← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147671

مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق

الإسنوي

Полный текст (660 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وفرَّق الحليمى بأن النائم يتدارك ما عليه باستيقاظه، لكونه لم يأت بشئ. وأما ذاك فإنه لا يتدارك ما عليه، لأنه أتى بشئ يظن أنه محسوس. وهذا الفرق يُشعر بأنه لا يلزمه الإعلام على الفور. وفيه نظر. مسألة: ٧٥ - يجب على المرتد قضاء زمن الجنون دون زمن الحيض، مع أن كلًا منهما ساقط عن المسلم. والفرق "أن" (١) إسقاط الصلاة عن الحائض عزيمة، أى مأمور بالترك على سبيل الوجوب، وسقوطه عن المجنون رخصة، والمرتد ليس من أهلها. ويدل لهذا الفرق ما ذكره صاحب "البحر" (٢) و"الشامل" قبيل سجود السهو، أن القضاء يكره للحائض ويستحب للمجنون والمغمى عليه. وبالغ الإمام أبو بكر البيضاوى (٣) فقال: إنه يحرم على الحائض. كذا رأيته فى كتابه المسمى بـ "الأدلة على مسائل التبصرة" له، ولم يذكره فى كتابه "التذكرة فى شرح التبصرة" (٤)، فاعلمه. والمعروف إنما هو الكراهة، وهو المذكور فى شرح "الوسيط" للعجلى (٥). مسألة: ٧٦ - يجب قضاء الصوم على من أغمى عليه جميع الوقت بخلاف الصلاة.

стр. 387

والفرق: أن الصلاة الفائتة بالإغماء قد تكثر، فيشق قضاؤها عليه بخلاف الصوم، فإن الصوم قليل بالنسبة إلى الصلاة، خصوصا الإغماء المفسد للصوم، وهو الموجود من طلوع الفجر إلى الغروب. مسألة: ٧٧ - إذا ترك صلاة من الخمس ولم يعرف عينها، لزمه أن يصلى الخمس، بخلاف ما إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات، فإنه لا يلزمه أن يقضى شيئا منها. وقيل يلزمه قضاء الجميع، مع أنه فى كلٍّ من الصورتين قد تيقن "اختلال" (١) فى بعض غير معين. والفرق: أنه ما من صلاة هناك إلا وقد أداها معتقدا سقوط ما عليه بها، بخلاف الناسى. * * *

стр. 388

باب مواقيت الصلاة مسألة: ٧٨ - ثبت فى الصحيحين من رواية أبى هريرة -رضى اللَّه عنه- عن النبى ﷺ أنه قال (١): "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٢). وقد اعتبر الأصحاب فى هذا الحكم: المتعلق بالطلوع "لبعض" (٣) الشمس، وفى المتعلق بالغروب جميعها، (حتى يحكم بخروج وقت الصبح بطلوع البعض، ولا) (٤) يحكم بخروج وقت العصر لغيوبة البعض، بل "لا" (٥) بد من غيوبة الجميع. ولا شك أن اللفظ يصح أن يراد به البعض وأن يراد به الجميع، فلم حملناه فى أحدهما على البعض وفى الآخر على الجميع؟ والفرق: تنزيل "رؤية" (٦) البعض منزلة رؤية الجميع فى الموضعين، وإن شئت قلت: راعينا اسم النهار لوجود البعض. وهو يؤيد ما قاله كثير من اللغويين وغيرهم: أن النهار أوله طلوع الشمس.

стр. 389

مسألة: ٧٩ - الصلاة فى أول الوقت مخصوصة بزيادة فضيلة على الصلاة المفعولة فى أثنائه. بخلاف الحج فإن المفعول منه فى "أول" (١) السنين مساو "فى" (٢) الفضيلة لما يقع منه بعد ذلك فى سنة أخرى، كما قاله الرافعى فى كتاب النفقات فى الكلام على نشوز المرأة. ولعل الفرق أن نظر الشارع إلى وقت الصلاة أشد من نظره إلى وقت الحج، ولهذا جعل للصلاة وقتا معينا من العمر بخلاف الحج. واعلم أن ما قاله الرافعى فى الحج لا ينافى قول الأصحاب إن المستحب لمن وجب عليه الحج "أن" (٣) لا يؤخر ذلك، فإن هذا الاستحباب لا يشمل عليه الحج، بل هو شئ منفصل عنه. مسألة: ٨٠ - حيث استحببنا الإبراد بالظهر فى مسجد تأتيه الناس من بعد، فكان الإمام فى المسجد، فإنه يستحب الإبراد فى حقه وحق من حضر معه، انتظارا لبقية الجماعة. وهذا هو مقتضى كلام الشافعى (٤)، وإطلاق الأصحاب، ويدل عليه أن النبى ﷺ "كان يبرد "بالظهر" (٥) وكان بيته فى مسجده" (٦). ولم يقولوا بأنه يستحب أن يصلى أولًا منفردا ثم يأتى بها مع الجماعة. وهذا بخلاف المنفرد الراجى للجماعة فى أثناء الوقت، فإنه يستحب أن يصلى مرتين كما ذكره فى الروضة (٧) فى باب التيمم. ولعل الفرق أن حقيقة الإبراد هو التأخير، وهو يقتضى التقديم، "فسقط اعتبار فضيلة التقديم بالأمر" (٨) بنقيضها. بخلاف مسألة المنفرد "فإن الفضيلة المعارضة للأولوية فيها ليست نقيضا لها، بل هما نوعان وقد أمكن الجمع بينهما" (٩).

стр. 390

باب الأذان مسألة: ٨١ - إذا ترك السامع الإجابة (١) حتى فرغ المؤذن، فالظاهر أنه يتداركه قبل طول الفصل لا بعده. كذا ذكره النووى فى شرح "المهذب" (٢) تفقها من عنده، ولم يفرق بين الناسى والعامد، وهو ظاهر. وهذا بخلاف تكبير العيد المشروع عقب الصلاة، فإن الناسى له أن يتداركه وإن طال الفصل فى أصح الوجهين. والجامع أن كلًا منهما ذكر يُشرع الإتيان به عقب العبادة. والفرق أن الذى يأتى به السامع هنا جوابا للمؤذن مع طول الفصل لا يُعد جوابا فى العادة، ويدل عليه جواب المشترى للبائع ونحو ذلك. بخلاف تكبير العيد. مسألة: ٨٢ - إذا كان السامع فى صلاة فإنه يجيب بعد الفراغ، بخلاف ما إذا عطس فى الصلاة فإنه يحمد اللَّه تعالى "فيها" (٣) ويسمع به نفسه، كما ذكره فى آخر السِّير من "الروضة". والفرق أن الذى يأتى به سامع المؤذن وهو الإجابة، (والذكر يعد كثيرا. بخلاف

стр. 391

العاطس. وتوسط الغزالى فى "الإحياء" (١) فقال: يحمد اللَّه تعالى فى نفسه ولا) (٢) يحرك به لسانه. مسألة: ٨٣ - لم يفصل الرافعى ﵀ فى إجابة المصلى بعد الصلاة بين طول الفصل وقصره، وتبعه عليه فى "الروضة" وهذا بخلاف النسيان، كما تقدم نقله عن شرح المهذب (٣). والفرق أن الناسى ينسب إلى تقصير، فلذلك منعناه التدارك عند الطول، بخلاف البواقى. وما ذكرناه "أولا" (٤) من جواب المصلى بعد السلام "يخالف" (٥) سجدة التلاوة، فإن السامع لها إذا كان فى صلاة لا يسجد بعد الصلاة كما اقتضاه "إطلاق" (٦) "كلام" (٧) "الشرح" و"الروضة". وصرح به فى "التحقيق"، فقال: ولو سمع المصلى قراءة غير إمامه "لم يسجد بعد سلامه، وحكى قولان. واعلم أن المصلى وإن كره له الاستماع إلى قراءة غير إمامه" (٨) فالسجود لا يتوقف على

стр. 392

الاستماع بل يشرع بالسماع، فصار كسماع المؤذن. ولا شك أن الاستماع للمؤذن بمثابة الاستماع لقراءة غير الإمام حتى يكون أيضا مكروها، فاعلمه. وقد يفرق بأن الأذان (مطلوب فى نفسه) (١) للصلاة، فإن تقديم الأذان على الصلاة مطلوب إما منه وإما من غيره، (فتعاطى غيره) (٢) له بمثابة تعاطيه، بخلاف آية السجدة. مسألة: ٨٤ - الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة غير معطوفة هنا (٣). بخلاف التشهد فى الصلاة فإنها وردت بالواو، بل مقتضى الحديث (٤) وكلام الأصحاب إيجابها. والفرق أن الأذان يستحب فيه إفراد كل كلمة بنفس؛ طلبا لمد الصوت والترتيل (لأجل إعلام الغائبين) (٥)، وذلك يناسب ترك العطف. بخلاف التشهد. فإن قيل: هذا المعنى مفقود فى الإقامة. قلنا: نعم، ولكن سلك به مسلك الأصل. مسألة: ٨٥ - يشترط فى هذا الباب ستر العورة، من الأعلى والجوانب دون الأسفل، حتى لو صلى على طرف سطح بحيث يرى عورته من هو أسفل منه، صحت

стр. 393

صلاته على الصحيح. وهذا بخلاف المسح على الخف فإنه يشترط فيه ستر الرجل من الجوانب (والأسفل دون الأعلى) (١)، حتى لو كان واسع الرأس بحيث يرى منه بعض القدم، (فإن الصحيح فى رواية الروضة) (٢) وغيرها الجواز. والفرق أن الخف يلبس (٣) من أسفل ويتخذ لستر الأسفل، بخلاف القميص. مسألة: ٨٦ - المشهور عندنا أن عورة الرجل ما بين سرته وركبته، وأن عورة الحرة جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، وأن الأمَة كالرجل. إذا تقرر ذلك، فالخنثى إن كان حرا أو رقيقا وقلنا: إن عورة الأمَة تزيد على عورة الرجل -فلا يجوز له الاقتصار على ستر عورة الرجل، لاحتمال الأنوثة. فلو فعل ففى صحة صلاته وجهان. أفقهها- على ما قاله فى هذا الباب من شرح "المهذب" (٤)، وهو الأصح فى زيادات الروضة (٥): (أنها لا تصح) (٦)، لأن الستر شرط، وقد شككنا فى (حصوله. فلو خرج منه شئ وشككنا فى) (٧) أنه منىّ أو مذى - فالأصح فى "الروضة" (٨) تبعا "للرافعى" (٩): أنه يتخير بين موجبهما، ولا يلزمه الاحتياط حتى يحمل بمقتضى كل منهما على ما سبق إيضاحه فى بابه، فراجعه. مع أن (الطهارة) (١٠) شرط، وقد شككنا فى حصولها.

стр. 394

والفرق بينهما: أن الأصل يبقى كل واحد منهما على انفراده هناك، لأنه قبل خروج هذا الخارج لم يكن جنبا ولا متنجسا فإذا عمل بأحدهما فيندفع إيجاب الآخر بالأصل. بخلاف ستر العورة، فإن ما زاد فيه على عورة الرجل لم يتقدمه أصل يدفعه، وأيضا فإن إيجاب مقتضى الأمرين هناك يستلزم إيجاب ما ليس عليه قطعا. بخلاف نظيره من الستر (هنا) (١). * * *

стр. 395

باب طهارة البدن والثوب وموضع الصلاة مسألة: ٨٧ - لو كان على ثوبه أو بدنه دماء متفرقة كل منهما قليل ولو اجتمعت لكثرت. ففيه احتمالان للإمام، وميله للعفو. وكلام "التتمة" (١) يقتضى الجزم بخلافه. وهذا بخلاف الخطوات المتفرقة فإن الرافعى قد جزم بأنها لا تضر. والفرق أن الدماء وإن تفرقت بالنسبة إلى المكان، فهى مجتمعة بالنسبة إلى الزمان، فلذلك ضرب (عما قاله) (٢)، بخلاف الخطوات. مسألة: ٨٨ - إذا علم بالنجاسة ثم نسيها، وصلى. فالأصح القطع بوجوب الإعادة. وقيل على قولين. وهكذا الحكم فى نسيان ساتر العورة، كما صرح به فى الروضة (٣) فى بابه، واقتضاه كلام الرافعى فى التيمم (٤). وهذا بخلاف ما إذا نسى الماء فى رحله فتيمم ثم تذكره (٥)، فإن فيه طريقين أيضا، لكن الأصح طريقة القولين.

стр. 396

والفرق بينهما إتيانه بالبدل فى نسيان الماء، بخلاف النجاسة والسترة. إلَّا أن هذا الفرق ينتقض بنسيان الفاتحة والترتيب فى الوضوء، فإن الأصح فيهما طريقة القولين مع انتفاء البدلية (١). مسألة: ٨٩ - إذا صلى مع النجاسة جاهلا بها ففيه ما سبق من الخلاف. وهذا بخلاف طهارة الحدث فإن القضاء يجب قطعا. والفرق أن النجاسة قد تخفى على الشخص، لأنها قد تصيبه ولا يشعر بها. بخلاف الحدث. مسألة: ٩٠ - اليسير من دم البراغيث إذا انتشر بالعرق لا يعفى عنه فى أصح الوجهين عند الرافعى (٢)، فلو حصل ذلك فى الثوب ثم اتصل بسببه إلى البدن بالعرق فهو على هذين الوجهين أيضا. كما قاله ابن الرفعة فى الكفاية. وهذا بخلاف ما إذا عرق محل الاستنجاء بالأحجار فتلوث به غيره، فأصح الوجهين أنه لا يضر. والفرق عموم البلوى بالنجاسة الخارجة من السبيلين، بخلاف غيرها. على أن النووى (٣) قد صحح العفو فى الأول أيضا.

стр. 397

باب استقبال القبلة (١) مسألة: ٩١ - لا يجوز الاستنابة فى الوقوف (على القبلة) (٢) لمن لم يعرفها. ويجوز فى طلب الماء إذا فقده، وأراد التيمم، فى أصح القولين، مع أن كلا منهما شرط من شروط الصلاة. والفرق أن القبلة فى حق الغائب عنها إنما تثبت بالاجتهاد، والمجتهد لا يقلد المجتهد. والماء من الأمور المحسوسة. مسألة: ٩٢ - إذا ضاق الوقت عن الاجتهاد فى القبلة صلى كيف اتفق وأعاد، وقيل: يقلد. وقيل: يستمر فى (الاجتهاد) (٣)، وإن خرج الوقت. (وذكروا فى التيمم -فيما إذا توجه عليه طلب الماء لظنه إياه أو توهمه-: أنه يطلبه إلى أن يضيق الوقت فيتيمم. وقيل: يستمر وإن خرج الوقت) (٤). وقد يطلب إلى أن يبقى ركعة، ومقتضى كلام الأصحاب أن القضاء لا يجب، على خلاف ما ذكرناه فى القبلة. والفرق أنه أتى فى التيمم ببدل معين من الشارع، فلم يقض. بخلاف القبلة.

стр. 398

وأيضًا فلأن الماء غير معلوم الوجود هناك. بخلاف القبلة، فإنها تأتيه فى كل جهة، وإن اشتبهت، ولهذا قالوا: لو كان (الماء) (١) حاضرا وخاف فوت الوقت لو توضأ، فإنه يلزمه الوضوء. وقيل: يصلى بالتيمم ثم يعيد. ولو تيقن الماء فى الحد الذى يجب ذهاب المسافر إليه، ولكنه انتهى إلى المنزل وتأخر فى الوقت بحيث لو قصد الماء لفاته الفرض، فإنه يلزمه أيضا قصده على اختلاف سبق فى التيمم (٢)، وقياس ما قيل هناك من الطلب إلى مضى ركعة أن يأتى مثله ههنا أيضا. مسألة: ٩٣ - إذا تنفل المسافر ماشيا، فالأصح أنه يتم ركوعه وسجوده، ويستقبل فيهما وفى إحرامه لسهولة ذلك عليه، ولا يمشى إلّا فى قيامه وتشهده (لطولهما) (٣). إذا علمت ذلك فكلام الرافعى وغيره يقتضى أنه يمشى فى حال الاعتدال دون الجلوس بين السجدتين (٤). وقد صرح به ابن الرفعة فى "الكفاية" (٥) نقلا عن البغوى (وغيره) (٦). والفرق كما قاله ابن الرفعة فى الكفاية: أن مشى القائم (يسهل؛ فسقط) (٧) عنه التوجه فيه ليمشى فيه شيئا من سفره قدر ما يأتى بالذكر المسنون. ومشى الجالس لا يمكن (إلا بالقيام) (٨) وقيامه غير جائز فكان عليه التوجه فيه (٩).

стр. 399

مسألة: ٩٤ - إذا صلى الفرض على دابة سائرة وأمكنه الاستقبال وإتمام الركوع والسجود لم تصح صلاته على الصحيح، لأن سير الدابة منسوب إليه بدليل صحة الطواف عليها. ولو صلى على سرير يحمله رجال وساروا به أيضا، فالأصح أنه يجوز، كذا صرح به القاضى أبو الطيب بنقله عن الأصحاب، وحكاه عنه النووى فى شرح "المهذب" وأقره. وهو مقتضى كلام الروضة (١) تبعا للرافعى، فإنه أطلق فيها بصحيح الصحة فى السرير الذى يحمله الرجال ولم يفصل بين أن يسيروا به أم لا. ولعل الفرق أن الدابة لها اختيار فى السير، فلا تكاد تثبت على (هيئة) (٢) واحدة. بخلاف السرير، وقياس هذا الفرق صحتها على الدابة إذا أمسك شخص بلجامها، بحيث تنضبط. وقد صرح به فى "التتمة" (٣)، وحكاه الرويانى فى "الحلية" عن بعض الأصحاب، ثم قال: إنه القياس والاختيار (٤). * * *

стр. 400

باب صفة الصلاة مسألة: ٩٥ - إذا كبر المصلى فيستحب أن يأتى بدعاء الاستفتاح، وهو (١): وجهت وجهى إلى آخره. ثم قال الرافعى (٢): لا يزيد الإمام على هذا إذا لم يعلم رضاء المأمومين بالزيادة، فإن علم رضاهم أو كان المصلى منفردا استحب أن يقول بعده: "اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، أنت ربى وأنا عبدك، ظلمت نفسى، واعترفت بذنبى، فاغفر لى ذنوبى جميعها، فإنه لا يغفر الذنوب (٣) إلّا أنت. واهدنى لأحسن الأخلاق، لا يهدى لأحسنها إلّا أنت. واصرف عنى سيئها، لا يصرف عنى سيئها إلّا أنت. لبيك وسعديك، والخير كله بيدك، (والمهدى من هديت) (٤)، والشر ليس إليك. أنا بك وإليك، (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك) (٥). تباركت وتعاليت. أستعفرك وأتوب إليك". هذا كلام الرافعى، وهو كالصريح فى أن الإمام يدعو بلفظ الجمع فيقول: اللهم اهدنا فيمن هديت. كذا صرح به الرافعى هناك. والفرق: أن المأمومين يأتون أيضا بدعاء الاستفتاح كما يأتى به الإمام أيضًا، وذلك لأنهم لا يسمعونه، فلهذا أفرد الإمام، بخلاف القنوت. ومقتضى هذا الفرق استحباب الإفراد (للإمام) (٦) إذا أسرّ أو لم يسمع المأموم قنوته لصممه، أو بُعده.

стр. 401

واعلم أن النووى ﵀ علل فى كتابه المسمى بـ "الأذكار"، استحباب الجمع للإمام فى القنوت، "بأنه يكره للإمام" (١) تخصيص نفسه بالدعاء، لقوله ﷺ : "لا يؤم عبدٌ قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم. فإن فعل خانهم" رواه أبو داود، والترمذى (٢)، وقال: حديث حسن. ومقتضى ما قاله فى "الأذكار" اضطراره فى سائر أدعية الصلاة، كدعاء الاستفتاح، ودعاء التشهد. وبه صرح الغزالى فى "الإحياء" (٣) فى كلامه على التشهد، فقال: يقول: اللهم اغفر لنا، ولا يقول: اللهم اغفر لى، فقد كره للإمام أن يخص نفسه بالدعاء. هذا كلامه، ونقله ابن المنذر (٤) فى "الإشراف" (عن الشافعى، فقال: قال الشافعى: لا أحب للإمام تخصيص نفسه بالدعاء دون القوم. قال ابن المنذر) (٥): وثبت أنه ﵇ كان إذا كبر فى الصلاة يقول قبل القراءة: اللهم باعد بينى (وبين خطاياى) (٦). . إلى آخره. اللهم نقنى. . . إلى آخره. اللهم اغسلنى. . . إلى آخره. وبهذا نقول. هذا كلام ابن المنذر. وقد علم منه أن ما قاله الرافعى هنا وتبعه عليه فى "الروضة" (٧) خلاف ما قاله الشافعى. مسألة: ٩٦ - إذا قلنا بأنه يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين فى السجود، كما

стр. 402

صححه النووى (١)، فعجز عن الوضع - لم يجب الإيماء بها، وتقريبها من الأرض حسب الإمكان "بخلاف الجبهة". والفرق أن الجبهة هى المقصودة بالوضع لما فيه من التذلل بوضع أشرف ما فيه فى مواطئ الأقدام، فحافظنا على ما كان أقرب إليه. بخلاف اليدين ونحوهما، فإن وجوب وضعهما من باب الوسائل، وهو تسهيل وضع الجبهة من غير مشقة؛ محافظة على الخشوع. ورأيت فى شرح "الكفاية" وهما معا للصيمرى، أنّا إذا أوجبنا وضع اليدين وكشفهما (فيكفى (٢)) كشف إحداهما. وقياسه: جريانه فى الوضع. مسألة: ٩٧ - السنة أن ينشر أصابع يديه إذا رفعهما لتكبيرة الإحرام ونحوها، (وإذا وضعهما فى الركوع على ركبتيه ونحوها) (٣). ولكن مع التفريج المقتصد فى التكبير، وفى الوضع على الركبة. ومع الضم فى السجود. والفرق: أنه إذا وضع اليد على الأرض صار مستقبلا القبلة بأطراف أصابعه، فإذا فرقها عدل ببعضها عن القبلة. بخلاف ما إذا رفع يديه فإنه يكون مستقبلا بباطن كفيه، فلم يكن فى التفريق عدول عن القبلة. وهذا الفرق ذكره الماوردى، وأشار إليه الرافعى. وهو يقتضى الضم أيضا فى التشهد والجلوس بين السجدتين، على خلاف ما صحح. وقد استدركهما فى "الروضة" عليه (ويستحب) (٤) فتح أصابع الرجلين أيضا، كما قاله الشيخ عز الدين فى القواعد الكبرى.

стр. 403

مسألة: ٩٨ - إذا عجز عن الفاتحة، أتى بسبع آيات. وهل يشترط فيها التوالى إذا قدر على المتوالية. أم يجوز التفريق؟ وجهان: أصحهما عند الرافعى: الأول. وهذا بخلاف ما إذا عجز عن صيام رمضان، فإنه لا يشترط التوالى فى قضائه. مع أن كلا منهما متعدد، وهو بدل عن أصل متعدد متوال. والفرق: أن القرآن نظمه مُعجز، وفى ترتيب آياته أسرار وحكم. ولهذا كان ترتيبها توقيفا من اللَّه تعالى بالاتفاق، فلذلك أوجبنا الترتيب فى بدل الفاتحة، مراعاة لهذا المعنى، بخلاف بدل رمضان، فإن التوالى فيه إنما جاء من خصوصية الشهر وليس بين (أفراد) (١) أيامه ارتباط. مسألة: ٩٩ - قد تقدم أنه إذا عجز عن الفاتحة فيأتى بسبع آيات. فإن عجز عن القرآن فيأتى بالذكر، وهل يشترط سبعة أنواع؟ فيه وجهان: أقربهما، كما قاله الرافعى: أنه "يشترط" (٢)، ولا يجوز نقصان حروف البدل عن حروف الفاتحة فى أصح الوجهين، سواء كان البدل قرآنا (أو) (٣) ذكرا. وهذا بخلاف قضاء الصوم فإنه لا يشترط فيه أن يكون بعدد ساعات اليوم الفائت فى الأصح. والفرق: أن حروف الفاتحة مضبوطة، لا تقبل زيادة ولا نقصانا، فإنها بالبسملة مائة وخمسة وخمسون حرفا. وعلى قراءة مالك بالألف تزيد حرفا. ولا مشقة مع انضباط عدد حروفها فى معرفة قدر (ذلك من سورة أخرى. بخلاف الأيام فإنها تزيد تارة، وتنقص أخرى فيعسر الوقوف على معرفة قدر) (٤) اليوم الفائت على معرفة قدر اليوم الذى يقضى فيه.

стр. 404

مسألة: ١٠٠ - إذا أحسن آية من الفاتحة أتى بها وببدل الباقى إن أحسنه، سواء كان قرآنا أو ذكرا، وإلّا كررها. وقيل: يجب تكرارها أحسَنَ (غيرها) (١) أم لا. ولو أحسن آية من غير الفاتحة فهل يكررها. أو يأتى بها، وببدل الثانى؟ فيه ما سبق، كما قاله النووى فى التحقيق، تبعا للبندنيجى وغيره. وهذا بخلاف ما لو أحسن نوعا من الذكر، فإن له أن يكرره مع حفظه لغيره، كما قاله الشيخ أبو محمد فى الفروق مع قوله فى المسألة السابقة ألا يكرر الآية، بل ينتقل إلى الذكر. والفرق أنه هناك قدّر على الأصل وبدل الباقى، فلزمه الإتيان به. بخلاف ما نحن فيه (٢). ثم نقل الشيخ أبو محمد عقب هذا عن نص الشافعى أنه إذا أتى بالآية وببدل الباقى من الذكر، فيستحب له بعد ذلك أن يكرر الآية ست مرات. وسبب هذا النص هو الاحتياط. إلّا أن الاقتصار على الست يستقيم إذا كان المحفوظ هو الآية الأخيرة، فإن كان غيرها فالصواب تكريرها سبعا، لأن الحق فى نفس الأمر إن كان هو التكرار، فالمرة الأولى غير محسوبة، لأجل الفصل بالذكر. وراجعت كلام الشافعى فى "الأم" فرأيته نص على السبع (٣). مسألة: ١٠١ - إذا لم يحسن قراءة ولا ذكرا -وقف بقدر الفاتحة، ولا شك أن التشهد الأخير كذلك. وأما القنوت فقال فى "الإقليد": لا يقف له بخلاف التشهد الأول. وفرق بأن جلوس التشهد مقصود فى نفسه بخلاف القنوت فإنه شرع لغيره، وهو

стр. 405

ذكر الاعتدال. وسوى ابن الرفعة (١) بينهما فى استحباب المُكث، ويتجه إلحاق السورة بالقنوت. مسألة: ١٠٢ - يستحب قراءة السورة فى الركعتين الأوليين، ولا يستحب فى الأخيرتين فى الأظهر فإن اقتدى فى الركعتين الأخيرتين فسلم إمامه فقام ليأتى بالركعتين الباقيتين، فإنه يقرأ السورة فيهما على الصحيح المنصوص، لئلا تخلو صلاته من ذلك. وهذا بخلاف الجهر، فإنه لا يفعله فى أصح القولين، ومع أن كلا منهما سُنّة. والفرق: أن السُّنة فى آخر الصلاة، هو الإسرار. ففى إقامة الجهر فيه تفويت، لسنة أخرى (٢). بخلاف القراءة، فإنا لا نقول إنه يسن تركها، بل إنه يسن فعلها. وبينهما فرق. وهذا كما نقول: إنه لا يُسن أن يصلى بين الطلوع والزوال مائة ركعة، ولا نقول إنه يُسن أن لا يصلى، بل لو صلى كان متطوعا متعبدا، فتأمل ذلك. وهو معنى ما فرق به النووى فى شرح "المهذب"، وفرق غيره بأن القراءة سنة مستقلة، والجهر سنة للقراءة، فكانت أحق. مسألة (٣): ١٠٣ - لو لم يأت فى الصلاة على النبى ﷺ بلفظ محمد، بل "قال" (٤): صلى اللَّه (على رسوله) (٥). جاز. ولو قال: (على) (٦) النبى، فوجهان: أصحهما:

стр. 406

فى "التحقيق" للنووى أنه يجوز، بخلاف ما لو قال: أحمد. فإن الصحيح من الوجهين فيه: لا يجوز، مع أنه فى الثلاث لم يأت باللفظ الوارد فى الحديث (١)، وهو محمد، بل أتى بما يدل عليه. ولعل الفرق أن اللفظين الأولين أشهر من لفظ أحمد. مسألة: ١٠٤ - أصح القولين: وجوب التنكيس فى السجود، وهو أن ترتفع أسافله على أعاليه. والثانى تجوز المساواة، ورأيته فى شرح مسند الشافعى للرافعى منقولا عن النص، فلو تعذرت هيئة التنكيس فهل يجب وضع وسادة ليضع جبهته عليها؟ فيه وجهان: أشبههما بكلام الأكثرين، كما قاله الرافعى: أنه لا يجب، والثانى: يجب، وصححه الرافعى فى الشرح الصغير لو أمكنه التنكيس، ولكن عجز عن وضع الجبهة على الأرض، فإنه يلزمه وضع الوسادة. وسبق فى باب التيمم فى الجريح، إذا وضع الجبيرة، أنه يغسل الصحيح، ويتيمم (عن الجريح) (٢)، ويمسح الجبيرة بالماء، وهل يلزمه وضعها ليمسح عليها؟ على وجهين أصحهما عند الأكثرين: أنه لا يجب. والفرق: أن الواجب هناك هو مسح الجبيرة، ومسحها يستدعى وجودها. ولم توجد، فلا يوجد الوجوب، لأنه كالوضوء عن الحدث. إن كان محدثا وجب عليه، وإلا فلا يجب عليه أن يحدث ليتوضأ. والسجود هنا واجب بطريق الأصالة، ولم يمكنه إلا بالوضع، فوجب عليه ذلك. وهكذا القول فى القيام. مسألة: ١٠٥ - لو عكس التكبير فى الإحرام فقال: "أكبر اللَّه" (٣) فالمنصوص أنه

стр. 407

لا يجزئ. ولو عكس السلام فى آخر الصلاة، فقال: عليكم السلام. أجزأه على المنصوص (١). ومنهم من قال: فيها قولان. والأصح تقرير النصين. وفرقوا بأن الأول لا يسمى تكبيرا. والثانى يسمى تسليما. قال الرافعى: ولأصحاب الطريق السابق (٢) أن ينازعوا فى هذا الفرق. قلت: وقد يصلح الفرق فيقال التكبير بالأول، غير معهود عرفا ولا شرعا. بخلاف التسليم (بالثانى) (٣) بدليل الرد على المسلم. مسألة: ١٠٦ - إذا عجز عن التكبير بالعربية، أو عن غيره من الواجبات - وجب عليه التعلم إذا قدر عليه، ولو بالسفر إليه، على الصحيح. وهذا بخلاف السفر لطلب الماء، فإنه لا يجب عليه عند العجز. والفرق: أنه إذا تعلم عاد إلى موضعه وانتفع بما تعلمه طول عمره، بخلاف الماء ولهذا منعناه من الصلاة بالترجمة فى أول الوقت إذا قدر على التعلم فى آخره. بخلاف التيمم. مسألة: ١٠٧ - يستحب للإمام فى الجَهْرية أن يجهر بالتأمين. وفيه وجه شاذ حكاه فى شرح "المهذب" ولا يستحب الجهر بالتعوذ فى أصح الأقوال، والثانى: يستحب، كما لو كان خارج الصلاة، فإنه يجهر به قطعا، كما قاله فى شرح "المهذب". والثالث: أنهما سواء (٤)، مع أن التعوذ والتأمين سنتان تابعتان للقراءة.

стр. 408

والفرق أن التبعية فى التأمين أوضح لورودها بعد الفاتحة وعقب الجهر. بخلاف التعوذ، وأيضا فلأن التأمين يستحب فيه مقارنة ما يأتى به الإمام لما يأتى به المأموم فاستحب فيه الجهر "لأنه" (١) أعون على الإتيان بالاقتران، بخلاف التعوذ. وفى شرح التنبيه، للمحب الطبرى فى استحباب الجهر بالاستفتاح أيضا وجهين. واعلم أن استحباب التعوذ والتسمية لمن يستفتح القراءة خارج الصلاة، لا فرق فيه بين أن يكون الاستفتاح من أول سورة أو من أثنائها. كذا رأيته فى (زيادات) أبى عاصم (٢) العبادى نقلا عن نص الشافعى (٣). والنقل فى التسمية غريب، فتفطن له. مسألة: ١٠٨ - إذا سكت سكوتا طويلا فى أثناء (الفاتحة) (٤) فهل ينقطع الولاء حتى يلزمه استئناف القراءة أو لا؟ ينظر فيه. إن كان ناسيا - لم ينقطع. وحكى ابن الرفعة فى "الكفاية" (وجها) (٥) أنه ينقطع. ومال إليه الإمام والغزالى، وإن كان (متعمدا) (٦) انقطع، على الصحيح. قال الرافعى: سواء فعله مختارا أم لعارض، كالسعال، والتوقف فى القراءة. وذكر فى "الكفاية" (٧) أن (الإعياء) - أى عدم استطاعته (٨) النطق لتعب ونحوه بمثابة النسيان. وفيه نظر. وعموم (كلام) (٩) الرافعى يشعر (به) (١٠)، وفى الإكراه والجهل بخلافه. فإن سكت سكوتا يسيرا،

стр. 409

فينظر: إن قصد به قطع القراءة، انقطعت على أصح الوجهين، وبه قال المعظم. وإن لم يقصد به ذلك لم ينقطع. وإن لم (يسكت) (١) أصلا بل وجد منه مجرد قصد القطع، فإنها لا تنقطع أيضا. وهذا بخلاف ما إذا نوى قطع الصلاة فإنها تنقطع. والفرق بينهما أن النية ركن فى الصلاة تجب إدامتها حكما، فأثرت نية القطع فيها، بخلاف القراءة فإنها تفتقر إلى نية خاصة، فلذلك لم تؤثر فيها نية القطع. هكذا فرق به الرافعى. وقياسه أن نية القطع لا تؤثر فى الركوع وغيره من الأركان. * * *

стр. 410

باب فروض الوضوء وسننها مسألة: ١٠٩ - الموالاة واجبة فى الصلاة. ثم اختلفوا؛ فنقل الرافعى عن بعضهم أنها ركن، وخالف النووى فى شرح الوسيط المسمى بـ "التنقيح"، فقال: والموالاة والترتيب شرطان، وهو أظهر من جعلهما من الأركان. هذه عبارته. ثم اختلفوا أيضًا فى تفسيرها؛ فصورها الرافعى بتطويل الركن القصير. وصورها ابن الصلاح (١) بما إذا ترك ركنًا، وسلم ناسيًا، وطال الفصل قبل تذكره. ثم اختلفوا فى حدّ طول الفصل على مقالات حكاها الرافعى فى سجود السهو، أصحها: أنه يرجع فيه إلى العرف، وفى قول: بأنه الذى يزيد على ركعة، وقيل: إنه قدر الصلاة التى هو فيها. وقيل: ما زاد عن المقدار المنقول عن فعل رسول اللَّه ﷺ فى قصة ذى اليدين (٢). وذكر الرافعى (فى الحج) (٣): أنّا إذا أوجبنا الموالاة (فى الطواف) (٤) فالمعتبر بالزمن الذى يغلب على الظن تركه للطواف. كذا نقله الإمام وأقره. وذكر فى باب صفة الوضوء: أنّا إذا قلنا بالقديم وأوجبنا الموالاة وهى المسماة بالتتابع، ففوات ذلك بالتفريق الكثير، وضابطه تطهير العضو بعد العضو بحيث

стр. 411

لا يجف المغسول الذى (قبله) (١) قبل شروعه (فيه مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص، والاعتبار بآخر غسلة) (٢) من آخر مغسول؛ فإن كان ممسوحا قدر مغسولًا، كما قاله فى الكفاية (٣). وقيل: إن الكثير أن يمضى زمن يمكن فيه إتمام الطهارة. وقيل: يرجع فيه إلى العرف. إذا علمت ذلك - فالمذكور فى الطواف يمكن موافقته الذى رجحوه فى الصلاة (٤)، وإنما اختلف التعبير خاصة. وحينئذ يكون المرجع فيهما إلى العرف. وعلى هذا فالفرق بينهما وبين الوضوء، حيث لم يرجع فيه إلى العرف على الصحيح، أن الغسل له أثر محسوس مشاهد، يشعر وجوده بوجود الغسل وقرب عهده، وهو البلل الكائن على العضو، فكان الاعتبار به أولى من اعتبار شئ خارج عنه، بخلاف الصلاة والحج، فإنهما (ليس) (٥) فيهما مثل ذلك. مسألة: ١١٠ - إذا أوجبنا الموالاة فى الوضوء كان النسيان فيها عذرًا فى أظهر الوجهين، بخلاف الصلاة. والفرق: نحو ما سبق. مسألة: ١١١ - إذا شك بعد السلام فى ترك فرض، نظر: إن لم يطل الزمان، فقولان: المشهور: أنه لا يؤثر، لأن الظاهر وقوع التسليم بعد مضى الأركان، لأنه لو أثر لعسر الأمر على الناس، خصوصًا ذوى الوسواس. والثانى: يؤثر، لأن الأصل

стр. 412

عدم الفعل. فعلى هذا يتدارك المشكوك فيه وما بعده، ويسجد للسهو. وقطع بعضهم بالأول. وصحح فى "الروضة" (١) هذه الطريقة (٢)، على خلاف ما فى "الشرحين" (٣) وما فى "المنهاج" (٤). وإن طال الزمان لم يؤثر قطعًا. وقيل على القولين. وهذا بخلاف ما لو شك بعد السلام: هل كان متطهرًا أم لا؟ فإن فيه وجهين: المذهب فيهما كما ذكره النووى فى شرح "المهذب": أنه يؤثر. والفرق بينه وبين الأركان من وجهين: أحدهما: أن الأركان يكثر الشك فيها لكثرتها. والثانى: أنّ الشاكّ شاكّ فى انعقاد الصلاة (والأصل عدم انعقادها. والشاكّ فى الركن قد تيقن الانعقاد، وشكّ فى المبطل) (٥)، والأصل عدمه. وقياس الفرق الثانى الذى ذكره النووى (يقتضى) (٦) أن الشروط كلها كذلك، وأن المشكوك فيه لو كان هو النية أعاد. وبه صرح البغوى فى فتاويه، ويؤيده ما ذكره (أيضًا) (٧) النووى فى باب صلاة الجماعة من شرح "المهذب" (٨): أنه لو شك كل واحد من الإمام والمأموم بعد الفراخ أنه نوى الإمامة أو الائتمام، أو شك أحدهما ونوى الآخر الاقتداء - (بطلت صلاتهما. قال: بخلاف ما لو شك فى أنه: هل كان قد نوى الاقتداء) (٩) أو لا، أو شك بعد الوضوء فى ترك بعضه؟ فإنه لا شئ عليه.

стр. 413

مسألة: ١١٢ - إذا صلى سنة الظهر أربعًا بتسليمة واحدة، صح، كما قاله (النووى) (١) فى فتاويه، بل هو الأفضل، كما قاله المحب الطبرى فى شرح "التنبيه" وأورد فيه حديثًا (٢). بخلاف (تنفله) (٣) فى التراويح، فإنه لا يصح، كما قاله القاضى الحسين فى فتاويه، ونقله عنه النووى، ولم يذكره غيره. والفرق أن التراويح صلاة مستقلة تشرع فيها الجماعة، فأشبهت الفرائض، فلذلك لم يجز تغييرها عمّا ورد، وهو عشر تسليمات، كما رواه البيهقى (٤) بإسناد صحيح عن فعل عمر والصحابة بخلاف سنة الظهر (٥). مسألة: ١١٣ - يكره قيام كل الليل دائمًا. بخلاف صوم الدهر فإنه لا يكره إلا أن يخاف منه ضررًا، أو فوت به حقًا. وقال جماعة: يكره مطلقًا. وقال آخرون ومنهم الغزالى (٦): لا يكره، بل يستحب. والفرق: أنّ قيام كل الليل مضر للعين، ولسائر البدن، (كما جاء فى الحديث السابق، فإن نوم الليل هو الملائم للبدن) (٧) النافع له، ولأن من صام الدهر يمكنه (أن يستوفى بالليل ما فاته من أجل صحته بالنهار. ومصلى الليل لا يمكنه) (٨) نوم النهار لما فيه من تفويت مصالح دينه ودنياه، كذا فرق به النووى.

стр. 414

وقد لاحظ الطبرى فى شرحه للتنبيه هذا المعنى هنا أيضًا، فقال: فإن لم يجد بذلك مشقة استحب، لا سيما المتلذذ بمناجات اللَّه تعالى، وإنْ وجد (مشقة) (١) نظر: إن (خشى) (٢) بسببها محذورا، كره، وإلا لم يكره. ولكن رفقه بنفسه (أولى) (٣). * * *

стр. 415

باب سجود التلاوة مسألة: ١١٤ - إذا قرأ السجدة فى الركوع أو السجود لم يسجد، (ولو قرأها فى صلاة الجنازة لم يسجد) (١) أيضًا فيها. وهل يسجد بعد الفراغ؟ وجهان: أصحهما، كما نقله فى الروضة (٢) عن البحر، وأطلق تصحيحه فى التحقيق، أنّه لا يسجد. (وأصلها) (٣) الخلاف فى أنّ القراءة (التى) (٤) لا تشرع، أى لا تطلب، هل تقتضى السجود فيها أو لا؟ ولو قرأ آية السجدة فى القيام قبل الفاتحة فإنه يسجد، مع أنها غير مشروعة أيضًا. ولعل الفرق: أنّ القيام محل لقراءة آية السجدة من حيث الجملة، بخلاف الركوع والسجود، وصلاة (الجنازة) (٥). * * *

стр. 416

باب ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها مسألة: ١١٥ - إذا أكره على الكلام اليسير في الصلاة، بطلت صلاته على الصحيح، وعللوه بندوره (١). وإذا أكره على ترك الوضوء فتيمم، فقد نقل الرويانى عن والده أنه لا قضاء. قال النووي في الروضة وغيرها: وفيه نظر. قال: ولكن الراجح (ما ذكره) (٢)؛ لأنه في معنى من غصب ماؤه، والجامع بينهما انتفاء الشرطية، فقد ذكر الرافعي (أن ما كان) (٣) وجوده مانعًا كان عدمه شرطًا، وتبعه عليه في "الروضة". والفرق أنّ تارك الوضوء أتى (عن طهارته) (٤) ببدل، بخلاف المتكلم. ونظير المكره على الكلام: إذا أكره على قتل مورثه. وقد صححوا أنّه لا يرثه. مسألة: ١١٦ - فرّقوا في مبطلات الصلاة ونحوها بين النسيان والذكر، ولم يفرقوا بينهما في مبطلات الطهارة، كالوضوء والغسل والتيمم (٥). وقد يجاب بأن نقض الطهارة

стр. 417

بتلك الأمور غير معقول المعنى، بل هو من الأمور التعبدية، فلذلك تمسكنا بالإطلاقات، بخلاف مبطلات الصلاة ونحوها، فإن حكمها الإخلال بالتعظيم، وهو الإخلاص للَّه تعالى والإقبال عليه، وإقراره بالعمل. والإتيان بالمنافى سهوًا لا يخل بالمقصود. وفرّق القفال فى فتاويه بفروق فيها. نظر. مسألة: ١١٧ - إذا سبح المأموم لإمامه عند سهوه، أو رد عليه القراءة، فإن قصد التنبيه فقط - فقد بطلت صلاته، كما ذكره الرافعى فى باب شروط الصلاة من "الشرحين" (١)، و"المحرر" (٢). ولو حلف لا يكلم زيدًا وأقبل على الجدار وقال: افعل (كذا) (٣) ولم يقل: يا زيد، لم يحنث، وإن كان غرضه الإفهام، سواء قال: يا حائط، أم لا، كذا نقله الرافعى (٤) فى آخر كتاب الأيمان. فلم يعتبروا القصد فى (الأيمان) (٥) حتى يحنث. مع أن اللفظ فيه موضوع (لخطاب الآدميين، واعتبروا القصد هنا (٦)، فأبطلوا الصلاة مع أن اللفظ ليس موضوعًا) (٧) للخطاب بل للقراءة أو التسبيح. ولعل الفرق أن هذا الاحتمال والتردد أوجب الرجوع فى الموضعين (٨) إلى (الأصل) (٩)، وهو بقاء التكليف (بالصلاة) (١٠) وخلوّ الذمة عن الكفارة. واعلم

стр. 418

أن كلام "الروضة"، و"المنهاج" في التسبيحات ليس مطابقًا لكلام أصلهما، فراجعه من "المهمات" (١) أو شرح "المنهاج". ولو لم يقصد المأموم شيئًا بالكلية، فقد جزم النووي في الدقائق بالإبطال، وقال في شرح "المهذب": إنه ظاهر كلام المصنّف وغيره. ولكنه يشبه كلام الآدمي. قال: وينبغى أن يقال إن انتهى القارئ إلى موضع (قراءته) (٢) إليه لم تبطل (٣). وإلا بطلت. ومقتضى كلام "الحاوى الصغير" (٤) أنَّها لا تبطل مطلقًا، وبه جزم النووي في شرح "الوسيط" بل نقل المحب الطبرى في شرح "التنبيه" عن القاضي الحسين كلامًا حاصله الصحة، وإن قصد بالتسبيحات ونحوها الإعلام فقط، وهو واضح. واعلم أنّ سؤالى الفرق عند الإطلاق، أقوى منه عند إرادة الإفهام والتنبيه. * * *

стр. 419

باب سجود السهو مسألة: ١١٨ - إذا ترك "الإمام" (١) القنوت وأمكن المأموم فعله ولحاقه فى السجود، فإنه يأتى به. بخلاف التشهد الأول إذا أمكن المأموم أن يفعله ويلحقه فى القيام فإنه لا يأتى به. فإن فعل بطلت صلاته. كذا ذكر الرافعى (٢) المسألتين مفترقتين. والفرق أنّ المأموم لم يحدث فعلًا فى القنوت بخلاف التشهد. فإن قيل ينتقض الفرق بما إذا جلس الإمام للاستراحة (قلنا) (٣). لا نسلم امتناع التشهد فى هذه الحالة، ولا نسلم أيضًا استحباب جلسة الاستراحة لمن ترك التشهد الأول. ورأيت فى "فتاوى القفال" امتناع القنوت للمأموم، والتأخير أيضًا لأجله وقاسه على التشهد الأول. مسألة: ١١٩ - إذا ترك القنوت من الوتر فى نصف رمضان الثانى استحب له سجود السهو. بخلاف القنوت فى النازلة حيث استحببناه، فإنه لا يستحب السجود لتركه فى أصح الوجهين، كما ذكره النووى فى "التحقيق"، ونقله فى آخر هذا الباب من "الروضة" (٤)، وشرح "المهذب" (٥) عن تصحيح الرويانى، وأقره.

стр. 420

والفرق: (تأكد طلب) (١) قنوت الوتر. بدليل الاتفاق على مشروعيته، وذلك لإجماع الصحابة عليه في زمن عمر، بخلاف قنوت النازلة فإنّ في استحبابه أقوالًا مشهورة. مسألة: ١٢٠ - لا يشرع السجود للسورة، بخلاف القنوت. وفرّق القفال في فتاويه بفرقين، أحدهما: أن القيام في الصلاة ليس مقصودًا للسورة بل للفاتحة. والسورة تبع فصار كدعاء التشهد، مع التشهد. بخلاف القنوت. الثاني: أن القنوت آكد، لأنه لا يسقط عن المأموم (٢) وإن قنت إمامه؛ لأنه يؤمن على الدعاء، ويشارك في الثناء. بخلاف السورة. * * *

стр. 421

باب الساعات التى نهى عن الصلاة فيها مسألة: ١٢١ - إذا أحرم بنافلة لا سبب لها فى الوقت الذى (يجوز) (١) إيقاعها فيه، وهو غير وقت الكراهة، ثم مدها إلى الوقت المكروه جاز ذلك فى أصح الوجهين. وذكروا فى باب الحج فيمن فاته ذلك بخلافه، كما صرح به النووى فى شرح "المهذب" (٢)، فقال هناك: قال الشيخ أبو حامد، والدَّارمى، (وغيرهم) (٣): ليس لصاحب الفوات أن يصير على إحرامه إلى السنة القابلة، لأن استدامة الإحرام كابتدائه، وابتداؤه لا يصح، (ونقل أبو حامد هذا عن النص) (٤) وعن إجماع الصحابة. هذا كلامه. وذكر ابن الرفعة نحوه. والفرق: أن الوقت المكروه قابل لابتداء النافلة من حيث الجملة، فلذلك اغتفرنا

стр. 422

معه الاستدامة. بخلاف الحجّ، فإن ما عدا الأشهر العينة لا يقبل ابتداؤه بالكلية. وفي ال مسألة أمور أوضحتها في المهمات). مسألة: ١٢٢ - الأوقات المنهى عن الصلاة فيها يستثنى منها ما له سبب. بخلاف الأوقات المنهى عن الصَّوم فيها (كالعيدين) (١) وأيّام التشريق. والفرق أن يومي العيد يومًا سرور وضيافة من الرب لعبيده، عقب صومهم له رمضان، وعشر ذى الحجة، وقدوم الحجيج إلى بيته وتقربهم إليه بالحج المشتمل على أنواع من المشقات. فناسب تحريم الصَّوم مطلقًا. وألحق بعيد الأضحى أيام (التشريق) (٢)؛ لأنه العيد الأكبر، ولأجل ما يقع فيها، وفي كل يوم من الذبح المأمور به بخلاف عيد الفطر) (٣). * * *

стр. 423

باب صلاة الجماعة مسألة: ١٢٣ - لفظ الجماعة فى قوله ﷺ (١): "من صلى العشاء فى جماعة فكأنما قام نصف الليل. ومن صلى الصبح فى جماعة فكأنما قام كل الليل". محمول على اثنين فصاعدًا، كما جزم به الأصحاب، فقالوا: إن أقل الجماعة اثنان، إمام ومأموم وجعلوه فى باب الوصية على ثلاثة، كذا ذكره الرافعى، وتبعه عليه فى "الروضة" فقال: فرع: أوصى لجماعة من أقرباء زيد فلا بد من الصرف إلى ثلاثة، فإن كان فى الدرجة القربى ثلاثة، دفع إليهم. فإن كانوا أكثر وجب تعيينهم على الأصح؛ (لئلا تصير وصية) (٢) لغير معين. وقيل: لا، فيختار الوصى ثلاثة منهم. فإن كانوا دون ثلاثة تممنا الثلاثة ممن (يليهم) (٣)، فإن كان له (ابنان) (٤) وابن ابن دفع إليهم. (وإن كان ابن، وابن ابن، وابن ابن ابن، دفع إليهم) (٥). وإن كان ابن (٦) (وابن ابن) (٧) دفع إلى الابن، وابن الابن. وهل يدفع معهما إلى واحد من الدرجة الثالثة أم يعممون؟ فيه الوجهان. وإذا قلنا يعممون فالقياس التسوية بين كل المدفوع إليهم. وفى تعليق الشيخ

стр. 424

أبي (حامد) (١) أنّ (الثلث) (٢) لمن في الدرجة الأولى، والثلث لمن في الثانية، والثلث لمن في الثالثة. هذا ما نص عليه الشافعي (٣)، وقاله الأصحاب في هذا الفرع. وكان الأشبه أن يقال: إنها وصية لغير معين. قلت: الصواب ما نص عليه الشافعي وقاله الأصحاب، والله أعلم. هذا كلام "الروضة". والفرق: توسيع الأمر في ذلك على النّاس، وعدم التضييق عليهم في الموضعين. وقوله في الحديث: "فكأنما قام جميع الليل". أي (منضمّا) (٤) لما سبق، وهو العشاء. وقد ورد هكذا مصرحًا به من رواية ذكرها الحافظ عبد الحق وغيره، فقال: "ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام بقية الليل" (٥). مسألة: ١٢٤ - إذا كان عليه دين، وهو معسر، وخاف إن رآه غريمه حبسه، كان ذلك عذرًا في ترك الجماعة والجمعة. كذا أطلقه الرافعي (٦). ومحله إذا لم تكن له بينة، أو كانت ولكن عسر عليه إقامتها. كذا قاله الغزالى في "البسيط"، وهو واضح. وهذا بخلاف ما إذا كان المديون منكرًا، فإنه يجوز لصاحب الدين أن يكسر الباب، ويهدم الجدار ويأخذ (بالظفر) (٧). وإن كانت له بينة، في أصح الوجهين. فعذروه مع البينة المتيسرة هناك، ولم يعذروه ههنا. والفرق: وجود التعدي (بمنع) (٨) الحق هناك، بخلاف ما نحن فيه. * * *

стр. 425

باب صفة الأئمة مسألة: ١٢٥ - يجوز اقتداء القائم بالقاعد، والمضطجع، بخلاف حافظ الفاتحة بمن يأتى بغيرها، أو بالذكر. وإن كان الإمام (قد أتى ببدل فى الموضعين. والفرق أنّ الإمام) (١) بصدد أن يتحمل عن المأموم القراءة لو أدركه راكعًا، والأمِّى ليس أهلًا لذلك. بخلاف الأركان الفعلية. والقيام سقط لسقوط الفاتحة. * * *
следующие страницы →