وفرقوا بينهما بأن النكاح لا ينعقد بالكنايات، بخلاف البيع. وهذا الفرق عجيب، فإنه إنما يستقيم لو كان "قبلت" فى البيع كناية، مع أنهم جعلوه من الصرائح.
مسألة:
٢٩٩ - للشافعى ﵀ نصان مختلفان (فى بطلان النكاح) (١) باشتراط تركه الوطء، فقيل: فى المسألة قولان. والأصح، وهو ما قاله الربيع: تنزيل النصين على حالين، فإن كان الشارط هو الزوج، أى هو المبتدئ به، ولكن احتاجت الزوجة إلى موافقته؛ فيصح؛ لأن الوطء حقه، وقد رضى بتركه. غير أنه لا يلزمه تركه، وإن كانت الزوجة، فلا؛ لأنه حق عليها، وقد شرطت ألا يقوم به.
وهذا بخلاف ما إذا باع شيئًا بشرط ألّا ينتفع به، فإن العقد لا يصح كما اقتضاه إطلاقهم، ولم يفصلوا بين أن يكون الشارط هو المشترى فيصح، أو البائع فلا.
ولعل الفرق: أن المنفعة مال، (فاشتراط تركها) (٢) اشتراط لإضاعة (مال) (٣)، وهو محرم، فيكون مبطلًا. بخلاف الوطء. وفى الفرق نظر.
والتساوى أظهر، ويحتمل أن يكون هو مراد الأصحاب، ويؤيده ما نقله ابن الرفعة فى باب المسابقة من "الكفاية" عن القاضى الحسين، أنه إذا باع طعامًا وشرط المشترى أن يطعمه غيره، صح. بخلاف ما إذا كان الشارط هو البائع.
مسألة:
٣٠٠ - إذا زوج الحاكم فى حال غيبة الولى، ثم قدم الولى وقال: كنت زوجتها (فى الغيبة) (٤). قال أصحابنا: لا يقبل قوله، كذا جزم به ابن الرفعة فى "الكفاية" هنا. ونقله بعد ذلك (عن) (٥) "أدب القضاء" لابن أبى الدم. وهذا بخلاف ما إذا
стр. 562
باع الحاكم عبدا أو عقارًا على مالكه الغائب بسبب اقتضاء ذلك، ثم جاء المالك وقال: كنت أعتقت العبد، أو بعت العقار، أو وقفته. ففى قبول قوله قولان، حكاهما الرافعى فى باب اختلاف الزوجين، وهو قبيل الصداق، واقتضى كلامه رجحان تصديقه، وقد صرح بتصحيحه فى آخر الباب الأول من اللقطة، إلا أنه مثل بالعتق خاصة، وقد علمت مما ذكره فى النكاح أنه لا فرق بين العتق وغيره.
وفرق ابن أبى الدم بأن القاضى فى النكاح قائم مقام ولى آخر، ولو كان لها وليان، فزوجها أحدهما فى غيبة الآخر، ثم قدم وقال: كنت زوجتها قبل ذلك؛ لم يقبل. بخلاف القاضى فى البيع، فإنه نائب عن المالك، قال: فأشبه الوكيل إذا ادعى الموكل سبق بيعه عليه، وما ذكره عن قبول قول المالك وإبطال بيع الوكيل قد تابعه عليه فى "الكفاية"، وليس كذلك، ففى الرافعى فى الباب المشار إليه (الجزم بعكسه) (١).
مسألة:
٣٠١ - إذا أذن للسفيه فى النكاح فالأصح صحته. بخلاف البيع ونحوه فى الأصح. والفرق من وجوه:
أحدهما: أن الحجر لأجل حفظ المال، والمال مقصود فى البيع ونحوه. بخلاف النكاح، فإنه فيه تبع.
الثانى: أن النكاح يصح رفعه من السفيه بالطلاق والفسخ، فيصح تعاطيه بالإذن. بخلاف العقود المالية.
الثالث: أن إذن السفيه معتبر فى النكاح، فجاز تفويضه إليه. بخلاف البيع ونحوه.
مسألة:
٣٠٢ - لا يجوز للسيد تزويج عبده الصغير على الصحيح. (بخلاف ولده
стр. 563
الصغير، فإنه يجوز على الصحيح) (١). مع أن عبده قد زاد على ولده (بأنه) (٢) يملك رقبته ويلى أمره فى صباه وبلوغه.
ولعل الفرق: أن سبب الولاية على الولد، وهى الأبوة، أقوى، من سبب الولاية على المملوك؛ لأن تلك لازمة لا تقبل الزوال بخلاف الملك. وأيضًا فالولد (غير ممنوع) (٣) من التزوج بعد البلوغ. فلما كان مجابًا إليه -وإن سخط الأب- جوزنا له ذلك فى صغره؛ مبادرة لمصلحة قد تفوت، بخلاف العبد.
وقد ذهب جماعة كثيرة إلى جوازه فى العبد أيضًا، منهم الماوردى، والشيخ أبو إسحاق، وابن يونس شارح "التنبيه". (وحكى الرافعى طريقة قاطعة به، وطريقة ذات قولين. وحكى الدزمارى (٤) شارح "التنبيه" طريقه ثالثة قاطعة (٥) بالمنع.
مسألة:
٣٠٣ - المراهق حكمه فى النظر حكم البالغ (فى) (٦) الأصح، بمعنى تحريم التكشف له لا تحريم نظره هو؛ لأنه غير مكلف. ولو ادعت (الكبيرة) (٧) البالغة إمكان الشهوة إلى تزويجها (لم يجب) (٨) على الأصح فى زيادات "الروضة"، ونقل الرافعى عن بعضهم أنه يجب، وسكت عليه، وهذا الحكم فى الصغيرة أيضًا. والجامع الاحتياط فى الموضعين.
ولعل الفرق: أن الاحتجاب عن الصغير احتياط لم يعارضه شئ. بخلاف إيجاب تزويجه، فإن فيه إيجاب كلفة عارضه الاحتياط. وأما عدم تزويج الصغيرة، فلأن المفسدة فى الذكور أكثر لأمور.
стр. 564
باب ما يحرم من النكاح
مسألة:
٣٠٤ - نكاح المرتد باطل، لأن النكاح يراد به الدوام، والمرتد غير سبق. ومثله الوقف على الحربى، والمرتد لا يصح فى الأصح لما ذكرناه.
وهذا بخلاف نكاح الزانى المحصن وتارك الصلاة وقاطع الطريق الذى تحتم قتله، فإنه صحيح على ما دل عليه كلامهم.
والفرق: التغليظ على الحربى، والمرتد فى المنع حتى يُسْلما (أو يقتلا) (١) ليسلما من الخلود فى النار. بخلاف البواقى.
مسألة:
٣٠٥ - لا يصح أن يتزوج الشخص بجارية نفسه لما فيه من تناقض الأحكام. ولا بجارية ولده إذا كان حرًّا؛ لأن ملكه كملكه. فلو تزوج جارية لأجنبى ثم اشتراها انفسخ النكاح. ولو اشتراها ابنه لا ينفسخ على الصحيح. وكذلك إذا تزوج العبد بجارية ولده ثم أعتق.
والفرق: أن ملك الابن ليس ملكًا للأب حقيقة، ولكنه مشبه (به) (٢) (فلما) (٣) طرأ اجتمع فيه ضعف كونه على جهة التشبيه مع ضعف وجوده فى الدوام، فلم يؤثر. بخلاف ملك نفسه.
стр. 565
مسألة:
٣٠٦ - إذا اجتمع فى عقد النكاح بين ما يصح وما لا يصح، بأن نكح مثلًا مسلمة ومجوسية فى عقد واحد، ففى صحة العقد فى المسألة قولا تفريق الصفقة الجاريان فى البيع وغيره من الأبواب. فإن فرقنا، أى قلنا يصح فيما يصح، فلا خيار للزوج، كما قاله الرافعى فى كتاب البيع. بخلاف المشترى والمستأجر ونحوهما، فإن الخيار يثبت لهم إذا جهلوا الحال، ويكون الخيار على الفور، كما نبه عليه ابن الرفعة فى "المطلب".
والفرق: أن النكاح بعيد من الخيار، ولهذا لا يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الشرط. بخلاف العقود المالية (١).
مسألة:
٣٠٧ - إذا صححنا نكاح المسلمة فى (الفرع) (٢) السابق - فيلزمه مهر المثل فى أظهر الأقوال، كما قاله الرافعى فى كتاب البيع. والثانى: يجب لها ما يخصها من المسمى لو وزع على مهر مثلها ومهر مثل المجوسية.
والثالث: يجب المسمى بكماله. وهذا بخلاف نظيره من البيع، فإنه إذا أجاز العقد فيما يصح، فيجيزه بحصته من المسمى باعتبار قيمتها. فعلى هذا، إذا كان المملوك يساوى (مائة، والآخر يساوى مائتين، فالمجموع (ثلاثمائة، وحصته) (٣) (المملوك منها الثلث فنوجب) (٤) ثلث الثمن المسمى فى العقد. فإذا اشتراهما
стр. 566
مثلًا (بمائة وخمسين) (١)، أوجبنا خمسين. وإذا اشتراهما بستمائة، أوجبنا مائتين.
والفرق بين المسألتين: أن الجمع بين النسوة فى صداق واحد من باب ما إذا باع عبده وعبد غيره بثمن، لأن كل امرأة تجهل نصيبها. والصحيح هناك البطلان. لكن النكاح لا يتأثر بفساد الصداق، فاقتصرنا على إفساد الصداق (وأوجبنا) (٢) مهر المثل. واعلم أن ما ذكرناه من التقسيط فى البيع يقتضى (تخصيص) (٣) ذلك بما إذا كان لا يصح فيه العقد وله قيمة عند بعض الناس، بأن يكون مقصودًا عندهم كالخمر ونحوه. فإن لم (يقصد) (٤)، كالميتة والحشرات، كانت الإجازة بالكل. ولم أجده مصرحًا به، إلّا (أن) (٥) فى كلامهم فى الخلع والكتابة ما يدل عليه، وقد سبق فى البيع مسائل متعلقة بهذه القاعدة.
* * *
стр. 567
باب الخيار فى النكاح والرد بالعيب
مسألة:
٣٠٨ - يجوز للأب والجد أن يزوجا الصغير من امرأة (معيبة) (١) ولا يجوز للوكيل ذلك عند الإطلاق. كما قاله البغوى، وصوبه فى "الروضة".
وفرق بقوة ولاية الأب وزيادة شفقته. وخالف الرافعى، فجوّز ذلك للوكيل قياسًا على الأب والجد. وفى المسألة أمور مهمة مذكورة فى المهمات (٢).
* * *
стр. 568
باب نكاح المشرك
مسألة:
٣٠٩ - إذا نكح المشرك الحر زيادة على أربع نسوة، (ثم أسلم) (١) - اختار منهن أربعًا، سواء وقع العقد دفعة واحدة أو على الترتيب، وكذلك إذا نكح أختين. وهذا بخلاف ما إذا نكحت المشركة زوجين متفقدين بجواره ثم أسلموا، فإنه إن وقع النكاحان معًا لم يقر مع واحدة منهما. وقيل تختار المرأة واحدًا منهما.
وإن ترتب النكاح، فهى زوجة الأول، كما جزم به الرافعى. وحكى صاحب "البيان" (٢) أن صاحب "العدة" (٣) حكى وجهًا آخر، أنها تخير، قال: وهو اختيار القاضى أبى الطيب.
والفرق من وجهين، ذكرهما فى "البيان"، أحدهما: أن المرأة لا تملك حل النكاح إلا بعيب. بخلاف الرجل.
والثانى: أنّ المرأة لما لم يجز لها ابتداء العقد على النكاح، لم يجز لها اختيار الأزواج. بخلاف الرجل.
* * *
стр. 569
كتاب الصداق
مسألة:
٣١٠ - إذا أصدقها عبدًا فدبرته، ثم طلقها قبل الدخول، فإن كانت معسرة، رجع الزوج فى نصف العبد بلا خلاف. وإن كانت موسرة، فالمنصوص وهو الظاهر، أنه يمتنع عليه الرجوع فيه، ويرجع إلى نصف قيمته. وقيل: إن شاء رجع فيه، وإن شاء رجع إلى القيمة، لأن التدبير (يبقى فى النصف الآخر، وذلك مما يوجب نقصًا فى القيمة، وقيل: يرجع فى النصف، وينتقص التدبير) (١) فى الكل، لما ذكرناه (من) (٢) النقصان. وهذا كله بخلاف ما إذا باع (عبدًا) (٣) بثوب مثلًا وتقابضا، ودبر المشترى العبد، ثم وجد البائع بالثوب عيبًا، فإنه يجوز له الرجوع فى العبد المدبر فى أصح الوجهين.
والفرق: أن الفسخ أقوى، بدليل أنه لا يمنعه الزيادات المتصلة. بخلاف الرجوع بالطلاق.
مسألة:
٣١١ - إذا أذن لعبده فى النكاح تعلق المهر والنفقة بكسبه إن كان مكتسبًا. فإن كان مأذونًا له فى التجارة فيتعلقان بربحه؛ لأنه كسبه، (وكذا) (٤) برأس المال فى
стр. 570
أصح الوجهين. وإنما يتعلقان (فى الكسوب) (١) بما يكسبه بعد النكاح، حتى لو كان المهر مؤجلًا يتعلقا إلّا بما يكسبه بعد حلول الأجل.
وهذا بخلاف العبد المأذون له، فإنه لا فرق فيه بين ما كسبه قبل النكاح وبعده فى أصح الوجهين.
والفرق: أن كسب المحترف، كالخيّاط وغيره (من الصناع) (٢)، موثوق به عادة، فلذلك اقتصرنا فيه على ما يتحدد. بخلاف ربح التجارة، فإنه قد يحصل وقد لا يحصل. فلو اقتصرنا فيهما على الحادث لأدّى إلى إضرار المرأة (إن) (٣) لم ينفسخ، وإلى إضرار العبد إن فسخت. ولو كان العبد كسوبًا مأذونًا له فى التجارة، فهل يتعلق ما يجب عليه بجميع ذلك أم لا؟
سكت عنه الرافعى وابن الرفعة.
مسألة:
٣١٢ - إذا أسلمت المرأة بنفسها، وخلا بها الزوج، (ولم يكن مانع شرعى، كحيض وصوم وإحرام، ولا حسّى، (كرتق) (٤) أو قرن فيها، أو جب أو عنة فيه) (٥)، فهل يستقر؟ قولان، الجديد: أنه لا يستقر. (وهذا بخلاف ما إذا تسلم المستأجر العين، ومضت مدة يمكن فيها استيفاء المنفعة، فإن الأجرة تستقر) (٦).
والفرق أن المملوك بالإجارة -وهو المنفعة- مال، والمال يدخل تحت اليد، وقد تلف فى يد مالكه، فانتهى العقد ولزمت الأجرة. بخلاف (البضع، فإنه لا يدخل
стр. 571
تحت اليد، ولهذا لا يضمن منفعته بالفوات، بخلاف) (١) المال. وأيضًا فلأن هنا وازعًا طبيعيًا يحمله عادة على الوطء، فلذلك لم يشترط لندور تخلفه. بخلاف الإجارة، وأيضًا فلأن المال فى النكاح أضعف منه فى الإجارة، بدليل جعله ركنًا فى الإجارة دون الصداق. وإذا كان أضعف لم يستقر إلَّا بتسليم المعقود عليه، وهو الوطء.
مسألة:
٣١٣ - إذا أصدق الكافر الحربى زوجته مسلمًا استرقوه، ثم أسلما بعد التقابض؛ وجب إطلاق الأسير، واستحقت مهر المثل. بخلاف ما إذا أصدقها خمرًا وتقابضا، ثم أسلما، فإنها تؤمر بإراقة الخمر ولا شئ لها.
ولعل الفرق: (أن مالية) (٢) الخمر مرتقبة بأن تصير خلّا، فاكتفينا بقبضة الواقع فى الشرك. بخلاف المسلم. وأيضًا فإنّا نقر الكافر على ما فى يده من الخمر، ولا نقره على الأسير، بل (يجب) (٣) جهادهم لأجل فكه.
* * *
стр. 572
باب المتعة
(بياض) (١)
باب الوليمة والنشر
(بياض) (٢)
باب عشرة النساء والقسم والنشوز
(بياض) (٣)
стр. 573
باب الخلع
مسألة:
٣١٤ - (إذا) (١) قال: (إن) (٢) أعطيتنى عبدًا من صفته كذا (فأنت طالق) (٣). فأعطته عبدًا على تلك الصفة إلا أنه معيب؛ طلقت. وله أن يرده؛ لأن (الإطلاق) (٤) يقتضى السلامة، إلا أنه إذا ردّه فلا يرتفع الطلاق، بل يرجع بمهر المثل فى أصح القولين، وبقيمة العبد سليمًا فى القول الآخر. وهذا بخلاف ما إذا كاتب عبده على شئ، فأعطاه معيبا فردّه السيد، فإن العتق يرتفع، مع أن كلًا منهما معلق بالإعطاء.
والفرق: أن المغلب على الكتابة الصحيحة حكم المعاوضة، فإن (كلًا من العوضين فيها يجوز نقله لكل واحد. بخلاف الخلع، فإن المُغلَّب) (٥) فيه معنى التعليق، ولهذا لو كاتبه على مال فأبراه منه، عتق. ولو علق الطلاق على مال فى ذمتها ثم أبرأها منه، لا تُطلَّق.
مسألة:
٣١٥ - إذا قالت المرأة: اختلعت نفسى منك بالصداق الذى فى ذمتك. وأنكر
стр. 574
الزوج، وحلف، فلا رجوع لها عليه بالصداق. وإن كان له على رجل دين فقال: اشتريت منك دارك بذلك الدين وقبضته، وأنكر الرجل، يجوز له المطالبة بالدين.
والفرق: أن الخلع الذى أقرت به يوجب اليأس عن الصداق ويسقطه بالكلية، فإن ذمة (الزوج) (١) إذا برئت من الصداق لم يتصور عوده. وفى الصورة الأخرى لم يحصل اليأس عن الدين؛ لأن الدار المجعولة عوضًا قد تخرج مستحقة، وقد ترد بالعيب، وقد تتلف قبل القبض، ويرجع صاحب الدين إلى ذمته. هكذا نقل الرافعى (الحكم) (٢) والفرق فى آخر هذا الباب عن فتاوى البغوى وأقرّه.
مسألة:
٣١٦ - إذا (ابتدأ الزوج) (٣)، فقال: أنت طالق وعليك ألف، (وقع الطلاق رجعيًا ولا شئ عليها؛ لعدم الالتزام. بخلاف قولها: طلقنى ولك على ألف، فإنه إذا) (٤) أجابها يقع بائنًا بألف.
والفرق: أن المتعلق بها من عقد الخلع الالتزام، فيجعل لفظها عليه، والزوج منفرد بالطلاق، فإذا لم يأت بصيغة المعاوضة حمل على ما ينفرد به، فيبقى ذكر المال واقعًا على جهة الجدية. هكذا فرق به الرافعى. وهو مدفوع بأن المرأة قادرة على إنشاء الإقرار بالمال، فلم احتملنا لفظها عند الإطلاق والجهل بالحال عليه، وأبقينا (كلامها) (٥) على السؤال حملًا للفظ على الحقيقة فى الموضعين؟
ولو قال: رُدَّ عبدى ولك على ألف. (فردّه) (٦)، استحق. وتعليله كتعليل سؤال المرأة.
* * *
стр. 575
كتاب الطلاق
مسألة:
٣١٧ - الوكيل فى الطلاق إذا أكرهه أجنبى على تطليق المرأة التى توكل فى طلاقها، هل ينفذ طلاقه؟ فيه احتمالان لأبى العباس الرويانى (١)، أحدهما: يقع، لحصول اختيار المالك، وأصحهما: عدم الصحة؛ لأنه المباشر. كذا حكاه عنه الرافعى.
وهذا بخلاف ما إذا أكره الزوج رجلًا على طلاق زوجة نفسه، فطلق، ففيه وجهان، أصحهما: نفوذه، لأنه أبلغ فى الإذن. والثانى: لا، لسقوط حكم اللفظ بالإكراه. والمسألتان قد اشتركتا فى الإكراه.
والفرق: أن الوكيل فى المسألة الأولى يحتمل أن يكون طلاقه مستندًا إلى (التوكيل) (٢)، وأن يكون مستندًا إلى إكراه الأجنبى وامتثال أمره، فلم نوقع الطلاق بالشك. بخلاف المسألة الثانية، فإن الطلاق فيها لا يستند بغير إلزام الزوج.
مسألة:
٣١٨ - إذا قدر المكره على التورية لم يلزمه على الصحيح. ولو قدر على الهرب لزمه، كما جزم به الرافعى. (وحكى) (٣) فى نظيره من الصائل وجهين، أصحهما: كذلك أيضًا.
стр. 576
والفرق أن الهرب لا يحتاج إلى تأمل وفكر، بل هو أمر معلوم تدعو إليه النفس وتتعاطاه عند الفزع والخوف، حتى يقع ذلك من غير (العقلاء) (١)، فإيجابه لا مشقة فيه. بخلاف التورية.
مسألة:
٣١٩ - إذا قال لزوجته: أغناك اللَّه. فليس بكناية فى الأصح. بخلاف: بارك اللَّه لك. أعنى باللام، فإنه كناية، كما جزم به الرافعى فى آخر الكلام على ألفاظ الكنايات نقلًا عن أتباع الماوردى وغيره.
ولعل الفرق: أن الدعاء "بالبركة" (٢) يستعمل عادة (لإرادة الاستقلال) (٣) بالشئ عند التنازع فيه، ونحو ذلك. بخلاف الدعاء بالإغناء. وفيه نظر؛ لأن له جهة أخرى تشعر بالطلاق، وهو احتياجها المقتضى للدعاء لها بالاستغناء.
واعلم أنه لو قال: بارك اللَّه فيك، أعنى بلفظ "فى"، فليس بكناية، كما ذكره الرافعى فى أول الباب. وكذا: عليك، أعنى بلفظ "على" كما ذكره الشيخ فى "التنبيه" (٤). وليست فى الرافعى ولا فى "الروضة". فتفطن إلى هذه الألفاظ.
مسألة:
٣٢٠ - سؤال المرأة الطلاق لا يلحق الكناية بالصريح. فلو قالت له: طلقنى، فقال: أنت بائن. لم يصر صريحًا كما جزم به الرافعى. ولو قالت له زوجته -واسمها فاطمة-: طلقنى، فقال: طلقت فاطمة، ثم قال: نويت فاطمة أخرى؛ طلقت، ولا يقبل قوله، لدلالة الحال عليه. بخلاف ما لو قال ابتداء: طلقت فاطمة، ثم قال: نويت أخرى.
стр. 577
كذا (نقله) (١) الرافعى عن فتاوى القفال، ثم قال: إن هذا قد يشكل على تلك المسألة. وسبب الإشكال واضح، وهو أن لفظ فاطمة يحتمل لزوجته وغيرها، وقد عين بالسؤال. والكناية يحتمل ولم يعينه به.
والفرق: أن دلالة فاطمة على المرأة أقوى من دلالة الكناية على الطلاق؛ لأن (اللفظ) (٢) موضوع لها بخصوصها وضعًا حقيقيًا، والاشتراك عارض، كما يقوله النحاة والأصوليون. بخلاف كناية الطلاق. ويدل على قوة الدلالة وقوع الطلاق عند الإطلاق (فى فاطمة دون الكناية، أى يقع فى فاطمة، إلا إذا قال: أردت غيرها. ولا يقع فى الكناية، إلا إذا أراد الطلاق) (٣) على أن الشيخ أبا إسحاق قد جزم فى "التنبيه" (٤) بأنه لا يقبل أيضًا فى الحكم، ومثّل بزينب. ولكن يدين، على عكس ما جزم به الرافعى.
* * *
стр. 578
باب (عدد) (١) الطلاق والاستثناء فيه
مسألة:
٣٢١ - إذا كرر الطلاق، فإن أراد (الاستئناف) (٢) تعدد، وإن أراد التأكيد فلا، وإن أطلق فقولان، أصحهما: التعدد. وهذه الأقسام أيضا بعينها تأتى فى الظِّهار، إلّا أن أصح القولين فيما إذا أطلق أنه ظهار واحد حتى لا تتعدد الكفارة.
والفرق من وجهين، أحدهما: أن الطلاق أقوى لكونه يزيل الملك، بخلاف الظهار. والثانى: وهو الذى ارتضاه ابن الصبّاغ: أن الطلاق له عدد محصور والزوج مالك له. فإذا كرره كان الظاهر استيفاء المملوك. والظِّهار ليس بمتعدد فى وضعه (ولا هو) (٣) مملوك للزوج حتى يحمل على التعدد. وستذكر فى الظِّهار فرقًا آخر متعلقا بمسألتنا.
* * *
стр. 579
باب الشرط فى الطلاق
مسألة:
٣٢٢ - إذا اتفقا على أنه قال لامرأته: أنت طالق. فقال الزوج: قلت عقبه: إن (كنت) (١) كلمت زيدًا. فقالت المرأة: لم أسمع ذلك، فالقول قول الزوج. وإن قال؛ قلت عقبه: إن شاء اللَّه. وأنكرت المرأة، فينبنى على تبعيض الإقرار، أنه فى قول المقر له على ألف من ثمن خمر. فإن بعضناه -وهو الصحيح- صدقنا المرأة، وإلا صدقنا الزوج. هكذا ذكر القاضى حسين هاتين المسألتين فى فتاويه. والفرق أن التعليق بالمشيئة يرتفع معه أثر المعلق بالكلية. بخلاف التعليق بالدخول والكلام ونحوهما.
مسألة:
٣٢٣ - إذا قال: إن قذفت فلانا فى المسجد فأنت طالق. اشترط كون القاذف فى المسجد. (ولو قال) (٢): إن قتلته فيه. اشترط ذلك فى المقتول.
والفرق كما قاله (الرافعى) (٣): أن قرينة الحال (تشعر) (٤) بأن المقصود الامتناع عما يهتك حرمة المسجد. (وهتك) (٥) الحرمة يحصل إذا كان القاذف والمقتول فيه دون عكسه. فإن قال: أردت العكس. قبل ظاهرًا فى الأصح.
стр. 580
مسألة:
٣٢٤ - إذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقى فأنت طالق قبله ثلاثًا. ثم قال لها. أنت طالق. فالأكثرون على ما اقتضاه كلام الرافعى، وصرح به الإمام، وهو المنصوص: أنه لا يقع شئ، لأنه يؤدى إلى الدور. إذ لو وقعت الواحدة لوقع قبلها ثلاث، ولو وقع قبلها ثلاث لم يقع شئ، فأدى وقوعها إلى عدم وقوعها.
والثانى: يقع المنجز، وهو الذى رجّحه الرافعى وتتبعه عليه النووى.
والثالث: يقع الثلاث. وعلى هذا فالمعروف أنها المنجزة وطلقتان (من المعلقات) (١). وقيل: إنها المعلقات، والتقدير: إن تلفظت بطلاقك، إذا علمت ذلك. فلو قال لها: إن وطئتك وطئًا مباحًا فأنت طالق قبله ثلاثا. فوطئها، لم يقع الطلاق بلا خلاف؛ لأنها لو طلقت لخرج الوطء عن كونه مباحًا. وإذا (أثبتنا) (٢) الإباحة فلا يقع.
والفرق: أن هذه اليمين لا ينحسم بها شئ من التصرفات الشرعية، فلذلك صححنا الدور فيها. بخلاف المسألة الأولى، فإن تصحيح الدور فيها يؤدى إلى انحسام باب الطلاق، مع أن الشارع شرعه.
مسألة:
٣٢٥ - إذا قال لزوجته: إن فسخت النكاح بعيبى أو بعيبك، أو طلبك الطلاق فى الإيلاء، أو استحقيت النفقة أو الكسوة أو الفسخ بالإعسار، فأنت طالق قبله ثلاثًا. ثم فسخت، أو طلبت الطلاق، أو (وجدت) (٣) الأسباب (المثبتة) (٤) لهذه الاستحقاقات نفذ الفسخ وثبت الاستحقاق. ولا نقول بإبطالها للدور بخلاف الطلاق كما سبق.
стр. 581
والفرق كما قاله الرافعى: أن هذه فسوخ وحقوق تثبت عليه قهرًا ولا تتعلق بمباشرته واختياره، فلا يصلح (تصرفه) (١) دافعًا لها ومبطلًا لحق غيره. (بخلاف الطلاق) (٢). ولهذا لو قال: إن انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثا. ثم ارتد أو اشتراها، انفسخ النكاح قطعًا، ولا يقع الطلاق.
مسألة:
٣٢٦ - لو حلف لا يقبل امرأته، فقبلها بعد الموت؛ لم يحنث، بخلاف الوالدة.
والفرق: أن قبلة (المرأة قبلة شهوة، ولا شهوة بعد الموت، وقبلة) (٣) الأم قبلة إكرام، كذا نقله الرافعى عن فتاوى القاضى الحسين.
واعلم أن الرافعى قد صحح فى باب الإيلاء أن وطء الميتة لا يتعلق به برّ ولا حنث. وقيل: يتعلق به. وقيل: يفرق بين قبل الدفن وبعده، ولا شك فى جريان تلك الأوجه فى مسألتنا.
مسألة:
٣٢٧ - (٤) (إذا علق العبد الطلقة الثالثة على وقوع عتقه؛ صح على الصحيح، فإذا أعتق وقع الثلاث. وهذا بخلاف ما إذا قال السيد للمكاتب: إذا عجزت عن النجوم فأنت حر عن كفارتى، فعجز، عتق، ولكن لا يجزئ عن الكفارة، كما قاله الرافعى فى الظهار، قال: لأنه حين التعليق لم يكن له إعتاقه عنها. وكذا لو قال للكافر، أو قال: إن خرج الجنين سليمًا.
والفرق: أن الثالثة وقعت تبعًا لما صحّ تعليقه وهو الطلقتان، فاغتفرناها. بخلاف العتق عن الكفارة، فإنه لم يقع تابعًا لشئ بل مستقلا، فأبطلناه. نعم، لما أبطلنا الخصوص بقى العموم، وهو العتق من حيث هو.
стр. 582
باب الشك فى الطلاق وطلاق المريض (١)
باب الرجعة
مسألة:
٣٢٨ - لا تحصل الرجعة بالوطء على المعروف. وفى "الكفاية" عن ابن سريج (٢) أنها تحصل به، سواء نوى أو لم ينو، كمذهب أبى حنيفة. وهذا بخلاف ما إذا وطئ البائع فى زمن (خياره) (٣)، فإنه يكون فسخًا وحلالًا، ومثله المشترى أيضًا إذا لم يأذن له البائع، على الصحيح، كما أوضحناه فى البيع.
والفرق بين الرجعة والبيع: أن الملك يحصل بالفعل (كالسبى) (٤) والهدية والاحتطاب، فلذلك تداركه. بخلاف النكاح، فإنه لا يحصل إلا (بالقول) (٥).
* * *
стр. 583
باب الإيلاء
مسألة:
٣٢٩ - إذا (حلف) (١) على ترك الوطء ثبت للمرأة حق المطالبة بقطع النكاح مع كون الوطء لا يجب على الزوج. وإذا حلف على ترك النفقة لم يثبت لها حق الفسخ مع كون النفقة واجبة.
والفرق: إمكان أخذ النفقة منه (قهرًا) (٢) بخلاف الوطء.
* * *
стр. 584
باب الظهار
مسألة:
٣٣٠ - إذا وجب عليه كفارة مُرتَّبة، وكان مالكًا لعبد، فأزال الملك فيه، بإعتاق أو غيره - (نفذت الإزالة وصح التكفير بالصوم، كما ذكره الرافعى فى باب التيمم وغيره) (١). وكذلك لو كانت عليه ديون، وأربابها يطالبون بها، فبادر المديون ووهب أمواله أو وقفها أو غير ذلك، كما ذكروه فى الفلس. بخلاف ما إذا دخل عليه وقت الصلاة، فأزال الملك عن الماء بهبة أو بيع أو نحوهما، وأراد التيمم؛ فإنه لا يزول على الصحيح. وعلله الرافعى بأن فعل ذلك حرام عليه، فصار غير مقدور على تسليمه شرعًا.
والفرق: أن الانتقال إلى التيمم وإسقاط الفرض به رخصة، والرخص لا تناط بالمعاصى. بخلاف التكفير بالصوم وسقوط المالية عن المعسر.
مسألة:
٣٣١ - يجوز فى الكفارة إعتاق العبد والأمة الهرمين والناقصين عن سن التمييز. ولا يجوز ذلك (فى الغُرَّة) (٢).
والفرق: أن الغُرَّة حق آدمى فغلظنا فيها. بخلاف الكفارة. وأيضًا فالغرة فى اللغة: خيار الشئ، (والهرم) (٣) وما دون (السبع) (٤) ليسا من الخيار.
стр. 585
مسألة:
٣٣٢ - إذا أعتق فى الكفارة عبدًا لا يُرجى، فاتفق أن رجُى، أو عبدًا يرجى فاتفق أن مات، فوجهان، أصحهما: أنه يجزئ. بخلاف ما إذا استناب المعضوب وهو يرجى، فمات من مرضه، أو بالعكس. فإنه لا يجزئ على الأصح.
والفرق: أن الحج عبادة بدنية، والنية مقصودة فيها، واجبة فيها بطريق الأصالة، فلذلك امتنع الإجزاء فى الحج فيما إذا استناب وهو مرجو. وأما العكس، فلأنه يصدق أن يقال: إن الاستنابة وقعت من غير العاجز.
مسألة:
٣٣٣ - إذا كانت الزوجة أمة، فظاهر منها، ثم اشتراها متصلًا (بالظهار) (١)، فليس بعود فى أصح الوجهين؛ لأن الشراء قاطع للنكاح. فلو اشتغل بأسباب (الشراء كالمساومة) (٢) وتقرير الثمن كان عائدا فى أصح الوجهين.
وهذا بخلاف ما إذا طاف للوداع، فإنه إن سافر عقبه فلا كلام، وإن اشتغل بأسباب السفر كشراء الزاد وشد الرحل، وغيرهما، فإنه لا يضر على الأصح. فألحقوا (هناك) (٣) سبب الشئ بالشئ، ولم يلحقوه به هنا.
والفرق: أن الظّهار يحرم فغلظنا فيه، بخلاف الطواف.
مسألة:
٣٣٤ - إذا أعتق عن الكفارة عبدًا به مانع من الإجزاء لم يقع عنها، ولكن ينفذ العتق ويمتنع عليه الرد. ولو أخرج فى الزكاة معيبًا كالمغشوش عن الخالص، استرد
стр. 586
فى أصح الوجهين، كما قاله الرافعى فى زكاة النقدين، ونقل ابن الصبّاغ أن صورة ذلك إذا بين عند الدفع أنه يخرج (عن) (١) هذا المال.
والفرق: أن قوة العتق مانعة. بخلاف الزكاة. وأيضًا فإن المخرج فى الكفارة -وهو العبد- له حق فى العتق. بخلاف المخرج فى الزكاة.
مسألة:
٣٣٥ - إذا عجز المظاهر عن العتق، فأمرناه بالصوم، فكان يغلبه الجوع فى أثناء النهار، ويعجز عن إتمام الصوم، فإنه لا يجوز له ترك الشروع فيه، بل يشرع فيه، فإذا عجز أفطر. بخلاف الشبق، فإنه يكون عذرًا فى ترك الشروع على الأصح.
والفرق: أن الخروج منه يباح بفرط الجوع (دون فرط) (٢) الشبق، كذا ذكره فى "الروضة" من زوائده حكمًا وفرقًا. ورأى أيضًا فى كلام غيره أن امتناع الخروج بعذر الشبق مشكل، فإنه قد لا يظهر له ذلك إلا بعد الشروع فيه، وحينئذ فلا يخل بالمنع. وقد سبق فى كتاب الصوم شئ يتعلق بما نحن فيه، فليراجع.
مسألة:
٣٣٦ - إذا كرر لفظ الظهار فى امرأة واحدة، وأراد الاستئناف، فالصحيح أنه يلزمه لكل مرة كفارة. بخلاف ما إذا كرر الحلف على شئ، وكرر الاستئناف. فإن الصحيح، كما قاله الرافعى فى آخر الإيلاء: أنه يلزمه كفارة واحدة.
والفرق: أن الظهار محرم فغلظنا فيه، واليمين ليست محرمة بوضعها، وإن كانت قد توصف (بالتحريم) (٣) فى بعض الصور لأمر خارج عن كونه يمينًا. وأيضًا (فالظهار) (٤) شبيه بالطلاق، بدليل تحريم الزوجة به. بخلاف اليمين.
وهذه المسألة سبق فى باب عدد الطلاق الوعد بذكرها فى هذا الباب.
стр. 587
باب اللعان
(بياض) (١)
باب ما يلحق من النسب وما لا يلحق
مسألة:
٣٣٧ - إذا تداعى نسب المولود اثنان، وتعذر القائف، رجعنا إلى ميل المولود. فإن قال: أميل بطبعى إلى هذا أو ذاك لحق به. فإذا وجد القائف بعد ذلك رجعنا إليه وقدمناه على الانتساب، كما صححه الرافعى فى باب اللقيط، وجزم به فى فرائض الوضوء.
وهذا بخلاف الخنثى، فإنه يأخذ بالعلامات المحسوسة كالبول والمنى والحيض، وغير ذلك مما هو مذكور فى موضعه.
فإذا فقدت العلامات الحسية رجعنا إلى الميل، فإذا قال: أشتهى الرجال وأميل بطبعى إليهم. حكمنا بأنه امرأة، وكذلك العكس؛ لأن اللَّه تعالى قد أجرى العادة بذلك.
فإذا وجدت العلامات الحسية بعد ذلك، ففى رجوعنا إليها احتمالات للرافعى، رجّح النووى عدم الرجوع، فقال فى "الروضة": إنه الصواب، وظاهر كلام الأصحاب، وقال فى شرح "المهذب": إنه الذى يقتضيه كلام الأصحاب.
стр. 588
والفرق: أن القائف إما بينة أو حكم على اختلاف مذكور فيه فى موضعه، فلزم تقديمه على الميل. بخلاف العلامات فى الخنثى.
* * *
مسألة:
٣٣٨ - هل يشترط فى قبول خبر المتنازع فيه بالميل الطبيعى أن يكون بالغًا أم يكفى التخيير؟ (وجهان، الصحيح: الأول. ومثله الخلاف فى قبول خبر الخنثى بالميل. وهذا بخلاف اختيار أحد الأبوين فى الحضانة، فإنه يكفى فى التمييز) (١).
والفرق بينهما: أن الاختيار يلزمه العمل بحكمه ولا يجوز له الرجوع فيه. بخلاف الحضانة.
* * *
стр. 589
كتاب الأيمان
باب من يصح يمينه وما لا يصح به اليمين
(بياض) (١)
باب كفارة اليمين
مسألة:
٣٣٩ - يجوز تعجيل العتق وغيره من الكفارات المالية قبل الحنث، ويشترط بقاء العبد حيّا إلى الحنث، وكذا بقاؤه على الإسلام. فلو مات قبل الحنث أو ارتد، لم يجزئه، كذا قاله الرافعى، قال: ويعتبر الحال فى التكفير قبل الحنث، كسهو فى تعجيل الزكاة، ومقتضاه اعتبار سائر الأوصاف، كسلامة الأعضاء ونحوها، وكذلك بقاء من صرف إليه الطعام والكسوة على صفة الاستحقاق إلى الحنث. إذا علمت ذلك، فلو عجل شاة، ثم ماتت قبل الحول، فإنه يجزئ.
والفرق: أن تعجيل الزكاة شرع رفقًا بالفقراء، فلو كان تلفها مانعًا من إجزائها لا تمتنع عليهم أكلها والانتفاع بها بالبيع وغيره، وذلك عكس مقصود الزكاة. بخلاف العبد المعتق.
* * *
стр. 590
باب جامع الإيمان
مسألة:
٣٤٠ - حلف ليضربن عبده مائة خشبة، أو ليجلدنه مائة ضربة، فضربه بعثكال عليه مائة شمراخ ضربة واحدة؛ حصل البرّ إذا تيقن أن الكل أصابه، فإن شك فى إصابة الجميع، فالنص أنه لا يحنث. وهذا بخلاف ما إذا حلف لا يدخلن الدار اليوم إلا أن يشاء زيد، فلم يدخل، ومات زيد، ولم يعلم هل شاء أو لا، فالنص أنه يحنث، وقيل. قولان، والصحيح تقرير النصين مع أنه متردد فى الموضعين.
والفرق: أن الضرب سبب ظاهر فى الانكباس (والتنكيل) (١) فيكفى فيه. بخلاف المشيئة، فإنه لا أمارة تدل عليها، والأصل عدمها، فأخذنا الموضعين بغلبة الظن، هكذا فرق به الأصحاب ومنهم الرافعى. وبذلك يعلم فساد ما ذكر فى "الروضة" من زوائده أن الأصح، وقول الجمهور أنه لا فرق فى حصول البر عند الشك فى حصول الإصابة بين أن يغلب ذلك على الظن أم لا، كما أوضحته فى "المهمات".
مسألة:
٣٤١ - قد (تقرر) (٢) أن الأصح حصول البر إذا شك فى الإصابة. وهذا بخلاف نظيره من حد الزنا، فإن الأصح أنه لا يكفى.
ولعل الفرق: مراعاة حصول الزَّجر والرَّدع.
стр. 591
مسألة:
٣٤٢ - إذا حلف لا يأكل (إلا) (١) مرة واحدة، فقطع عليه الأكل بغير اختياره، ثم عاود الأكل بعد تركه؛ لم يحنث، كما قاله الماوردى فى كتاب الرضاع. وهذا بخلاف ما لو قطعت المرأة على الصبى، فإن ذلك يحسب رضعة فى أصح الوجهين.
قال: والفرق) (٢) أن الرضاع يعتبر فيه فعل المرضعة والمرتضع على الانفراد، ولا يعتبر اجتماعهما؛ لأنها لو أوجرته وهو نائم (أو ارتضع) (٣) منها وهى نائمة كان رضاعًا محرمًا.
مسألة:
٣٤٣ - الهبة المحلوف عليها، هل يتعلق فيها البر والحنث بمجرد صدورها، حتى لو حلف لا يهب فوهب ولم يقبضه يحنث، لأن الهبة قد تحققت، والمتخلف إنما هو الملك. أم لا بد من القبض، لأنه المقصود من الهبة؟
فيه وجهان للرافعى من غير تصحيح، أصحهما فى "المحرر" (٤) وزيادات "الروضة": الثانى. وهذا بخلاف البيع فإن البر والحنث فيه لا يتوقفان على الملك، حتى إذا قال السيد: إن بعت هذا العبد فهو حر، فباعه؛ عتق فى الحال؛ (لأن) (٥) الوقت وقت خيار المجلس، وقد وجدت العتقة فيه. فإن قلنا: الملك فيه للبائع، فلا كلام. وإن قلنا: إنه موقوف، تبين لنا بوجود الصفة والعتق عوده إلى ملكه. (وإن قلنا للمشترى، فللبائع الفسخ، وإعتاقه فسخ منه فيعود العبد، بالإعتاق إلى ملكه) (٦) ويعتق. كذا ذكره الرافعى فى الباب السادس فى تعليل الطلاق فى أوائل الطرف السابع منه.
стр. 592
ولعل الفرق: أن البيع ينتهى إلى الملك بنفسه من غير إحداث فعل آخر، فاقتضى ذلك قوة فى السبب الواقع وهو البيع، فرتبنا عليه مقتضاه. بخلاف الهبة، فإن الملك فيها (يتوقف) (١) على فعل جد وهو القبض، فإن كانت العين فى يده فلا بد من الإذن.
مسألة:
٣٤٤ - لو حلف لا يكلمه شهر رمضان، حنث بتكليمه مرة واحدة، كما ذكره الرافعى فى آخر تعليق الطلاق. بخلاف ما لو حلف لا يساكنه فيه، فإن الحنث يتعلق بالجميع كما ذكره هناك.
والفرق: استحالة التكليم عادة فى جميع الشهر، فحملنا اليمين على مطلق ما وجد به. بخلاف المساكنة.
واعلم أن العبرة عندنا فى الحلف على المساكنة إنما هو بالبدن لا بالمال. وعند أبى حنيفة بالعكس، فلا بد من مراعاة ذلك هنا.
مسألة:
٣٤٥ - لو قال: واللَّه لا آكل طعام زيد، فأكل طعامًا مشتركًا بينه وبين غيره، حنث. بخلاف ما لو قال: لا أركب دابته، أو ألبس ثوبه، كذا نقله الرافعى عن تعليق إبراهيم المروزى (٢) ولم يفرق.
والفرق: أن الجزء من الطعام يسمى طعامًا. بخلاف جزء الدابة والثوب، ولهذا
стр. 593
لو حلف لا يلبس ثوبًا من غزل (فلانة، فرقع) (١) ثوبه برقعة منه، لم يحنث، على الصحيح (فى زوائد الروضة.
مسألة:
٣٤٦ - إذا فعل المحلوف عليه جاهلًا بأنه هو، لم يحنث على الصحيح. ولو أكل جاهلًا أنه نهارٌ ثم تبين الحال، أفطر، على الصحيح) (٢) ووجب القضاء، مع اشتراكهما فى (أن) (٣) النسيان لا يؤثر.
والفرق: أن الصوم مأمور فيه بالإمساك ولم يوجد. بخلاف اليمين، وإنما لم يوجب بالنسيان لكثرته المؤدية (إلى) (٤) الحرج.
* * *
стр. 594
باب الاستبراء
٣٤٧ - لا يجب الحيلولة بين السيد والأمة المستبرأة، بل يجوز له أن يخلو بها كما ذكره الرافعى فى آخر باب الاستبراء، قال: بخلاف المعتدة من وطء شبهة، فإنه يجب الحيلولة بينها وبين الزوج، مع أن الخلوة قد تفضى فى المسألتين إلى الوطء المحرم.
والفرق: أن (الواطئ بالشبهة) (١) لمَّا لوَّث فراش الزوج وأوقع معه (نسبًا) (٢) بغير (سببه) (٣) (غالبًا) (٤)، أحلنا لذلك لين الزوج والمرأة خوفًا من أن يودى الواطئ نسبه اللاحق به بطريق (ما) (٥). بخلاف المستبرأة. وأيضًا فالأمة قد يطؤها السيد وقد لا يطؤها؛ لأن الشراء لم يوضع لذلك، فلما قوى أمره وتأكد وتأصل فى الزوجة أوجبنا فيها الحيلولة. بخلاف الأمة.
واعلم أن مقتضى الفرق الثانى أن تكون الأمة الخلية الموطوءة بشبهة ملحقة بالمستبرأة، وهو ما يقتضيه كلام الرافعى فى تمثيل المسألة دون تصويرها.
* * *
стр. 595
باب العدد
(بياض) (١)
باب الرضاع
مسألة:
٣٤٨ - إذا أرضعت (امرأته) (٢) الكبيرة الصغيرة بطل نكاحهما معًا، لأنه كالعقد على أم وبنت، وحرمت الكبيرة أبدًا، لأن الأم تحرم بالعقد على البنت، وكذا الصغيرة إن كانت الكبيرة أرضعتها بلبنه، (أو كانت) (٣) (مدخولا بها وإلا فلا؛ لأن البنت) (٤) لا تحرم إلا بالدخول (على الأم) (٥) ويجب على الكبيرة الغرم للزوج، لأنها أفسدت عليه نكاحه. وفيما يلزمها أقوال، أصحها: نصف (مهر المثل) (٦)، والثانى: المهر كاملًا. والثالث: المسمى. والرابع: نصفه.
إذا علمت ذلك، فلو قتلت الزوجة لا يجب على القاتل للزوج غرم نكاحه.
стр. 596
والفرق: أن القتل أوجب شيئا وهو القصاص أو الدية، فاندرج البضع فيه.
بخلاف الإرضاع فإنه لم يوجب شيئا آخر بالكلية.
مسألة:
٣٤٩ - إذا وطئ الأب جارية ولده فلا حد للشبهة، ويجب المهر (للوطء) (١)، وحرمت على الولد أبدا، ولا شئ على الوالد بسبب ذلك، (خلاف ما سبق. بخلاف) (٢) ما لو وطئ زوجة أبيه أو ابنه بالشبهة، فإنه (يجب) (٣) له المهر لأجل قطع الحل مع مهر (الوطء) (٤).
والفرق: أن المقصود من النكاح إنما هو الحل، والمقصود الأعظم من الإماء هو الخدمة والمالية، وهى باقية.
* * *
стр. 597
كتاب النفقات
باب نفقة الزوجات
مسألة:
٣٥٠ - نفقة الزوجة مقدرة بالأمداد. وفى قول: يجب لها الكفاية (كالقريب) (١)، وفيه قول ثالث، أن الواجب ما يفرضه القاضى وعليه أن يقدر ويجتهد. وقيل: المعتبر عرف الناس فى البلد، والمشهور الأول. بخلاف الكسوة فإنها مقدرة بالكفاية.
والفرق: أن الكفاية فى الكسوة أمر مشاهد، فاعتبرناه. (بخلاف) (٢) النفقة.
مسألة:
٣٥١ - إذا غاب الزوج وهو موسر فى غيبته ولم يترك للمرأة نفقة، فليس لها الفسخ فى أظهر الوجهين، (ولكن) (٣) يبعث الحاكم إلى حاكم بلده ليطالبه إن كان موضعه معلومًا. ولو لم يعلم أنه موسر أو معسر لم ينفسخ أيضًا، لأن السبب لم يتحقق. وهذا كله بخلاف ما إذا كان الرجل حاضرًا وماله غائبًا على مسافة القصر، فلها الفسخ ولا يلزمها أن تصبر، مع أن الزوج فى المسألتين (موسر) (٤) بمال لا تصل
стр. 598
إليه الزوجة فيما دون مسافة القصر، بل الأولى (أولى) (١) بثبوت الخيار (لما) (٢) لا يخفى.
والفرق كما قاله صاحب "التهذيب": أنه إذا كان المال غائبًا والزوج حاضرا فالعجز إنما هو من جهة الزوج، وإذا كان الزوج غائبًا وهو موسر فقدرته حاصلة والتعذر إنما هو من جهتها.
(قال) (٣) الرافعى وهذا الفرق لا يقنع. والأمر كما قال وذكر الرافعى أن الدين المؤجل كالغائب، فيفصل بين أن يحل فى مسافة قريبة أم لا. وقال فيما إذا كان له عقار ولا يرغب فى شرائه: ينبغى أن يكون (لها) (٤) الخيار. والعلة فى هذه الأشياء إنما هو تعذر النفقة، والتعذر حاصل فى الغيبة مع اليسار والجهل بحقيقة الحال، فيترجح الفسخ. ولقائل أن يقول: قد قالوا فيما إذا ثبت إعساره إنه لا يجوز الفسخ إلا بعد ثلاثة أيام، فإذا أمهلناه ثلاثة أيام مع الإعسار (٥) فلم لا نمهل هذه المسافة مع اليسار وغيبة المال فى مسافة القصر، فإنه قد يحضر المال فيها؟
مسألة:
٣٥٢ - إذا ثبت إعسار الزوج بإقراره أو بالبينة لم يكن للمرأة أن تفسخ إلا بعد مضى ثلاثة أيام، (فإذا مضت) (٦) فسخ القاضى أو أذن لها فى الفسخ. فإن اختارت المقام معه ثم طلبت الفسخ - مكنت منه؛ لأن الضرر يتجدد. ولكن لا بد من تجديد الإمهال ثلاثًا ولا نعتد بالإمهال السابق. بخلاف نظيره فى (امرأة) (٧) المولى، فإنها ((٨) إذا رضيت بعد المدة المضروبة ثم طالبت الزوج، لم يحتج إلى تجديد الإمهال.
стр. 599
وفرق الرافعى بأن المدة هناك منصوص عليها غير موقوفة على طلبها، بل إذا ثبت عند القاضى (أن الزوج آلى وأن المدة قد انقضت، وطالبته المرأة، ألزمه القاضى) (١) على الفور. والمدة ههنا إنما تضرب بعد طلبها، وإذا تعلقت بطلبها سقط أثرها برضاها.
مسألة:
٣٥٣ - إذا أعسر الزوج بالنفقة، وأمهلنا المرأة بالفسخ ثلاثة أيام، وانقضت الثلاث، ولكن رضيت المرأة بالمقام معه، فيجوز لها أن تخرج بالنهار لاكتساب النفقة وإن كان لها مال، ولا يجب عليها تمكين الزوج من الاستمتاع فيه، ولا يجوز لها الخروج بالليل، لأنه محل الإيواء، ويجب عليها التمكين فيه، كما قاله الماوردى، والرويانى، ونقله الرافعى عن الرويانى خاصة، وتوقف فيه وتمسك فى التوقف بما لا ينفعه.
إذا علمت ذلك، فإذا مكنت ليلًا ومنعت نهارًا استحقت جميع النفقة، كما صرح به الماوردى والرويانى. بخلاف الأمة إذا أسلمها السيد (ليلًا) (٢) ولم يسلمها نهارًا، فإن النفقة لا تجب عليه فى الأصح. وقيل: يجب النصف. وقيل يجب الجميع.
والفرق كما قاله الماوردى: أن منع الأمة من جهتها، ومنع المعسر من جهته. وقد نقل الرافعى الحكم والفرق عن الماوردى، إلا أنه لم يبسط ذلك.
مسألة:
٣٥٤ - الواجب من جنس الطعام هو القوت الغالب، فإن اختلف ولم يكن غالب، وجب ما يليق بحال الزوج. وقيل: الواجب هو بحاله مطلقًا. إذا علمت ذلك، فلو تراضيا باعتبارها دراهم أو دنانير أو ثيابًا ونحوها عن نفقة وجبت جاز فى
стр. 600
أصح الوجهين. بخلاف ما لو اعتاضت عنها خبزًا أو دقيقًا ونحوهما، فإن الأصح المنع؛ لأنه ربا. وقال البغوى: يجوز؛ لأنها تستحق الحب وإصلاحه، وقد فعله.
إذا ظهر هذا، فقد ذكر الرافعى فى أوائل الصلح أن الواجب (فى الدية) (١) إذا كان معلوم القدر دون الصفة على الوجه المعتبر فى السلم كالإبل، ففى جواز الاعتياض عنها وجهان، أصحهما: المنع. كما لو أسلم فى شئ لم يصفه. (فلم لم يغتفروا) (٢) فى الدية جهالة الصفة واغتفروها فى النفقة، مع أن الجنس فى الدية متعين وهو الإبل، وفى النفقة متردد بين (الحبوب) (٣).
ولعل الفرق: أن إيجاب النفقة فى النكاح ليس من باب المعاوضات الحقيقية؛ لأن الزوجة تستمتع به كما يستمتع بها. بخلاف إبل الدية فإنها عوض حقيقة، فأشبه الثمن فى البيع.
* * *