← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147671

مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق

الإسنوي

Полный текст (660 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الأدلة: ١ - استدل الفريق الأول وهو الجمهور. بآية التيمم وبالأحاديث السابقة فى أعضاء التيمم، وبالقياس على الوضوء. ٢ - واستدل الفريق الثانى بظاهر آية التيمم. توجيه الأدلة: وقد وجه الجمهور أدلتهم: بأن الآية أمرت بالمسح، والمسح وإن كان يطلق على القليل والكثير إلا أن جميع الأحاديث التى وردت فى فعل النبى ﷺ مبينة لها. وفعل النبى ﷺ إنما دل على الاستيعاب. وكذلك لمّا كان الاستيعاب فى أعضاء الوضوء واجبًا كان الأمر ههنا كذلك (١). ٢ - وقد وجه الفريق الثانى أدلته بقوله: إن نص آية التيمم يدل على الأمر بفعل المسح، والمسح عام يشمل القليل والكثير، والمسح فى اللغة لا يقتضى الاستيعاب، فوجب الوقوف عند ذلك. أما القياس على الوضوء فلا يصح من المخالف لنا، لأن حكم الرجلين عندنا وعندهم فى الوضوء الغسل، فلما عوض منه المسح على الخفين سقط الاستيعاب عندهم، فيلزمهم القول بذلك فى التيمم، لأن الغسل فى الوضوء عوض عنه المسح فى التيمم. ولم يأت بالاستيعاب فى التيمم قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس (٢). والذى يدل على ذلك قول اللَّه -تعالى-: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ودخول الباء إذا لم يكن لتعدية الفعل إلى المفعول به، فلا بد له من فائدة وإلا كان عبثًا. ولا فائدة بعد ارتفاع التعدية به إلا التبعيض، وأيضًا فإن التيمم طهارة

стр. 282

موضعها التخفيف، ولا يجوز استيعاب الأعضاء فيها كاستيعابها فى طهارة الماء، فلهذا كانت هنا فى عضوين، وكانت الطهارة فى الوضوء فى أربعة (١). ثم إن لفظة المسح لم تأت فى الشريعة إلا فى أربعة مواضع: (١) مسح الرأس. (٢) ومسح الوجه واليدين فى التيمم. (٣) والمسح على الخفين والعمامة والخمار. (٤) ومسح الحجر الأسود فى الطواف. قال الظاهرية: ولم يختلف أحد من خصومنا المخالفين لنا فى أن مسح الخفين ومسح الحجر الأسود لا يقتضى الاستيعاب، وكذلك من قال منهم بالمسح على العمامة والخمار، ثم نقضوا ذلك فى التيمم فأوجبوا فيه الاستيعاب تحكمًا بلا برهان. واضطربوا فى الرأى فلم يوجب أبو حنيفة ولا الشافعى فيه الاستيعاب، فمن أين وقع لهم تخصيص المسح بالاستيعاب بلا حجة (٢)؟ ! الترجيح والاختيار: وفى مجال الترجيح فإننى أرجح ما ذهب إليه الجمهور، وذلك لأن الآية وإن كانت عامة وورد لفظ المسح فيها مقترنًا بالباء -إلا أن الجمهور قد خصصها وفسر الباء على أنها زائدة للتأكيد، وذلك بخلاف تفسيرها فى آية الوضوء الذى احتج به الفريق المخالف للجمهور، فإن الخلاف قد حصل فيها، وإذا اتفق جمهور الفقهاء والمفسرين على أن الباء فى آية التيمم ليست للتبعيض فبقى أن تكون زائدة، وإذا كانت زائدة كان مقتضى نص الآية هو مسح ما أمر اللَّه به، ولا يتحقق ذلك -أى تمام المسح- إلا بفعل المأمور به، وهو هنا أعضاء التيمم. ولما كان ذلك محدودًا بالوجه واليدين فيجب المصير إليه.

стр. 283

ثم إن فعل النبى ﷺ فى صفة التيمم دليل على ذلك، وكذا ما نقل عن فعل الصحابة، فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال بعدم التعميم أو أفتى به، أو فعله، وما دمنا ملتزمين بوجوب العمل بمقتضى الدليل عند صحته فيجب المصير إليه. ولا يخالف فى ذلك إلا عند عدم الدليل أو التعارض، وحيث إنه قد وجد الدليل ولم يوجد نص معارض فيجب العمل بما قاله الجمهور، وهو وجوب الاستيعاب. أما الرد على شبه المخالفين: فإننا نرد على الظاهرية قولهم بالقياس لأنهم لا يؤمنون به؛ لأن القياس كله عندهم باطل. أما ادعاؤهم الإجماع على ما ذهبوا إليه، فيرد هذه الشبهة عليهم بما سبق أن أثبتناه من خلاف الجمهور. على أنهم قد نقضوا مذهبهم حينما اعترضوا على الجمهور بمسح الخف والرأس والعمامة والحجر، وقالوا: فكذلك يكون الأمر فى التيمم. وهو عين القياس ومع أنهم لا يعملون به. ومع ذلك فإننى أقول بأنه لا يصح الاعتراض بذلك أصلًا، لأن لكل فعل دليلًا خاصًا به لا يقاس على غيره إلا عند انعدام هذا الدليل الخاص، أما والأمر هنا بخلاف ذلك لأن الدليل الخاص قد وجد هنا وهو الآية وفعل النبى ﷺ الذى فعله للتشريع، ولم ينقل عنه أنه فعله على التبعيض، وإذا كان المسح فى اللغة لا يقتضى الاستيعاب كما يدعى فإن المسح الشرعى قد خصص هذا المعنى اللغوى. أما الرد على ما أثاره الشيعة الإمامية من أنه "لابد من فائدة لذكر الباء، وإلا كان ذكرها عبثًا، ولا فائدة بعد ارتفاع التعبدية به إلا التبعيض. فتقرر بأن الجمهور قد ذكر أن الإتيان بها لفائدة التأكيد. فلا شبهة لهم. وأما الرد على ما أثاروه أيضًا من أن "الأمر فى التيمم يختلف عن الوضوء؛ لأن التيمم طهارة تخفيف، ولذلك كان الوضوء فى أربعة والتيمم فى عضوين". فإننا نرد على هذا بأن مقتضى الاستيعاب لا يدل مطلقًا على التشديد، ولا يعدو الأمر أن يكون ضربة باليدين ومرورهما على الوجه واليدين فيتحقق الاستيعاب.

стр. 284

فأى تشديد فى ذلك، وخاصة على ما أوضحناه من القول بجواز الاقتصار على الكفين فى اليدين وبضربة واحدة. ثم إن الأمر ليس المقصود منه تعميم الأعضاء بالتراب حتى يثار ذلك الكلام، وإنما المقصود فى نظرى -واللَّه أعلم- إنما هو التعبد، وقد لا تحمل الآلة من الغبار إلا القليل الذى لا تراه العين، فأي ضرر من الاستيعاب فى هذه الحالة، وأليس ذلك هو عين التخفيف والرحمة؟ * * *

стр. 285

المبحث السادس فى بيع آلات اللهو والغناء. . وموقف التشريع الإسلامى منه منهج البحث: ١ - مذاهب العلماء فى هذا الموضوع إجمالًا. ٢ - الأدلة. ٣ - توجيه الأدلة. ٤ - الترجيح والاختيار. * * *

стр. 286

مذاهب العلماء فى بيع آلات اللهو والغناء: اتفق العلماء على أن بيع النرد لا يصح ولا ينعقد لصحة الدليل الذى يحرم هذا النوع من البيع، ففى حديث أبى موسى الأشعرى عن النبى ﷺ : "من لعب بالنرد فقد عصى اللَّه ورسوله" (١). وفى حديث ابن بريدة عن النبى ﷺ : "من لعب بالنرد شير فكأنما غمس يده فى لحم الخنزير ودمه" (٢). وفى أثر ابن عمر الذى رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا أخذ أحدًا من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها (٣). وإذا ثبتت صحة هذه الأدلة، وجب العمل بمقتضاها، وهو التحريم. وإذا ثبت التحريم - ثبت فساد البيع المخالف لها (٤). ولكنهم اختلفوا فيما وراء ذلك من آلات اللهو والغناء على ثلاثة أقوال:

стр. 287

١ - الأول: لا يجوز بيع آلات اللهو والغناء من أى نوع من الأنواع ولا فى أى حالة من الحالات، فإذا وقع كان باطلًا ولا يضمن متلفها، أو غاصبها. وإلى ذلك ذهب المالكية والشافعية والحنابلة والصاحبان (أبو يوسف ومحمد)، والزيدية. ٢ - الثانى: يجوز بيع هذه الآلات ويصح العقد عليها فى جميع الأحوال بشرط أن تكون طاهرة العين، ومتقومة، وتتوافر لها شروط صحة البيع، فيجوز بيع الشطرنج، والمزامير، والعيدان، والمعازف والطنابير، وما شابه ذلك. وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة، والظاهرية، والماوردى من الشافعية (١). ٣ - الثالث: إن كانت الآلة من جوهر نفيس يصح البيع، وإلا فلا. وإلى ذلك ذهب: إمام الحرمين، والغزالى من الشافعية (٢). الأدلة: أولًا: الفريق الأول: استدل أصحاب القول الأول على ما ذهبوا إليه بالسنة والآثار: أولًا: من السنة: ١ - بما روى من طريق أبى داود الطيالسى عن عقبة بن عامر الجهنى، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كل شئ يلهو به الرجل فباطل، إلا رمى الرجل بقوسه، أو تأديبه فرسه، أو ملاعبته امرأته، فإنهن من الحق" (٣). ٢ - وبما روى من طريق ابن أبى شيبة عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس لهو المؤمن إلا ثلاث. . " وذكر الحديث السابق (٤). ٣ - وبما روى من طريق أحمد بن شعيب، عن الزهرى عن عطاء بن أبى رباح:

стр. 288

رأيت جابر بن عبد اللَّه، وجابر بن عبيد الأنصاريين يرميان، فقال أحدهما للآخر: "أما سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: كل شئ ليس من ذكر اللَّه فهو لعب، لا يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشى الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة (١). ٤ - وبما روى من طريق أحمد بن شعيب، عن عطاء بن أبى رباح، قال: رأيت جابر ابن عبد اللَّه وجابر بن عبيد، ثم ذكر الحديث السابق، وفيه: "كل شئ ليس من ذكر اللَّه فهو لغو ولهو" (٢). ٥ - وبما روى من طريق العباس بن محمد الأوزاعى، عن عائشة -رضى اللَّه عنها- عن النبى ﷺ قال: "إن اللَّه حرم المغنية وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها" (٣). ٦ - وبما روى عن على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا عملت أمتى خمس عشرة خصلة حل بها البلاء. . فذكر منهن: واتخذوا القينات، والمعازف. فليتوقعوا عند ذلك ريحًا حمراء ومسخًا، وخسفًا" (٤). ٧ - وبما روى من طريق قاسم بن أصبع، عن كيسان مولى معاوية عن معاوية، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن تسع وأنهاكم عنهن الآن، وذكر منهن الغناء والنوح" (٥). ٨ - وبما روى من طريق أبى داود. عن أبى وائل سمعت ابن مسعود يقول: "إن الغناء ينبت النفاق فى القلب" (٦).

стр. 289

٩ - وبما روى من طريق محمد بن أحمد بن الجهم، عن أبى مالك الأشعرى، أنه سمع النبى ﷺ يقول: "يشرب ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات يخسف بهم الأرض" (١). ١٠ - وبما روى من طريق أبى داود الطيالسى، عن أنس بن مالك، قال رسول اللَّه ﷺ : "من جلس إلى قينة فسمع منها، صبّ اللَّه فى أذنيه الآنك (٢) يوم القيامة" (٣). ١١ - وبما روى من طريق بن شعبان عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه" (٤). ١٢ - وبما روى عن أبى أمامة من الطرق الآتية: أولًا: من طريق سعيد بن منصور، قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وثمنهن حرام، وقد نزل تصديق ذلك فى كتاب اللَّه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٥). الآية، والذى نفسى بيده ما رفع رجل قط عقيرة صوته بغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربانه على صدره وظهره حتى يسكت" (٦). ثانيًا: ومن طريق حبيب بن عبد الملك الأندلسى قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحل تعليم المغنيات ولا شراؤهن ولا بيعهن، ولا اتخاذهن، وثمنهن حرام. وقد أنزل اللَّه ذلك فى كتابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والذى نفسى بيده ما رفع رجل عقيرته

стр. 290

بالغناء إلا ارتدفه شيطانان يضربانه بأرجلهما على صدره وظهره حتى يسكت" (١). ثالثًا: ومن طريق عبد الملك بن حبيب أيضًا أن النبى ﷺ قال: "إن اللَّه حرم تعليم المغنيات. وشراؤهن وبيعهن، وأكل أثمانهن حرام" (٢). رابعًا: ومن طريق سعيد بن منصور، قال رسول اللَّه ﷺ : "تبيت طائفة من أمتى على لهو ولعب وأكل وشرب فيصبحوا قردة وخنازير، يكون منها خسف وقذف. ويبعث على حى من أحيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم، باستحلالهم الحرام ولبسهم الحرير وضربهم الدفوف واتخاذهم القيان" (٣). خامسًا: من طريق سعيد بن منصور أيضًا: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه بعثنى رحمة للعالمين، وأمرنى بمحو المعازف والمزامير، والأوثان والصلب، لا يحل بيعهن ولا شراؤهن ولا تعليمهن، ولا التجارة بهن، وثمنهن حرام" (٤). ١٣ - وبما روى من طريق ابن حبيب، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: قال رجل: يا رسول اللَّه! لى إبل أفأحدو فيها؟ قال: نعم. قال. أفأغنى فيها؟ قال: اعلم أن المغنى أذناه بيد شيطان يرغمه حتى يسكت (٥). ١٤ - وبما روى من طريق سعيد بن منصور، عن أبى هريرة: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يمسخ قوم من أمتى فى آخر الزمان قردة وخنازير. قالوا: يا رسول اللَّه! يشهدون أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه؟ قال: نعم، ويصلون ويصومون ويحجون. قالوا: فما بالهم يا رسول اللَّه؟ قال: اتخذوا المعازف والقينات والدفوف، ويشربون هذه الأشربة، فباتوا على قولهم وشرابهم، فأصبحوا قردة وخنازير" (٦).

стр. 291

١٥ - وبما روى من طريق البخارى عن أبى عامر أو أبى مالك الأشعرى، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليكون من أمتى قوم يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف" (١). هذا ما ورد من طريق السنة للمذهب الأول. ثانيًا: من الآثار: فقد استدل أصحاب المذهب الأول منها بالآتى (٢): ١ - بما روى عن ابن مسعود فى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. . الآية (٣). فقال: الغناء والذى لا إله غيره. وهذا من طريق ابن أبى شيبة. وفي رواية أخرى قال: الغناء ونحوه. ٢ - وبما روى من طريق وكيع عن ابن عباس فى هذه الآية قال: الغناء وشراء المغنية. ٣ - وبما روى من طريق سعيد بن منصور عن ابن عباس قال: الغناء حرام والمعازف حرام، والمزمار حرام، والكوبة حرام (٤). ٤ - ومن الطريق السابق عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم، قال: الغناء ينبت النفاق فى القلب.

стр. 292

٥ - ومن هذا الطريق عن إبراهيم أيضًا قال: كان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يحرقون الدفوف. ٦ - وبما روى من طريق ابن أبى شيبة، عن مجاهد فى قول اللَّه -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. . قال: الغناء. وهو أيضًا قول حبيب بن أبى ثابت. ٧ - ومن الطريق السابق عن عكرمة فى هذه الآية، قال: "الغناء". الفريق الثانى: واستدل أصحاب الرأى بالكتاب والسنة والآثار. أ- أما الكتاب منه: قول اللَّه -تعالى-: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) وقوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣). ب- أما السنة فمنها: ١ - ما روى من طريق مسلم بن الحجاج، عن عائشة قالت: "جاء حبش يغنون فى يوم عيد فى المسجد، فدعانى النبى ﷺ حتى وضعت رأسى على منكبه، فجعلت أنظر إليهم حتى كنت أنا التى انصرفت عن النظر" (٤). وفي رواية أخرى قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ وعندى جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضجع على الفراش، وحول وجهه، فدخل أبو بكر، فانتهرنى، وقال لى: أمزمار الشيطان عند رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : دعهما" (٥).

стр. 293

وفي رواية أخرى عنها من طريق مسلم: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتضربان ورسول اللَّه ﷺ مسجى فى ثوبه؛ فانتهرهما أبو بكر، فكشف رسول اللَّه ﷺ وجهه وقال: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد" (١). ٢ - وبما روى من طريق أبى داود، عن نافع مولى ابن عمر، قال: سمع ابن عمر مزمارا، فوضع أصبعه فى أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال لى: يا نافع هل تسمع شيئًا؟ قلت: لا، فرفع أصبعه من أذنيه وقال: كنت مع النبى ﷺ وسمع مثل هذا، ووضع مثل هذا (٢). ٣ - وبما روى عن طريق سفيان الثورى عن أبى إسحاق السبيعى، عن عامر بن محمد البجلى أنه رأى أبا مسعود البدرى؟ وقرزة بن كعب، وثابت بن زيد، وهو فى عرس وعندهم غناء، فقال لهم: هذا وأنتم أصحاب محمد ﷺ ؟ فقالوا: إنه رخص لنا فى الغناء فى العرس، والبكاء على الميت من غير نوح" (٣). جـ - الآثار: وقد استدل الفريق الثانى لمذهبه من الآثار بما يأتى: ١ - بما روى من طريق حماد بن زيد وغيره عن محمد بن سيرين أن رجلًا قدم المدينة بجوار، فأتى إلى عبد اللَّه بن جعفر، فعرضهن عليه، فأمر جارية منهم فأحدت، قال: أيضرب بالدف -وقال هشام: بالعود- حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك، فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان، فساومه ثم جاء إلى ابن عمر فقال: إنه غبن بسبعمائة درهم، فإمّا أن تعطيها إياه، وإما أن ترد عليه بيعه. فقال: نعطيها إياه (٤).

стр. 294

٢ - وبما روى من طريق وكيع، عن ميسرة، قال: مر علىّ بن أبى طالب على قوم يلعبون الشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون (١). ٣ - وبما روى من طريق يحيى بن سعيد القطان عن إبراهيم النخعى أن أصحاب ابن مسعود كانوا يستقبلون الجوارى فى المدينة معهن الدفوف فيشققونها (٢). ٤ - وبما نقل عن سعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين أنهما كانا يحسنان اللعب بالشطرنج (٣). ٥ - وبما نقل عن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يغنى بالعود (٤). أدلة القول الثالث: أما صاحب القول الثالث، فقد استدل لما ذهب إليه بالقياس على جواز بيع إناء الذهب والفضة.

стр. 295

توجيه الأدلة أولًا: الفريق الأول: وقد وجه الفريق الأول أدلته على النحو التالى: ١ - قالوا فى الأحاديث التى استدلوا بها: إن جميع هذه الأحاديث إنما تدل على حرمة البيع، إمّا بالنص أو بالقياس، وجميعها قد ورد فيها النهى عن اللهو والغناء بها إلا ما استثنى فى بعضها، وإذا نهى عن ذلك فيكون النهى عن آلته أولى. ٢ - أما وجه الدلالة من الآثار: فقد قالوا: بأنها كلها تدل على الحرمة صراحة، لأن الآية بينت حكم شراء آلة اللهو وأنه حرام وقد فسر الآية من هم أعرف الناس بها، وهم فسروا الهوى بالغناء ونحوه، كالعازف والمزمار والكوبة. وبذلك يكون حرامًا بنص الآية ومنهى عنه بالنص، فلا ينعقد فيه العقد. لأنها آلات للتلهى بها موضوعة للفسق والفساد، فلا تكون أموالًا؛ فلا يجوز بيعها (١). ثانيًا: الفريق الثانى: وقد وجه الفريق الثانى أدلته على النحو التالى: ١ - أن الآيات التى ذكرها تدل على جواز البيع، فإنه لم يأت نص بتحريم شئ من ذلك، بل رأى أبو حنيفة الضمان على من كسر شيئًا من ذلك (٢). ٢ - أما الأحاديث ففيها إقرار النبى ﷺ الغناء، فإنه أجازه لعائشة وأقرها عليه،

стр. 296

ولم ينكر عليها ذلك، بل أنكر على أبى بكر انتهاره عائشة بقوله لها: أمزمار الشيطان عند رسول اللَّه ﷺ ؟ بل صرح له الرسول ﷺ بقوله: "دعهما" وفى هذا تصريح بالإباحة. وكل ما هو مباح يصح بيعه (١). ٣ - أما الآثار ففيها دليل على الإباحة أيضًا: ففى أثر ابن عمر لو كان المزمار حرامًا سماعه لما أباحه ﵇ لابن عمر ولأمره ﷺ بكسره، وفى السكوت عنه دلالة على الجواز إذا وقع، وإنما تجنبه ﷺ كبقية أكثر المباح من أكثر أمور الدنيا كتجنبه الأكل متكئًا، وأن يبيت وعنده دينار أو درهم، وغير ذلك كثير (٢). أما الأثر المروى من طريق سفيان، ففيه تصريح بالإباحة فإن فيه أنه رخص فى الغناء فى العرس، ويقاس عليه غيره. وأما الأثر المروى من طريق حماد، ففيه أن ابن عمر قد سمع الغناء وسعى فى بيع المغنية وهو دليل الجواز. وأما أثر وكيع: فإن فيه الإنكار على التماثيل فقط، وهذا هو الصحيح عن علس -رضى اللَّه عنه- وما ورد غير ذلك فهو غير صحيح وكذوب. وأما الآثر المروى من طريق يحيى بن سعيد القطان عن ابن مسعود أن أصحابه كانوا يستقبلون الجوارى وهن يغنين ويضربن بالدفوف" ففيه دلالة على المطلوب، فإن قيل: الدف مجمع عليه، قلنا: هذا تحكم لا نوافق عليه (٣). فإذا كان كبار التابعين قد ثبت عنهم أنهم استعملوا مثل هذه الآلات كما روى فى الأثرين الأخيرين عن ابن سيرين وابن عوف، ففى أثر ابن سيرين أنه كان يحسن اللعب بالشطرنج، وفى أثر ابن عوف أنه كان يغنى بالعود، فإذا ثبت هذا ثبت إباحة استعمال هذه الآلات، وإباحة الإستعمال دلالة على جواز بيع مثل هذه الآلات (٤). أما ما استدل به الفريق المخالف لمذهبنا فجميع ما استدل به لا حجة له فيه؛ لأن

стр. 297

الأحاديث التى اعتمد عليها كلها ضعيفة، ولا يصح الاحتجاج بها، بل ما صح منها فهو حجة عليه (١). ففى الحديث الأول من أدلتهم: عبد اللَّه بن زيد بن الأزرق، وهو مجهول. وفى الثانى خالد بن زيد الجهنى، وهو مجهول، وأمّا الثالث فهو حديث مغشوش مدلس، لأن الزهرى المذكور فيه ليس هو ابن شهاب، لكنه رجل زهرى مجهول اسمه عبد الرحيم. وكذا بقية الأحاديث فى تحريم البيع، لا يصح الاحتجاج بها؛ لأن فيها ضعفًا (٢). وأما الآثار التى استدلوا بها فلا يصح الاحتجاج بها أيضًا لوجود المعارض لها من فعل الصحابة والتابعين. ثم إن نص الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وهذه صفة من اتصف بها كان كافرًا بلا خلاف، إذا اتخذ سبيل اللَّه -تعالى- هزوًا، فهذا هو الذى ذمه اللَّه تعالى، وما ذم قط من اشترى لهو الحديث ليتلهى به ويروح عن نفسه ولا يضل عن سبيل اللَّه، تعالى. فبطل تعلقهم بقول كل من ذكرنا. وكذلك من اشتغل عامدًا عن الصلاة بقراءة القرآن أو بقراءة السنن أو بحديث يتحدث به، أو ينظر فى حاله، أو بغناء، أو بغير ذلك فهو فاسق عاص للَّه، تعالى. ومن لم يضيع فرضًا أو شيئا منه اشتغالًا بما ذكر فهو محسن (٣). ثالثًا: الفريق الثالث: وقد وجه صاحب القول الثالث أدلته لمذهبه على النحو التالى:

стр. 298

إنه لما كان إناء الذهب يصح بيعه قطعًا مع ما فيه من النص على حرمة استعماله للمرء - وذلك بالنظر إلى المنفعة المقصودة منه بتصنيعه حليًا، أو نقودًا أو ما شابه ذلك، أو بالنظر إلى أنه يمكن الإستغناء عنه بدون استعمال فلا تحصل الحرمة فكذلك إذا كانت الآلة من الجوهر النفيس كان الإنتفاع بها ممكنًا بعد كسرها؛ لأن الجوهر النفيس لا تقل قيمته كثيرًا برضه، بخلاف غير الجوهر النفيس، فإنه تقل قيمته عند الرض وقد يتلف (١). ٤ - الترجيح والاختيار: بعد أن استعرضنا موقف العلماء وأدلتهم فى هذا الموضوع، بقى علينا أن نبين المذهب الراجح، والذى يمكن أن يؤخذ به ويعتمد عليه فى الإفتاء والقضاء. وحتى يكون الترجيح والاختيار على أساس علمى، فيحسن بنا أن نبين موقف العلماء من سماع الغناء وآلاته؛ لأن هذا هو المعول عليه فى الأدلة السابقة، فإننا قد لاحظنا أن الأدلة التى اعتمد عليها كل فريق لتعضيد مذهبه إنما تعتمد فى عمومها أو فى أغلب أحوالها على إباحة الغناء وسماعه، أو عدم إباحته، فنقول: لقد تكلم العلماء فى الغناء من جهة التحريم والإباحة، واختلفت أقوالهم، وتباعدت مذاهبهم، وتباينت استدلالاتهم. فمنهم من رأى كراهته وأنكر استماعه وحرمه. ومنهم من رأى خلاف ذلك مطلقًا، فأباحه وصمم على إباحته، ومنهم من فرّق بين أن يكون الغناء مجردًا أو أضيف إليه آلة كالعود والطنبور وغيرها من الآلات ذوات الأوتار، والدفوف والمعازف والقضيب، فأباحه على انفراد، وكرهه إذا انضاف إلى غيره، وحرم سماع الآلات مطلقًا (٢).

стр. 299

وأما مذاهب الأئمة الأربعة فإنا نلخصها مما ذكره الإمام القرطبى فى تفسيره (١)، والغزالى فى "الإحياء" نقلًا عن أبى الطيب الطبرى فنقول: ١ - وأما مالك بن أنس: فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، فإذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعيد، فإنه كان لا يرى به بأسًا. وقال ابن خوير منداد: فأمّا مالك فيقال عنه إنه كان عالمًا بالصناعة، وكان مذهبه تحريمها، روى عنه أنه قال: تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب، فقالت لى أمى: أى بنى إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك، فاطلب العلوم الدينية، فصحبت ربيعة، فجعل اللَّه ذلك خيرًا (٢). ٢ - وأما الشافعى: فالغناء عنده مكروه يشبه الباطل، فقد روى عنه أنه قال: "الغناء مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد به شهادته" (٣). ٣ - وأما مذهب أحمد بن حنبل، فقد ذكرت عنه ثلاث روايات (٤). ٤ - وأما مذهب أبى حنيفة فإنه كان يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ غير المسكر، ويجعل سماع الغناء من الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة، ولا يعرف بين أهل البصرة خلاف فى كراهية ذلك، إلا ما روى عن عبد اللَّه بن الحسن العنبرى أنه كان لا يرى به بأسًا (٥). هذا هو موقف العلماء والفقهاء من سماع الغناء وآلاته. ولكن يلاحظ من تتبع الأدلة والآثار التى وردت فى هذا الموضوع أن الراجح هو إباحة الغناء وسماعه، بل وسماع آلاته، وأن المتقدمين كانوا أكثر الناس تسامحًا وأبعد عن التزمت فى سماع الغناء، وكذلك كان الصوفية. وقد صح أن بعض

стр. 300

الصحابة والتابعين سمعوا الغناء وحضروا مجالسه، بل صح أن رسول اللَّه ﷺ أباحه، والأحاديث الصحيحة فى ذلك كثيرة: منها: ما سبق ذكره عند استدلال الفريق الثانى لمذهبه بصحة بيع آلات اللهو المباح والغناء (١). ومنها: ما جاء عند ابن ماجه (٢)، عن عائشة، قالت: دخل على أبو بكر وعندى جاريتان من جوارى الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار فى يوم بعاث قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أمزمورة الشيطان فى بيت النبى ﷺ ؟ وذلك فى يوم عيد الفطر. فقال النبى ﷺ : إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا. ومنها: ما رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط عن عائشة (٣) أن النبى ﷺ مر بنساء الأنصار فى عرس لهن وهن يغنين: وأهداها لها كبشا ... يذبح فى الغد وروحك فى البارى ... وتعلم ما فى غد فقال ﷺ : ما يعلم ما فى غد إلا اللَّه. وهذا الحديث قد رواه الحاكم أيضًا بلفظه عن عائشة وصححه. ومنها ما ورد عند ابن ماجه عن الربيع بنت معوذ قالت: دخل على رسول اللَّه ﷺ صبيحة عرسى وعندى جاريتان تغنيان وتندبان آبائى الذين قتلوا يوم بدر، وتقولان ما تقولان: "وفينا نبى يعلم ما فى غد". فقال: أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما فى غد إلا اللَّه. ومنها: ما رواه البخارى وأبو داود كما عند ابن ماجه، إلا أن فيه: فقال: "دعى هذا وقولى بالتى كنت تقولين".

стр. 301

ومنها ما جاء عند النسائى (١) عن عامر بن سعد قال: "دخلت على قريظة بن كعب، وأبى مسعود الأنصارى فى عرس وإذا جوار يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول اللَّه ﷺ ومن أهل بدر يفعل هذا عندكم؟ فقالا: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت اذهب، فقد رُخِّص لنا فى اللهو عند العرس. وأما الأحاديث التى تدل على إباحة اللهو مطلقا فمنها: ما ورد عند البخارى (٢) عن عائشة -رضى اللَّه عنها- قالت: "زُفَّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال لى رسول اللَّه ﷺ : "يا عائشة أما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو". ومنها ما جاء عند البخارى (٣) أيضًا من رواية جابر -رضى اللَّه عنه- قال: نكح بعص الأنصار بعض أهل عائشة، فأهدتها إلى قباء، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : أهديت عروسك؟ فقالت: نعم، قال: فأرسلت معها بغناء، فإن الأنصار يحبونه؟ قالت: لا. قال: فأدركيها يا زينب - امرأة كانت تغنى بالمدينة" (٤). وقد صح أن بعض الصحابة والتابعين سمعوا الغناء وحضروا مجالسه فقد نقل أبو طالب المكى إباحة السماع عن جماعة من الصحابة، فقال: سمع من الصحابة عبد اللَّه بن جعفر، وعبد اللَّه بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. وقال: قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح: صحابى، وتابعى بإحسان، وقال: لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع أفضل أيام السنة، وهى الأيام المعدودات التى أمر اللَّه عباده فيها بذكره كأيام التشريق، ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا، فأدركنا أبا مروان القاضى وله جوار يسمعن الناس اللحن. وكان لعطاء جاريتان تلحنان فكان أخواته يستمعون إليهما (٥).

стр. 302

وقال صاحب الأغانى: إن عطاء بن أبى رباح -وهو تلميذ ابن عباس- ختن ابنه، فدعا فى حفل ختانه القريض وابن سريع ليغنيا لنا فيه. القول فى استماع الأوتار وآلاته: وأما القول فى استماع القضيب، ويقال النقير كما يقال له الطقطقة أيضًا، فلا فرق بينه وبين الأوتار فى إباحتها إذ لم نجد فى إباحته وتحريمه أثرًا صحيحًا ولا سقيمًا، وإنما استباح المتقدمون استماعه؛ لأنه لم يرد الشرع بتحريمه، فكان أصله الإباحة. وأما الأوتار فالقول فيه كالقول فى القضيب لم يرد دليل صحيح بتحريمها، وكل ما أوردوه فى التحريم فغير ثابت عن الرسول ﷺ ولأجل هذا صار الحل مذهبًا لأهل المدينة لا خلاف بينهم فى إباحة استماعه (١). وكذلك أهل الظاهر، فبنوا الأمر فيه على مسألة الحظر والإباحية. وآخر من كان يستبيح استماعه من الأئمة المحتذى بهم: أبو إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الفيروزآبادى المعروف بالشيرازى (٢) ببغداد، والسبب أنه كان فى بدء أمره على مذهب أهل الظاهر ثم انتقل إلى مذهب الشافعى، وكان فى زهده وتقشفه بالمحل الذى لا يخفى إلا على جاهل لا يعتد به (٣). وكان فى عصره ببغداد وغيرها جماعة من الأئمة من سائر الفرق يعرفون هذا من مذهبه وسيرته، ولم يظهر واحد منهم أنه أنكر الفعل؛ لأنه لم يستعمل ذلك إلا من وثيقة، إذ لا يحتمل مثله أن يكون فعله طربًا ولهوًا ولعبًا محرمًا؛ لأن هذا لا يليق بسيرته وطريقته (٤). وقد صح أن سماع الأوتار مذهب أهل المدينة، وقد روى عن إبراهيم بن سعد الزهرى (٥) أنه قدم العراق سنة أربع وثمانين ومائة (١٨٤ هـ) فأكرمه الرشيد وأظهر

стр. 303

بره، وسئل عن الغناء فأقر بتحليله (١). وقد اجتمع الأئمة على توثيق إبراهيم بن سعد، وعدالته، والرواية عنه، واتفق البخارى ومسلم على إخراج حديثه فى الصحيحين، ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم (٢). فكيف تسقط عدالة المستمع؟ بل قلد القضاء ببغداد على جلالته، وقلد أبوه القضاء بالمدينة على شرفها، وقد علم من مذهبهما إباحة استماع الأوتار، وهؤلاء الذين رووا عنه -وهم أهل الحل والعقد فى الآفاق- إنما سمعوا عنه، وروا عنه بعد استماعهم غناءه وعلمهم بأنه يبيحه، وفيهم الإمام أحمد بن حنبل، ولا شك أنه سمع غناءه ثم سمع الحديث (٣). وهذا أمر لم يرد فى تحليله ولا فى تحريمه عن رسول اللَّه ﷺ نص يرجع إلى رسول اللَّه ويُعوّل عليه، فكان حكمه الإباحة لما سبق، وإنما تركه من تركه من المتقدمين تورعًا كما تركوا لبس اللين، وأكل الطيب، وشرب البارد، والاستمتاع بالنساء الحسان. ومعلوم أن هذا كله حلال لفاعله، وقد ترك رسول اللَّه ﷺ أكل الضب، وسئل عنه أحرام هو؟ فقال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومى؛ فعافته نفسى. وأخذ وأكل بين يديه ﷺ (٤). يقولى القيصرانى: ثم جاء قوم بعد هذا الصدر فغالوا القول فيه مخافة أن يشتغل الناس به عما هو أولى منه، ثم جاء قوم بعد هؤلاء فحرموه جهلًا وتقربًا إلى اللَّه -تعالى- بالزهد والصلاح، ولم يقفوا على حقيقة حكمه (٥). والراجح فى هذا الموضوع ما ذهب إليه أهل المدينة، فقد روى عن زيد بن ثابت -رضى اللَّه عنه- أنه قال: "إذا رأيت أهل المدينة اجتمعوا على شئ فاعلم أنه سنة".

стр. 304

ومثله قول الشافعى -رضى اللَّه عنه-: "ما وجدت عليه متقدمى أهل المدينة فلا يدخل قلبك شك أنه الحق" (١). المزامير وآلات الملاهى الأخرى: وأما القول فى المزامير والملاهى، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها، فمن ذلك: ما روى عن على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- قال: سمعت رسول ﷺ يقول: "ما هممت بشئ مما كان أهل المدينة يفعلونه غير مرتين، كل ذلك يحول بينى وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بعدها بشئ حتى أكرمنى اللَّه برسالته" (٢). وهذا الأمر وإن كان قبل النبوة والرسالة، ونزول الأحكام أو الفرق بين الحلال والحرام، فإن الشرع كما ورد وأمره اللَّه بالبلاغ والإنذار أقره اللَّه على ما كان عليه فى الجاهلية، ولم يحرّمه كما حرم ما عصمه اللَّه عنه مما همّ به فى كلتا الليلتين، وعصمه عن ذلك الأمر (٣). والذى يدل على أنه باق على الإباحة، قول اللَّه : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٤). وبيان ذلك ما روى عن جابر قال: كان رسول اللَّه ﷺ يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا. يخطب خطبتين. وكن الجوارى إذا أنكحوهن يمرون يضربون بالدف والمزامير فيتسلل الناس، ويدعون رسول اللَّه ﷺ قائمًا فعاتبهم اللَّه فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٥).

стр. 305

واللَّه عطف اللهو على التجارة، وللمعطوف حكم المعطوف عليه، وتحليل التجارة بالإجماع، فيثبت أن هذا الحكم مما أقره الشرع على ما كان عليه فى الجاهلية؛ لأنه غير محتمل أن يكون النبى ﷺ حرمه ثم يمر به على باب المسجد يوم الجمعة، ثم يعاتب اللَّه من ترك رسول ﷺ قائمًا، وخرج ينظر إليه ويستمع. ولم ينزل فى تحريمه آية ولا سنّ رسول اللَّه ﷺ شيئًا، فعلمنا بذلك بقاءه على حاله (١). ويؤيد ذلك ما روى من طريق البخارى، عن عائشة فى كتاب النكاح. أنها زَفَّت امرأة من الأنصار إلى رجل من الأنصار، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو" (٢). وما روى فى التلخيص على المستدرك للحاكم من حديث عبد اللَّه بن عميرة، قال: حدثني زوج درة (٣) بنت أبى لهب قال: دخل على رسول اللَّه ﷺ حين تزوجت درة، فقال: "وهل من لهو" (٤). وبذلك استدل القيصرانى على الإباحة فقال: فثبت بهذه الأحاديث الصحيحة ما قلناه وهو الإباحة، ومن صنف فى الرد على مستمعه إنما اعتمد على أن فلانًا كرهه، وأن فلانًا حرمه، أو باستدلال حديث لا أصل له، وليس لأحد إذا صح الحديث عن رسول اللَّه ﷺ أن يحل حرامًا، أو يحرم حلالًا. وقد ورد فى هذا الباب غير حديث يدل على الجواز. فإن قيل تروون عن النبى ﷺ أنه قال: لا تشهد الملائكة من لهوكم هذا إلا الرهان والنضال. فيجاب: بأن هذا الحديث فيه ضعف، والذى صح وأخرجه الحاكم: "ما من

стр. 306

شئ تحضره الملائكة من اللهو إلا ثلاثة: مداعبة الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنضال"، وهذا ما أجاب به صاحب كتاب السماع (١). وبناء على هذا فإننى أرجح مذهب الفريق الثانى، وهو المذهب القائل بجواز بيع آلات الغناء المباح، وذلك لقوة أدلته، ولأن ذلك هو الموافق لروح الشريعة الإسلامية، فإنه لا يلزم من شراء آلة اللهو أن تستعمل فيما حرمه اللَّه؛ لأن الحرمة ليست صادرة من ذات الآلة بل لمعنى خارجى عنها، وهو اللهو أو الغناء، وذلك على فرض الحرمة، فإذا لم يتحقق ذلك فهى مباحة فى نفسها (٢)، أما كون البيع مظنة لذلك فيمكن أن نقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" كما هو الحديث المتفق على صحته (٣). فمن نوى باستماع الغناء عونًا على معصية اللَّه -تعالى- فهو فاسق، وكذلك كل شئ غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليتقوى بذلك على طاعة اللَّه وتنشيط نافسه بذلك على تنفيذ أوامر اللَّه، فهو مطيع محسن وفعل هذا من الحق (٤). وقد كان لرسول اللَّه ﷺ حمار يتروح عليه. (٥) وعن ابن عباس -رضى اللَّه عنه- أنه كان يقول لأصحابه إذا دأبوا فى الدرس -أحمضو ا: ميلوا إلى الفكاهة- وهاتوا من أشعاركم، فإن النفس تمل كما تمل الأبدان". وفى صحف إبراهيم ﵇: "على العبد أن يكون له ثلاث ساعات:

стр. 307

ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه ولذاته فيما يحل ولا يحرم" (١). فإن فعل الإنسان ما فيه ترويح لنفسه فى الحدود المباحة له شرعًا ليس بمحظور عليه، وهو من الحق ما دام قاصدًا الصلاح. أما من لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزهًا، وقعوده على باب داره متفرجًا، وكذا سائر أفعاله المباحة. فالمباح فى نفسه فى بعض الأحيان قد يكون حرامًا، ومثال ذلك السير أو الجلوس فى الطريق العام، فمع أن السير أو الجلوس فى هذه الحالة مباح إلا أنه قد يكون حرامًا، وذلك إذا لم يعط الطريق حقها، كالنظر إلى ما حرمه اللَّه، وعدم غض البصر. وكذلك الأكل والشرب مما أحله اللَّه وهو مباح فى نفسه، أما إذا وصل إلى مرحلة يتأكد منها ضرر نفسه أصبح محرمًا عليه ذلك فى هذه الحالة. والحرام فى نفسه قد يحل فى بعض الأحيان، فمثلًا الخمر حرام فى نفسها، ومع ذلك فإنها تحل لمن غص بلقمة ولم يجد غيرها لإزالة غصته، فالخمر وإن كانت محرمة أصلًا إلا أنها أبيحت هنا لعارض الحاجة والضرورة. وما يكون لعارض فلا يلتفت إليه، فإن البيع حلال ولكنه يحرم بعارض الوقوع فى وقت النداء يوم الجمعة ونحوه من العوارض. وعلى ذلك فالشئ قد يكون حرامًا، وقد يكون حلالًا بحسب، ما يترتب عليه من أثر (٢). فالغناء وسماع آلاته لو خرج السماع فيها عن اللهو المحرم لم يحرم -والمراد باللهو المحرم ما يوجب الفجور والفسوق والفحشاء ونحو ذلك- لا مطلق الغفلة عن اللَّه -تعالى- لوجودها فى المباحات (٣).

стр. 308

فمن سمع هذه الأشياء من غير حضور شئ من المحرمات، وهو حافظ قلبه من الخواطر الرديئة، والشهوات المحرمة فلا يحرم عليه السماع المذكور ما دام كذلك، أما إذا عقل وعزم قلبه على شهواته المحرمة حرم عليه السماع حينئذ. فأمر السماع دائر على مقاصد القلب المحرمة والمحللة. فمتى مال القلب إلى الحرام مال السماع فى حقه هو فقط إلى الحرام، ولا يجوز له أن يحكم على غيره بما فيه. ومتى مال القلب عن الحرام إلى المباح مال فى حقه فقط لا فى حق سواه (١). وقد رجع الإمام الشافعى -رضى اللَّه عنه- عن قوله فى تحريم الغناء والسماع، وما روى عنه بالتحريم فقد رجع عنه بعد ذلك (٢). يقول الإمام الغزالى: "وأما الشافعى -رضى اللَّه عنه- فليس تحريم الغناء من مذهبه أصلًا. وقد نصر الشافعى وقال فى الرجل يتخذه صناعة: لا تجوز شهادته، وذلك لأنه من اللهو المكروه، الذى يشبه الباطل. ومن اتخذه صنعة كان منسوبًا إلى السفاهة، وسقوط المروءة، وإن لم يكن محرمًا بين التحريم، فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء ولا يؤتى لذلك، ولا يؤتى لأجله، وإنما يعرف بأنه قد يطرب فى الحال فيترنم بها -لم يسقط هذا مروءته، ولم يبطل شهادته، واستدل بحديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان فى بيت عائشة -رضى اللَّه عنها- (٣). وقال يونس بن عبد الأعلى: سألت الشافعى -رضى اللَّه عنه- عن إباحة أهل المدينة السماع، فقال الشافعى: لا أعلم أحدًا من علماء الحجاز كره السماع، إلا ما كان منه فى الأوصاف، فأما الحداء، وذكر الأطلال، والمراح، وتحسين الصوت بألحان الأشعار - فمباح" (٤). وحيث قال الشافعى إنه لهو مكروه يشبه الباطل صحيح، ولكن اللهو من حيث إنه لهو ليس بحرام، فلعب الحبشة ورقصهم لهو. وقد كان ﷺ ينظر إليه ولا يكرهه. بل اللهو واللغو لا يؤاخذ اللَّه -تعالى- به إن عنى به أنه فعل ما لا فائدة فيه،

стр. 309

فإن الإنسان لو وقف على نفسه من يضع يده على رأسه فى اليوم مائة مرة فهذا عبث لا فائدة له. ولكنه لا يحرم. وأما قول الشافعى: إنه يشبه الباطل. فهذا لا يدل على اعتقاد تحريمه، بل لو قال هو باطل صريحًا لما دل أيضًا على التحريم، وإنما يدل على خلوه عن الفائدة، فالباطل ما لا فائدة فيه (١). فقول الرجل لامرأته مثلا: بعت نفسى منك، وقولها: اشتريت. عقد باطل مهما كان القصد اللعب والمطايبة، وليس بحرام إلا إذا قصد به التمليك المحقق الذى منع الشرع منه. وأما قوله مكروه فينزل على بعض المواضع التى ذكرت، أو ينزل على التنزيه. فقد نص على إباحة لعب الشطرنج، وذكر: إنى أكره كل لعب، وتعليله يدل عليه، فإنه قال: ليس ذلك من عادة ذوى الدين والمروءة، فهذا يدل على التنزيه لا التحريم. وأما ردّ الشافعى الشهادة بالمواظبة عليه فلا يدل على تحريمه، أيضًا بل قد ترد الشهادة بالأكل فى السوق، وتخرم المروءة، بل الحياكة مباحة وليست من صنائع ذوى المروءة، وقد ترد شهادة المعترف بالحرفة. فتعليله يدل على أنه أراد بالكراهة التنزيه. وهذا هو الظن أيضًا بغيره من كبار الأئمة، فإن أرادوا التحريم فما ذكرناه حجة عليهم (٢). والمواظبة على اللهو جناية، وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة عليها تعتبر كبيرة، فكذلك بعض المباحات بالمداومة عليها تصير صغيرة، ومن هذا القبيل اللعب بالشطرنج، فإنه مباح، ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهية شديدة (٣). ويذكر لنا الطب الحديث (٤) من أضرار المواظبة على اللعب بالشطرنج الأمراض الآتية:

стр. 310

١ - تصلب الشرايين وزيادة الكولسترول فى الدم. ٢ - زيادة ضغط الدم المرضية وتدهور النشاط الوظيفى للجسم عامة. ٣ - زيادة عدد ضربات القلب وزيادة احتمالات الإصابة بضيق التنفس. ٤ - الصداع النصفى، والهيجان العصبى، والنرفزة والسرحان. ٥ - ترسيب بلورات حمض البوليك التى تسبب داء النقرس، كما قد يؤدى فى بعض الأحيان إلى شلل نصفى مؤقت. ٦ - انحناء العمود الفقرى وظهور منحنيات يعرفها أطباء العظام. ٧ - الإصابة بالإنزلاق الغضروفى فى الفقرات القطنية وتعاظم الإليتين والطرف السفلى. ولعل هذا ما جعل الإمام الغزالى -الذى سبق الطب الحديث بأكثر من ألف عام- يعبر عن المواظبة على لعب الشطرنج بقوله "جناية" لأن فى ذلك جناية على النفس والصحة معًا. أما إذا كان الغرض اللعب القليل والتلذذ باللهو - فهو مباح، لما فيه من ترويح القلب، إذ راحة القلب معالجة له فى بعض الأوقات لتثبيت دواعيه فتستغل فى بعض الأوقات بالجد فى الدنيا، كالكسب والتجارة، أو فى الدين كالصلاة والقراءة (١). ثم إننا إذا نظرنا إلى العلة التى يتعلل بها الفريق المانع لبيع الآلات فى غير الجواهر النفيسة -كما هو اتجاه الفريق الثالث- لوجدنا أن المنفعة قد تكون فى غير الجواهر النفيسة أيضًا. على أن هذه المنفعة قد لا تقاس بمقياس مادى بحت، وربما قيست من الناحية المعنوية وكانت قيمتها أضعاف أضعاف هذه القيمة المادية. ثم إننا لو قلنا بعدم جواز الإنتفاع بها وبحرمة بيعها لأوقع ذلك فى الحرج المنهى عنه شرعًا، وقد قال اللَّه -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).

стр. 311

كما أنه يلزم على القول بمنع بيع آلات اللهو والغناء أن يمنع الناس من استعمال أجهزة الراديو والتليفزيون وغير ذلك مما هو شبيه بها. وذلك لأنها تعتبر من آلات اللهو فى كثير من الأحيان، بل ويظهر منها فى بعض الأحوال ما هو محرم بلا جدال، ومع ذلك لا أظن أن أحدًا يقول إن هذه الأجهزة -التى أصبحت من ضرورات الحياة فى مجال العلم، والتثقيف، والترفيه، وعونًا لنا على مشاق الحياة وقسوتها يحرم استعمالها، وبالتالى يحرم بيعها وشراؤها، لأنها آلات لهو أو غناء، ولا ينكر أحد أيضًا أن مثل هذه الآلات هى آلات لهو فى بعض- بل فى غالب الأحوال، ومع ذلك لا يلزم من كونها آلة من آلات وسائل اللهو أن يحرم استعمالها أو بيعها وشراؤها؛ لأنه يمكن استخدامها فى الحدود التى أحلها اللَّه لنا، وتتحقق معها المصلحة المشروعة. ومع ذلك فإن الأمانة العلمية تقتضى أن نقرر بأنه قد ظهر لنا من خلال البحث حديث صحيح يحرم بيع المغنيات، ولم أجد من يتكلم فيه، وهو ما روى عن أبى أمامة عن ابن ماجه بلفظ (١) "نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المغنيات، وعن شرائهن وكسبهن، وعن أكل أثمانهن". ومع ذلك فإنه يمكن أن نقول لا تقويض ولا رجوع عما اخترنا، فكل ما يمكن أن يقال هنا إن هذا الدليل خاص وما نحن فيه عام، وذلك على فرض اعتبارها (المغنية) آلة من آلات اللهو والغناء؛ لأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الأخرى الصحيحة المبيحة للغناء، وآلاته مثل الدف -والدف من آلات اللهو- بأن النهى يقتصر على ما ورد النص بخصوصه. فلعل النص قد رأى أن مثل هذا فى الغالب مجاله الإحتراف أو ما مآله إليه، وفى ذلك عون على الفسق والفجور. ولعل ما يقوى وجهة نظرنا ما ورد فى كتب التفسير عند قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وهى الآية نفسها التى استدل بها المانعون على المنع. فقد ذكر الطبرى أن البعض ينزل الشراء على حقيقة البيع، والشراء المعروف

стр. 312

بمبادلة الثمن بالبيع. ورووا بذلك خبرًا عن رسول اللَّه ﷺ وهو: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، ولا التجارة فيهن، ولا أثمانهن" وفيهن نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. يقول الطبرى: وهذا الحديث عن أبى أمامة -رضى اللَّه عنه- ثم ذكر له عدة طرق أخرى، منها: لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، ولا شراؤهن، وثمنهن حرام، وقد نزل تصديق ذلك فى كتاب اللَّه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾. . إلى آخر الآية (١). وقد جاء فى سبب النزول: أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث، اشترى كتب الأعاجم، وكان يحدث بها قريشًا ويقول: إن كان محمد ﷺ يحدثكم بحديث عاد وثمود - فأنا أحدثكم بحديث رستم، وأسفنديار والأكاسرة، كما كان يشترى القيان، ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ومنعه منه (٢). هذا، وإن كان الغالب أن المراد بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا أن ما ورد للمجتهدين وأصحاب التفسير فى هذا الشأن يفيد هذا العموم، ويبقى النص على خصوصه. فقد جاء فى تفسير الطبرى قوله: حدثنا بشر بسنده عن قتادة فى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ واللَّه لعله ألا ينفق فيه مالا ولكن اشتراؤه استحبابه. بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع (٣). كما جاء فى تفسير ابن عباس عند قوله -تعالى-: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قوله: سبيل اللَّه، قراءة القرآن. وذكر اللَّه، إذا ذكره وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية (٤).

стр. 313

ويقول أبو حيان فى سبب النزول: ولما ذكر من صفات القرآن الحكمة وأنه هدى ورحمة، وأن متتبعه فائز، ذكر حال من يطلب من بدل الحكمة باللهو، وذكر مبالغته فى ارتكابه حتى جعله مشتريًا له، وباذلًا فيه رأس عقله، وذكر علته وأنه الإضلال عن طريق اللَّه، وقد نزلت هذه الآية فى النضر بن الحارث كان يتجر إلى فارس، ويشترى كتب الأعاجم، فيحدث قريشًا بحديث رستم وأسفنديار، ويقول: أنا أحسن حديثًا. وقيل نزلت فى ابن أخطل، اشترى جارية تغنى بالسب، وبهذا فسر لهو الحديث بالمعازف والغناء. يقول أبو حيان: والظاهر أن الشراء هنا مجاز عن اختيار الشئ وصرف عقله بكليته إليه. ويقول ابن عطية: والذى يترجح أن الآية نزلت فى لهو الحديث مضافًا إلى الكفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى آخره (١). وقال صاحب التحرير: "ويظهر لى أنه أراد بلهو الحديث، ما كان يظهرونه من الأحاديث فى تقوية دينهم، والأمر بالدوام عليه، وتفسير صفة الرسول، وأن التوراة تدل على أنه من ولد إسحاق، يقصدون صد أتباعهم عن الإيمان، وأطلق اسم الشراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشا والجعائل من ملوكهم، ويؤيده ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أى: عن دينه" (٢). ويذكر الإمام الرازى فى تفسيره عن قوله -تعالى-: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: إن اللهو قد يقصد به الإحماض. فقد نقل عن ابن عباس أنه قال: أحمضوا. ونقل عن النبى ﷺ أنه قال: "روحوا القلوب ساعة فساعة" (٣) ويشهد له ما فى مسلم: يا حنظلة ساعة وساعة. هذا من ناحية.

стр. 314

ومن ناحية أخرى قد يكون التحريم المراد فى حديث الجارية بالنظر إلى الذات، لأن فى بيعها إهانة لها وتحقيرًا للآدمية التى كرمها اللَّه فى قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَم﴾ (١). وحث على تحريرها بمختلف الطرق. وفى بيعها وتداولها بقصد الغناء احتراف للتجارة فيها وفتح لهذا الباب على مصراعيه. وقد يجرهم ذلك إلى الإبتعاد عما هو أفضل لهم وأكرم، وهو إطلاق سراحها وتحريرها من رق العبودية. ويمكن أن يقوى هذا الإتجاه ما جاء فى حديث أبى أمامة من بعض طرقه بلفظ التجارة. أما الأحاديث التى وردت من روايات أخرى مختلفة بلفظ القينة والنهى عن بيعها وشرائها، فإنها ضعيفة، وعلى فرض صحتها فإنها قد لا تخرج عما ذكرناه فى الحديث السابق؛ لأن القينة هى الجارية المغنية. وبذلك يترجح ما ذهبنا إليه بلا تعارض، والجمع بين الأدلة إن أمكن أولى من إعمال البعض وإهمال البعض الآخر. واللَّه هو الموفق والهادى إلى سواء السبيل. واللَّه أعلى وأعلم. . * * *

стр. 315

مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق للإمام جمال الدين الأسنوي (٢) تحقيق فضيلة الدكتور نصر الدين فريد محمد واصل مفتي الديار المصرية السابق دار الشروق

стр. 316

طبعة دار الشروق الأولى ٢٠٠٧ جميع حقوق الطبع محفوظة دار الشروق ٨ شارع سيبويه المصرى مدينة نصر - القاهرة - مصر تليفون: ٢٤٠٢٣٣٩٩ فاكس: ٢٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) email: dar@shorouk.com www.shorouk.com

стр. 317

مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق للإمام جمال الدين الأسنوي المتوفي سنة ٧٧٢ هـ (٢) تحقيق فضيلة الدكتور نصر الدين فريد محمد واصل مفتي الديار المصرية السابق دار الشروق

стр. 318

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى للقسم الثانى (التحقيق) الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد اللَّه الهادى الأمين وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته وملك شريعته إلى يوم الدين "وبعد". . فهذا هو القسم الثانى من الكتاب المحقق موضوع ومحل رسالتنا العلمية العالمية (الدكتوراه) فى الفقه المقارن التى نالت الدرجة العلمية سنة ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م بمرتبة الشرف الأولى بالإجماع من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالقاهرة، نقدمه للمكتبة الإسلامية والباحثين فيها من الفقهاء والعلماء وطلاب العلم وذلك من خلال تحقيقه تحقيقا علميا وطبعه ونشره لخدمة الإسلام والمسلمين والباحثين فى نطاق العلم الفقهى ودقائقه العلمية. وهذا القسم يضم أصل الكتاب المحقق ونصه المخطوط لمؤلفه جمال الدين الأسنوى الأصولى الفقيه المؤرخ والمتعدد المعارف العلمية فى الشريعة الإسلامية والمتوفى سنة ٧٧٢ هـ. وهذا القسم مكمل لسابقه القسم الأول "الدراسى" والذى قام على دراسة النص المحقق ومؤلفه وتاريخ الحركة العلمية والفقهية فى عصر المؤلف وموضوع الكتاب المحقق "مطالع الدقائق فى تحرير الجوامع والفوارق" لمؤلفه جمال الدين الأسنوى. ولا غنى لأحد القسمين عن الآخر فى مجال البحث والدراسة المتصلة بموضوع الكتاب المحقق لتحقيق الغرض المنشود فى خدمة العلم وطلابه وإثراء المكتبة الإسلامية بتراثها العلمى المحقق لخدمة الدعوة الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة ونشرها بين الناس جميعا لتحقيق الهدف منها وهو هداية البشر إلى خالقهم

стр. 319

وتوحيده وإخلاص العبادة؛ له ليعم الخير والسلام والأمن والأمان بين الناس جميعا فى كل زمان ومكان. وفقنا اللَّه جميعا لتحقيق هذا الهدف النبيل. وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. دكتور نصر فريد واصل مفتى الديار المصرية السابق

стр. 320

مقدمة المؤلف الحمد للَّه العليم بفوارق "المشتبهات" (١) الخبير بدقائق "الملتبسات" (٢) البصير بحقائق المختلفات. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، اعترافا جامعا لطوالع المكرمات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إقرارا فارقا بين نوران النيرات وتوافق الظلمات. "وبعد"، فإن المطارحة بالمسائل ذوات المآخد "المؤتلفة" (٣) المتفقة، والأجوبة المختلفة "المفترقة" (٤) مما يثير أفكار الحاضرين فى الممالك ويبعثها على "اقتناص" (٥) أبكار المدارك ويميز مواقع أقدار الفضلاء ومواضع مجال العلماء. وقد رأيت لأصحابنا (رضى اللَّه عنهم) فى هذا المعنى تصانيف ووقعت لهم "منه" (٦) على تواليف، منها ما هو موضوع لهذا النوع "بخصوصه" (٧)، ومنها ما هو مشتمل على ما هو أعم منه مما يستعمل عند إرادة الإختيار واعتبار المقدار.
следующие страницы →