← Книги сунны

Книги сунны · id 147811

البعث والنشور للبيهقي ت الشوامي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (763 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

رواه مسلم في الصحيح (١)، عن إسحاق بن منصور. (٥٩٧) أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ، حدثنا أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ، حدثنا السَّرِيُّ بنُ خُزَيْمَةَ، حدثنا عُمَرُ بنُ حَفْص بنِ غِيَاثٍ، حدثنا أبي، حدثنا الأَعْمَشُ، حدثنا شَقِيقٌ، عن عَبْدِ اللهِ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَن مَاتَ يُشْرِك بِالله شَيئًا؛ دَخَل النَّارَ». وقُلْتُ أَنَا: «ومَنْ مَاتَ لا يُشرك بِاللهِ شَيئًا؛ دَخَل الجَنَّةَ». رواه البخاري في الصحيح (٢)، عن عُمَر بن حَفْص، وأخرجه مسلم (٣)، من أوجه أُخَر، عن الأعمش. (٥٩٨) أخبرنا أبو الحَسَن علي بن محمد المُقْرِئُ، أخبرنا الحَسَن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قَتَادَة، عن أنس بن مالك: أن نَبيَّ الله ﷺ ومعاذ بن جَبَل رَدِيفَه على الرَّحْل قال: «يا مُعَاذ بن جَبَل، قلت: لَبَّيْك يا رسول الله، وسَعْدَيك -قالها ثَلاثًا - ما مِن عَبْدٍ يَشهد أن لا إله إلا الله وأَنَّ محمدًا عَبْدُه ورَسُولُه صَادِقًا مِن قَلْبِه إِلَّا حَرَّمَه اللهُ عَلَى النَّار، قال: يا رسول الله، ألا أُخْبِر به النَّاسَ فَيَسْتَبشِرُوا؟ قال: إذًا يَتَّكِلُوا، فَأَخْبَر بها مُعَاذٌ عند مَوته تَأَثُّمًا». رواه البخاري في الصحيح (٤)، عن إسحاق بن إبراهيم،

стр. 422

ورواه مسلم (١)، عن إسحاق بن منصور، كلاهما: عن معاذ بن هشام. (٥٩٩) وأخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ (٢)، حدثنا أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوبَ الحَافِظُ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ اللهِ السَّعْدِي، حدثنا قُرَيْشُ بنُ أَنَس ح وأخبرنا أبو الحُسَين ابن بِشْرِانَ، أخبرنا أبو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ المِصْرِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بن يَزِيدَ الرِّيَاحِي، حدثنا قُرَيْشُ بنُ أَنَس، حدثنا حَبِيبُ ابنُ الشَّهِيد، عن حُمَيْدِ بنِ هِلَالٍ، عن هِصَّانَ بنِ كَاهِل-وفي رواية الرِّياحِي: كَاهِن-، حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ سَمُرَة، -وكان في جنده (٣) - أَنَّه حَدَّثَه مُعاذُ بن جَبَل، أنه سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَن شَهِد أن لا إله إلا الله، وأَنِّي رَسولُ الله يرجع ذَاكُم إِلى قَلْبٍ مُؤْمِنٍ دَخَل الجَنَّةَ» (٤). (٦٠٠) أخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ، حدثنا أبو حَامِدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَين الخُسْرَوْجِرْدِيُّ-بها-، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ أَيُّوبَ، أخبرنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ، حدثنا حَمَّادٌ، عن ثَابِت، عن أَنَس بن مَالِك، أَنَّ عِتْبَانَ بنَ مَالِك الأَنْصَارِي، عَمِيَ فقال: يا رسولَ اللهِ، تَعَال فَصَلِّ فِي دَارِي، حتى أَجْعَلَ مُصَلَّاكَ (٥) مَسْجِدًا، فأتاه رَسولُ الله ﷺ ، فاجْتَمَع إلى عِتْبَانَ بنِ مَالِك قَومُه،

стр. 423

وتَغَيَّبَ مَالِكُ بنُ دُخْشُن (١)، فَوَقَعُوا فِيه، فقالوا: يا رسول الله، إِنَّهُ مُنَافِق، فقال رسولُ الله ﷺ : «أَلَيسَ يَشْهَد أَن لَا إِلَه إلا الله، وأَنِّي رَسولُ الله؟ قالوا: بلى، وإنما يَقُولُها تَعَوُّذًا، فقال رسول الله ﷺ : والذي نَفْسِي بِيَدِه، لا يَقُولها أَحَدٌ صَادِقًا، إلا حُرِّمَت عَلَيه النَّارُ». أخرجه مسلم (٢)، عن أبي بكر بن نافع، عن بَهْزِ بن أَسَد، عن حَمَّاد. (٦٠١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو مُحَمَّدِ ابنُ أَبِي حَامِدٍ المُقْرِئُ قالا: حدثنا أبو العباس -هو الأَصَمُّ-، حدثنا العَبَّاسُ بنُ مُحَمَّدٍ الدُّوْرِيُّ، حدثنا عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بن شَقِيق، حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَك، عن يونس بن يزيد، عن الزُّهْرِي، عن عَمْرِو بنِ أَبِي سُفْيانَ، عن أبي هريرة، قال: قال ... رسول الله ﷺ : «لَمَّا فُدِي إِسحَاقُ بِالْكَبْشِ قال الله : إن لك دَعوةً مُستجابة قال: ... -وزادني معمر-، قال: قال له إبراهيم: تَعَجَّل دَعْوتَك، لا يُدْخِل الشَّيطَانُ فيها شيئًا، قال إِسحاقُ: اللهم من لَقِيَكَ مِن الأَوَّلين والآخِرين، لا يُشْرِك بِكَ شَيئًا، فاغْفِر لَه» (٣). كذا رُوِي بهذا الإسناد.

стр. 424

ورواه عبدُ الرَّزَاق (١)، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن القاسم بن محمد قال: اجتمع أبو هريرة، وكَعْبٌ، فذكر الحديث، وذكر هذه القصة في دعوة إسحاق، عن كَعْبٍ، فَهِيَ عَنْهُ. قال الشيخ (٢): والأحَادِيثُ في مثل هذا كَثِيرة، والمُراد بها -والله أعلم- إثبات الجَنَّة له في العَاقِبَة، ونَفْي التَّخْلِيد عنه في العُقُوبة، ثم من أهل التوحيد مَن يُغْفَر لَه ابتداءً مِن غَير عُقُوبة، ومنهم مَن يُعاقَب على ذَنبه مُدَّةً، ثم تكون عاقبته الجنة، كما مضى في الأخبار المُخَرَّجَة قبلها. وقد مضى في كتاب «الإيمان» الدَّلَالَة على أن المَعاصِي التي هي دون الشرك -وإن عَظُمَت- لا تَبْلُغ مَبلغ الشِّرك، ولا تُوجِبُ لِصَاحِبها التَّخْلِيد في النار، وآيات التَّخْليد كُلُّها في الكُفَّار، وما ورد منها في أهل الإسلام؛ فَالمُرَاد به أَنَّ ذَلِك جَزَاؤُه، وإذا أَرَادَ اللهُ -تعالى- أن يَعْفُوَ عن جَزَائِه فَعَل، والعَفْوُ عَمَّا وَرَد بِه الوَعِيد لا يكون خُلْفًا. (٦٠٢) أخبرنا أبو علي الرُّوذْبَارِيُّ، أخبرنا أبو بكر بن دَاسَهْ، حدثنا أبو داود (٣) حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو شِهَابٍ، عن سُلَيْمَان التَّيْمِي، عن أبي مِجْلَزٍ، في قوله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] قال: «هِي جَزَاؤُه، فَإِن شَاءَ اللهُ أن يَتَجَاوزَ عَن جَزَائِه، فَعَل».

стр. 425

(٦٠٣) أخبرنا الفَقِيهُ أبو مَنصُور عبد القَاهِر بن طَاهِر، أخبرنا أبو عَمْرٍو إِسْمَاعِيلُ بنُ نُجَيْدٍ، أخبرنا أبو مُسْلِمٍ، حدثنا الأَنْصَارِيُّ (١)، عن هِشَام بن حَسَّان، قال: كُنَّا عند مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، فقال له رجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] حتى ختم الآية، قال: فَغَضِبَ مُحَمَّدٌ وقال: أين أنت من هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قُم عَنِّي، اخْرُج عَنِّي، قال: فَأُخْرِج. قال أبو سُلَيمان الخَطَّابِيُّ: القُرآنُ كُلُّه -في مَذَاهِب أَكْثَر أَهْلِ العِلْم- بِمَنْزِلَة الكلمة الوَاحِدة، وما تَقَدَّم نُزولُه وما تَأَخَّر في وجُوبِ العَمَل به سَواءٌ، ما لم يَقَع بين الأول والآخر مُنَافَاة، ولو جُمِعَ بين قَولِه جَلَّ وعَزَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، وأُلْحِقَ به قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لم يَكُن مُتَنَاقِضًا، فَشَرطُ المَشِيئَة قَائِمٌ في الذُّنُوبِ كُلِّها ما عَدَا الشِّرك، وأيضًا فإن قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ يُحْتَمَل أَن يَكونَ مَعنَاهُ ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إِنْ جَازَاه الله -تعالى- ولَم يَعْف عَنه، والآيةُ الأولى خَبَرٌ لا يَقَعُ فِيه الخُلْفُ، والآيَةُ الأُخْرَى وَعِيدٌ يُرْجَى فِيه العَفْو. والله أعلم (٢). (٦٠٤) أخبرنا أبو سَعْدٍ المَالِينِيُّ، أخبرنا أبو أَحْمَدَ بنُ عَدِيٍّ الحَافِظُ (٣)، قال: سمعتُ عُمَرَ بنَ مُحمد الوَكِيل، يقول: حدثنا معاذُ بنُ المُثَنَّى، حدثنا

стр. 426

سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، حدثنا الأَصْمَعِيُّ، قال: جاء عَمْرُو بنُ عُبَيْدِ اللهِ إلى ... أبي عَمْرِو بن العَلَاء فقال له: يا أبا عمرو، اللهُ يُخْلِفُ وَعْدَه؟ فقال: لَن ... يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَه، فقال عَمْرٌو: فقد قال: فذكر آية وَعِيد، لم يحفظها عُمَر، فقال أبو عمرو: مِنَ العُجْمَة أُوتِيتَ، الوَعْدُ غَيرُ الإِيْعَاد. ثم أَنْشَد أبو عَمْرٍو: وإِنِّي وإِن وَاعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... سَأُخْلِفُ مِيعَادِي وأُنْجِزُ مَوْعِدِي (١) كذا في هذه الرواية والصواب: وإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... سَأُخْلِف إِيْعَادِي وأُنْجِزُ مَوْعِدِي (٦٠٥) أخبرنا أبو الحَسَن عَليُّ بنُ أحمدَ بن عَبْدَان، أخبرنا أحمد بن عُبَيد الصَّفَّار، حدثنا تَمْتَام، ومُعَاذُ بنُ المُثَنَّى، وعَيَّاشُ بنُ تَمِيم، وعَبَّاس بن الفَضْل قالوا: حدثنا هُدْبَةُ بنُ خَالِد، حدثنا سُهَيل بن أبي حَزْم، عن ثَابِت، عن أَنَسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ وَعَده اللهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوابًا، فَهُو مُنْجِزُهُ لَه، ومَن أَوْعَدَه اللهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا، فهو بِالْخِيَارِ، إن شَاءَ عَفَا عَنه، وإن شَاءَ عَذَّبَه» (٢). لَفْظُ حَديثِ عَبَّاسٍ، ولم يذكر البَاقُون «إِن شَاء عَذَّبَه»، تَفَرَّد به سُهَيل، وليس بالقَوِي.

стр. 427

(٦٠٦) قرأت في كتاب القُتَيْبِي (١) ﵀، حدثني إسحاق بن إبراهيم الشَّهِيدِيُّ، حدثنا قُرَيشُ بنُ أَنَس قال: سمعتُ عَمْرَو بنَ عُبَيد يقول: «يُؤْتَى بِي يومَ القِيامَة فَأُقَام بَين يَدَي الله فيقول لي: لِم قُلتَ إِنَّ القَاتِل في النَّار؟ فأقول: أنت قُلْتُهُ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]. قُلْتُ له - وما في البَيتِ أَصْغَر مِنِّي-: أَرَأيتَ إن قَال لَك: فَإِنِّي قَد قُلْت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] مِن أَيْن عَلِمْتَ أَنِّي لا (٢) أَشاءُ أَنْ أَغْفِر؟ قال: فما استطاع أن يَرُدَّ عَلَيَّ شَيئًا». (٦٠٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله الحُسَين بن الحَسَن بن أَيُّوبَ الطُّوسِي، حدثنا أبو حَاتِم الرَّازِي ح وأخبرنا أبو نَصْرٍ أَحْمَدُ ابنُ عَلِيٍّ الفَامِي، حدثنا أبو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ المُؤَمَّل، حدثنا الفَضْل بن محمد، قالا: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَر، أخبرني زيد بن أَسْلَم، عن عَطَاءِ بن يَسَار، عن أبي سَعِيد الخُدْرِي، أَنَّ رِجالًا مِن المنافقين في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانوا إذا خَرجَ النبيُّ ﷺ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عنه، وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِم خِلَافَ رَسولِ الله ﷺ ، فإذا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ، اعْتَذرُوا إليه وحَلَفُوا وأَحَبُّوا أن يُحْمَدُوا بِما لَم يَفْعَلُوا، فَنَزلَ فِيهِم ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨].

стр. 428

رواه البخاري في الصحيح (١)، عن ابن أبي مريم، ورواه مسلم (٢)، عن الحُلْوَانِي، وغَيرِه، عن ابن أبي مريم. (٦٠٨) أخبرنا أبو بَكْرِ ابنُ فُورَك، أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ الأَصْبَهَاني، حدثنا أحمدُ بنُ يُونُس، حدثنا حَجَّاجُ بنُ محمدٍ ح وأخبرنا أبو بَكْرٍ أحمدُ بنُ الحَسَن القَاضِي، وأبو سَعِيدٍ محمدُ بنُ مُوسَى قالا: حدثنا أبو العَبَّاس محمدُ ابنُ يعقوبَ، حدثنا العَبَّاسُ بنُ محمد الدُّورِيُّ، حدثنا حَجَّاجُ بنُ محمد الأَعْوَرُ قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرني ابنُ أَبي مُلَيْكَةَ، أَنَّ حُمَيدَ بنَ ... عبدِ الرَّحْمَن، أَخْبَره أَنَّ مروانَ، قال: اذْهَب يَا رَافِع -لِبَوابِهِ- إلى ابن عَبَّاس فَقُل: لَئِن كان كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بما أَتَى، وأَحَبَّ أَن يُحْمَدَ بِما لَم يَفْعَل، مُعَذَّبًا؛ لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُون. فقال ابن عباس: «وما لَكُم ولِهَذِه الآية، إنما أُنْزِلَت هذه الآية في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وتلا ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] فقال ابن عباس: سَأَلهم النَّبيُّ ﷺ عن شيء، فَكَتَمُوه، وأخبروه بِغَيره، وقد أَرَوْه أَنْ قَد أَخْبَرُوه بما سَألَهُم عنه، (٣) واستحمدوا بذلك إليه، وفَرِحُوا بما أَتَوا مِن كِتْمَانهم إياه ما سألهم عنه ٣)». رواه البُخَاري في الصحيح (٤)، عن محمد بن مُقَاتِل، عن حَجَّاج،

стр. 429

وأخرجه (١) من حديث هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عَلْقَمَة بن وَقَّاص، عنه وقال: تابعه عبد الرزاق، عن ابن جريج. قال الشيخ: ورَوَاه رَوْحُ بنُ عُبَادَة، عن محمد بن عبد الملك بن ... عبد العزيز بن جُرَيج، عن أبيه، نحو رواية حجاج (٢). (٦٠٩) أخبرنا أبو بَكْرِ ابنُ فُورَك، أخبرنا عَبدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ، حدثنا يُونُسُ بنُ حَبِيب، حدثنا أبو داود (٣)، حدثنا صَالِح بنُ رُسْتُم أبو عامر الخَزَّاز، حدثنا سَيَّار أبو الحَكَم، عن الشَّعْبِي، عن عَلْقَمَة، قال: كُنَّا عِندَ عَائِشَةَ، فدخل عليها أبو هريرة، قالت: «يا أبا هريرة، أنت الذي تُحَدِّثُ أَن امْرَأَةً عُذِّبَت في هِرَّةٍ لَهَا، رَبَطَتها لم تُطْعِمْها ولم تَسْقِها، فقال أبو هريرة: سمعته مِنْهُ، -يعني النبي ﷺ فقالت عَائِشَةُ: أتدري ما كانت المَرْأَةُ؟ قال: لا، قالت: إن المرأة مَعَ مَا فَعَلَت كانت كَافِرَة، إِنَّ المُؤمِنَ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ مِن أَنْ يُعَذِّبَه في هِرَّةٍ، فإذا حَدَّثْتَ عن رسول الله ﷺ ، فانْظُر كيف تُحَدِّث» (٤). (٦١٠) أخبرنا أبو القاسم عُبَيد الله بن عُمَر بن عَلِي الفَقِيه الفَامِي (٥) ... -ببغداد-، حدثنا أبو بكر أحمد بن سَلْمَان، حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا

стр. 430

عَفَّانُ، حدثنا وُهَيْبُ بنُ خَالِد، حدثنا موسى بن عُقْبَة، قال: سمعت أبا سَلَمَة، عن عَائِشَةَ، عن النبي ﷺ قال: «سَدِّدُوا وقَارِبُوا وأَبْشِرُوا، فَإِنَّه لا يُدْخِلُ أَحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قالوا: ولا أنتَ يَا رَسولَ اللهِ؟ قال: ولا أنا، إِلَّا أَن يَتَغَمَّدَني اللهُ مِنه بِرَحْمَة». أخرجه البخاري في الصحيح (١)، فقال: وقال عفان، فذكره، وأخرجه مسلم (٢)، من وجه آخر، عن وُهَيْب. (٦١١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرنا أبو الفَضْل بنُ إبراهيمَ، حدثنا أحمدُ بن سَلَمة، حدثنا قُتَيْبَة بنُ سَعِيدٍ، حدثنا اللَّيْثُ، عن محمدِ بنِ قَيْسٍ -قَاصِّ عُمَر بنِ عَبد العَزيز-، عن أبي صِرْمَةَ، عن أبي أَيُّوبَ، أنه قال حين حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ: قد كَتَمتُ عَنْكُم شَيْئًا سَمِعتُه مِن رَسولِ اللهِ ﷺ ، يقول: «لو أَنَّكُم لا تُذْنِبُون، لَخَلَق اللهُ خَلقًا يُذْنِبُونَ، فَيَغْفِر لَهُم». رواه مسلم في الصحيح (٣)، عن قتيبة. (٦١٢) أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحافظُ، أخبرنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ يَعْقُوبَ، حدثنا حُسَين بن حَسَن بن مُهَاجِر، حدثنا هَارُونُ بنُ سَعِيدٍ الأَيْلِي، حدثنا ابنُ وَهْبٍ، عن عِيَاضِ بن عبد الله الفِهْرِي، عن إبراهيم بن عُبَيد بن رِفَاعَة، عن مُحمدِ بن كَعْب القُرَظِيِّ، عن أَبِي صِرْمَةَ، عن أبي أَيَّوبَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال:

стр. 431

«لَو أَنَّكُم لَم تَكُنْ لَكُم ذَنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللهُ لَكُم؛ لَجَاء اللهُ بِقَومٍ لَهُم ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللهُ لَهُم». رواه مسلم في الصحيح (١)، عن هارون بن سعيد. (٦١٣) أخبرنا طَلْحَةُ بنُ عَلِي بن الصَّقْر-ببغداد-، حدثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عبد الله الشَّافِعِيُّ، حدثنا إِسْحَاقُ بنُ الحَسَن، حدثنا أبو سَلَمَة ح وأخبرنا أبو الحَسَن عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بن عَبْدَان، أخبرنا أَحْمَدُ بنُ عُبَيد الصَّفَّار، حدثنا أبو مسلم الكَجِّيُّ، حدثنا حَجَّاج، قالا: حدثنا حَمَّادٌ، عن ثَابِت، وأبي عِمْرَان الجَوْنِي، عن أَنَس، قال: قال رسول الله ﷺ : «يَخْرُجُ من النَّارِ -قال أبو عمران: أربعة، وقال ثابت: رجلان- فَيُعْرَضُون عَلى رَبِّهم، فَيُؤمَر بهم إلى النَّار، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُم فيقول: أَي رَبِّ، قد كنتُ أرجوك إذا أخرجتني منها، أن لا تُعِيدَنِي فِيهَا، فَيُنْجِيهِ اللهُ منها». لَفظ حَدِيثِ طَلْحَة. رواه مسلم في الصحيح (٢)، عن هُدْبَة (٣) بن خالد، عن حَمَّاد بن سَلَمَة. (٦١٤) أخبرنا أبو سَعِيد عبدُ الرحمن بن محمد بن شُبَانَةَ الهَمَذَانِي (٤) -بها-، قال: حدثنا أبو العباس الفضل بن الفضل الكِنْدِي، أخبرنا ...

стр. 432

أبو يَعْلَى (١)، حدثنا شَيْبَانُ بنُ فَرُّوخ، حدثنا سَلَّامُ بن مِسْكِين، حدثنا أبو ظِلَالٍ، عن أَنَسِ ابنِ مَالِك، عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ عبدًا في جَهَنَّم يُنَادِي ألفَ سَنَة: يا حَنَّان، يا مَنَّان، قال: فيقول الله ... -تعالى-: يا جبريل، ائت عَبدي، قال: فَيَنطَلِقُ جِبرِيلُ فَيَرى أَهْلَ النَّارِ مُنْكَبَّينَ على وُجُوهِهِم، قال: فَيَرجِعُ، فَيَقُولُ اللهُ: ائْتِنِي به، فَإِنَّه في مَكَانِ كَذا وكَذَا، قال: فَيَأتِيه، فيَجِيءُ بِه، فيقول اللهُ له: يا عَبْدِي، كَيفَ وَجَدتَ مَكانَك، ومَقِيلَك؟ قال: فيقول: يا رَبِّ، شَرَّ مَكَانٍ، وشَرَّ مَقِيلٍ، قال: فيقول: رُدُّوا عَبدي، فيقول: يا رَبِّ، ما كنتُ أَرجُو أَنْ تَرُدَّني إِذْ أخرجتني، فيقول تعالى: دَعُوا عَبْدِي». (٦١٥) أخبرنا أبو بَكْرٍ القَاضِي (٢)، حدثنا أبو العَبَّاس الأَصَمُّ، حدثنا الحَسَنُ بن مُكْرَمٍ، حدثنا عُثمانُ بنُ عُمَر، حدثنا أبو عَامِر، عن أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى قال: «يُؤتَى بِالعَبد يَومَ القِيامَة، فَيَسْتُرُه رَبُّه بَيْنَه وبَين الناس، فَيَرى خَيرًا، فيقول: قد قُبِلَتْ، ويَرَى سَيِّئًا (٣) فيقول: قَد غُفِرَتْ (٤)، فَيسجد عِند الخَير والشَّر، فيقول الناس: طُوبَى لِهَذَا العَبْد الذي لَم يَعْمَل شَرًّا قَطُّ» (٥). هذا موقوف، ولا يقوله إلا تَوقِيفًا.

стр. 433

(٦١٦) أخبرنا أبو زَكَريَّا بنُ أبي إِسْحَاقَ، أخبرنا أبو الحَسَن الطَّرَائِفِيُّ، حدثنا عُثمانُ بنُ سَعِيد، حدثنا عبد الله بن صَالِح، عن مُعَاوِيَة بنِ صَالِح، عن عَلِي بن أَبِي طَلْحَةَ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] قال: «لَيسَ مُؤمِنٌ، ولا كَافِرٌ عَمِلَ خَيرًا ولا شَرًّا في الدنيا، إلا أَرَاه اللهُ إِيَّاهُ، وأَمَّا المُؤْمِنُ فَيُرِيهِ حَسَنَاتِه وسِيِّئَاتِه فَيَغْفِرُ لَه مِن سَيِّئَاتِه، ويُثِيبُهُ بِحَسَنَاته، وأما الكَافِرُ فَيُرِيه حَسَنَاتِه وسيئاته، فَيَرُدُّ عَلَيه حَسَناتِه، ويُعَذِّبُه بِسَيئَاتِهِ» (١). (٦١٧) أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأَصَمُّ، حدثنا يَحْيى بنُ أَبِي طَالِبٍ، حدثنا يَزِيدُ بن هَارُون، أخبرنا عبدُ الأَعْلَى بن أَبي المُسَاوِر، عن حَمَّاد، عن إِبْرَاهِيمَ، عن صِلَةَ بنِ زُفَر، عن حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَان، قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نَفسِي بِيَدِه، لَيَدخُلَنَّ الجَنَّةَ الفَاجِرُ في دِينِه، الأَحْمَقُ في مَعِيشَتِه، والذي نَفْسِي بِيَدِه، لَيَدخُلَنَّ الجَنةَ مُنْتِنًا قَد مَحَشَتْهُ النَّارُ بِذَنْبِهِ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، لَيَغْفِرَنَّ اللهُ يَومَ القِيامَةِ مَغْفِرَةً ما خَطَرَت عَلَى قَلبِ بَشَر، والذي نفس محمدٍ بيده، لَيَغفِرَنَّ اللهُ يومَ القِيامَة مَغْفِرةً يَتَطاوَلُ لَها إِبْلِيسُ؛ رَجَاءَ تُصِيبُهُ» (٢). * * * * *

стр. 434

٣٥ - بابُ قولِ اللهِ : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [ فاطر: ٣٢]. (٦١٨) أخبرنا الأُسْتَاذُ أبو بَكر ابنُ فُورَك، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يُونُسُ بنُ حَبِيب، حدثنا أبو دَاوُدَ (١)، حدثنا شُعْبَةُ، عن الوَلِيد بن العَيْزَار، قال: سمعت رَجُلًا من ثَقِيفٍ يُحَدِّثُ رَجُلًا مِن كِنَانَة، عن أبي سَعِيدٍ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] الآية، قال: «كُلُّهم في الجَنَّة -أو قال: كلهم بمنزلة واحدة-» (٢). (٣) قال شُعْبة: أحدهما. يُرِيدُ -والله أعلم-: كُلُّهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَة ٣)، في أَنَّ مَنَازِلَهُم الجَنَّة، ثم يَتَفاوتُونَ في الدَّرَجَاتِ. (٦١٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٤)، أخبرنا أبو زكريا العَنْبَرِيُّ، حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ السَّلَام، حدثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، أخبرنا جَرِيرٌ، حدثني الأعمش، عن رَجُلٍ سَمَّاه، عن أبي الدَّرْدَاء، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ

стр. 435

يقول في قوله : ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قال: «السَّابِقُ والمُقْتَصِدُ، يَدخُلانِ الجَنَّة بغير حِسَاب، والظَّالِم لِنَفْسِهِ، يُحَاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، ثم يَدخُلُ الجَنَّة». قال أبو عبد الله: «ورواه الثَّوْرِيُّ، عن الأعمش قال: ذَكَر أبو ثَابِت، عن أَبي الدَّرْدَاء، وقِيل: ابن ثابت. وقيل: عن شُعْبَة، عن الأَعْمَش، عَن رَجُل من ثَقِيفٍ، عن أبي الدَّرْدَاء. وإذا كثرت الروايات في حديث، ظَهَر أن للحديث أصلًا». (٦٢٠) أخبرنا أبو بَكر القَاضِي، أخبرنا دَعْلَجُ بنُ أَحْمَدَ، حدثنا أحمد ابن سعيد بن شَاهِين، حدثنا محمد بن جَامِعٍ، حدثنا حُصَيْنُ بنُ نُمَيْر، حدثنا ابن أبي لَيْلَى، عن أخيه، عن أبيه، عن أُسَامةَ بن زَيْد، عن النَّبيِّ ﷺ في قول الله : ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢].قال: «كُلُّهُم في الجَنَّةِ» (١). (٦٢١) أخبرنا أبو طَاهِر الفَقِيهُ، ومحمد بن موسى، قالا: أخبرنا أبو عبد الله الصَّفَّار الأَصْبَهَانِي، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد السَّلَام الأَصْبَهَاني، حدثنا محمد بن سعيد بن سَابِق، حدثنا عَمْرُو بنُ أَبي قَيْسٍ، عن ابن أبي لَيْلَى، عن أَخِيه عِيسَى، عن أَبِيهِ، عن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، ... في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢] قال: ...

стр. 436

قال رسول الله ﷺ : «كُلُّهُم مِن هَذِه الأُمَّة» (١). (٦٢٢) أخبرنا أبو محمد جَنَاحُ بنُ نَذِيرٍ القَاضِي -بالكوفة-، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دُحَيم، حدثنا أحمد بن حازم، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا سُكَيْنُ بنُ عبد العَزِيز، حدثنا حَفْصُ بن خَالِد بن جَابِر، حدثني مَيْمُونُ بنُ سِيَاه، عن عُمَرَ، ﵁ قال: تلا هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]. قال: فقال رسول الله ﷺ : «سَابِقُنَا سَابِقٌ، ومُقْتَصِدُنَا نَاجٍ، وظَالِمُنَا مَغْفُورٌ لَه» (٢). فيه إرسالٌ بين مَيمون بن سِياه، وبَين عُمَرَ ﵁. وروي من وجه آخر غَير قَوي، عن عُمَر مَوقُوفًا عليه. (٦٢٣) أخبرنا أبو نَصْرِ ابنُ قَتَادَة، أخبرنا أبو منصور النَّضْرَوِي، حدثنا أحمد بن نَجْدَة، حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُور (٣)، حدثنا فَرَجُ بنُ فَضَالَة، حدثني أَزْهَرُ بنُ عبد الله الحَرَازِيُّ، حدثني من سَمِعَ عُثَمانَ بنَ عَفَّان، ﵁ وهو يقرأ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. الآية، فسمعته يقول: «أَلَا إِنَّ سَابِقَنَا: أَهْلُ جِهَادِنا، ألا وإِنَّ مُقْتَصِدَنا: أَهْلُ حَضَرِنَا،

стр. 437

ألا وإن ظَالِمَنَا: أَهْلُ بَدْوِنَا». وكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إذا نَزع هَذه الآية قال: «ألا إِنَّ سَابِقَنَا سَابِقٌ، ومُقْتَصِدَنا نَاجٍ، وظَالِمَنَا مَغْفُورٌ لَهُ». (٦٢٤) أخبرنا عُمَرُ بن عبد العَزِيز بن عُمَرَ بن قَتَادَة، أخبرنا العباس بن الفَضْل النَّضْرَوِيُّ، حدثنا أحمدُ بن نَجْدَةَ، حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُور، حدثنا عمرو بن ثَابِت، عن أبيه، عن عُيَيْنَةَ (١)، عن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ، قال: سمعته يقول: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]. قال البراءُ: «أَشْهَدُ عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُم جَمِيعًا الجَنَّةَ» (٢). (٦٢٥) قال: وأخبرنا سَعِيدٌ، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا حُصَيْن، عن إبراهيمَ، قال: «نَجَوْا كُلُّهُم». (٦٢٦) قال: وحدثنا سَعِيدٌ، حدثنا سُفْيانُ، عن عَمْرو بن دِينَار، عن عُبَيد بن عُمَير، قال: «كُلُّهم صَالِح» (٣). (٦٢٧) قال: وحدثنا سَعِيدٌ، حدثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوية، حدثنا عَوْفٌ، حدثنا عبد الله بن الحارث بن نَوْفَل، حدثني كَعْبٌ: أَنَّ الظَالِمَ لِنَفسِه مِن هذه الأمة، والمُقْتَصِدَ، والسَّابِقَ بِالخَيرَاتِ، كُلُّهم في الجنة، ألم تر أن الله قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ

стр. 438

مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣] قَرَأ عَوفٌ إلى قوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٥ - ٣٦]. قال كَعْبٌ: «هؤلاء أهل النار» (١). (٦٢٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، وأبو سَعِيد ابنُ أبي عَمْرٍو قالا: حدثنا أبو العَبَّاس محمدُ بن يعقوبَ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الوَهَّاب، عن عَطَاءٍ، أخبرنا عَوْفٌ، عن عبد الله بن الحَارِث، قال: سَمِعْتُ كَعْبًا، يقول: فذكره بمثله. (٦٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، وأبو بكر بن الحَسَن، وأبو سَعِيد ابنُ أبي عَمْرٍو قالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْج: سمعت عَطَاءً يقول: «﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] زَعَم أَنَّ هؤلاء الأصناف الثلاثة: نَحْنُ (٢) أمة محمد ﷺ ، وزعم أن قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣] في هؤلاء الأصناف الثلاثة، وأَنَّ كَعبًا قال: هُم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، هؤلاء الأصناف الثلاثة، أفأنا أُقِيمُ على اليَهُودِيَّة، وأَدَع هَذا الدِّين؟ » (٣) واخْتَلَفَت الرِّوَاياتُ فيه عن ابن عباس، فَرُوِي عنه كما (٦٣٠) أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، حدثنا أبو الحَسَن

стр. 439

الطَّرَائِفِيُّ، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا عبد الله بن صالح، عن مُعَاوِيَةَ بن صالح، عن عَلِيِّ بن أبي طَلْحَةَ، عن ابن عباس، في قوله ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] إلى آخر الآية قال: «هم أمة محمد ﷺ أَوْرَثَهُم اللهُ -سبحانه- كُلَّ كِتَابٍ أَنَزَلَه، فَظَالِمُهُم يُغْفَرُ له، ومُقْتَصِدُهُم يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وسَابِقُهُم يَدْخُلُ الجَنَّة بِغَير حِسَاب» (١). ورُوِيَ عنه كما (٦٣١) أخبرنا أبو نَصْرِ ابنُ قَتَادَة، أخبرنا أبو منصور النَّضْرَوِيُّ، حدثنا أحمد بن نَجْدَةَ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سُفيانُ، عن عمرو بن دِيْنَارٍ، قال: قال ابن عباس: «الظَالِمُ لِنَفْسِه، هو الكَافِر» (٢). (٦٣٢) قال: وحدثنا سَعِيدٌ، حدثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ، حدثنا عَوْفٌ، عن الحَسَن: «أَنَّ الظَالِمَ لِنَفْسِه، هو المُنَافِق، وأما المُقْتَصِدُ، والسِّابِقُ بالخَيْرَاتِ، فَهُمَا صَاحِبَا الجَنَّةِ» (٣). (٦٣٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، وأبو سعيدِ ابنُ أبي عَمرٍو قالا: حدثنا أبو العبَاَّس الأَصَمُّ، حدثنا يَحْيَى بنُ أبي طَالِبٍ، أخبرنا عبدُ الوَهَّاب، قال: قال عَوْفٌ: وقال الحَسَنُ: «الظَّالِمُ لِنَفْسِه، المُنَافِق -سقط هذا- والمُقْتَصِدُ، والسَّابِقُ بالخَيْرَاتِ، فَإنَّ هَذَان في الجَنَّة».

стр. 440

قال الشَّيخُ: واسْمُ الظَّالِم وَاقِعٌ على الشِّرْكِ. (٦٣٤) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، أخبرني أبو عَمْرِو بنُ حَمْدَان، أخبرنا الحَسَنُ بن سُفيان، حدثنا أبو بَكْر ابن أبي شَيْبَة، حدثنا عبد الله بن إِدْرِيس، وأبو مُعَاوِيَة، ووَكِيعٌ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله، قال: لَمَّا نَزَلَت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِك عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، وقالوا: أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَه؟ فقال النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ هُو كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّما هُو كَمَا قَال لُقْمَانُ لِابْنِه: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]». رواه مسلم في الصحيح (١)، عن أبي بكر ابن أبي شيبة. (٦٣٥) وأخبرنا أبو صَالِح ابنُ أَبي طَاهِرٍ العَنْبَرِي، أخبرنا جَدِّي يَحْيَى ابنُ مَنصُورٍ القاضي، حدثنا أحمد بنُ سَلَمَة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جَرِيرٌ، وأبو معاوية، ووَكِيعٌ، عن الأَعْمَشِ، بهذا الإسناد قال: لَمَّا نَزَلَت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِك على المسلمين، وفي رواية وكيع: فَشَقَّ ذلك على أصحاب محمد ﷺ فقالوا: يا رسول الله، فَأَيُّنا لا يَظْلِمُ نَفْسَه؟ قال: «ليس بِذَاكَ هُو، إِنَّمَا هُو الشِّرْك، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَال لُقْمَانُ لِابْنِه؟ ... ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان]». رواه البخاري في الصحيح، عن قُتَيْبَة، عَن جَرِير (٢)، وعَن إِسْحَاقَ بن

стр. 441

إبراهيم، عن وَكِيْع (١). (٦٣٦) أخبرنا أبو حَامِد أحمدُ بن عَلِي المُقْرِئ الخُسْرَوْجِرْدِيُّ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الوَرَّاقُ -ببغداد-، حدثنا أبو الحَسَن علي بن محمد بن هَارُون الحِمْيَرِيُّ القَاضِي الكُوْفِي، حدثنا محمد بن العلاء أبو كُرَيْبٍ، حدثنا عبد الله بن إِدرِيس، عن الأعْمَش، عن إبراهيم، عن عَلْقَمَة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود-، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذلك على أصحاب محمد ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ألا تَرَوْنَ إلى قَوْلِ لُقْمَانَ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان]». قال عبد الله بن إدريس: حَدَّثَنِي أولًا أَبِي، عن أَبَانَ بن تَغْلِب، عن الأَعْمَش، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنهُ. رواه مسلم في الصحيح (٢)، عن أبي كُرَيب. وفي هذا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ على أَنَّ الظُّلْمَ الذي هو دُونَ الشِّركِ، لا يَبْلُغ مَبْلَغ الشِّرْكِ في سَلْبِ الأَمْنِ والاهْتِدَاء عَن صَاحِبِه، وإذا لَم يَسْلُبْه الأمْنَ المَوعُود والاهتداء، دَخَل تَحْتَ قَوْلِه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وكان له الأَمْنُ في العَاقِبَة لا مَحَالَة؛ لِقَولِه تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. (٣) * * * * *

стр. 442

٣٦ - باب قول الله : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [ الحجر: ٢] وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء]. (٦٣٧) أخبرنا أبو زَكَريَّا ابنُ أبي إسحاقَ المُزَكِّي، أخبرنا أبو الحَسَن الطَّرَائِفِيُّ، حدثنا عُثمَانُ بنُ سَعِيد الدَّارِمِيُّ، حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ صَالِح، عن مُعَاوِيَة بنِ صَالِح، عن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ في قولِ الله ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] «ذَلِكَ يَومُ القِيَامَةِ، يَتَمَنَّى الذين كَفَرُوا لَو كَانُوا مُوَحِّدِين» (١). (٦٣٨) أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ (٢)، أخبرنا أبو زكريا يحيى بنُ محمد العَنْبَرِيُّ، حدثنا محمد بن عبد السَّلَام، حدثنا إسحاقُ بنُ إِبرَاهِيمَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن عَطَاءِ بنِ السَّائِب، عن مُجَاهِد، عن ابن عباس قال: «مَا يَزَالُ اللهُ يُشَفِّع، ويُدْخِلُ الجَنَّةَ، ويَرْحَم، ويَشْفَعُ، حتى يقول: مَن كَان مِن المُسْلِمِينَ، فَلْيَدخُل الجَنَّة»، فذلك حِينَ يَقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].

стр. 443

تابعه أبو عَوَانَة (١)، وغَيْرُهُ، عن عَطَاء. (٦٣٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ، وأبو سعيد ابنُ أبي عَمرٍو قالا: حدثنا أبو العباس محمدُ بن يعقوبَ، حدثنا محمدُ بن إسحاقَ الصَّغَانِي، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَة، حدثنا القَاسِم بن الفَضْل، حدثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ أَبِي جَرْوَة (٢)، عن أنس بن مالك، وابن عباس أنهما تَأَوَّلَا هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] فقالا: «هو يَوم يَجْمَعُ اللهُ أَهْلَ الخَطَايَا مِنَ المُسلمين والكُفَّار في النَّارِ جَمِيعًا، فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون؟ قالا: فَيُخْرِجُهم اللهُ بفضل بِرَحْمَتِه، فذلك حِينَ يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]» (٣). (٦٤٠) أخبرنا أبو نصر ابنُ قَتادَة، أخبرنا أبو منصُورٍ النَّضْرَوِيُّ، حدثنا أحمدُ بنُ نَجْدَةَ، حدثنا سَعِيدُ بن مَنْصُور، حدثنا دَاودُ العَطَّار، قال: سَمِعتُ عبدَ الكَرِيمِ البَصْرِيَّ، يقول: قال مُجَاهِدٌ ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] قال: «ذَلِك وهُم في النَّارِ حِينَ يَرَونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ يَخرُجُونَ مِن النَّارِ بإسْلَامِهِم» (٤). (٦٤١) أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن سَعْد (٥) البَزَّاز، حدثنا أبو عبد الله محمد بن

стр. 444

إبراهيم البُوْشَنْجِيُّ، حدثنا أبو يعقوب يُوسُف بن عَدِي، حدثنا عُبَيدُ اللهِ بن عَمْرو ٥) الرَّقِّي، عن زَيد بنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عن المِنْهَالِ بنِ عَمْرو، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْر، عن ابن عباس، قال سَعِيدٌ: جَاءَ رَجُلٌ فقال: يا ابنَ عَبَّاس، إني أَجِدُ في القُرَآنِ شَيئًا يَخْتَلِف عَلَيَّ، فذكر الحديث بطوله. قال ابنُ عَبَّاسٍ: «قوله: ... ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون] فهذا في النَّفْخَةِ الأُولَى، يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيْصَعَق مَن في السمواتِ ومَن في الأَرضِ إلا مَن شَاءَ الله، فلا أَنسَابَ بينهم عِندَ ذَلِك، ولا يَتَساءلُون، ثُمَّ إذا كان في النَّفْخَة الأُخْرى، قَامُوا فَأَقْبَل بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُون، وأَمَّا قوله: ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام]، وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء]، فَإِنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- يَغْفِرُ يَومَ القِيامَة لأَهْلِ الإخْلَاصِ ذُنُوبَهُم، لا يَتَعَاظَمُ عَلَيه ذَنْبٌ أَنْ يَغْفِرَهُ، ولا يَغْفِرُ شِرْكًا، فَلَمَّا رَأَى المُشرِكُونَ ذَلِك قالوا: إِنَّ رَبَّنَا يَغفِرُ الذُّنُوبَ، ولا يغفر الشِّركَ، فَتَعَالَوْا نَقُول: إِنَّا كُنَّا أَهْل ذُنُوب، ولم نَكُن مُشْرِكِينَ، فقال الله : أَمَا إِذْ كَتَمُوا الشِّرْكَ، فَاخْتِمُوا عَلَى أَفْوَاهِهِم، فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْواهِهِم، فَتَنْطِقُ أَيْدِيْهِم وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِما كَانُوا يَكْسِبُون، فعند ذَلِك عَرِفَ المُشْرِكُونَ أَنَّ الله -سبحانه- لا يُكْتَمُ حَدِيثًا، فَذَلِك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء]». أخرجه البخاري في الترجمة (١).

стр. 445

وقد مضى بطوله في كتاب «الأسماء والصفات» (١). (٦٤٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٢)، حدثنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفَقِيهُ، أخبرنا علي بن الحسين بن الجُنَيْد، حدثنا أبو الشَّعْثَاء، حدثنا خَالِدُ بنُ نَافِعٍ الأَشْعَرِيُّ، عن سَعِيد بن أَبي بُرْدَةَ، عن أَبِيه، عن أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «إذا اجتمع أَهلُ النَّارِ في النَّار ومَعَهُم مِن أَهلِ القِبْلَةِ مَن شَاء اللهُ، قال: ما أَغْنَى عَنكُم إِسْلَامُكُم وقَد صِرتُم مَعَنا في النَّار؟ قالوا: كَانَت لَنَا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنَا بها، فَسَمِعَ اللهُ بما قَالُوا، قال: فَأُمِر بِمَن كَان في النَّارِ مِن أَهلِ القِبْلَة، فَأُخْرِجُوا، قال: فقال الكفار: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِين، فَنُخْرَج كَمَا أُخْرِجُوا، قال: وقرأ ... رسول الله ﷺ : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَّمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر] مُثَقَّلَة (٣)» (٤). (٦٤٣) أخبرنا أبو طَاهِر الفَقِيهُ، حدثنا أحمد بن إسحاق الصَّيْدَلَانِيُّ، ... -إملاءً-، حدثنا سعيد بن سعد أبو عمرو، حدثنا محمد بن مُقَاتِل، حدثنا أبو مُطِيع (٥) الحَكَمُ بنُ عَبدِ اللهِ البَلْخِيُّ، حدثنا أبو حَنِيفَةَ (٦)، عن سَلَمَة بنِ كُهَيْل،

стр. 446

عن أبي الزَّعْرَاءَ، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: «يُعَذِّبُ اللهُ قومًا مِن أهل الإيمان، ثم يُخْرِجُهُم بشفاعَة مُحَمَّدٍ ﷺ حتى لا يَبْقَى إلا مَن ذَكَر الله ... ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ [المدثر] إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر]» (١). (٦٤٤) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (٢)، أخبرنا أبو بكر الشَّافِعِيُّ، حدثنا إِسْحَاق بنُ الحَسَن، حدثنا أبو حُذَيْفَة، حدثنا سُفْيانُ (٣)، عن الأَعْمَشِ، عَن ذَرٍّ، عن يُسَيْعٍ (٤) الكِنْدِيِّ، قال: كنت عند عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، فقال رَجُلٌ: يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله : ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء]، وهم يقاتلونهم، فيظهرون ويقتلون، فقال عَلِيٌّ: ادْنُهْ ادْنُهْ، ثم قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾» (٥). (٦٤٥) أخبرنا أبو سَعْدٍ المَالِيْنِيُّ، أخبرنا أبو أحمد بنُ عَدِيِّ الحافظ (٦)، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يُونُس، حدثنا الحَسَنُ بنُ قَزَعَةَ، حدثنا بُهْلُول بن عُبَيد، قال: سمعت سَلَمَة بنَ كُهَيْل، عن ابنِ عُمَرَ، قال رسول الله ﷺ : «لَيسَ عَلى أَهل لا إِلَه إِلَّا الله وَحْشَة في المَوتِ، ولا فِي النُّشُور، وكَأَنِّي بهم عند الصَّيْحَة، وهم يَنْفُضُونَ شُعُورَهُم مِنَ التُّرَابِ يَقُولُون: الحمد لله الذي

стр. 447

أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ» (١). هذا مُرْسَلٌ بين سَلَمة بنِ كُهَيل، وابن عمر. وبُهْلُول بن عُبَيد، تَفَرَّد به، وليس بالقوي. (٦٤٦) وأخبرنا أبو زَكَرِيَّا بنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أخبرنا عبدُ البَاقِي بنُ قَانِع، حدثنا حَمْزَةُ بنُ دَاود بنِ سُلَيْمَانَ المُؤَدِّب -بالأُبُلَّة-، حدثنا الحَسَنُ بنُ عَرْعَرَة، حدثنا بُهْلُول بنُ عُبَيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ كُهَيلٍ، عن نَافِع، عن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسول الله ﷺ : «لَيس عَلَى أَهْلِ لا إله إلا اللهُ وَحْشَةٌ في قُبُورِهِم، وكَأَنِّي بهم يَنْفُضُونَ الترابَ عن رُؤُسِهِم ويقولون: الحَمدُ للهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ» (٢). كذا أخبرناه من أصله، وكذا في الأمالي: الحسن بن عرعرة، ولَعَلَّ الصَّوابُ: الحَسَن بن قَزَعَة. * * * * *

стр. 448

٣٧ - بَابُ مَا جَاءَ في المُؤْمن يُفْدَى بالكَافِر، فَيُقَالُ هذا فِدَاؤُك من النار، والكافر لا يُؤْخَذُ منه فِدْية، ولا تَنفَعُهُ شَفَاعَةٌ (٦٤٧) أخبرنا أبو طَاهِر الفَقِيهُ، أخبرنا أبو حَامِد ابنُ بِلَالٍ البَزَّاز، حدثنا أبو الأَزْهَر، حدثنا أبو أُسَامَة، عن طَلْحَةَ بنِ يَحْيَى، عن أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذَا كَانَ يَومُ القِيَامَة دُفِعَ إلى كُلِّ مُؤْمِنٍ رَجُلٌ مِن أَهْلِ المِلَلِ، فَقِيلَ له: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّار» (١). (٦٤٨) وأخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ، حدثنا أبو عَلِيٍّ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ الحَافِظُ، أخبرنا الحَسَن بنُ سُفْيَانَ، حدثنا أبو بَكر ابنُ أَبِي شَيْبَة، حدثنا أبو أُسَامَة، فذكره بإسناده، إلا أنه قال: «دُفِعَ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيٌّ، أو نَصْرَانِيٌ فيقال: هذا فِكَاكُكَ مِنَ النَّارِ». ورواه مسلم في الصحيح (٢)، عن أبي بكر ابن أبي شيبة. (٦٤٩) أخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ بن نَظِيفٍ المِصْرِيُّ ... -بمكة-، حدثنا أبو بكر أَحْمَدُ بنُ مُحمد ابنِ أَبِي المَوْتِ المَكِّيُّ -إملاءً-، حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ العَزِيز، حدثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِم الصَّفَّار، عَن هَمَّام، حدثنا قَتَادَةُ، أَنَّ عَوْنًا، وسَعِيدَ -يعني ابن أبي بُرْدَةَ- حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا، سَمِعَا أَبَا بُرْدَةَ، يُحَدِّثُ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيز، عن أَبِيهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال:

стр. 449

«لا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، إِلَّا أَدْخَلَ اللهُ مَكَانَهُ يَهُودِيُّا أو نَصْرَانِيًّا». فَاسْتَحَلَفَه عُمَرُ بنُ عَبد العَزِيز بِاللهِ الذي لا إله إلا هو -ثلاث مرات- أَنَّ أَباه حَدَّثَه عَن رَسُولِ الله ﷺ ، قال: فَحَلَفَ له، قال: ولم يُحِدِّثْنِي سَعِيدٌ أَنَّهُ اسْتَحْلَفَه، ولم يُنْكِر عَلَى عَونٍ قَوْلَه. رواه مسلم في الصحيح (١)، عن أبي بكر ابن شَيبة، عن عَفَّان. (٦٥٠) (٢) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زَكَريَّا بنُ أبي إِسْحَاقَ، أخبرنا أبو الحَسَن أحمدُ بنُ محمد بن عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ، حدثنا عثمانُ بنُ سَعِيد، حدثنا يَحْيَى بنُ صَالِح الوُحَاظِيُّ ٢) ح وأخبرنا أبو بكر أحمدُ بنُ الحَسَن القَاضِي، أخبرنا أبو سَهْل بنُ زِيَاد القَطَّان، حدثنا عبدُ الكَرِيم بنُ الهَيْثَم الدَّيْرُعَاقُولِي، حدثنا يَحْيَى بنُ صَالح الوُحَاظِيُّ، حدثنا يَزِيدُ بنُ سَعِيد ابنِ ذِي عَصْوَانَ، عن عَبدِ المَلِك بنِ عُمَيْر، عن أَبي بُرْدَةَ، عن أَبِيهِ، عن النبي ﷺ قال: «إذا كَان يَومُ القِيامَة، بَعثَ اللهُ إلى كُلِّ مُؤْمِنٍ بِمَلَكٍ مَعَه كَافِرٌ، فيقولُ المَلَكُ للمؤمن: يا مؤمن، هَاكَ هَذا الكَافِرُ، فَهُو فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ» (٣). لَفْظُ حَدِيث الدَّيْرعَاقُولِي. وفي رواية عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا كَانَ يومُ القِيَامَة، أَعْطَى اللهُ كُلَّ رَجُلٍ مِن هَذِه الأمَّة رَجُلًا مِنَ الكُفَّار، فَيُقَال له: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّار».

стр. 450

(٦٥١) أخبرنا أبو طَاهِر الفَقِيهُ، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحُسَين القَطَّان، أخبرنا أحمد بن يُوسُفَ السُّلَمِي، حدثنا عُمَرُ بنُ عبد الله بنِ رَزِين، حدثنا جَعْفَرُ بنُ الحَارِث، عن عُرْوَةَ بنِ عَبدِ اللهِ بن قُشَيْر الجُعْفِي، عن أبي بَكْر بنِ أَبِي بُرْدَةَ، عن أبيه، عن أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذِه الأمة أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لا عَذَابَ عَليها، عَذَابُها بِأَيْدِيها، فَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَة، أُعْطِيَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُم رَجُلًا مِن أَهْل الأَدْيَان، فَكَانَ فِكَاكُهُ مِنَ النَّارِ» (١). (٦٥٢) وأخبرنا أبو الحَسَن العَلَوِيُّ، أخبرنا أبو حامد بن الشَّرْقِي، حدثنا حَمْدَان السُّلَمِيُّ، حدثنا عَمْرُو بن أَبِي سَلَمَة، حدثنا زُهَيْر بنُ مُحَمَّد، عن أبي النَّضْرِ، عن أَبِي بُرْدَةَ، وعبدِ اللهِ بن عُثمانَ بن خُثَيْم، عن أَبي بُرْدَةَ، عن أَبِيه، عن النبيِّ ﷺ قال: «أُمَّتِي مَرْحُومَةٌ، جَعَلَ اللهُ عَذَابَها بِأَيْدِيها، فَإِذَا كَانَ يَومُ القِيامَةِ، دَفعَ اللهُ إلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسلِمِينَ رَجُلًا مِن أَهلِ الأَدْيَان، فَكَان فِدَاؤُهُ مِنَ النَّارِ» (٢). وَوَجْهُ هذا عِنْدِي -والله أعلم-: أَنَّ اللهَ -تَعَالى- قَد أَعَدَّ لِلمُؤْمِن مَقْعَدًا في الجنة، ومَقْعَدًا في النَّار، كما رُوِي في حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِك، كَذَلِكَ الكَافِر، كما رُوي في حَديثِ أبي هُرَيرة، فَالْمُؤمِن يَدْخُلُ الجَنَّة بعدما يَرى مَقْعَدَهُ مِنَ

стр. 451

النَّارِ لِيَزْدَاد شُكْرًا، والكَافِرُ يَدْخُلُ النَّارَ بَعدَما يَرى مَقعَدَهُ من الجَنَّة، لِتَكُونَ عَلَيه حَسْرَةً، فَكَأَنَّ الكَافِرَ يُورِّث عَلَى المُؤْمِن مَقْعَده مِن الجَنَّة، والمُؤْمِنَ يُورِّث على الكَافِر مَقْعَده مِن النَّارِ، فَيَصيرُ في التَّقْدِير: كَأَنَّه فَدَى المُؤْمِنَ بِالْكَافِر. وبِاللهِ التَّوْفِيق. وأما الحديث الذي (٦٥٣) أخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ، أخبرنا أبو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الفَقِيه، أخبرنا الحَسَنُ بنُ سُفيانَ، حدثنا مُحَمَّدُ بنُ عَمْرِو بنِ جَبَلَة، حدثنا حَرَمِيٌّ، حدثنا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةَ الرَّاسِبِيُّ، عن غَيْلَانَ بنِ جَرِير، عن أَبِي بُرْدَةَ، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «يَجِيءُ يَومَ القِيَامَة نَاسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، بِذُنُوبٍ أَمْثَال الجِبَالِ يَغْفِرُهَا اللهُ لَهُم، ويَضَعَها عَلَى اليَهُودِ والنَّصَارَى». -فِيمَا أَحْسِب أَنَا- قال أبو رَوْح (١): لا أدري مِمَّن الشَّكُّ. قال أبو بُرْدَة: فَحَدَّثتُ بِه عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيز، فقال: أَبُوكَ حَدَّثَك هَذَا عَن النَّبِيِّ ﷺ ؟ قلت: نعم. رواه مسلم (٢)، عن محمد بن عَمْرو بن جَبَلَة. إلا أن اللفْظَ الذِي تَفَرَّد شَدَّادٌ أبو طَلْحَة بِرِوَايَتِه في هذا الحديث، وهو قوله: «ويضعها على اليهود والنصارى»، مع شَكِّ الرَّاوِي فيه، لا أَرَاهُ مَحْفُوظًا.

стр. 452

والكَافِرُ لا يُعَاقَبُ بِذَنبِ غَيْرِهِ، قال الله : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وإِنَّمَا لَفْظُ الحَدِيث عَلَى مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ أَبي بُرْدَةَ، وغَيْرُهُ، عن أَبِي بُرْدَةَ، ووَجْهُهُ ما ذكرناه، والله أعلم. وقَد عَلَّل البُخَارِيُّ حَديثَ أَبي بُرْدَةَ بِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ عَلَيه في إِسْنَادِه، ثم قال: الحَدِيثُ في الشَّفَاعَة أَصَحُّ (١). قال أحمد (٢): ويُحْتَمل أن يكونَ حَدِيثُ الفِدَاء في قَوْمٍ قَد صَارَت ذُنُوبُهم مُكَفَّرَةٌ في حَيَاتِهم، وحَدِيثُ الشَّفَاعَة في قَومٍ لَم تَصِر ذُنُوبُهُم مُكَفَّرة في حَيَاتِهم، ويُحْتَمل أن يَكُونَ هَذَا القَول لَهُم في حَدِيثِ الفِدَاء بَعْد الشَّفَاعَة، فلا يكون بينهما اختلافٌ، والله أعلم. (٦٥٤) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيمُ بنُ أبي طَالِب، حدثنا محمد بن مَعْمَرٍ، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَة، حدثنا سَعِيدٌ، عن قَتَادَة، قال: حدثنا أَنَسُ بنُ مَالِك، عن النبي ﷺ قال: «يُجَاءُ بِالكَافِر يَومَ القِيَامَة، فَيُقَالُ لَه: أَرَأَيْتَ لَو كَان لَكَ مِلءُ الأَرْضِ ذَهَبًا، أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِه؟ فَيَقُول: نَعم، فَيُقَال لَه: قَد كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُو أَيْسَرُ مِن ذَلِك». (٦٥٥) أَخْبَرنَا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن جَعْفَر، حدثنا عبدُ اللهِ ابنُ أحمدَ بنِ حَنْبَل، حدثني أَبي (٣)، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَة، فذكره بإسناده.

стр. 453

زاد: فذلك قوله عَزَّ مِن قَائِل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]. رواه البخاري في الصحيح (١)، عن محمد بن مَعْمَر. ورواه مسلم (٢)، عن عَبْدِ بنِ حُمَيد، عن رَوْح. (٦٥٦) أخبرنا أبو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ -في كتاب «المُسْتَدْرَكِ» (٣) -، حدثنا عَلِيُّ بنُ حَمْشَاذ العَدْل، حدثنا إسماعيلُ بنُ إِسحاقَ القَاضِي، حدثنا إسماعِيلُ بنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حدثني أَخِي أبو بَكْر، عن ابن أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ قال: «يَلْقَى إبراهيمُ أَبَاه آزَرَ يَومَ القِيَامَة، وعَلى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرةٌ، فَيقُولُ لَه إبراهيمُ: أَلَم أَقُل لَك لا تَعْصِنِي؟ فيقول أَبُوهُ: فَاليَومَ لا أَعْصِيكَ، فيقول إبراهيمُ: يا رَبِّ، إِنَّكَ وَعَدَّتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَومَ يُبْعَثُون، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِن أَبِي الأَبْعَدِ، فيقولُ اللهُ : إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرين، ثم يُقَال: يا إبراهيم، ما تَحْتَ رِجْلَيْك؟ فَيَنْظُر، فَإِذَا هو بِذِيْخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذ بِقَوَائِمِه، فَيُلْقَى في النَّار». رواه البُخَارِيُّ في الصحيح (٤)، عن إسماعيل بن أبي أويس. زَعَمُوا أَنَّ الذِّيْخَ مَا يَتَولَّد بين الخِنْزِير، والضَّبُع، وقيل: الذِّيْخُ الذَّكَرُ مِن الضِّبَاع. * * * * *

стр. 454

٣٨ - بابُ مَا جَاءَ في آخِرِ مَن يَخْرُجُ مِنَ النارِ، ويَدْخُلُ الجَنةَ (٦٥٧) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نَصْرٍ الفَقِيهُ، حدثنا عثمانُ بنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حدثنا نُعَيْمُ بنُ حَمَّاد، حدثنا إبراهيمُ بنُ سَعْد ح وأخبرنا أبو عمرو البَِسْطَامِي، حدثنا أبو بكر الإِسْمَاعِيلِيُّ، أخبرني المَنِيْعِيُّ (١)، حدثنا محمد بن جعفر الوَرْكَانِيُّ، حدثنا إبراهيم بن سَعد، عن الزُّهْرِي، عن عَطَاء بن يَزِيد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في حديث الرُّؤْيَةِ: «حتى إذا فَرَغَ اللهُ مِن القَضَاء بَين العِبَاد، وأَرَاد أَن يُخْرِجَ بِرَحْمَتِه مِنَ النَّار مَن أَرَادَ مِن أَهل النَّار، أَمَر المَلائِكَة أَن يُخْرِجُوا مِنَ النَّار مَن كَان لا يُشْرِك بِاللهِ شَيئًا مِمَّن أَرَادَ اللهُ أن يَرْحَمَه مِمَّن يَقُول: لا إله إلا الله، فَيَعْرِفُونَهُم في النَّار بِأَثَر السُّجُود، تَأْكُلُ النَّارُ ابنَ آدَمَ إلا أَثَر السُّجُود، حَرَّم اللهُ على النَّار أَن تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُود، فَيَخرُجُون مِنَ النَّار قَد امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيهم مَاءَ الحَيَاة، فَيَنبُتُون كَمَا تَنْبُت الحِبَّةُ في حَمِيل السَّيْل، ويَبْقَي رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ على النار، وهُو آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّة، فيقول: أي رَبِّ، اصْرِف وَجْهِي عَنِ النَّار فَإِنَّه قَد قَشَبَنِي رِيحُها، وأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدعُو اللهَ بما شَاء أن يَدْعُوه، ثُم يقول الله ﵎: هَل عَسَيْتَ إِن فَعَلْتُ ذَلِكَ أن تَسْأَلَ غَيْرَه؟ فيقول: لا وعِزَّتِك، لا أَسْأَلُك غَيْرَه، ويُعْطِي رَبَّه مِن عُهُودٍ ومَواثِيق ما شاء الله، فَيَصرِفُه اللهُ عن النَّار، فَإِذا أَقْبَل عَلى الجَنَّة فَرَآهَا، سَكَت مَا شَاء اللهُ أن يَسْكُتَ، ثم يقول: أي رَبِّ، قَدِّمْنِي إلى بَابِ الجَنَّة، فيقول الله: أليس قد

стр. 455

أَعْطَيتَني عُهُودَك ومَوَاثِيقَك أَن لا تَسْأَلنِي غَيرَ مَا أَعْطَيتُك؟ وَيْلَك يا ابنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَك! فيقول: أي رَبِّ، لا أَكُون أَشْقَى خَلْقِك، فَيدعُو اللهَ حَتَّى يَقولَ لَه: فَهل عَسَيْتَ إِن أَعْطَيتُك ذَلِك أن تَسْأَل غَيْرَه، فيقول: لا وَعِزَّتِك لا أسأل غَيْرَه، ويُعْطِي اللهَ مَا شَاء مِن عُهُودٍ ومَواثِيقَ، فَيُقَدِّمه إلى بَابِ الجَنَّة، فإذا قام على باب الجنة، انْفَقَهَت له الجَنَّةُ، فَرَأَى ما فِيهَا مِنَ الخَيْر والسُّرُور، فَيَسكُت مَا شَاء الله أَن يَسْكُتَ، ثم يقول: أَي رَبِّ، أَدْخِلْنِي الجَنَّة، فيقول الله: أَلَسْتَ قَد أَعْطَيتَ عُهُودَكَ ومَوَاثِيقَك لا تَسْأَلني غَيرَ مَا أَعْطَيتُك؟ وَيْلَك يا ابنَ آدَم ما أَغْدَرَك! فيقول: أَي رَبِّ، لا أَكُون أَشْقَى خَلْقِك، فلا يَزالُ يَدعُو اللهَ حتى يَضْحَكَ اللهُ-تعالى- مِنه، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ منه، قال: ادْخُل الجَنَّةَ، فإذا دَخَلَها قال الله له: تَمَنَّه، فَيَسأل رَبَّه ويَتَمَنَّى حَتَّى أن اللهَ لَيُذَكِّرُهُ، يقول: مِن كَذَا وكَذَا، حتى إذا انقطعت به الأَمَانِيُّ. قال الله : ذَلِك لَك، ومِثْلُه مَعَه». قال عَطَاءُ بنُ يَزيد: وأبو سَعِيد الخُدْرِي، مَع أبي هُرَيرة، لا يَرُدُّ عليه من حَدِيثِه شَيئًا، حتى إذا حَدَّث أبو هريرة أَنَّ اللهَ قال لذلك الرجل: «ومثله معه»، قال أبو سعيد الخدري: «وعَشْرَة أَمْثَالِه مَعَه» يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حَفِظْتُ إلا قَوْلَه: «وذَلِك لَه ومِثْلُه مَعَه»، قال أبو سعيد: أَشْهَد أَنِّي حَفِظْتُ مِن رسولِ الله ﷺ قوله: «ذلك لَه وعَشْرَة أَمْثَالِه»، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخرُ أَهْلِ الجَنَّة دُخُولًا الجَنَّة. رواه البخاري في الصحيح (١)، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم ابن سعد، وأخرجه مسلم (٢)، من حديث يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه.

стр. 456

والضَّحِكُ المَذْكُور فِيه، قَد مَضَى تَأْوِيلُهُ في كتاب «الأسماء والصفات» (١). ومعناه يرجع إلى إِظْهَارِ كَرَامَتِه ورَحْمَتِه. (٦٥٨) أخبرنا أبو عَمْرو محمد بن عبد الله الأَدِيبُ، أخبرنا أبو بَكْر الإِسْمَاعِيلِيُّ، أخبرني الحَسَنُ بنُ سُفْيانَ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جَرِيرٌ، قال: وأخبرنا أبو بَكْر، حدثنا عِمْرَانُ، حدثنا عثمانُ ابن أبي شَيْبَة، حدثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُور، عن إبراهيمَ، عن عَبِيْدَةَ السَّلْمَانِي، عن عبد الله، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: «إني لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا من النَّار، وآخِر أَهْلِ الجَنَّة دُخُولًا الجَنَّة، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّار حَبْوًا، فيقول اللهُ له: اذْهَب فَادخُل الجَنَّة، فيأتيها فَيُخَيَّل إليه أَنَّها مَلْأى، فيقول: يا رَبِّ، قَد وَجَدتُّها مَلْأَى، فيقول له : اذْهَب فَادْخُل الجَنَّة، فَإِنَّ لَك مِثْلَ الدُّنيا، وعَشْرَة أَمْثَال الدُّنيا، فيقول: أَتَسْخَرُ بِي، أَو تَضْحَكُ بِي، وأَنْتَ المَلِكُ؟ ». قال: فَقَد رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ. قال إبراهيم: فَكَان يُقَال: ذَلِك أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزلًا. رواه البخاري في الصحيح (٢)، عن عُثمانَ ابن أبي شَيْبَة، ورواه مسلم (٣)، عن عثمانَ، وإسحاق بن إبراهيم.

стр. 457

(٦٥٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا ابن أبي إسحاق المُزَكِّي، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يُوسُف، حدثنا علي بن الحَسَن ابن أَبي عِيسَى الهِلَالِيُّ، حدثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَال الأَنْمَاطِي، حدثنا حماد بن سَلَمَة، حدثنا ثَابِتٌ، عن أَنَسِ بنِ مَالِك، عن ابن مَسْعُودٍ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «آخِرُ مَن يَدخُل الجَنة رَجُلٌ يَمشِي على الصِّرَاط، فهو يَمشِي مَرةً، ويَكْبُو مَرَّةً، وتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فإذا جَاوَزَها، الْتَفَت إِلَيها فقال: تَبَارَك الذِي أَنْجَانِي مِنْك، لَقَد أَعطَانِي شَيئًا مَا أَعطَاهُ أَحَدًا مِن الأَوَّلِين والآخِرِين، فَيُرْفَع لَه شَجَرةٌ، فيقول: أَي رَبِّ، أَدْنِنِي مِن هَذه الشَّجَرة، فَلأَسْتَظِلُّ بِظِلِّها، وأَشْرَب مِن مَائِهَا، فيقول الله له: يا ابنَ آدَمَ لَعَلِّي إِن أَعْطَيتُكَهَا تَسأَلْنِي غَيْرَها، فيقول: لا، أي رَبِّ، فَيُعَاهِده أَن لا يَسْأَله غَيرَها، فَيُدْنِيه مِنهَا، وَرَبُّه يَعْلَم أَنَّه يَفْعَل؛ لأنه يَرَى مَا لَا صَبْر لَه عَلَيه، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّها، ويَشْرَبُ مِن مَائِها، ثم تُرفَع له شَجَرةٌ أُخرى هِي أَحْسَن مِن الأُولَى، فيقول: أي رَبِّ، أَدْنِنِي مِنهَا، فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ولا أسألك غيرها، ورَبُّه يَعْلَم أَنَّه سَيَفعَل وهو يَعْذِرُهُ؛ لأنه يَرَى ما لا صَبْرَ لَه عَلَيه، فيقول الله : يا ابن آدم، أَلَم تُعَاهِدني ألا تَسْأَلني غَيرَها؟ فيقول: بلى، أي رَبِّ، ولَكِن هَذِه، لا أَسْأَلك غَيرهَا، فيقول الله : إِن أَدْنَيتُك، تَسْأَلْنِي غَيرَها، فَيُعَاهِده أَلَّا يَفْعَل، فَيُدنِيه منها، فَيَستظل بِظِلِّها، ويَشرب من مائها، ثم تُرفَع له شَجَرةٌ عِندَ بَابِ الجَنَّة هي أَحسن مِن الأُوْلَتَيْن، فيقول: أَي رَبِّ، أَدْنِنِي مِن هَذِه الشَّجَرة، فَلأستظل بِظِلِّها، وأشرب من مائها، فيقول الله : يا ابن آدم، ألم تُعَاهِدني أن لا تَسألني غيرها؟ فيقول: بلى، أي رب، هذه، لَا أَسْأَلُك غَيرَها، فيقول: لَعَلِّي إن أَدْنَيتُكَ

стр. 458

منها، تَسألني غَيرَها، فَيُعَاهِده أن لا يَفْعَل، وَرَبُّه يَعلَم أنه سيفعل، وَرَبُّه يَعِذُرُه؛ لأنه يَرَى مَا لا صَبرَ لَه عَلَيه، فَيُدْنِيهِ منها، فَيَسمع أَصْوَات أَهلِ الجَنَّة، فيقول: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فيقول: يا ابن آدم ما يَصْرِينِي (١) مِنْك، أترضى أن أعطيك الدُّنيا ومِثْلَها مَعَها؟ فيقول: أي رَبِّ، أَتَسْتَهزِئُ بِي وَأنت رَبُّ العَالَمِين؟ فَضَحِكَ ابنُ مَسْعُود فقال: أَلا تَسْأَلُوني مِمَّ ضَحِكْتُ؟ قالوا: ومِمَّ ضَحِكْتَ؟ قال: هَكَذا فَعَل رَسولُ الله ﷺ ، وضَحِكَ، فقال: ألا تَسْأَلونِي مِمَّ ضَحِكْتُ؟ فقالوا: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قال: مِن ضَحِكِ رَبِّ العَالَمِين حِينَ قال: أَتَسْتَهْزِئُ بِي وأَنتَ رَبُّ العَالَمِين؟ فيقول: إني لا أَسْتَهزِئُ بِك، وَلَكِنِّي عَلى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ». (٦٦٠) أخبرنا أبو محمد جَنَاحُ بنُ نَذِير بنِ جَنَاح القَاضِي -بالكوفة-، أخبرنا أبو جعفر بن دُحَيم، حدثنا أحمدُ بن حَازِم، حدثنا عبدُ الله بنُ محمد، حدثنا عَفَّانُ بنُ مُسْلِم، حدثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَة، فذكره بإسناده، ومعناه. رواه مسلم في الصحيح (٢)، عن عبد الله بن محمد ابن أبي شيبة أبي بكر. (٦٦١) (٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحَسَنُ بنُ عَلي بن عَفَّان العَامِرِيُّ، حدثنا عبدُ اللهِ بنُ نُمَيْر، عن الأَعْمَش ح ٣) وأخبرنا أبو عبد الله الحَافِظُ، حدثنا أبو عبد الله الشَّيْبَانِي، حدثنا يَحْيَى بنُ محمد بنِ يَحْيَى، حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمَير، حدثنا أَبِي، حَدَّثنا الأَعْمَشُ، عن المَعْرُورِ بنِ سُوَيْد، عن أَبِي ذَرٍّ، قال: قال رسول الله

стр. 459

- ﷺ : «إني لَأعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّة دُخُولًا الجَنَّة، وآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى به يَومَ القِيَامَة فَيُقَال: اعْرِضُوا صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وارْفَعُوا عَنه كِبَارَها، فَتُعْرَضُ عَليه صِغَارُ ذُنُوبِه، فَيُقَال لَه: عَمِلْتَ يَومَ كَذَا وكَذَا، كَذا وكَذَا، وعَمِلْتَ يَومَ كَذا وكَذَا، كَذا وكَذَا فَيقول: نَعَم، لا يَسْتَطِيعُ أَن يُنْكِرَ، وهُو مُشْفِقٌ مِن كِبَارِ ذُنُوبِه أَن تُعْرَضَ عَلَيه، فَيُقَال له: إِنَّ لَك بِمَكَان كُلِّ سِيِّئَةٍ حَسْنَةً، فيقول: رَبِّ، قَد عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لا أَرَاهَا هَاهُنا». ولَقَد رَأَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَواجِذُهُ. رواه مسلم في الصحيح (١)، عن محمد بن عبد الله بن نمير. * * * * *

стр. 460

٣٩ - بابُ مَا جَاءَ فِي أصْحَابِ الأعْرَافِ قال الله : ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] يعني على السُوْرِ رِجَالٌ ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ الآية ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ يَقُولُ: بَيْنَ الجَنَّةِ، والنَّارِ سُوْرٌ. (٦٦٢) أخبرنا أبو نَصْر ابن قَتَادَة، أخبرنا أبو منصور النَّضْرَوِيُّ، حدثنا أَحْمَدُ بنُ نَجْدَةَ، حدثنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُور (١)، حدثنا سُفْيَانُ، عن عُبَيد اللهِ بن أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابنَ عَبَّاس، سُئِل عن الأَعْرَاف، فقال: هو «الشَّيءُ المُشْرِفُ». (٦٦٣) أخبرنا أبو زَكَريَّا بنُ أبي إِسْحَاقَ المُزَكِّي، أخبرنا أبو الحَسَن الطَّرَائِفِيُّ، حدثنا عُثمانُ بنُ سَعِيد، حدثنا عبدُ الله بنُ صَالِح، عن مُعَاوِيَةَ بنِ صَالِح، عن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، عن ابنِ عَبَّاس، في قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] قال: «يَعْرِفُونَ أَهْلَ النَّارِ بِسَوادِ الوُجُوه، وأَهْلَ الجَنَّةِ بِبَيَاضِ الوُجُوه» (٢). قال: «والأَعْرَافُ: هو السُّورُ الذي بَيْنَ الجَنَّة والنَّار». وقوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ [الأعراف] قال ابن عباس: «أَصْحَابُ الأَعْرَافِ: هُم رِجَالٌ كَانَت لَهُم ذُنُوبٌ عِظَام، وكَان حَسْمُ (٣) أَمْرِهِم للهِ -تعالى-، يَقُومُون عَلَى الأَعْرَاف، فَإِذَا نَظَرُوا إلى أَهْلِ الجَنَّة، طَمَعُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا، وإذا نَظَرُوا إِلى أَهْلِ النَّارِ، تَعَوَّذُوا بِالله مِنهَا، فَأَدْخَلَهُم اللهُ الجَنَّةَ،
следующие страницы →