← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147671

مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق

الإسنوي

Полный текст (660 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

طبعة دار الشروق الأولى ٢٠٠٧ جميع حقوق الطبع محفوظة دار الشروق ٨ شارع سيبويه المصرى مدينة نصر - القاهرة - مصر تليفون: ٢٤٠٢٣٣٩٩ فاكس: ٢٤٠٣٧٥٦٧ (٢٠٢) email: dar@shorouk.com www.shorouk.com

стр. 317

مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق للإمام جمال الدين الأسنوي المتوفي سنة ٧٧٢ هـ (٢) تحقيق فضيلة الدكتور نصر الدين فريد محمد واصل مفتي الديار المصرية السابق دار الشروق

стр. 318

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى للقسم الثانى (التحقيق) الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد اللَّه الهادى الأمين وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته وملك شريعته إلى يوم الدين "وبعد". . فهذا هو القسم الثانى من الكتاب المحقق موضوع ومحل رسالتنا العلمية العالمية (الدكتوراه) فى الفقه المقارن التى نالت الدرجة العلمية سنة ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م بمرتبة الشرف الأولى بالإجماع من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر بالقاهرة، نقدمه للمكتبة الإسلامية والباحثين فيها من الفقهاء والعلماء وطلاب العلم وذلك من خلال تحقيقه تحقيقا علميا وطبعه ونشره لخدمة الإسلام والمسلمين والباحثين فى نطاق العلم الفقهى ودقائقه العلمية. وهذا القسم يضم أصل الكتاب المحقق ونصه المخطوط لمؤلفه جمال الدين الأسنوى الأصولى الفقيه المؤرخ والمتعدد المعارف العلمية فى الشريعة الإسلامية والمتوفى سنة ٧٧٢ هـ. وهذا القسم مكمل لسابقه القسم الأول "الدراسى" والذى قام على دراسة النص المحقق ومؤلفه وتاريخ الحركة العلمية والفقهية فى عصر المؤلف وموضوع الكتاب المحقق "مطالع الدقائق فى تحرير الجوامع والفوارق" لمؤلفه جمال الدين الأسنوى. ولا غنى لأحد القسمين عن الآخر فى مجال البحث والدراسة المتصلة بموضوع الكتاب المحقق لتحقيق الغرض المنشود فى خدمة العلم وطلابه وإثراء المكتبة الإسلامية بتراثها العلمى المحقق لخدمة الدعوة الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة ونشرها بين الناس جميعا لتحقيق الهدف منها وهو هداية البشر إلى خالقهم

стр. 319

وتوحيده وإخلاص العبادة؛ له ليعم الخير والسلام والأمن والأمان بين الناس جميعا فى كل زمان ومكان. وفقنا اللَّه جميعا لتحقيق هذا الهدف النبيل. وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. دكتور نصر فريد واصل مفتى الديار المصرية السابق

стр. 320

مقدمة المؤلف الحمد للَّه العليم بفوارق "المشتبهات" (١) الخبير بدقائق "الملتبسات" (٢) البصير بحقائق المختلفات. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، اعترافا جامعا لطوالع المكرمات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إقرارا فارقا بين نوران النيرات وتوافق الظلمات. "وبعد"، فإن المطارحة بالمسائل ذوات المآخد "المؤتلفة" (٣) المتفقة، والأجوبة المختلفة "المفترقة" (٤) مما يثير أفكار الحاضرين فى الممالك ويبعثها على "اقتناص" (٥) أبكار المدارك ويميز مواقع أقدار الفضلاء ومواضع مجال العلماء. وقد رأيت لأصحابنا (رضى اللَّه عنهم) فى هذا المعنى تصانيف ووقعت لهم "منه" (٦) على تواليف، منها ما هو موضوع لهذا النوع "بخصوصه" (٧)، ومنها ما هو مشتمل على ما هو أعم منه مما يستعمل عند إرادة الإختيار واعتبار المقدار.

стр. 321

فمن الأول: كتاب "الجمع والفرق" للشيخ أبى محمد الجوينى (١) وهو مشهور. ومنه كتاب "الوسائل فى (فروق) (٢) المسائل" مجلد ضخم قليل الوجود، تأليف أبى الخير: سلامة بن "إسماعيل" (٣) ابن جماعة المقدسى (٤). وأبو الخير هذا عالم مشهور، وقد أوضحت حاله أحسن إيضاح فى كتاب "طبقات أصحاب الشافعى" فراجعه واعلمه. فإن ابن أبى الدم (٥) نقل عنه فى شرح "الوسيط" (٦) شيئًا، ثم أنكره، وقال: إنه رجل مجهول. ومن النوع الثانى: كتاب "المطارحات" لأبى عبد اللَّه بن القطان (٧)، وهو تصنيف لطيف غريب ظفر به الرافعى (٨)، ونقل عنه فى كتاب "الغصب". ومنها: (المسكت) (٩) بالسين المهملة والتاء المثناة فى آخره للإمام أبى عبد اللَّه الزبيرى (١٠)

стр. 322

وهو مجلد عزيز الوجود. ومنها: المعاياة لأبى العباس الجرجانى (١) وهو معروف أيضًا (رضى اللَّه عنهم أجمعين). وهذا الباب واسع جدًّا اشتمل على الغثّ والسمين، فاستخرت اللَّه تعالى فى تأليف كتاب فى هذا المعنى؛ اقتداء بالأئمة المذكورين. فجمعت فيه تأليفًا متوسطًا أتيت فيه بما يستظرف ويستحسن، وصَفَحت عمّا يُستْمج ويستمجن، يشهد بنفاسته أولو الفضل والإنصاف، ويجهد فى دراسته (أولو الجدّ) (٢) والإشغاف. وتغص أرجاء النّادى بطلابه، وتمتلئ أقطار الوادى بخطّابه، هذا مع (أن) (٣) المسائل المذكورة من المسائل التى هى فى أنفسها مهمة مقصودة بالنظر، وكثير منها غريب قل من اطلع عليه. ثم إنها مع ذلك مشتملة على فوائد نفيسة وقعت استطردًا كما ستقف عليه. وكثيرًا ما أترك الجامع بين المسألتين لوضوحه، وربما يكون الحق فى المسألة للإلحاق لا الفرق لضعف الفارق، فأذكره منبهًا عليه. وكثيرًا ما تكون المسألة من قاعدة متسعة النظائر، فلا أذكرها فى هذا الكتاب غالبًا، بل أذكرها فى كتابى المعقود لذلك المسمى بـ "نزهة النواظر فى رياض النظائر"، وهو كتاب مهمّ جليل، غريب النظير. وإذا أطلقت فى هذا الكتاب نقل حكم أو خلاف فهو فى الشرح الكبير للرافعى، أو الروضة للنووى (٤) (رضى اللَّه عنهما). وسميته "مطالع الدقائق فى تحرير الجوامع والفوارق". واللَّه ينفع به مؤلفه وكاتبه، والناظر فيه. وجميع المسلمين بمنه وكرمه.

стр. 323

" فصل " تقول فَرَقْت بين الشيئين، بتخفيف الراء (أفرْق) (١) فرقًا وفرقانًا. (وفرقت) (٢) الشئ، بالتشديد (أفرّق) (٣) تفريقًا وتفرقة، (فانفرق، وتفرق، وافترق) (٤) كذا قاله الجوهرى. وحينئذ فيكون اللفظ المستعمل هنا هو المخفف، إلا أن يقصد معنى التكثير، واللَّه أعلم. * * *

стр. 324

كتاب الطهارة " باب المياه " مسألة: ١ - الماء المُشمّس تكره الطهارة به على المشهور فى المذهب، إذا كان فى البلاد الحارة. والأوانى المنطبعة غير النقدين، ولأن حرارة الشمس تفصل من الإناء أجزاء لطيفة تورث البرص. وقالوا: إن المسخن بالنار لا يكره إذا لم يكن شديد الحرارة، كما قاله فى الروضة، والعلة موجودة. والفرق بينهما: أن النار لها قوة تأثير فى إذهاب ما ينفصل من تلك الأجزاء الضارة بخلاف الشمس. مسألة: ٢ - اتفقوا على أن الماء المشمّس لا يحرم الطهارة به، وإن شهد عدلان من أهل الطب (أنه يورث البرص) (١) بل يكره. واختلفوا فى تحريم النظر إلى الفرج (٢) لكونه قد روى أنه يورث الطمس. والفرق: أنه قد قيل إن المراد حصول الطمس للمولود، وهو ضرر متعدٍّ، فيجوز أن يكون القائل بالتحريم هو القائل بهذه (المقالة) (٣) لتعديه، بخلاف البرص.

стр. 325

مسألة: ٣ - حكموا بانتقال المانع (إلى الماء) (١) فى طهارة الحدث فسلبوا طهوريته، ولم يحكموا بذلك فى طهارة الخبث حتى يسلبوا طهارته، بل حكموا بطهارة الغسالة إذا انفصلت (وقد) (٢) طهُر المحل. والفرق: أن البلل الباقى هو بعض المنفصل، فلو كان المنفصل نجسًا لكان المحل كذلك، فدعت الضرورة إلى الحكم بعدم نجاسته لما فيه من المحذور. بخلاف (طهارة) (٣) الحدث، فإن (بقاياها) (٤) على العضو بعد الحكم بانتقال المانع لا محذور فيه، لأنه غير الطهر، ولا يضر اتصاله بالبدن ولا بالثوب. مسألة: ٤ - الماء المتغير بخليط مستغنى عنه تغيرًا كثيرًا لا تجوز الطهارة به، ولا فرق فى التغيّر بين الحسّى والتقديرى، حتى لو وقع فى الماء مائع يوافقه فى الصفات، كماء الورد المنقطع الرائحة، (فلم يتغير - قدرناه مخالفًا للماء) (٥) فإن غيره سلبه الطهورية وإلا فلا. وحيث لا يؤثر الخليط جاز استعمال الجميع. وقيل: يجب أن يبقى "قدره" (٦)، فإن قلنا: يستعمل الجميع فكان معه من الماء ما لا يكفيه وحده، ولو كمله بمائع لا يغيره لكفاه، لزمه ذلك.

стр. 326

وهذا الخلاف الذى فى استعمال الجميع فى مسألتنا يجرى أيضًا فى الخليط المخالف الذى لم يؤثر لقلته. وفيما (إذا) (١) استهلكت النجاسة المائية فى الماء الكثير. إذا علمت ذلك، فقد قالوا: (إن الماء الكثير) (٢) الذى لا ينجس إلا بالتغير هو الذى بلغ قلتين (من) (٣) (محض) (٤) الماء، (حتى لو نقصت القلتان مثلا خمسة أرطال وكملها بمائع لو قدرناه مخالفًا للماء فى أوسط الصفات -لم يغيره، فإنه ينجس أيضًا بمجرد الملاقاة، لأنه لم يبلغ قلتين من محض الماء) (٥). (ولعل الفرق: غلظ النجاسة) (٦)، وفيه نظر؛ لأن الحكم بدفع تنجيس الماء بالواقع فيه معهود. بخلاف التطهُّر بمائع غير الماء. واعلم أن ما سبق من وجوب التكميل بالمائع قد أطلقه الرافعى، وقيده فى الروضة بما إذا لم تزد قيمة المائع على ثمن ماء الطهارة، إلّا أنه لم يبيّن المراد (بماء) (٧) الطهارة: أهو الجميع أو المعجوز عنه خاصة؟ فيه نظر. مسألة: ٥ - قد علمت مما سبق أن المائع القليل لا يمنع صحة الطهارة بالماء. وهذا بخلاف التراب، فإن القليل من الدقيق ونحوه من الخليطات يمنع صحة التيمم به على الصحيح (٨). والفرق: أن الموضع الذى علق به الدقيق مثلا لا يصل إليه التراب لكثافته، بخلاف الماء؛ فإنه لطيف فيجرى الماء على المحل الذى جرى عليه الخليط.

стр. 327

والمرعىّ فى كثرة الخليط بالتراب هو ظهوره بحيث يُرى. فإن رؤى فكثير، وإلا فقليل. كذا نقله الرافعى عن "الإمام" (١). ثم قال: ولم أر لغيره تعرُّضًا لفرق بينهما، ولو اعتُبرت الأوصاف الثلاثة -كما فى الماء- لكان (مسلكًا) (٢). وتبعه النووى فى الروضة وغيرها على ذلك. وهو غريب، فقد رأيت التصريح بما أشار إليه فى تعليق الشيخ أبى حامد (٣) والتقريب لسليم الرازى (٤)، والبحر للرُّويانى (٥). مسألة: ٦ - إذا جرى الماء من عضو المتوضئ إلى عضو صار مستعملًا، حتى لو انتقل من إحدى اليدين إلى الأخرى، صار مستعملًا. وقيل: لا يضر؛ لأن اليدين كعضو واحد. وقالوا فى التيمم: إنه إذا مسح وجهه، ثم ضرب على التراب فمسح

стр. 328

اليدين، يتأدى فرض مسح الراحتين بالضرب على التراب؛ لوصول التراب إلى محله فى وقته بعد شرطه وهو النية. وقيل: لا؛ لأنه لو تأدى به لم يصلح الغبار الحاصل عليها لموضع آخر؛ (لأنه يصير بالإنفصال عنه مستعملًا) (١). فتلخّص أن الماء الذى غسل به إحدى (اليدين) (٢) لا يجوز نقله إلى الأخرى، بخلاف التراب. وفرق ابن الصباغ (٣) وغيره بفرقين: أحدهما: أن اليدين كعضو واحد، فلا يحكم بالإستعمال إلّا بالإنفصال. والماء ينفصل بخلاف التراب. الثانى: أن المتيمم يحتاج إلى ذلك، فإنه لا يمكنه إتمام الذراع بكفها، بل يقتصر إلى الكف الأخرى. فصار كنقل الماء من (بعض) (٤) العضو إلى بعض. والفرق الأول يقتضى أن انتقال الماء من إحدى الراحتين إلى الأخرى أو من الساعد (إلى) (٥) الآخر مع الإتصال، لا يصيِّره مستعملًا، ويدل عليه (كيفية) (٦) غسل اليدين عند القيام من النوم لتيقن تطهيرهما.

стр. 329

باب الآنية مسألة (١): ٧ - يجوز الاجتهاد فى المياه مع القدرة على طاهر بيقين فى أصح الوجهين (٢). بخلاف ما إذا دخل الحرم وهو أعمى أو فى ظلمة وأمكنه الوقوف على يمين الكعبة باللمس، فإنه لا يجوز له الاجتهاد "مع أن كلّا منهما شرط من شروط الصلاة، "يريد الاجتهاد" (٣) فيه مع قدرته على اليقين. والفرق من وجوه: أحدها: أن القبلة فى جهة واحدة، فإذا قدر عليها كان طلبه لها فى غيرها عبثًا. بخلاف الماء الطهور، فإنه فى جهات كثيرة، ويعبر "عن" (٤) هذا الفرق بلفظ آخر، وهو: أن اليقين فى القبلة حاصل فى محل الاجتهاد بخلاف الماء. الثانى: أن المنع فى الماء "والثوب" (٥) قد يؤدى إلى مشقة فى التحصيل من بذل المال ونحوه، بخلاف القبلة. الثالث: أن الماء مال، وفى الإعراض (عنه) (٦) تفويت ماليه مع إمكانه، بخلاف القبلة. ومن نظائر المسألة: أن يقع للمجتهد "حادثة" (٧) بحضرة النبى ﷺ ، أو

стр. 330

يشتبه الوقت على المصلى ويمكنه الصبر "إلى" (١) اليقين أو الخروج من البيت المظلم لرؤية الشمس. والأصح فى الثلاث جواز الاجتهاد. وقد صرح بذلك فى الصلاة من شرح "المُهذّب" (٢). والفرق بين اشتباه الوقت والقبلة: أن مقتضى الاجتهاد فى الوقت إيقاع الصلاة فى أوله، ومقتضى الصبر إلى اليقين إيقاعه فى وقت بعد ذلك؛ فلم يتواردا على شئ واحد فصار كالماء. وأيضًا ففى الصبر إلى اليقين تعريض لإخراج الصلاة عن أول الوقت، ولفواتها بالموت ونحو ذلك، بخلاف القبلة؛ فإن تكليف اليقين فيها لا يقتضى التأخير. وأما الفرق بين القبلة وبين الخروج من البيت لمعرفة الوقت بالشمس ونحوها، وبين الاجتهاد بحضرة النبى ﷺ فإنه ضعيف. والإلحاق أقرب. مسألة: ٨ - إذا اشتبهت الأوانى على أعمى فإنه يتحرى فى أصحّ "القولين" (٣)؛ لأنه يمكنه الوقوف على الإجازات باللمس والشم والإستماع واعوجاج الإناء واضطراب الغطاء. والثانى: لا يجتهد لأن النظر له تأثير. فإن جوّزناه فلم يظهر له شئ فإنه يقلد. وقيل: لا، بل يكون كالبصير حتى يريقها ثم يتيمم.

стр. 331

ولو اشتبه الوقت على الأعمى فإنه يتخير بين الاجتهاد والتقليد، كما ذكره الرافعى وغيره. فخيروا هناك ورتبوا (هنا) (١). والفرق بينهما: أن الاجتهاد هناك إنما يتعاطى أعمال مستغرقة للوقت. وفى ذلك مشقة ظاهرة، بخلاف الاجتهاد (هنا) (٢). مسألة: ٩ - إذا أخبر بنجاسة الماء موثوق به: فإن بيّن السبب أو كان فقيهًا موافقًا له فى المذهب، وجب الرجوع إليه؛ حرًا كان أو عبدًا. فإن انتفى الأمران، كما لو قال الحنفى: هذا نجس، لم يرجع إليه؛ لجواز أن يكون مستنده ولوغ هرة أو ذئب ونحوهما من السباع التى يقولون بنجاسة أفواهها، ونحن نخالفهم فيها. وكذلك لو وجدت الموافقة ولكن انتفى الفقه، كالعامّى المقلد للشافعى؛ لأنه يظن ما ليس بنجس نجسًا. هكذا صرح بهذا التفصيل فى "المنهاج" (٣). وأشار إليه فى "المحرر" و"الشرح الكبير". وتعبير "الروضة" (٤) لا ينافيه. ولو قال من هو أهل للتعديل: أخبرنى بذلك عدلٌ. فيشبه أن يؤخذ به. كذا رأيته فى "شرح مسند الشافعى" للرافعى (٥) (رضى اللَّه عنهما). إذا علمت ذلك: فقد صحّح الرافعى والنووى وغيرهما سماع الشهادة على الرّدة من غير تفصيل بالكلية، وصححوا فى الشهادة على التفسيق أنه لابد من ذكر السبب. ولم يفصلوا بين الفقيه الموافق وغيره، مع أن أسباب الرّدة والتفسيق قد وقع فيها اختلاف كثير بين العلماء، كما وقع فى المياه.

стр. 332

وقد يفرق بين الماء وبين التفسيق، حيث شرطوا فيه تبيين السبب مطلقًا: أن ذلك من باب الشهادة، وما نحن فيه من باب (الرواية) (١)، ولاشك أن باب (الشهادة) (٢) أضيق. والفرق بين الماء والرّدة، حيث قبل الشهادة فيها من غير تفصيل بالكلية: أنه لما كان أمرها أخطر، كان الظاهر من حال شهودها التثبت وزيادة التيقظ. وهذا أيضًا هو الفرق بين التفسيق والرّدة. هذا غاية ما يقال فى الفرق، وفيه ما لا يخفى، والتساوى أظهر (إن لم يكن) (٣) العكس هو الأظهر. مسألة: ١٠ - صحّح الرافعى أن صنية الذهب كصنية الفضة، حتى تباح الصغيرة فيها للزينة (٤). بخلاف اتخاذ سن للخاتم فإنه لا يجوز على الصحيح عنده، وعند النووى، مع أن الجميع صغير للزينة، بل السن قد تكون للحاجة (وهى) (٥) إمساك الفص عن القلع. (ولعلّ الفرق أنّ الأصل فى المسألة الأولى الإباحة، وفى الثانية التحريم، فأرجحنا الحكم فى كل إلى أصله) (٦). مسألة: ١١ - يجوز الاجتهاد فى الأوانى والقبلة ونحوهما، بخلاف ما إذا أحرم بنسك ثم نسيه. فإنه لا يجوز الاجتهاد فيه على الجديد، بل ينوى القران.

стр. 333

والفرق: أن أداء العبادة هنا لا يحصل بيقين إلا بعد فعل (محظور) (١) وهو أن يصلى إلى غير القبلة، أو يستعمل نجسًا؛ فلذلك جاز التحرى (وأمّا الشّاك) (٢) فيما أحرم به، فيمكنه تحصيل الأداء بيقين من غير فعل المحظور. وذلك بأن ينوى القران ويأتى بأعمال النسكين. ولكن يبرأ من الحجّ فقط؛ لاحتمال أنه كان محرمًا بالحج كما أوضحوه فى بابه. ولهذا من نسى صلاة من الخمس ولم يعلم عينها، لا يجتهد لهذا المعنى (٣). مسألة: ١٢ - يستحب الإستياك باليد اليمنى، كما ذكره النووى فى باب اللّباس من كتاب الأذكار. فإنه عدّ هناك ما يفعل باليد اليمنى، وعدّ هذا من جملتها. وأجاب ابن الرّفعْة (٤) فى المطلب (٥) بمثله أيضًا. وهذا بخلاف الإستنجاء، فإن المستحب فيه أخذ الآلة باليد اليسرى، فإن أخذها باليمنى كان مكروهًا (٦). وقال جماعة: إنه يحرم. والمدرك فى المسألتين واحد، وهو إزالة المستقذر. والفرق: شدة الإستقذار هناك لكون المنزل نجسًا، بخلاف ما نحن فيه. على أنه

стр. 334

قد نقل الإمام أحمد (١) أن المستحب هنا هو التياسر أيضًا. ولو فصل مفصل بين حالة التغير وعدمها أو بين أن يجعل الآلة هى الأصبع (نفسها) (٢)، إما منه أو من غيره، وبين خلافه لكان محتملًا. مسألة: ١٣ - لو استاك بأصبعه: فالمشهور فى المذهب أنه لا يكفى؛ لاتحاد المزيل والمزال عنه. وهو معنى قول الرافعى؛ لأنه لا يسمى استياكًا. وقيل: يكفى. واختاره النووى فى شرح "المهذب (٣) " وقيل: إن قدر على غيره لم يجزئه، وإلا أجزأه. ونظير المسألة ما إذا سجد على كفه. وقد جزم الأصحاب فيه بأنه لا يكفى. إذا علمت ذلك، فقد صحّحوا فيما إذا ستر عورته بكفه أنه يكفى. والمدرك فى الثلاث واحد. والفرق: أن المقصود من الستر -وهو عدم إدراك العين- (حاصل) (٤) فى اليد، بخلاف مقصود السجود -وهو التواضع- بوضع الجبهة فى مواطئ الأقدام، وبخلاف (مقصود) (٥) الإستياك - وهو إزاله الرائحة الكريهة. واحترزنا بأصبع نفسه (وبكفه) (٦) عما إذا استاك بأصبع غيره، فإنه يجزئ قطعًا، كما نبه عليه النووى فى شرح "المهذب" (ودقائق المنهاج) (٧)، وكذلك إذا

стр. 335

ستر عورته بيد غيره فإنه يكفى (قطعًا) (١)، وإن فعل محرمًا، كما نبه عليه ابن الرفعة فى الكفاية. ومقتضى كلامهم أن السجود على كف الغير يكفى، وجميع ما سبق محله فيما إذا كان العضو متصلًا. فإن انفصل - جاز، إذا قلنا بطهارته. ومن فروع (هذا المدرك) (٢) ما إذا استنجى بيده. والأصح فيه: أنه لا يجوز ولا يجزئ. واعلم أن القاضي "أبو الطيب" (٣) وابن الصّباغ قد نصا فى باب الإستنجاء على أن الشعر حكمه حكم (اليد) (٤) فى ذلك، وقياسه أن يكون كذلك فى تلك المسائل. مسألة: ١٤ - المعروف عندنا أنه يكره السواك بعد الزوال للصائم، لقوله ﷺ : "لخُلُوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك" رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة (٥). والخلوف -بضم الخاء- هو التغير. ووجه الدلالة -كما قاله الرافعى- أنه أثر عبادة مشهود له بالطيب، فكره إزالته. وإنما احترزنا عنه ما قبل الزوال؛ لأن التغير فيه غالبًا يكون من أثر الطعام لا (من الصوم) (٦) هكذا ذكره الرافعى. ويلزم منه أن يفرقوا (بين من يتسحر وبين) (٧) من

стр. 336

لم يتسحر. وبين من يتناول بالليل شيئا، وبين من لم يتناول لعجز أو مرض، ولهذا قال الطبرى شارح "التنبيه" (١): لو تغير فمه بعد الزوال لسبب آخر، كنوم أو غيره، لم يكره السواك. وقيل: لا يكره السواك للصائم إلّا بعد العصر - حكاه الطبرى المذكور. وقيل: لا يكره مطلقًا. حكاه فى الروضة هنا، واختاره فى شرح "المهذب". وقيل: لا يكره فى النفل؛ خوفا من الرياء، ويكره فى الفرض. حكاه الرافعى فى كتاب الصيام عن القاضى الحسين (٢). وستعرف فى كتاب الجنائز أن إزالة دم الشهيد حرام بالشروط المذكورة هناك، وحكمته ما أشار إليه النبى ﷺ "أنهم يأتون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك" (٣). وحينئذ فيقال: ما الفرق بين التحريم هناك -مع كون رائحته كرائحة المسك- وكراهته هنا، مع أنها أطيب منه، أى: من ريح المسك. ولعل الفرق: تأكُّد ذلك الباب، واستعظام أمره، لما فيه من تعريض النفوس للقتل بسبب إعزاز الدين، فتحريم إزالة أثره تنبيهًا على عظم قدره ليكون بقاؤه حاملًا على استحضار حقيقته لمن جهلها أو ذهل عنها (٤).

стр. 337

باب صفة الوضوء مسألة: ١٥ - إذا وقع منه أحداث، فنوى بعضها، صح الوضوء فى أصح الأوْجه (١). والثانى: لا. والثالث: إن نوى الأول - صحّ، وإلا فلا. والرابع: عكسه. والخامس: إن لم ينف ما عداه، صح، وإن نفاه فلا، فقد جعلوها هنا رفع البعض قائما (مقام) (٢) الجميع. وهذا بخلاف ما لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، إلّا نصف طلقة. فإنّ الأصح وقوع الثلاث. وقيل: يقع طلقتان فقط. فلم يجعلوا رفع البعض فيه كالجميع، (مع) (٣) أن كلّا منهما (لا يقبل) (٤) الجزئية، أى لا يرتفع البعض ويبقى البعض. والفرق: متوقف على مقدمة، وهى: أن قولهم: نوى رفع حدث النوم، مثلًا، دون اللمس. تحته صورتان: إحداهما: أن يكون المراد بقولنا: دون ذاك. أن يريد الناوى إبقاءه. والثانى: ألّا يدخله فى نيته، ولكن لا يريد إخراجه فسكت عنه. فتلخص أن ناوى رفع حدث النوم قد لا يخطر له حدث اللمس بالكلية، وقد يخطر له ويريد إبقاءه. وقد يخطر أيضًا ولكن لم يرد إخراجه ولا إدخاله، بل يعرض عنه. وهذا القسم الأخير هو الأقرب إلى مدلول لفظهم.

стр. 338

(وأما الأول كما قلنا إنه يحتمله لفظهم) (١) وهو أن يريد إبقاءه فإن اللفظ وإن صدق عليه أيضًا إلّا أن فيه زيادة لا يدل اللفظ عليها، (لأن) (٢) عدم الشئ وإن صدق على (إرادة) (٣)، عدمه إلّا أنها -أعنى عدم الإرادة- لا تدل على إرادة العدم، لأن إرادة عدمه أخص من عدم إرادته والأعم، وإن صدق على الأخص، إلّا أنه لا يدل عليه، كما فى الحيوان والإنسان. ومع كون هذا القسم هو الأقرب يتعين أن يكون هو المراد، لأن من نوى رفع البعض ونوى مع ذلك بقاء البعض الآخر، فلا يصح وضوؤه؛ لأن التنصيص على إرادة بقاء الآخر مانع من دخوله فى النية بلا شك. فيكون أثره باقيا، وهو المنع؛ لأنه لو انفرد لاقتضى ذلك، وحينئذ فيكون كمن نوى رفع الحدث وعدم رفعه فلا يصح وضوؤه. إذا تقرر هذا، فنقول: إنّما جعلنا الرفع فى بعض الأحداث قائما مقام الثانى لأنه (لم) (٤) يوجد من الناوى فى الثانى ما ينافيه. وأما فى الطلاق فوجدنا ما ينافيه (وهو قوله) (٥) (أولًا) (٦): أنت طالق ثلاثًا. فلما اجتمع فى قوله: إلا نصف طلقة. أمران متعارضان، وهو أن أحد النصفين يقتضى الوقوع والآخر عدمه، رجحنا الوقوع بأمر ثالث، وهو تصريحه أولًا بالثلاث. مسألة: ١٦ - إذا توضأ، ثم حلق شعر رأسه الذى مسح عليه، أو قطعت يده من أثناء محل الفرض، لم يجب غسل المنكشف. قاله فى أصل الروضة (٧) هنا. وقال

стр. 339

فى آخر باب الغسل، من زوائده: إذا (اغتسل) (١) وأبقى شعرة، ثم نتفها - وجب غسل ما ظهر على الأصح، لفوات (ما وجب غسله) (٢) وقيل: لا، كمن توضأ وترك غسل رجليه (فقطعتا) (٣). والجامع ظهور شئ لم يكن (غسله) (٤) واجبًا فيهما. ولعل الفارق: أنّ الطهارة فى ال مسألة الأولى قد كملت، بخلاف الثانية. وفيه نظر؛ لأن الذى بقى فى الثانية قد زال (٥). مسألة: ١٧ - ينبغى للصائم ألّا يبالغ فى المضمضة والاستنشاق، لاحتمال سبق الماء لقوله ﷺ للقيط بن صبرة: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ فى الاستنشاق، إلّا أن تكون صائمًا" (٦) رواه الأربعة، وصححه الترمذى (٧)، وابن خزيمة (٨)،

стр. 340

وابن حبّان (١)، والحاكم (٢). وفى رواية للحافظ أبى بشير الدولابى فى جمعه لحديث الثّورى (٣): "إذا توضأت فأبلغ فى المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائمًا"، وإسناد هذه الرواية صحيح كما قال ابن القطان (٤). وقال الماوردى (٥) هنا: إن الصائم يبالغ فى المضمضة، ولا يبالغ فى الاستنشاق. (واستدل بظاهر حديث لقيط السابق. وفرق بأنه يمكن رد الماء فى المضمضة بإطباق حلقه. وأما فى الاستنشاق) (٦) فلا يمكن رده بالخيشوم. وجرى فى كتاب الصيام على ما قاله الجمهور من النهى عنها. وظاهر نص الشافعى فى "الأم" (٧) يدل لما قاله هنا (فإنه قال) (٨): فإن كان صائمًا رفق بالاستنشاق لئلا يدخل الماء رأسه. والمعروف الأول، والنهى عنهما على سبيل الكراهة لا على سبيل التحريم. كذا جزم به فى شرح "المهذب" (٩) وهذا بخلاف القُبلْة للصائم عند تحريك الشهوة وخوف الإنزال، فإنّ النهى عنها على سبيل التحريم على الصحيح.

стр. 341

ولعل الفرق: (ما فى القُبلة) (١) من الداعية الطبيعية المقتضية (للوقوع) (٢) فيها، فغلظنا أمرها بالتحريم، (ولأن) (٣) أصل المضمضة والاستنشاق مطلوب فى صفة المبالغة، فلم نقل بالتحريم بمجرد الاحتمال (بخلاف) (٤) القُبلة. ورأيت فى كتاب الصيام من (تعليق) (٥) القاضى أبى الطيب الجزم بتحريم المبالغة، ذكر ذلك فى أثناء الاستدلال على الخلاف فى الإفطار بها. ونقله عنه ابن الرفعة فى "الكفاية" (٦). والتسوية بين المسألتين أظهر من الفرق بينهما (٧). مسألة: ١٨ - يستحب مسح الرأس ثلاثًا، لما رواه مسلم (٨) عن عثمان: أن النبى ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا. والوضوء يشمل المغسول والممسوح. وروى أبو داود (٩) من رواية عامر بن شقيق بن سلمة (١٠)، من رواية عثمان أيضًا: أنه

стр. 342

(﵊ توضأ فمسح رأسه ثلاثًا. قال البيهقى (١) فى خلافياته: إسناده قد احتججنا بجميع رجاله إلّا عامرًا. وقد قال الحاكم: لا أعلم فى عامر طعنًا بوجه من الوجوه. وللشافعى قول: إنه يمسح الرأس مرة واحدة (٢). وطرده بعضهم فى (الأذن) (٣) أيضًا. والمعروف الأول، وكيفيته أن يضع يده على مقدم رأسه، ويلصق سبابتيه بالأخرى، وإبهاميه على صدغيه، ثم يذهب (بهما) (٤) إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذى بدأ منه، وحينئذ يكون الذهاب والرد مسحة واحدة. وهذا بخلاف السعى فى الحج بين الصّفا والمروة، فإن الذهاب يحسب مرة والعود مرة أخرى. وقال ابن بنت الشافعى (٥) وغيره: يحسبان مرة واحدة. والفرق: أنّ المقصود هناك قطع المسافة، وهى حاصلة فى الذهاب كحصولها فى الإياب. والمقصود فى الوضوء مسح (وجهى) (٦) الشعر ولا يحصل ذلك إلا بمجموع الذهاب والعود. فيلزم أن يكون المجموع مرة واحدة، ولهذا كان محل ما ذكرناه فيمن له شعر ينقلب بالذهاب والرد يصل البلل إلى (وجهيه) (٧) معًا. أمّا من لا شعر له، أو له شعر لا ينقلب لكونه طويلًا أو مضفورا، فإنه يقتصر على الذهاب

стр. 343

فلو رد لم تحسب ثانية، لأن البلل قد صار مستعملًا. كذا نقله الرافعى (١) عن: البغوى (٢)، وأقرّه وجزم به فى "الروضة" (٣). مسألة: ١٩ - لو أذن لغيره أن يوضئه بعذر أو بغير عذر جاز. لكن بشرط أن تكون النية من الآذن كما رأيته فى كتاب "الترغيب" للشاشى (٤) صاحب "الحلية". وذكر النووى فى كتاب التيمم من شرح "المهذب" (٥) نحوه بالنسبة إلى الإذن فى التيمم. وهذا بخلاف الحجّ (فإن العبرة فيه بنية المأذون له. والفرق بينهما: أن اعتبار نية الآذن فى الحج) (٦) تستلزم حضوره معه حتى يعلم المأذون له صدورها عنه، فيأتى بالمأمورات ويجتنب المنهيات. وحضوره معه متعذر مضاف لمعنى الاستنابة أو متعسر. بخلاف الوضوء فإنّ تعاطيه يستلزم حضوره معه. ونية الزكاة تصح من المالك عند الدفع إلى الوكيل ومن الوكيل أيضًا إذا فوّض المالك النية إليه.

стр. 344

مسألة: ٢٠ - يستحب ألّا ينشِّف أعضاء الوضوء فى الأصح، للحديث الصحيح (١)، (ولأنه) (٢) يزيل أثر العبادة. والثانى: أنه مباح، تركه وفعله سواء، واختاره فى شرح "المهذب" (٣). والثالث: يستحب فعله لما فيه من الإضرار عند إلصاق الغبار. وإذا قلنا بالأول - ففى كراهته وجوه: أظهرها: لا. وثانيها: نعم. وثالثها: يكره فى الصيف دون الشتاء، وهذا الثالث حكاه الرافعى (٤) عن القاضى الحسين هكذا. وليس فيه بيان حكم الفصلين الباقيين عنده. فإن (نشف) (٥) أخذ الثوب من ناحية يمينه. كذا رأيته فى شرح (كفاية الصيمرى) (٦)، وهو للصيمرى أيضًا. إذا علمت ذلك. فقد ذكر الشافعى كلامًا حاصله أنّ نفض التراب عن أعضاء التيمم حكمه حكم (تنشيف الماء) (٧) فى الوضوء إن كان (النفض) (٨) قبل الصلاة،

стр. 345

دون ما إذا كان بعدها، فقال: فالأحب ألّا يفعله حتى يفرع من الصلاة. كذا رأيته فى الأم. والفرق: أنّ التراب لما كان (مشوها) (١) لم يندب بقاؤه بعد حصول المقصود، بخلاف الماء فى الوضوء. مسألة: ٢١ - إذا نوى الوضوء المفروض، أو فرض الوضوء، صحّ. ولو اقتصر على الوضوء، فكذلك على الأصح فى "التحقيق" (٢)، وشرح "المهذب". وهو مقتضى كلام الرافعى. وهذا بخلاف التيمم، فإنه لا يصح فى المسائل الثلاث (٣). والفرق: أن التيمم ليس (مقصودًا) (٤) فى نفسه، وإنما يؤتى به للضرورة؛ فلا يصح مقصدًا، بخلاف الوضوء. ولهذا يستحب تجديد الوضوء دون التيمم. * * *

стр. 346

باب فروض الوضوء وسننه مسألة: ٢٢ - إذا اقترنت نية الوضوء بأول الوجه لم تنعطف النية على (ما مضى) (١) حتى يثاب على السنن. وفى زيادات الروضة (وجه) (٢) أنها تنعطف. (ولو نوى صوم النفل فى أثناء اليوم فإن النية تنعطف) (٣) ويحصل له ثواب جميع اليوم على الأصح. والفرق: أن صحة الوضوء ليست (مرتبطة) (٤) بالسنن المذكورة، فإنه يصح بدونها. بخلاف إمساك بقية النهار، فإنّ صوم بعضه لا يصح، وأيضًا أن الصوم خصلة واحدة، فإذا صح بعضها صح كلها. والوضوء أركان متغايرة، فالانعطاف فيه أبعد. مسألة: ٢٣ - يكفى فى مسح الرأس عندنا أقل ما ينطلق عليه الاسم، ولو بعض شعره. أو مسح شئ من البشرة. وقيل: لا يكفى المسح على ما تحت الشعر من البشرة. وقيل: إن مسح على الشعر فيجب ألّا ينقص (عن) (٥) ثلاث شعرات، بخلاف ما

стр. 347

إذا مسح على البشرة فإنه لا يجب أن يمسح منها مقدار الثلاث. وقيل: يجب ذلك أيضًا وإن مسح على البشرة، واختيار البغوى (١) أنه يجب مقدار الناصية، ورأيت فى "المعتمد" (٢) لأبى نصر البندنيجى من العراقيين: أنه يجب مسح الجميع، ونقله العُمرانى فى البيان (٣) عنه. ونقله الإمام فخر الدين (٤) فى مناقب الشافعى عن اختيار البغوى. ولعل والده نقله عنه، فإن الإمام المذكور قد أخذ عن والده، ووالده أخذ عن البغوى. إذا علمت ذلك، فقد قال أصحابنا بوجوب استيعاب الوجه واليدين فى التيمم، وحينئذ فيقال: صيغة الأمر بمسح الرأس فى الوضوء، والوجه فى التيمم واحدة، فلم أوجبتم الاستيعاب فى أحدهما دون الآخر؟ والفرق: أن المسح فى التيمم بدلٌ عما يغسل كله لأجل الضرورة، ولا ضرورة فى تعميمه، أى فى تعميم البدل المذكور. فوجب (كالأصل) (٥). والمسح على الرأس أصل فكان مستقلًا بحكمه. واحترزنا بقولنا: لأجل الضرورة. عن المسح على الخفين، فإنه جوز للحاجة.

стр. 348

مسألة: ٢٤ - يشترط فى الشعر الممسوح ألّا يخرج عن حد الرأس، فلو كان (مسترسلًا) (١) (خارجا عن حده) (٢) (أو كان كائنًا فى حدّه لكنه بحيث لو مد لخرج عن حده) (٣) - لم يجز المسح عليه. وهذا بخلاف الحلق والتقصير فى الحج، فإنه لا يشترط فيه ذلك، مع التعبير (بالرأس) (٤) (فى النص الوارد) (٥) فى الموضعين. قال اللَّه تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٦) وقال اللَّه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٧). والفرق: أن المأمور بحلقه وتقصيره إنما هو شعر الرأس، وإن ورد التعبير بالرأس؛ لاستحالة حلق الرأس نفسها، ولا شك أنّ شعر الرأس صادق على المسترسل بخلاف نظيره من المسح. وسنذكر فى الحج مسألة أخرى متعلقة بما نحن فيه. مسألة: ٢٥ - لو خلق له وجهان وجب عليه غسلهما. بخلاف ما لو خلق له رأسان، فإنه يكفى مسح إحداهما على الصحيح، كما قاله فى الروضة (٨). والفرق: (أنّا نُنزل) (٩) الوجهين والرأسين منزلة الوجه الواحد والرأس الواحدة. وغسل بعض الوجه لا يكفى، بخلاف مسح بعض الرأس.

стр. 349

مسألة: ٢٦ - إذا انغمس فى الماء ناويًا الوضوء ومكث زمانًا يتأتى فيه تقدير الترتيب فأصح الوجهين أنه يكفى، لأنه لما نوى ارتفع الحدث عن الوجه لملاقاة الماء، وبعده عن اليدين لدخول وقت غسلهما، (ثم) (١) (عن الرأس) (٢)، ثم عن الرجلين، لما قلناه. والثانى: لا يصح؛ لأن ذلك أمر تقديرى لا تحقيقى. إذا تقرر ذلك. فلو غمس الإناء المتنجس نجاسة مغلظة فى ماء كثير فأصح الوجهين، كما قاله فى الروضة والشرح الصغير (٣)، أنه لا يقوم مقام (العدد) (٤) سواء مكث أمْ لم يمكث. ولم يصرح الكبير بتصحيح، مع أن التقدير الذى قالوه هناك ممكن (هنا) (٥). والفرق: أن المأمور به (فى النجاسة) (٦) عدد خاص، ولم يحصل مسماه، والمأمور به فى الوضوء غسل الأعضاء، وقد صدق أنه غسل ورتّب. * * *

стр. 350

باب مسح الخف (١) مسألة: ٢٧ - صححوا أنّ حرف الخف يلحق بباطنه حتى لا يجزئ المسح عليه، وصححوا فى باب الأحداث أن حرف الكف يلحق بالظاهر فى مس الذكر حتى لا ينتقض الوضوء. والفرق: أن الأصل بقاء الطهارة، فألحقنا المتردد بين ما ينقض وبين ما لا ينقض بما لا ينقض؛ رجوعا إلى الأصل، (والأصل) (٢) وجوب غسل الرجلين، وعدم المسح (فألحقنا) (٣) المتردد بين ما (يكفى) (٤) مسحه وما لا يكفى (بما لا يكفى) (٥)؛ رجوعًا إلى الأصل أيضًا. مسألة: ٢٨ - يجوز غسل (الخف) (٦) بدلًا من مسحه، لأن الغسل مسح وزيادة. إلّا أنه مكروه. وقيل: لا يجوز. وهذا بخلاف غسل الرأس؛ فإنه يجزئ عن مسحه على الصحيح، إلا أنه لا يكون مكروهًا فى أظهر الوجهين، كما قاله الرافعى، وصححه أيضًا النووى فى كتبه. ونقل الإمام عن الأكثرين أنه يكره.

стр. 351

والفرق: على المعروف أن غسل الخف فيه محذور، وهو إفساد المالية، بخلاف غسل الرأس. مسألة: ٢٩ - المسح (على الخف) (١) يتأقت للمقيم (بيوم) (٢) وليلة، وللمسافر بثلاثة أيام بلياليها؛ لحديث مسلم فى صحيحه (٣) من رواية على. والقديم لا يتأقت لحديث، رواه أبو داود. وقال إنه اختلف فى إسناده (٤). ورأيت فى ترتيب الأقسام "للمرعشى" (٥) قولًا ثالثًا: أنه يتأقت للمقيم دون المسافر. إذا علمت ذلك، فلو توضأ فى الحضر ومسح على أحد الخفين، ثم سافر ومسح على الأخرى، ففى استباحة الثلاث وجهان: أحدهما: وهو ما جزم به المتولى (٦) واختاره "الشاشى" (٧)، وصححه

стр. 352

النووى (١) أنه لا يستبيح، لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فغلبنا جانب الحضر، كالقصر فى الصلاة. والثانى: وهو ما جزم به الرافعى فى الشرحين (٢) تبعًا للقاضى حسين والبغوى أنه يستبيحهما. وعلى هذا فالفرق بينه وبين الصلاة والصوم ونحوهما: أنّ الماسح لم يستفد بالمسح الواقع فى الحضر شيئا بالكلية، ولم يتلبس بشئ من المقصود (به، لأن المسح يؤتى به للصلاة، وأما هنا فإنه أتى بشئ من المقصود) (٣). مسألة: ٣٠ - قد تقدم أن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليهن. والتعبير بلياليهن هى عبارة (الحديث) (٤) والأصحاب أيضًا. وهو يقتضى أن ابتداء المدة -وهو الحدث- لو وقع وقت طلوع الفجر لا يثبت له المسح فى الليلة الثالثة؛ لأن ليلة اليوم هى المتقدمة عليه لا المتأخرة. وإنما يثبت له مسحها على تقدير أن يكون الابتداء وقت الغروب، مع أن الأصحاب قالوا: يمسح ثلاث ليال مطلقًا كما يمسح المقيم يومًا وليلة (٥). حتى يستفيد المسح فى الليلة المذكورة. كذا صرح به الرافعى وغيره عند تعداد الصلوات المستفادة بالمسح، فتفطن لذلك. وهذا بخلاف اشتراط الخيار للمتبايعين، فإنهما لا يستفيدان الليلة المذكورة، كما اقتضاه كلام النووى فى البيع من شرح "المهذب" فإنه قال: ويدخل فى الأيام الثلاثة ما ذكرناه.

стр. 353

والفرق: أن المعنى المقتضى للّبس موجود فى الليلة الرابعة قطعًا، بخلاف المعنى المقتضى للخيار -وهو التروى- فإنه لا يلزم استمراره إلى تلك، بل الغالب حصوله قبلها، فلا ضرورة إلى إدخالها (١). مسألة: ٣١ - يشترط فى جواز المسح على الخُف لبسه بعد كمال الطهارة، حتى لو لبس الخفين قبل أن يغسل رجليه ثم صب فيهما الماء حتى انغسلتا لم يكف فى جواز المسح، فإن نزعهما ثم لبسهما كفى. فلم يجعلوا استدامة اللبس هنا لبسًا، وجعلوه فى باب الأيمان فقالوا: إذا حلف لا يلبس شيئًا وهو لابسه فاستدام، حنث (لأنه) (٢) يصدق عليه أنه لبس بعد اليمين. ولعل الفرق: أنّ الدليل المقتضى لاشتراط الطهر بعد اللبس وهو قوله ﷺ : "إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما" (٣) يحتمل أن يكون المراد باللبس فيه هو ابتداؤه، ويحتمل أن يكون المراد به ما يصدق عليه اسم اللبس ابتداء كان أو دوامًا. فلما ترددنا فى ذلك أخذنا بالأحوط، وهو الأول؛ لأن المسح رخصة وقد وقع الشك فى الجواز بدونه (٤)، بخلاف الأيمان. مسألة: ٣٢ - الاعتبار فى اللبس المذكور بحالة استقرار القدمين فى مقرهما من الخف حتى لو أدخل الرجلين فى الساق قبل أن يغسلهما، وغسلهما فى الساق ثم

стр. 354

أدخلهما موضع القدم، جاز المسح؛ لأنهما على كمال الطهارة حين استقرتا فى مقرهما. ولو ابتدأ اللبس وهو متطهر، ثم أحدث قبل وصول الرجل إلى قدم الخف، لم يجز المسح لما ذكرناه. هكذا نص عليه الشافعى (رضى اللَّه عنه) فى "الأم" (١). لكن نص فيها أيضًا (٢) أنه إذا مسح على الخف بشرطه، ثم أزال قدمه عن مقرها ولم يظهر من محل الفرض شئ فإنه لا يبطل المسح، مع أن الخروج عن المقر قد وجد، وقياسه البطلان. والفرق بينهما كما قاله الرافعى وغيره: أن الأصل هناك عدم المسح، فلا يباح إلا باللبس التام، فإذا مسح - فالأصل استمرار الجواز فلا يبطل إلا بالنزع التام، وسوّى بعضهم بينهما فمنع. وبعضهم لم يسوِّ فجوَّز. مسألة: ٣٣ - إذا أجنب اللّابس لزمه النزع وتجديد اللبس بعد الطهر، بخلاف واضع الجبيرة واللصوق. مع أنّ كلًا منهما مسح بالماء على ساتر للحاجة (موضوع) (٣) على طهر. والفرق: أن الحاجة هنا أشد، والنزع أشق. * * *

стр. 355

باب ما ينقض الوضوء مسألة: ٣٤ - يحرم على المحدث مس المصحف وحمله، ويجوز تحليته بالفضة فى الأصح. وفى تحليته بالذهب أوجه: أصحها: إن كان لامرأة جاز، وإن كان لرجل فلا. إذا علمت ذلك فقد صحّحوا إلحاق الخريطة والصندوق بالمصحف فى المس إذا كانا متصلين به، ولم يلحقوهما به فى جواز التحلية، فإن النووى قال فى شرح "المهذب" (١): إنه حرام بلا خلاف، لأن ذلك ليس تحلية للمصحف. والجامع التعظيم. والفرق من وجهين: أحدهما: الاحتياط فى الموضعين. والثانى: أن جواز تحليتهما يؤدى إلى اتصافهما (بها) (٢) عند انفصالهما عن المصحف، وهو محذور. ولا كذلك يحرم (المس) (٣). مسألة: ٣٥ - لو مسّ عضوًا مبانًا (٤) من امرأة (لم) (٥) ينتقض (الوضوء فى أصح الوجهين. بخلاف ما لو مسّ ذكرًا مقطوعًا، فإنه) (٦) ينتقض.
следующие страницы →