاء وقالوا: أى لا يجنب الإنسان بمماسة الجنب إياه، وكذلك الثوب إذا لبسه الجنب لم ينجس، وكذلك الأرض إذا أفضى إليها الجنب لم تنجس، وكذلك الماء إذا غسل الجنب فيه يده لم ينجس.
والرجل جنب من الجنابة، وكذلك الاثنان والجميع والمؤنث، وهو علم تأويل ذوى جنب، فالمصدر يقوم مقام ما أضيف إليه، ومن العرب من يثنى، ويجمع ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل، وحكى الجوهرى: أجنب وجنب بالضم، وقالوا: جنبان وأجناب وجنوب وجنبات.
قال سيبويه: كسر على أفعال، كما كسر بطل على أبطال، كما اتفقوا فى الاسم عليه يعنى نحو جيل وأجيال وجنب وأجناب ولم يقولوا جنبة.
وفى الحديث: "ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه جنب" (١) وقال ابن الأثير: الجنب الذى يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المنى، وأجنب يجنب إجنابًا، والاسم الجنابة، وفى الأصل البعد. وإرادة الجنب فى هذا الحديث الذى يترك الاغتسال من الجنابة عادة فيكون أكثر أوقاته جنبًا.
وفى لسان العرب: "الجنابة فى اللغة: مصدر أجنب، والجنب فى اللغة: من خرج منه المنى على وجه الشهوة. يقال: أجنب الرجل -إذا قضى شهوته من المرأة" (٢). هذا كله فى اللغة.
أما معنى الجنابة شرعًا فلا يخرج عن المعنى اللغوى الذى حققناه آنفًا، فهى حالة تعترى المرء يلزمه بسببها الغسل لجميع البدن.
стр. 257
المطلب الثانى فى موقف الفقه الإسلامى فى الغسل من المنى إذا خرج عن محله ولم يندفع أو لم يظهر فى الخارج
اتفق الفقهاء بالإجماع على أن المنىّ إذا خرج مندفعًا بشهوة خارج المحل، أى منفصلًا عن ذكر الرجل وفرج المرأة، فإنه يجب الغسل بلا خلاف.
أما إذا انفصل بشهوة عن محله ولم يظهر فى الخارج أو خرج بدون شهوة، أو خرج من غير محله الطبيعى - فقد حصل الخلاف بين الفقهاء على الوجه التالى:
١ - لا يجب الغسل من المنىّ إلا إذا انفصل عن محله الطبيعى، بشرط التدفق والشهوة، ولو لم يخرج من ذكر الرجل أو فرج المرأة. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومحمد (١)، وأحمد فى رواية عنه (٢)، وأحد القولين عند الإباضية (٣).
٢ - لا يجب الغسل من المنىّ إلا بظهوره فى الخارج على أى وجه كان حتى ولو كان بغير شهوة أو من من غير محله الطبيعى كصلب الرجل وترائب المرأة.
وإلى هذا ذهب الشافعية (٤)، والرواية الأخرى فى مذهب الحنابلة (٥)، والقول الآخر عند الإباضية (٦).
стр. 258
٣ - لا يجب الغسل من المنىّ إلا إذا انفصل عن المحل وظهر فى الخارج، بشرط التدفق والشهوة، وإلى هذا ذهب أبو يوسف (١)، والشيعة الإمامية (٢).
٤ - يشترط للغسل من جنابة المنىّ خروجه من محله الطبيعى وظهوره فى الخارج، بشرط الإحساس واللذة -فى حق المرأة وانفصاله عن مقره إلى قصبة الذكر ولو لم يبرز من الذكر -فى حق الرجل- وإلى هذا ذهب المالكية (٣).
٥ - يشترط للغسل من المنىّ أن يكون من محله الطبيعى، بشرط الشهوة والتدفق والخروج، وفتور البدن إذا كان محله الأصلى متفتحًا، أما إذا كان منسدًا فيجب الغسل من المنى على أى حال. وإلى هذا ذهب البعض من الشافعية، وبه قال المتولى صاحب "التتمة" (٤).
سبب الخلاف:
وسبب الخلاف بين الفقهاء على التقرير السابق هو تعارض الأحاديث الموجبة للغسل من الجنابة، واختلافهم أيضًا فى معنى الجنب. هل اسم الجنب يطلق على الذى أجنب على الجهة غير المعتادة؟ أو ليس يطلق عليه ذلك؟
стр. 259
الأدلة والتوجيه:
أدلة الفريق الأول:
استدل الفريق الأول بما يأتى:
أولًا: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقالوا فى توجيه هذه الآية:
إن الأمر بالتطهر يتناول الجنب، والجنب فى اللغة: من خرج منه المنىّ على وجه الشهوة، يقال: أجنب الرجل - إذا قضى شهوته من المرأة، فالأمر بالتطهر يتناول من خرج منه المنىّ على وجه الشهوة، وغيره ليس فى معناه، فلا قياس عليه ولا يلحق به.
فمن خرج منه المنىّ بلا شهوة لا يجب فيه حكمًا بنفى ولا إثبات (١).
ثانيًا: بحديث (إنما الماء من الماء) (٢).
وقالوا فى توجيه هذا الحديث لدلالتهم: إن ذلك محمول على الخروج عن شهوة؛ لأن اللام للعهد الذهنى، أى الماء المعهود، والذى به العهد لهم هو الخارج عن شهوة، كيف وربما يأتى على أكثر الناس جميع عمره ولا يرى هذا الماء مجردًا عنها (٣)؟ !
على أن كون المنى يخرج من غير شهوة ممنوع فإن عائشة أخذت فى تفسيرها إياه الشهوة على ما قال ابن المنذر فى حديثه عن ابن يحيى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة، عن عبد ربه بن موسى، عن أمه أنها سألت عائشة عن المذى، فقالت: إن كل فحل يمذى، وإنه المذى والودى والمنىّ. فأمّا المذى، فالرجل يلاعب امرأته فيظهر على ذكره الشئ، فيغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ولا يغتسل وأما الودى، فإنه يكون بعد البول، يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ولا يغتسل، وأما
стр. 260
المنىّ فإنه الماء الأعظم الذى فيه الشهوة، ومنه الغسل. وفى ذلك رد على الشافعى (١).
وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن قتادة وعكرمة نحوه، فلا يتصور منىّ إلا مع خروجه بشهوة، وإلا يفسد الضابط الذى وصفه لتميز المياه لتعطى أحكامها.
أدلة الفريق الثانى:
وقد استدل صاحب المذهب الثانى بما يأتى:
أولًا "بحديث إنما الماء من الماء ".
وقال فى توجيهه لمذهبهم: إنه نص فى المطلوب، لأن الحديث علق وجوب الغسل بظهور الماء والمنى، وذلك يشمل خروجه من أى وجه كان، وعلى أى طريق، كما أن الحديث مطلق، ولم يوجد فيه تقييد الخروج بشهوة.
ثانيًا الإجماع -على ما ادعاه الرافعى -:
يقول الرافعى: "والطريق الثانى من الطرق الموجبة للغسل من الجنابة وخروج المنىّ، فهو موجب للغسل للإجماع، ولقوله ﷺ : "الماء من الماء" ولا فرق بين أن يخرج منه من الطريق المعتاد أو من غيره، مثل أن يخرج من ثقبة فى الصلب أو فى الخصية" (٢).
أدلة الفريق الثالث:
وقد استدل الفريق الثالث بحديث: "إنما الماء من الماء" وقال فى توجيهه لمذهبه: إن الحديث صريح فى أنه لا يجب الغسل إلا من الماء "وهو خروج المنى عن مقره
стр. 261
وانفصاله عن الفرج، ولكن مع التدفق والشهوة؛ لأن الجنابة قضاء الشهوة والإنزال، ولا يعرف المنىّ إلا بذلك" (١).
أدلة الفريق الرابع:
وقد استدل الفريق الرابع بالحديث السابق أيضًا "إنما الماء من الماء" وقال فى توجيهه: إن المنى لا يعرف بذلك إلا من محله الطبيعى وبشهوة وبشرط إحساس به، إلا أنه لما كان الماء فى المرأة يصعب منعه من الظهور عادة، اشترط فيه بروزه عن الفرج، أما الرجل فإنه فى إمكانه إمساك العضو، فلذلك لم نشترط فيه بروزه واكتفينا بانفصاله عن محله واتصاله بقصبة الذكر (٢). ويقوى ذلك حديث أم سلمة فى الاحتلام: "هل على المرأة من غسل إذا هى احتلمت؟ قال: نعم، إذا هى رأت الماء" (٣).
أدلة القول الخامس:
وأما صاحب القول الخامس فقد استدل بالحديث السابق أيضًا: "إنما الماء من الماء"، وقال فى توجيهه: إن المحل إذا كان منفتحًا فلا يطلق على الخارج منه اسم ماء إلا إذا خرج منه مع الشهوة والتدفق وبروزه من الذكر على فتور البدن، وبغير ذلك لا يصدق عليه منىّ؛ لأنه ربما يكون مذيًا أو وديًا.
أما إذا كان الأصل منسدّا فإنه لا مفر من خروجه من مكان آخر، وبذلك يصدق عليه نص الحديث (٤).
الترجيح:
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح ما ذهب إليه الفريق الأول لقوة أدلته ونرد على
стр. 262
الثانى والخامس بما استدل به الأول، كما نرد على الفريق الثالث توجيهه لأن توجيه الفريق الأول أقوى وأحوط؛ لأن الجنابة قضاء الشهوة بالإنزال، فإذا وجدت مع الانفصال صدق اسمها، وكان يقتضى هذا ثبوت حكمها وإن لم تخرج من الفرج والمراد بالرؤية العلم مطلقًا.
كما نرد على صاحب المذهب الرابع بأنه لا دليل على التخصيص، كما أنه قد لا يخرج من المرأة لضعفه. وقد اشترط فيه الإحساس بالشهوة وهذا يكفى فى تحقيق الانتقال، ولأن ماءها قد لا يكون دافقًا كماء الرجل، فلا يقوى على الخروج فى الحال، وقد تحس بللًا داخل الفرج فقط مع توافر الشروط السابقة.
أما الرد على حديث أم مسلمة، فيمكن أن يكون ذلك خاصًا بالاحتلام، فإنه لابد فيه من تحقق الإنزال، وذلك لا يكون إلا بظهور المنىّ، فإنه ربما أن يكون ذلك وهمًا أو تخيلًا، ولا فرق فى ذلك بين الرجل والمرأة، وإنما نص فى الحديث على حكم المرأة فقط، لأن السؤال كان عن المرأة ولمطابقة الجواب للسؤال، وهذا من وجهة نظرى من البلاغة فى القول والجواب.
стр. 263
المطلب الثالث فى حكم الفقه الإسلامى من العمليات الجراحية التى يترتب عليها عدم تدفق المنى وعدم خروجه وهل يجب على المرء الغسل فى مثل هذه الحالات أم لا ؟
إذا رجعنا إلى نصوص الفقهاء عن الغسل من المنى - فإننا سنجدها قد عالجت مثل هذه الأمور وقدمت الحكم لها، وإن لم يكن فى صورة نص صريح، وذلك لأنه ربما لم تكن قد ظهرت أمامهم مثل هذه الحالات، كما أن مثل هذه العمليات الجراحية الخاصة بالمسالك البولية والجهاز التناسلى لم تظهر إلا منذ وقت قريب، وهذه العمليات هى التى ينشأ عنها فى العادة -أو يترتب عليها- ما سبق ذكره.
ولكى نتعرف على موقف الفقهاء من ذلك يجب أن نذكر النصوص الفقهية التى تعالج مثل هذه الأمور فى المذاهب المختلفة أولًا، ثم بعد ذلك نستخلص منها رأى الفقهاء.
أولًا: من الفقه الحنفى:
١ - رجل استمنى بكفه، أو جامع امرأته فى غير الفرج، أو احتلم. فلمّا انفصل أخذ إحليله حتى سكنت فأرسل، فخرج بلا شهوة.
يجب الغسل عند أبى حنيفة ومحمد، ولا يجب عند أبى يوسف. وإذا اغتسل ثم خرج المنى بعد ذلك لا يجب الغسل ثانيًا عند الصاحبين، ويجب عند أبى يوسف (١).
стр. 264
٢ - إذا احتلمت ووجدت لذة الإنزال لكن لم يخرج ماؤها إلى فرجها؟
الظاهر لا غسل عليها فى ظاهر الرواية، وقيل يجب بخلاف الرجل. ووجه الظاهر حديث أم سلمة، قالت: يا رسول اللَّه! إن اللَّه لا يستحى من الحق. هل على المرأة من غسل إذا هى احتلمت؟ قال: نعم، إذا هى رأت الماء.
ووجه الثانى ما روى عنها أنها سألته ﷺ عن المرأة ترى فى منامها ما يرى الرجل فقال ﷺ : إذا رأت ذلك فلتغتسل. والمراد بالرؤية العلم.
ثانيًا- من الفقه المالكى:
ويجب الغسل من المنى -أى بسبب خروجه من رجل أو من امرأة، أى: بروزه من الفرج فى حق المرأة، لا مجرد إحساسها بانفصاله خلافًا لسندٍ وانفصاله عن مقره بأن وصل إلى قصبة الذكر -فى حق الرجل- ولو لم ينفصل عن الذكر بلذة معتادة قارنها الخروج أو لا. كما يجب الغسل بخروج المنى بعد ذهاب اللذة. وهذا إذا كان خروج المنىّ مقارنا للذة، بل وإن خرج بعدها حالة كون ذلك الخروج بالجماع (١).
ثالثًا: من الفقه الشافعى:
ولا فرق فى وجوب الغسل من المنىّ بعد خروجه أن يخرج منه من الطريق المعتاد أو من غيره، مثل أن يخرج من ثقبة فى الصلب أو فى الخصية (٢).
رابعًا: من الفقه الحنبلى:
١ - ويجب الغسل بمجرد انتقال المنىّ، فيجب الغسل بمجرد إحساس انتقاله من صلب رجل وترائب امرأة، وذلك لأن الجنابة تباعد الماء عن مواضعه، وقد وجد ذلك وإن لم يخرج، كما لو حبسه لأن الغسل يراعى فيه الشهوة، وقد وجدت بانتقاله، كما لو ظهر، ولا يعاد غسله له أى الانتقال بخروج المنى بلا لذة؛ لأن
стр. 265
الوجوب تعلق بالانتقال، وقد اغتسل له فلم يجب عليه غسل ثان، كبقية منىّ خرجت بعد الغسل، وليس عليه إلا الوضوء (١).
٢ - وإن أحس بانتقال المنىّ من ظهره فأمسك ذكره فلم يخرج: ففيه روايتان، إحداهما: لا غسل عليه؛ لحديث: "إذا رأت الماء".
والثانية: يجب لأنه خرج من مقره، أشبه ما لو ظهر، فإن اغتسل بعد ذلك وجب الغسل على الرواية الأولى لأن الوجوب متعلق بخروجه، ولم يجب على الثانية لأنه تعلق بانتقاله، وقد اغتسل له (٢).
خامسًا: من فقه الشيعة الإمامية:
ومن الأسباب الموجبة للغسل من المنىّ إنزال المنىّ بشرط الشهوة والدفق وفتور البدن غالبًا، ولو علم أن كونه منيًا وجب الغسل وإن تجرد عن الصفات المعروفة له (٣).
سادسًا: من فقه الشيعة الإباضية:
١ - والمعتبر فى الغسل من المنى هو خروجه بالفعل، سواء خرج بلذة أو بغير لذة، وذهب بعضهم إلى اشتراط اللذة فى ذلك.
٢ - وإذا انتقل المنى من أصل مجاريه بلذة، ثم خرج فى وقت آخر بغير لذة مثل أن يخرج من المجامع بعدما يطهر - فقيل: يعيد الطهارة، وقيل: لا يعيد (٤).
٣ - وإن انقطع شئ من صلبه وخاف من خروجه فعصر ذكره حتى منعه من الخروج فإنه يغتسل حين انقطع ذلك من صلبه، ولو رده بالعصر. ومن اعتبر الخروج نفسه لم يوجب الغسل (٥).
هذه هى نماذج من نصوص الفقهاء من المذاهب المختلفة، والتى تتناول الحكم
стр. 266
على هذا الموضوع. وعلى هذا فيمكن أن نذكر حكم الفقهاء فى هذه المسألة على ضوء ما ذكر لهم من نصوص، ونلخصه فى الآتى:
١ - يجب الغسل من المنى إذا انتقل من محله ولم يخرج من الفرج بسبب العمليات الجراحية، وإذا اغتسلوا فلا يجب عليهم إعادة الغسل. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ومحمد، ورواية عند الحنابلة، وقول عند الإباضية.
٢ - يجب الغسل فى مثل هذه الحالة بالنسبة للرجل -كما هو مذهب الفريق الأول- ولا يجب بالنسبة للمرأة إلا بعد خروجه من الفرج وحده أو مع بول ونحوه وإلى هذا ذهب المالكية.
٣ - لا غسل إلا بعد خروج المنى، فإذا أنزل ولم يخرج المنى فإنه لا يجب عليه الغسل إلا إذا خرج منه بعد ذلك بنفسه أو مع غيره، كخروجه مع البول بعد ذلك. وإلى هذا ذهب جمهور الشافعية وأبو يوسف والقول الثانى عند الإباضية.
الترجيح والاختيار:
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح وأختار ما أفتى به الفريق الأول، وذلك لأنه الموافق لما ذهب إليه بناء على أدلته التى سبق أن رجحناها (١).
كما أنه يلزم -على ما أفتى به الفريق المخالف- أن يصلى المرء بدون غسل إذا لم يظهر منه الماء، وربما قد يستمر ذلك منه فترة طويلة، وهذا لا يتناسب مع تعظيمه -جل شأنه- بتقديم العبادة له بطهارة لا يشوبها الشك ولا يعتريها الكلام.
ثم إننا لو نظرنا إلى الحكمة فى إيجاب الغسل من الجنابة، وعلمنا أن ذلك إنما هو لما يعترى البدن من الكسل والخمول بعد الإنزال مباشرة، وذلك يتحقق بانفصاله عن المجامع الأصلية. ولو لم يخرج عن فرج المرأة وقصبة الذكر على ما صرح به كثير من الفقهاء وأكده الطب الحديث. ثم إن القذف كما يصدق على الخارجى قد يصدق أيضًا على الداخلى.
стр. 267
المبحث الخامس فى التيمم
سيكون الكلام فى هذا المبحث على النحو التالى:
١ - تعريف التيمم.
٢ - تاريخ التشريع للتيمم.
٣ - عدد الضربات فى التيمم، والمقدار المجزئ فيه، ورأى الفقهاء فى ذلك.
٤ - المقدار الواجب مسحه من أعضاء التيمم.
٥ - حكم الاستيعاب فى أعضاء التيمم، ومذاهب العلماء فى ذلك، ثم الترجيح والاختيار.
* * *
стр. 268
المطلب الأول فى تعريف التيمم
أ- التيمم فى اللغة: القصد مطلقًا. تقول: تيممت فلانًا ويممته وتأممته وأممته، أى: قصدته. ومنه قوله تعالى:
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية (١).
وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية (٢).
ب- فى الاصطلاح الشرعى: قصد الصعيد للوجه واليدين بشرائط مخصوصة وضعها كل إمام لمذهبه.
عند الحنفية: هو القصد إلى الصعيد الطاهر للتطهير. وقيل: استعمال الصعيد فى عضوين مخصوصين على قصد التطهر، بشرائط مخصوصة، فيشمل التيمم بأى جزء من أجزاء الأرض حتى الحجر الأملس (٣).
عند المالكية: طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين، نيابة عن الطهارة الكبرى والصغرى عند عدم الماء أو عدم القدرة. والمراد بالتراب جنس الأرض، فيشمل جميع أجزائها (٤).
عند الشافعية: إيصال التراب للوجه واليدين بشرائط (٥).
стр. 269
عند الحنابلة: طهارة بالتراب تقوم مقام الطهارة بالماء عند العجز عن استعماله لعدم أو مرض (١).
ويمكن أن نستخلص مما سبق أن التيمم بالصعيد الطاهر عند عدم الماء أو الخوف من استعماله جائز بالإجماع وبلا خلاف بين الفقهاء.
أما الخلاف الذى حصل بينهم فهو فى تفسير الصعيد على النحو التالى:
١ - أبو حنيفة ومالك: الصعيد: الأرض. فيجوز التيمم بالأرض وأجزائها، ولو بحجر لا تراب عليه، ورمل لا غبار به.
وزاد مالك فقال: ويجوز بما اتصل بالأرض كالنبات (٢).
٢ - الشافعى، وأحمد، والظاهرية، والشيعة، وأصحاب الحديث:
الصعيد: التراب. فلا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر، أو رمل فيه غبار.
سبب الخلاف
هو تفسيرهم لمعنى الصعيد، فمن نظر إلى الماهية والظاهر والعرف - فسره بالتراب، كما ذهب إلى ذلك الفريق الثانى. ومن نظر إلى الجنس قال إنه يشمل جميع أجزاء الأرض مما مصدره التراب أو مآله إلى تراب، كما ذهب إلى ذلك الفريق الأول.
وعلى كل حال فإن هذا اصطلاح لهم ولا يخرج الصعيد عن تفسيرهم جميعًا، ولكن الذى نميل إليه ما ذهب إليه الفريق الثانى لظاهر الأحاديث ولعمل الصحابة والتابعين. على أنه يمكن التوفيق بينهما بالعمل على المذهب الأول عند عدم التراب، وبالاقتصار على المذهب الثانى عند وجوده. والجمع بين الأقوال إن أمكن أولى من إعمال البعض وإهمال الآخر عند الخلاف.
* * *
стр. 270
المطلب الثانى فى تاريخ التشريع للتيمم
لقد شرع التيمم فى غزوة المريسيع لما أضلت عائشة عقدها، فبعث ﷺ فى طلبه، وحانت الصلاة وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر -رضى اللَّه عنه- وقال: حبست رسول اللَّه ﷺ والمسلمين على غير ماء، فنزلت آية التيمم فجاء أسيد بن حضير فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبى بكر، يرحمك اللَّه يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللَّه للمسلمين فيه فرجًا (١).
وهو من خصائص هذه الأمة بلا ارتياب (٢).
* * *
стр. 271
المطلب الثالث فى عدد الضربات فى التيمم، والمقدار المجزئ فيه، ورأى الفقهاء فى ذلك
رأى الفقهاء: اختلف الفقهاء فى هذا الموضوع على النحو التالى:
١ - أبو حنيفة: فى الرواية المشهورة عنه، ومالك فى رواية عنه، والأصح المنصوص للشافعى قديمًا وجديدًا، والشيعة الزيدية والإباضية، لابد من ضربتين فى التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين. وإلى ذلك ذهب أيضًا الثورى والليث وابن أبى سلمة (١).
٢ - مالك: فى أشهر الروايتين عنه، وأحمد، وجمهور علماء الحديث. الإجزاء بضربة واحدة للوجه واليدين، وإلى ذلك أيضًا ذهب عطاء، والشعبى فى روايته، والأوزاعى فى الأشهر عنه، وإسحاق، وداود، والطبرى، واختاره الرافعى من الشافعية (٢).
٣ - الهادى، والناصر، والمؤيد باللَّه، وأبو طالب، والإمام يحيى، وابن سيرين - أن الواجب ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفين، وضربة للذراعين (٣).
стр. 272
الأدلة:
١ - استدل الفريق الأول بما يأتى:
أولًا: بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ. . .﴾ الآية.
ثانيًا: بحديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (١).
ثالثًا: بما روى عن جابر -رضى اللَّه عنه- عن النبى ﷺ أنه قال: "التيمم ضربتان. ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين" (٢).
٢ - واستدل الفريق الثانى بما يأتى:
أولًا: بما روى عن عمار بن ياسر -رضى اللَّه عنهما- أن النبى ﷺ قال: "التيمم ضربة للوجه واليدين" (٣).
ثانيًا: بحديث عمار المتفق عليه، قال: "بعثنى رسول اللَّه ﷺ فى حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت فى الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبى ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك أن تفعل بيدك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفه، ووجهه" (٤).
٣ - أما أهل القول الثالث: فلم أقف لهم على ما يصلح متمسكًا للوجوب عندهم، بل قال الإمام يحيى: إنه لا دليل يدل على ندبية التثليث فى ضربات التيمم. وقوى ذلك الإمام المهدى.
قال الشوكانى: والأمر كذلك (٥).
стр. 273
وقد وجه الفريق الأول أدلته على النحو الآتى:
أولًا: فى الآية قالوا: النص وإن لم يتعرض للتكرار أصلًا، فهو متعرض له دلالة؛ لأن التيمم خلف عن الوضوء، ولا يجوز استعمال ماء واحد فى عضوين فى الوضوء فلا يجوز فى التيمم فلا يجوز مخالفة الأصل، وفى هذا حجة على الفريق الثانى وعلى الثالث؛ لأن اللَّه أمر بمسح الوجه واليدين، فيقضى وجود فعل المسح على كل واحدة منها مرة واحدة؛ لأن الأمر المطلق لا يقتضى التكرار، وفيما قالوه تكرار فلا يجوز الزيادة على الكتاب والسنة إلا بدليل صالح للزيادة (١).
ثانيًا: فى السنة قالوا: إن هذه الأحاديث صريحة فى المطلوب، كما أن حديث جابر جاء حجة على الكل، وأما حديث عمار ففيه تعارض؛ لأنه روى فى رواية أخرى أن النبى ﷺ قال: "يكفيك ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" والمتعارض لا يصلح حجة (٢).
٢ - وقد وجه الفريق الثانى أدلته على النحو التالى:
قالوا فى حديث عمار بروايته: استعمل عمار القياس، فرأى أنه لما كان التراب نائبًا عن الغسل فلابد من عمومه للبدن, فأبان له ﷺ الكيفية التى تجزئه, وأراه الصفة المشروعة، وأعلمه أنها التى فرضت عليه، ودلّه على أنه يكفى ضربة واحدة (٣).
وقوله ﷺ : "إنما يكفيك" فيه دليل على أن الواجب فى التيمم هى الصفة المذكورة فى الحديث (٤).
أما الأحاديث الأخرى التى تعارض ما نقول به - فكلها أحاديث ضعيفة لا تقوى على معارضة حديث عمار، وخاصة الرواية المتفق عليها فيه.
стр. 274
ففى حديث ابن عمر مقال كثير: قال الحافظ: هو ضعيف، ضعفه القطان، وابن معين، وغير واحد.
أما حديث جابر، فقد قال فيه الدارقطنى: والصواب أنه موقوف (١).
الترجيح:
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح ما ذهب إليه الفريق الثانى، وهو كفاية الاقتصار على ضربة واحدة لأعضاء التيمم جميعها، وذلك لأنه الواجب. فإن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال، ولو صحت لكان الأخذ بها متعينًا لما فيها من الزيادة، فالحق الوقوف على ما ثبت فى الصحيحين من حديث عمار من الاقتصار على ضربة واحدة (٢).
فإذا نظرنا إلى الحكمة التى من أجلها شرع التيمم لكان فى ذلك تقوية لما ترجح فإن التيمم قد شرع للتخفيف سواء العاجز عن استعمال الماء والمريض أو الفاقد له بعد طلبه.
ثم إن التيمم ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو وسيلة تعبدية أمرنا اللَّه بها ليتحقق منها معنى العبودية الخالصة له -تعالى- وهو الخضوع بكل ما أمرنا اللَّه به.
كما أن التراب ليس المقصود منه الطهارة الحقيقية، وإنما هى طهارة حكمية معنوية ينتهى وجودها بوجود الماء. وليس لقلة التراب أو كثرته معنى مقصود لذاته فى هذا الباب، وإنما المقصود هو الخضوع والامتثال للأمر، وهذا ما وجدناه من فعل النبى ﷺ حينما تيمم، فإنه قد نفخ فى كفيه بعد ضربهما على التراب ليزيل ما كثر منه، على أن المقصود إيصال التراب وقد حصل.
ولذلك وجدنا ممن أوجبوا الضربتين من يكتفون بالواحدة إذا كان ذلك بخرقة ونحوها، فإذا أخذ خرقة كبيرة وضرب بها ثم مسح ببعضها وجهه وببعضها يديه فإنه يكفى. هكذا قال الأسنوى ونص عليه (٣).
стр. 275
وهذا الذى رجحناه قد اختاره الرافعى وقال إنه الأصح. ولذلك كان تعبيره بعد ذلك: ولكن يستحب ألا يزيد عن الضربتين وألا ينقص عن واحدة (١).
وقال الكمال بن الهمام: "والذى يقتضيه النظر عدم اعتبار ضربة الأرض من مسمى التيمم شرعًا؛ لأن المأمور به المسح ليس غير فى الكتاب، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ ويحمل قوله ﷺ : "التيمم ضربتان" إما على إرادة الأعمّ من المسحتين، أو على أنه أخرج مخرج الغالب" (٢).
* * *
стр. 276
المطلب الرابع فى المقدار الواجب مسحه من أعضاء التيمم
مذاهب العلماء:
لم يختلف أحد من العلماء فى أعضاء التيمم، وذلك لنص الآية، فالكل مجمع على أن أعضاء التيمم هى الوجه واليدان فقط.
ولكن حصل الخلاف بينهم فى المقدار الواجب مسحه من هذه الأعضاء: هل هو الوجه واليدان إلى الكوعين؟ ، أو إلى المرفقين؟ ، أو إلى الآباط؟
١ - ذهب إلى الأول: عطاء، ومكحول، والأوزاعى، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر (١). والشيعة الإمامية (٢)، والإباضية (٣)، وعامة أصحاب الحديث، وأهل الظاهر، والشافعى فى القديم.
٢ - وذهب إلى الثانى: على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- وعبد اللَّه بن عمر، والحسن البصرى، والشعبى، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، وسفيان الثورى (٤)، وأبو حنيفه، ومالك، والشافعى، وأصحاب الرأى، والشيعة الزيدية (٥)، والليث بن سعد، وابن أبى سلمة (٦).
٣ - وذهب إلى الثالث: الإمام الزهرى (٧).
стр. 277
الأدلة:
١ - استدل الفريق الأول بحديث عمار، وفيه: "ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" متفق عليه.
٢ - وبحديث أبى جهيم: وفيه: أنه: ﷺ تيمم فمسح وجهه ويديه.
أدلة الفريق الثانى
٢ - واستدل الفريق الثانى:
١ - بآية التيمم.
٢ - وبحديث ابن عمر مرفوعًا بلفظ: "ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين".
أدلة الفريق الثالث
٣ - واستدل الزهرى:
بما ورد فى بعض روايات عمار عن أبى داود بلفظ: "إلى الآباط"، وبأن ذلك هو حد اليد لغة (١).
توجيه الأدلة:
١ - وقد وجه الفريق الأول أدلته على النحو التالى:
قالوا: إن حد اليد الذى أمر اللَّه -تعالى- بمسحه فى التيمم إلى الكف. والدليل على هذا أن اسم اليد يقع فى كلام العرب على الكف، وقد يقع على الكف والذراع والعضد بالسواء. فلما كان اسم اليد يقع على هذه الثلاث كان لا يخلو أن يكون فى الكف أظهر منه فى سائر الأجزاء، أو تكون دلالته على الكف والذراع والعضد بالسواء.
стр. 278
فإن كان اسم اليد فى الكف أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب من المصير إلى الأخذ بالظاهر، وإن لم يكن أظهر فيجب المصير إلى الأخذ بالآثار الثابتة (١). والآثار الصحيحة تقوى ما نذهب إليه. قال الحافظ فى الفتح: إن الأحاديث الواردة فى صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبى جهيم، وعمار المتفق عليه. وما عداها فضعيف أو مختلف فى رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبى جهيم: فورد بذكر اليدين مجملًا. وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين فى الصحيحين، وأما رواية المرفقين فى السنن، ورواية إلى نصف الذراع ففيها مقال. وأما رواية الآباط، فقال الشافعى وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبى ﷺ فكل تيمم صح للنبى ﷺ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به. ومما يقوى رواية الصحيح فى الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتى بعد النبى ﷺ بذلك، وراوى الحديث أعرف من غيره بالمراد منه، ولا سيما الصحابى المجتهد (٢). والصواب أن يعتقد أن مسح الكف هو الغرض؛ لإجماعهم بوقوع اسم اليد عليه، وما سواه ليس بغرض، حيث لم يجتمعوا عليه، بدليل أن الإمام إذا قطع يد السارق من الكف فقد قطع المأمور به، وإن قطعها من الساعد كان عليه فيما عدا ذلك حكومة (٣).
ثم إن التيمم وإن كان بدلا عن الوضوء إلا أنه لم يلزم أن يكون البدل على صفة المبدل منه. فقد وجدنا الرقبة واجبة فى الظهار وفى كفارة اليمين وكفارة قتل الخطإ وكفارة المجامع عمدًا فى نهار رمضان وهو صائم، ثم عوضها اللَّه -تعالى- وأبدل من رقبة الكفارة: صيام ثلاثة أيام، ومن رقاب القتل، والجماع، والظهار: صيام شهرين متتابعين.
وعوض من ذلك إطعامًا فى الظهار والجماع، ولم يعوض فى القتل (٤).
٢ - وقد وجه الفريق الثانى أدلته على النحو التالى:
стр. 279
قالوا فى الآية: إن فى قوله -تعالى-: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ حجة لمذهبنا، لأن اللَّه -تعالى- أمر بمسح اليد، فلا يجوز التقيد بالرسغ إلا بدليل. وقد قام دليل التقيد بالمرفق، وهو أن المرفق جعل غاية للأمر بالغسل وهو الوضوء. والتيمم بدل عن الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل، فذكر الغاية هناك يكون ذكرها ههنا دلالة (١).
وقالوا فى الحديث: إنه تخصيص للأحاديث العامة. وبه يحمل حديث عمار؛ لأن حديث عمار للتعليم، على أن المراد ظاهرها مع الباقى، أو كون أكثر عمل الأمة على هذا. يرجح هذا الحديث على حديث عمار أن تلقى الأمة الحديث بالقبول يرجحه على ما أعرضت عنه (٢).
الترجيح:
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح ما ذهب إليه الفريق الأول لقوة أدلته، ولرده على شبهة الفريق الآخر فى توجيهه لأدلته. فالحق مع أصحاب المذهب الأول حتى يقوم دليل آخر، فيجب المصير إليه. ولا شك أن الأحاديث المشتملة على الزيادة أولى بالقبول، ولكن إذا كانت صالحة للاحتجاج بها، أما وليس فى الباب شئ من ذلك، فبقى العمل بما ذهب إليه الأولون، فيجب المصير إليه.
* * *
стр. 280
المطلب الخامس فى حكم الاستيعاب فى أعضاء التيمم، و مذاهب العلماء فى ذلك
مذاهب العلماء:
بعد أن انتهينا من الكلام عن أعضاء التيمم بقى علينا إتمامًا للفائدة أن نبين موقف العلماء من استيعاب المسح فى أعضاء التيمم وهل هو واجب أم غير واجب؟
وفى هذه المسألة أيضًا حصل الخلاف بين العلماء، وإن كان هذا الخلاف لا أثر له عند تحقيق بعض العلماء لهذه المسألة، حتى ادعى البعض فيها الإجماع. وممن قال بذلك: القرطبى فى تفسيره (١). ولكن الحقيقة أنه قد وجد خلاف فى هذه المسألة، ويتلخص فى مذهبين:
١ - الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، والإباضية، والزيدية، وجمهور علماء المحدثين: يجب الاستيعاب فى أعضاء التيمم، كل حسب مذهبه فى تحديد مقدار الواجب فيها. على ما سبق.
٢ - الظاهرية (٢)، والشيعة الإمامية (٣): لا يجب الاستيعاب، فكل ما يطلق عليه اسم مسح بكف ولو كان بعض الوجه وبعض اليدين. وإلى ذلك أيضًا ذهب سليمان بن داود بن على بن عبد اللَّه بن عباس (٤).
стр. 281
الأدلة:
١ - استدل الفريق الأول وهو الجمهور. بآية التيمم وبالأحاديث السابقة فى أعضاء التيمم، وبالقياس على الوضوء.
٢ - واستدل الفريق الثانى بظاهر آية التيمم.
توجيه الأدلة:
وقد وجه الجمهور أدلتهم: بأن الآية أمرت بالمسح، والمسح وإن كان يطلق على القليل والكثير إلا أن جميع الأحاديث التى وردت فى فعل النبى ﷺ مبينة لها. وفعل النبى ﷺ إنما دل على الاستيعاب. وكذلك لمّا كان الاستيعاب فى أعضاء الوضوء واجبًا كان الأمر ههنا كذلك (١).
٢ - وقد وجه الفريق الثانى أدلته بقوله:
إن نص آية التيمم يدل على الأمر بفعل المسح، والمسح عام يشمل القليل والكثير، والمسح فى اللغة لا يقتضى الاستيعاب، فوجب الوقوف عند ذلك. أما القياس على الوضوء فلا يصح من المخالف لنا، لأن حكم الرجلين عندنا وعندهم فى الوضوء الغسل، فلما عوض منه المسح على الخفين سقط الاستيعاب عندهم، فيلزمهم القول بذلك فى التيمم، لأن الغسل فى الوضوء عوض عنه المسح فى التيمم. ولم يأت بالاستيعاب فى التيمم قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس (٢).
والذى يدل على ذلك قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ودخول الباء إذا لم يكن لتعدية الفعل إلى المفعول به، فلا بد له من فائدة وإلا كان عبثًا. ولا فائدة بعد ارتفاع التعدية به إلا التبعيض، وأيضًا فإن التيمم طهارة
стр. 282
موضعها التخفيف، ولا يجوز استيعاب الأعضاء فيها كاستيعابها فى طهارة الماء، فلهذا كانت هنا فى عضوين، وكانت الطهارة فى الوضوء فى أربعة (١).
ثم إن لفظة المسح لم تأت فى الشريعة إلا فى أربعة مواضع:
(١) مسح الرأس.
(٢) ومسح الوجه واليدين فى التيمم.
(٣) والمسح على الخفين والعمامة والخمار.
(٤) ومسح الحجر الأسود فى الطواف.
قال الظاهرية: ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا فى أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضى الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك فى التيمم فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان. واضطربوا فى الرأى فلم يوجب أبو حنيفة ولا الشافعى فيه الاستيعاب، فمن أين وقع لهم تخصيص المسح بالاستيعاب بلا حجة (٢)؟ !
الترجيح والاختيار:
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح ما ذهب إليه الجمهور، وذلك لأن الآية وإن كانت عامة وورد لفظ المسح فيها مقترنًا بالباء -إلا أن الجمهور قد خصصها وفسر الباء على أنها زائدة للتأكيد، وذلك بخلاف تفسيرها فى آية الوضوء الذى احتج به الفريق المخالف للجمهور، فإن الخلاف قد حصل فيها، وإذا اتفق جمهور الفقهاء والمفسرين على أن الباء فى آية التيمم ليست للتبعيض فبقى أن تكون زائدة، وإذا كانت زائدة كان مقتضى نص الآية هو مسح ما أمر اللَّه به، ولا يتحقق ذلك -أى تمام المسح- إلا بفعل المأمور به، وهو هنا أعضاء التيمم. ولما كان ذلك محدودًا بالوجه واليدين فيجب المصير إليه.
стр. 283
ثم إن فعل النبى ﷺ فى صفة التيمم دليل على ذلك، وكذا ما نقل عن فعل الصحابة، فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال بعدم التعميم أو أفتى به، أو فعله، وما دمنا ملتزمين بوجوب العمل بمقتضى الدليل عند صحته فيجب المصير إليه. ولا يخالف فى ذلك إلا عند عدم الدليل أو التعارض، وحيث إنه قد وجد الدليل ولم يوجد نص معارض فيجب العمل بما قاله الجمهور، وهو وجوب الاستيعاب.
أما الرد على شبه المخالفين: فإننا نرد على الظاهرية قولهم بالقياس لأنهم لا يؤمنون به؛ لأن القياس كله عندهم باطل. أما ادعاؤهم الإجماع على ما ذهبوا إليه، فيرد هذه الشبهة عليهم بما سبق أن أثبتناه من خلاف الجمهور.
على أنهم قد نقضوا مذهبهم حينما اعترضوا على الجمهور بمسح الخف والرأس والعمامة والحجر، وقالوا: فكذلك يكون الأمر فى التيمم. وهو عين القياس ومع أنهم لا يعملون به. ومع ذلك فإننى أقول بأنه لا يصح الاعتراض بذلك أصلًا، لأن لكل فعل دليلًا خاصًا به لا يقاس على غيره إلا عند انعدام هذا الدليل الخاص، أما والأمر هنا بخلاف ذلك لأن الدليل الخاص قد وجد هنا وهو الآية وفعل النبى ﷺ الذى فعله للتشريع، ولم ينقل عنه أنه فعله على التبعيض، وإذا كان المسح فى اللغة لا يقتضى الاستيعاب كما يدعى فإن المسح الشرعى قد خصص هذا المعنى اللغوى.
أما الرد على ما أثاره الشيعة الإمامية من أنه "لابد من فائدة لذكر الباء، وإلا كان ذكرها عبثًا، ولا فائدة بعد ارتفاع التعبدية به إلا التبعيض. فتقرر بأن الجمهور قد ذكر أن الإتيان بها لفائدة التأكيد. فلا شبهة لهم.
وأما الرد على ما أثاروه أيضًا من أن "الأمر فى التيمم يختلف عن الوضوء؛ لأن التيمم طهارة تخفيف، ولذلك كان الوضوء فى أربعة والتيمم فى عضوين".
فإننا نرد على هذا بأن مقتضى الاستيعاب لا يدل مطلقًا على التشديد، ولا يعدو الأمر أن يكون ضربة باليدين ومرورهما على الوجه واليدين فيتحقق الاستيعاب.
стр. 284
فأى تشديد فى ذلك، وخاصة على ما أوضحناه من القول بجواز الاقتصار على الكفين فى اليدين وبضربة واحدة.
ثم إن الأمر ليس المقصود منه تعميم الأعضاء بالتراب حتى يثار ذلك الكلام، وإنما المقصود فى نظرى -واللَّه أعلم- إنما هو التعبد، وقد لا تحمل الآلة من الغبار إلا القليل الذى لا تراه العين، فأي ضرر من الاستيعاب فى هذه الحالة، وأليس ذلك هو عين التخفيف والرحمة؟
* * *
стр. 285
المبحث السادس فى بيع آلات اللهو والغناء. . وموقف التشريع الإسلامى منه
منهج البحث:
١ - مذاهب العلماء فى هذا الموضوع إجمالًا.
٢ - الأدلة.
٣ - توجيه الأدلة.
٤ - الترجيح والاختيار.
* * *