Полный текст (334 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
باب في ذكر المهيرات والسراري
تقدم إلى سوار بن عبد الله العنبري رجل من بني العنبر فقال: إن أبي مات وتركني وأخا لي وخط خطين ثم قال: وهجينا لنا وخط ناحية فكيف نقسم المال: قال: أها هنا وارث غيركم؟ قال: لا. قال: فالمال بينكم أثلاثاً. فقال: ما أحسبك فهمت أنه تركني وأخالي وهجينا لنا. فقال سوار: المال بينكم أثلاثا. فغضب الأعرابي ثم أقبل على سوار فقال: تعلم. والله إنك قليل الخالات تالدة فينا. فقال: سوار: إذا لا يضيرني ذلك شيئاً. وكان سوار ابن أمة.
شهد السيد الحميري عند سوار فرد شهادته وقال: أنت رافضي، فقال:
قف بنا يا صاح وار ... بع بالمغاني الموحشات
يا أمين الله يا منصور ... ر يا خير الولادة
стр. 212
إن سوار بن عبد الله ... من شر القضاة
حملي نعثلي ... لكم غير موات
جده سارق عير ... فجرة من فجرات
والذي نادى رسول ... الله خلف الحجرات
يا هناة اخرج إلينا ... إننا أهل هنات
فاكفناه لا كفاه ... الله شر الطارقات
فلما بلغ المنصور كتب إلى سوار أن لا يد لك عليه. فقيل للسيد: أعتذر إليه فقد أسأت القول فيه. ففعل، فلم يقبل سوار منه. فقال:
أتيت دعي بني العنبر ... أدوم اعتذارا فلم أعذر
فقلت لنفسي وألزمتها ... الملامة من لومها أقصري
أيعتذر الحر مما أتى ... إلى رجل من بني العنبر
أبوك ابن سارق عنز النبي ... وأمك بنت أبي جحدر
ونحن على رغمك الرافضون لأهل الضلالة والمنكر
стр. 213
الهجين الذي أمه أعجمية أمة كانت أو حرة، وأبوه عربي، وكانوا لا يرون قتل الهجين ثأرا.
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وقال زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵈: بئست الجاهلية جاهلية زهير حيث يقول:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عم
فقال له زيد: ما يسقي عليك الدواء. فقال له عبد الله: صدقت حين كان أبي ابن عم أمي يعني أنه لم يكن ابن أمة، يعرض بزيد أنه ابن أمة.
قال: وتزوج عبد الله بن خالد بن أسيد امرأة من مراد، فولدت له جارية، فتزوجها عبد الله بن مطيع العدوي، فدخلت المرادية على عبد الملك، فقال لها: خدعتم الشيخ حتى زوج ابن مطيع وما رجوتم منه؟ قالت: الذي رجا أبوك من ابن حنطب، ثم قالت:
وما لي لا أبكي بعين حزينة ... وقد نكح البيض الأوانس حنطب
بني بانية السود المغابن جعدة ... لها نسب في آل دومة مطنب
آل دومة هم الزنج.
قال يونس النحوي: قال أبو مهدية يوماً: خير الناس بنو مروان. قال: فحسبته ذهب إلى صلاح سليمان، وإلى عدل بن عبد العزيز ﵀، وإلى نسك يزيد الناقص. ثم قلت له: صاروا عندك كذلك؟. قال: كانوا لا يملكون ابن أمة. قال: وقلت لعبيد الله الكلابي: أيسرك أنك
стр. 214
هجين، وأن لك ألف جريت في أرض العرب؟. وكان عبيد سائلاً. قال: ما أحب اللؤم بشيء. قلت: فان أمير المؤمنين ابن أمة. قال: فأخزى الله من سمع له وأطاع. قلت: فان إسماعيل النبي وهو الفخر وأبوك الأكبر ابن أمة. قال: لا أصدقكم عليه. قلت هذا لا تختلف فيه العرب. قال: إذا والله لا أومن به. قلت: فإن إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ابن أمة. قال: ما يقول هذا إلا قدري. قلت: ما القدري؟. قال: لا أدري والله.
وقيل لأبي المحش الغنوي، وكان شديد التعصب على القحطانية: من خير الناس يا أبا المحش؟. قال: معد والله. قيل: فمن خير معد؟. قال: مضر والله قيل: فمن خير مضر؟ قال: قيس. قيل: فمن خير قيس؟. قال: غني والله. قيل: فمن خير غني؟. قال: محدثك والله. قيل له: فأنت إذا خير خير خير الناس قال: إي والله!. قيل: أفيسرك أنك تزوجت بنت يزيد بن المهلب، ولك الخلافة؟. قال: لا والله. قيل: فلك الجنة. فأطرق ثم قال عقلي أن لا تند مني.
ويمدحون الرجل الكريم فيقولون: هو ابن حرة. قال الزبير بن بكار: كان العرجى عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان ﵁ يتعشق أم الأوقص المخزومي القاضي، وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي، وأمه من بني تميم، وكان يتعرض لها، فاذا رأته سترت منه. فمر بها وهي في نسوة، وهن يتحدثن، فعرفها، وأحب أن يتأملها من قرب، فعدل إليها ولقي أعرابياً على بكر له ومعه أطباء لبن، فدفع إليه دابته وثيابه، وأخذ قعوره ولبنه ولبس ثيابه، ثم أقبل فمر على النسوة، فحصن: يا أعرابي!. أمعك لبن؟. قال نعم. ومال إليهن. وجلس يتأمل أم الأوقص، وتواثب من معها إلى الوطبين، والعرجي يلحظها وينظر إليها وأحيانا إلى الأرض؟، أضاع منك شيء؟ قال: نعم قلبي!. فلما سمعت التميمية كلامه نظرت إليه وكان أزرق فعرفته، فقالت: ابن عمرو، ورب الكعبة. فوثبت وسترها
стр. 215
نساؤها، وقلن هل: انصرف عنا. لا حاجة بنا إلى لبنك. فمضى منصرفا وقال في ذلك:
أقول لصاحبي ومثل ما بي ... شكاه المرء ذو الوجد الأليم
إلى الأخوين مثلهما إذا ما ... تأوبه مؤرقة الهموم
لحين والبلاء لقيت ظهراً ... بأعلى النقع أخت بني تميم
فلما أن رأت عيناي منها أ ... سيل الخد في خلق عميم
وعيني جؤذر خرق وثغراً ... كلون الأقحوان وجيد ريم
جنى أترابها دوني عليها ... حنو العائدات على سقيم
ويقال عن العرجي إنه واعد امرأة فخرجت إليه راكبة على أتان ومعها جاريتها وخرج العرجي على حمار ومعه غلامه، فوقع على المرأة، ووقع غلامه على الجارية، والحمار على الأتان، فلما نظر إلى ذلك قال: هذا يوم غاب عذاله.
خبر موته. كان على مكة محمد بن هشام بن اسماعيل المخرومي، وكان يعادي العرجي، لأنه هجاه، وتغزل بأمه جيداء، وبامرأته حبرة، وفيها يقول: عوجى علي وسلمي حبر
وكان يطلب عليه العلل، فوافق أن العرجي كان له مولى يقوم بأمور حرمه، فبلغه أنه يخالف إليهن فلم يزل يرصده حتى رآه يحدث بعضهن، فقتله وأحرقه بالنار، واستعدت عليه امرأة المولى إلى ابن هشام فوجد عليه السبيل، وأقامه على الناس بالحناطين بمكة، ثم سجنه حتى مات في سجنه.
قال أشعب: كنت حاضراً العرجى وهو يشتم مولاه، فأكثر عليه، فرد المولى عليه، وأختلط العرجي من ذلك وقال: يا أشعب أشهد على ما
стр. 216
سمعت، قال: اشهد على ما تشهد. قد شتمته ألفاً وشتمك واحدة، والله لو أن أمك أم الكتاب، وأمه حمالة الحطب ما زاد على هذا.
وقال العرجي لما جلده ابن هشام:
وكم من كاعب حوراء بكر ... ألوف الستر واضحة التراقي
بكت جزعاً وقد شحرت ... كبول وجامعة تشد بها خناقي
ستغضب لي بأجمعها قصي ... قطين البيت والدمث الرقاق
بمجتمع السيول إذا تنحى ... إمام الناس في الشعب العماق
ولما حبس المنصور عمه عبد الله بن علي كان يكثر التمثيل بقول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
وخلوني بمعترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها بصدري
كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عمرو
فقال المنصور: هو أضاع نفسه بسوء فعله، فكانت أنفسنا آثر عندنا من نفسه.
وقال العرجي لما حبس:
سينصرني الخليفة بعد ربي ... ويغضب حين يخبر عن مساقي
علي عباءة برقاء ليست ... مع البلوى تغيب نصف ساقي
وتغضب لي بأجمعها قصي ... قطين البيت والدمث الرقاق
فلما استبطأ نصر قومه قال:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
стр. 217
والعرج موضع بالطائف نسب إليه لنزوله فيه، وكونه به. وقال:
زارتك ليلى وكالي السجن قد رقدا ... ولم تخف من عدو كاشح رصدا
تكلفت ذاك ما كانت معاودة ... سرى الظلام إذا ما عرسها هجدا
يا عقب، ويحك لم حلات صادية ... عن مشرب لم يكن من بعدها وردا
ليس الإله بعاف عنك ردكها ... إن عذب الله ممن قد ترى أحدا
وقال:
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... هل أدخل القبة الحمراء من أدم
أسلمتني أسوتي طراق حاشيتي ... حتى كأني من عاد ومن إرم
وقال في ذلك أيضاً:
يا ليت سلمى رأتنا لا تراع لنا ... لما هبطنا جميعاً أبطح السوق
وكشرنا وكبول القوم تنكبنا ... كالأسد تكشر عن أنيابها الروق
والناس صنفان من ذي بغضة ... حنق وممسك بدموع العين مخنوق
وفي السطوح كأمثال الدمى خرد ... يكتمن لوعة حب غير ممذوق
من كل ناشرة فرعاً لرؤيتنا ... ومفرق ذي نبات غير مفروق
يضربن حر وجوه لا يلوحها ... لفح السموم ولا شمس المشاريق
كأن أعناقهن التلع مشرقة ... من الرهو كأعناق الأباريق
وقال في زوجته عثيمة بنت بكير بن عمرو بن عثمان بن عفان رضى الله عنه:
стр. 218
إن عثمان والزبير أحلا ... بيتها باليفاع إذ ولداها
بني الهدى وحمزة أيد ... وهما إن نسبتها خالاها
إنها بنت كل أبيض قرم ... نال في المجد من قصي ذراها
سكن الناس في الظواهر ... منها ونفى عن بنية سيلاها
وبحسب المنافرين من المج ... د قصيا أن يبلغوا مولاها
فيهم الطيب النبي به الله ... إلى كل باب خير هداها
من تراب بين المقام إلى الرك ... ن نداها الإله حين نداها
فضرى منه قصي ولم يخلط ... بطين القرى ولا أكباها
سار في الخيل والرجال فلم تش ... عر قريش بذاك حتى أتاها
في كراديس كالجبال ورجل ... يقرع الاخشبين طول قناها
قال الزبير: حج محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، وحج معه بابي حرزة القاضي يعقوب بن مجاهد، وأشعث بن جبير مولى ابن الزبير في جماعة من ولد عثمان، فظن العرجي أن محمد بن عبد الله يتكلم فيه، ويخرجه فلم بفعل، وخرجوا في النفر الأول، فقال العرجي:
عذرت بني عمي إلى الضعف ما هم ... وخالي فما بال ابن عمي تنكبا
تعجل في يومين عني بنفسه ... وآثر يعقوباً علي وأشعبا
ولو كنت من آل الزبير وجدتني ... بمندوحة من ضيم من ضام أجنبا
بأمن فلا يحتاتني الطير ساعة ... وناط محلي البدر قارن كوكبا
ولكن قومي غرهم ذل أمرهم ... أراذلهم من بين سقطي وأجربا
стр. 219
وكان الوليد بن يزيد مضطغنا على محمد بن هشام بأشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام. فلما ولى الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم، وأشخصا إلى الشام، ثم دعا لهما بالسياط. فقال له محمد: أسألك بالقرابة. قال: وأي قرابة بيني وبينك، وهل أنت إلا من أشجع؟ قال: فأسألك بصهر عبد الملك. قال: لم تحفظه. قال: يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله ﷺ أن يضرب قرشي بالسياط إلا في حد. قال: ففي حد نضربك وقود، أنت أول من سن ذلك على العرجى، وهو ابن عمي وابن عثمان ﵁، فما رعيت حق جده ولا نسبه بهشام، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر وأنا ولي ثأره. أضرب يا غلام، فضربهما ضربا مبرحاً، وأثقلا بالحديد، ووجه بهما إلى يوسف بن معين بن عمرو بالكوفة، وأمره بتعذيبهما حتى يتلفا. وأمره أن يجلسهما مع ابن النصرانية خالد (بن عبد الله) القسري. وقال له: نفسك نفسك إن عاش أحد منهما. فعذبهما يوسف عذابا شديداً، وأخذ منهما مالا عظيما، ولم يبق فيهما موضع للضرب. وكان محمد بن هشام مطروحا، فاذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها، فلما اشتدت علتهما تحمل إبراهيم لينظر في وجه محمد فوقع عليه، فماتا جمعياً، ومات خالد معهما في يوم واحد. ثم نقمت اليمانية بعد ذلك على الوليد بن يزيد بقتل خالد فقتلوه.
قال إسحاق الموصلي: غنيت الرشيد يوماً بقول العرجي:
أضاعوني. . . . . الأبيات
فقال: ما كان سبب العرجي حتى قال هذا الشعر؟. فأخبرته بخبره من أوله إلى أن مات، فرأيته يتغيظ كلما مر منه شيء، ثم أتبعته بحديث مقتل ابني هشام، فجعل وجهه يسكن وغيظه يسكن. فلما انقضى الحديث قال لي: يا إسحاق، والله ما حدثتني من فعل الوليد لما تركت أحداً من أماثل بني مخزوم إلا قتلته بالعرجى.
وقال خالد بن يزيد بن معاوية، وتزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر الطيار:
стр. 220
جاءت بها دهم البغال وشهبها ... معتقة في جوف قر مخدر
مقابلة بين النبي محمد ... وبين علي والحواري جعفر
منافية حارت بخالص ودها ... لعبد منافي أغر مشهر
القر: مركب صغير للنساء في الهودج:
وقال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري:
أنا ابن أسماء أعمامي لها وأبي ... إذا ترامى بنو الأموان بالعار
لا أرضع الدهر إلا ثغر واضحة ... لواضح الخد يحوي حوزة الجار
من آل سفيان أو ورقاء بمنعها ... تحت العجاجة ضرب غير عوار
يا ليتني والمنى ليست بنافعة ... لملك أو لحصن أو ليسار
طوال أنصية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأوقار
يريد أنه افتقر به على لبن أمه، ولم ترضعه الإماء فيميل إلى أخلاقهن.
قال الأصمعي: نظر إياس بن معاوية المزني أبو وائلة إلى رجل من ثقيف أبيض طوال فقال: أهندية أمك؟. قال: لا والله ما صرت في هندي ولا هندية قط. قال: بلى والله، وإني لأرى فيك آثار ذلك. قال: لا والله
стр. 221
إلا اللبن في الحضانة، فان خادماً هندية كانت لأبي أرضعتني خمسة أعوام. قال فهو ذاك.
قال سفيان بن عيينة: نظر عمر بن الخطاب إلى رجل فقال: أمن سعد بن بكر أنت؟ قال: لا ولكني مسترفع فيهم. قال: إن اللبن يشبه علي. وكان عرافا فائقاً. وقال الحصين المري لبني عمه:
دفعناكم بالحلم حتى بطرتم ... وبالراح حتى كان رفع الأصابع
فلما رأينا جهلكم غير منته ... وما قد مضى من حلمكم غير راجع
مسسنا من الآباء مسا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
وقال غيره:
تخيرتها للنسل وهي غريبة ... فجاءت به كالبدر خرقاً معمما
فلو شاتم الفتيان في الحي ظالماً ... لما وجدوا غير التكذب مشتما
قال الجاحظ: هجل رجل من بني سدوس عبيد الله بن أبي بكرة، ولم يكن في الأرض زنجي إلا وعبيد الله أشد سواداً منه، فقال:
أولاد أسود نوبي ومومسة ... لم يجعل الله في ألوانهم نورا
قوم جعاد ترى باقي شعورهم ... مثل الزبيب على الهامات منثورا
стр. 222
وقال آخر:
أمك بيضاء من قضاعة في البيت ... بيت الذي يستظل في طنبه
وليس يريدون بياض الجلد، إنما يريدون إذا ذكروا البياض الرجل الخالص من العيوب وإن كان أدهم أو آدم.
قال العريان بن الهيثم لبلال بن أبي بردة: إنك ليريبتي منك بياض راحتيك وروح قدميك، وانتشار منخريك، وجعودة شعرك.
قال بلال: إني أكره أن أجعل أبا موسى ندا للأسود وأبا برزة ندا للهيثم وأجعل نفسي ندا لك. ثم تمثل:
أنا مسكين لمن يعرفني ... ولمن حاورني جد نطق
لا أبيع الناس عرضي إنني ... لو أبيع الناس عرضي لنفق
وكانت أم بلال أمة تسمى حوراء. وكان حوشب بن يزيد بن الحارث بن رويم أمه أمة سوداء، وذلك أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه دخل على الحارث بن رويم يعود ابنه يزيد، فقال: عندي جارية لطيفة الخدمة أبعث بها إليه، فسماها لطيفة. فقال حوشب لبلال بن أبي بردة يعيره بأمه، وبلال مشدود عند يوسف بن عمر: يا ابن حوراء. فقال بلال وكان جلداً إن الأمة تسمى حوراء وجيداء ولطيفة.
وفي بلال يقول بعض الشعراء:
أبلال إني رابني من شأنكم ... قول تزينه وفعل منكر
ما لي أراك إذا أردت خيانة ... جعل السجود بحر وجهك يظهر
متخشعاً طبناً بكل عظيمة ... تتلو الكتاب وأنت ذئب أغبر
стр. 223
وكان بلال ورد الشام متصدياً لولاية العراق أيام عمر عبد العزيز فلزم المسجد متكئاً
بسارية تقرب من الموضع الذي يصلي فيه عمر ولا يكاد يراه عمر إلا راكعاً أو ساجداً، فأعجب به وذكره، فقال للعلاء بن المغيرة البندار: إن يكن سر هذا الغلام كعلانيته فهو رجل أهل العراق غير مدافع فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فأتاه وهو يصلي فقال: اشفع صلاتك فان لي إليك حاجة. ففعل، فقال له العلاء: قد عرفت حالي عند أمير المؤمنين، فان أنا أشرت بك على ولاية العراق ما تجعل لي؟. قال: لك عمالتي سنة. وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم. قال: فاكتب لي بذلك. فأوفد بلال إلى منزله فأتى بدواة وصحيفة وكتب له بذلك. فأتى العلاء إلى عمر بالكتاب فلما رآه كتب إلى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وكان عامله على الكوفة: (أما بعد فإن بلال غرنا بالله فكدنا نغتر به، ثم سبرناه فوجدناه خبيثاً كله). ويروى أنه كتب إليه: (لا تستعينني على عملك بأحد من آل أبي موسى).
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
أبلغا جاري المهلب عني ... كل جار مفارق لا محاله
إن جاراتك اللواتي بتكر ... يت لتبدين رحلهن مقاله
لو تعلقن من زياد بن عمرو ... بحبال لما ذممن حباله
عتكي كأنه ضوء بدر ... يحمد الناس قوله وفعاله
وذلك أن عبد الملك نذر دم ابن الرقيات فهرب وصير عياله بتكريت ليخفى مكانهم. وكان المهلب على الموصل فكتب إليه عبد الملك أن أحتفظ بعيال ابن قيس فتحفظ بهم فلذلك قال ابن قيس:
ولقد غالني يزيد وكانت ... في يزيد خيانة ومغالة
غلبت أمه عليه أباه ... فهو كالكابلي أشبه خاله
وأم يزيد من كابل.
стр. 224
وقال علي بن أبي طالب يوم الجمل وهو يمشي بين القتلى حين رأى عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قتيلا: (لهفي عليك يعسوب قريش شفيت نفسي وجدعت أنفي، قتلت الصناديد من بني عبد مناف، وأفلتني الأعيار من بني جمح. فقال له رجل: لشد ما جزعت عليه يا أمير المؤمنين. قال إنه قام عني وعنه نسوة لم يقمن عنك.
وقال عبد الله بن عامر لعبد الله بن حازم السلمي صاحب خراسان، وكان ابن أمة تسمى
عجلاء: يا ابن السوداء قال: هو لونها. قال يا ابن العجلاء. قال: هو اسمها قال: يا ابن خازم. قال: هو خالك. وخازم بن أسماء بن الصلت، وأم عبد الله بن عامر دجاجة بنت أسماء بن الصلت.
وقال أمية بن عائذ الهذلي:
فأبلغ أناساً أن عرض ابن أختكم ... وراءك فاستصن عرضه أو تبدل
فإن أك ذا مجد فإني ابن أختكم ... وكل ابن أخت من مدى الخال مغتلي
فكن أسداً أو ثعلباً أو شبيهه ... فمهما تكن أنسب إليه وأشكل
وما ثعلب إلا ابن أخت ثعالب ... وإن ابن أخت الليث رئبال أشبل
ولن تجد الآساد أخوال ثعلب ... إذا كانت الهيجا تلوذ بمدخل
وقال آخر:
عليك الخال راب الخال يسري ... إلى ابن الأخت بالشبه المبين
وفي الحديث: اغتربوا لا تضووا.
وقال قيس بن زهير: عليكم بالطوال فإنهن أمهات الرجال.
وقال النمر بن تولب:
إذا كانت في سعدٍ وأمك منهم ... غريباً فلا يغررك خالك من سعد
فإن ابن أخت المرء مصفى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
стр. 225
ومن أجل الخال ترغب الملوك في مصاهرة أشرف العرب. وإن الشبه ينزع إلى الخال كثيراً.
كانت مارية بنت سنان بن أبي حارثة (المرى) عند عمرو بن المنذر فمدحه زهير فقال:
فضله بين أقوام وسؤدده ... ما لم ينالوا وإن عزوا وإن كرموا
قود الجياد وأصهار الملوك وصبر ... في مواطن لو كانوا بها سئموا
وكانت بنت زرارة بن عدس عند الأسود بن المنذر، فقال الأخطل:
تاج الملوك وههرهم في دارهم ... أيام يربوع مع الرعيان
وكانت أم إياس بنت عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان عند عمرو المقصور بن حجر آكل المرار، فولدت له الحارث بن عمرو. وملك الحارث معدا ستين سنة، فقال الحارث بن
حلزة:
وولدنا عمرو بن أم أناس ... من قريب لما أتانا الحباء
إن عمراً لنا لديه خلال ... غير سر في كلهن البلاء
ربنا وابننا وأفضل من ... يمشي ومن دون ما لديه البناء
وكانت الشقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان عند امرئ القيس بن عمرو فولدت له النعمان الذي يقال له ابن الشقيقة. قال بعض بني شيبان:
ولدوا الملوك وصاهروهم بعدما ... صدعوا رؤوسهم بكل مهند
стр. 226
وممن تمدح بالخال حسان بن ثابت فقال:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا ابن ماء المزن وابن محرق ... فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا عماً
وقالت امرأة في بنت لها:
وما علي أن تكوني جارية ... تغسل رأسي وتكون الغاليه
حتى إذا ما بلغت ثمانية ... أنكحتها يزيد أو معاويه
أصداق صهر ومهور غاليه
على أن العرب تذم كسب المال من مهور النساء وتراث الموتى، وديات القتلى، ويحبون المال إذا كان حباء ملك أو غنيمة قوتل عليها حتى أخذت. قال الشاعر:
وما كان مالي من تراث ورثته ... ولا دية كانت ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كل رحلة ... إلى كل مضروب السرادق خضرم
وقالوا: عجباً ممن تمتع بالسراري كيف يتمتع بالمهيرات.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: ليس قوم أكيس من أولاد السراري لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم.
стр. 227
وقال آخر:
يا رب خال أغر أبلجا ... من آل كسرى يغتدي متوجا
وقال آخر:
فإن تك أمي من نساء أفاءها ... طوال القنا والمرهفات الصفائح
فتبا لفضل الحر إن لم أنل به ... كرائم أبناء النساء الصرائح
وقال مسلمة بن عبد الملك: إني لأعجب من ثلاثة. من رجل قصر شعره ثم أطاله، أو شمر ثوبه ثم عاد وأسبله، أو تمتع بالسراري ثم عاد إلى المهيرات. وكان مسلمة ابن أمة، وكان سمحاً جميلاً، شجاعاً، فارساً. وقفت امرأة بمصر في خصومة فحكم عليها، فقالت له: ما أقل حياءك. فكشف عن ساقه فإذا فيه تسع طعنات، فقال والله لو تأخرت شبراً ما نالني منهن واحدة، واحدة، وما منعني من ذلك إلا الحياء، وأنت تنحليني غيره.
وقال الشاعر:
أخذن اغتصاباً خطبة عجرفية ... وأمهرن أرماحاً من الحظ ذبلا
وقال خفاف بن ندبة أحد أغربة العرب، وكان فارس بني سليم:
ومعشوقة طلقتها بمرشة ... لها سنن كالأتحمي المخرق
فباتت سليباً من أناس تحبهم ... كسيباً ولولا طعنتي لم تطلق
стр. 228
وقال الفرزدق:
إلى كل حي قد خطبنا بناتهم ... بأرعن مثل الطود جم صواهله
كأن بنات الحارثين وسطهم ... ظباء صريم لم تفرق غياطله
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلا السنان وعامله
وإنما ذكر بنات الحارثيين لأن المأمور الحارثي أغار على بني دارم فأصاب امرأتين من بني زرارة، فغزا الأقرع بن حابس بني الحارث في ألفين، فسبى ابنتين لأنس بن الديان، وقد ولدت له في بني زرارة.
ومن الفرسان المعدودين، والشعراء المفلقين من بني الإماء عنترة، وأخوه هراسة ابنا شداد العبسيان، وخفاف بن ندبة، وعباس بن مرادس، وسليك ابن السلكة، وابن المغملس عمير بن الحباب، وعبد الله بن حازم، والجحاف بن حكيم عند عبيد الله بن زياد إذ دخل جرذ أبيض، وكان عبد الله أحد من ينازل الأسد، ويفزع من الجرذ، فعجب منه وقال: هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا؟ وإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ، يعصى الرحمن ويتهاون بالسلطان، ويقبض على الثعبان ويمشي إلى الأسد الورد ويتقي الرماح بصدره، وقد اعتراه من جرذ ما ترون، أشهد أن الله على كل شيء قدير.
стр. 229
وسأل ابن هبيرة عن قتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر سألنا وكيع بن الدورقية كيف قتلته؟. قال: غلبته بفضل شباب كان لي عليه، فصرعته. وجلست على صدره، وقلت: يالثارات دويله يعني أخاه من أمه. فقال من تحتي: قاتلك الله! تقتل كبش مضر بأخيك وهو لا يساوي كف نوى، ثم تنخم فملا وجهي. فقال ابن هبيرة: هذه والله البسالة. استدل عليها بكثرة الريق في ذلك الوقت.
وكان يقال: ما استحيى شجاع أن يفر من عبد الله بن خازم، ومن قطري بن الفجاءة. وسئل المهلب: من أشجع الناس، فقال: عباد بن الحسين الحبطي وعمر ابن عبيد الله بن معمر، والمغيرة بن المهلب، فقيل له: وابن الزبير، وابن خازم، وعمير بن الحباب؟ فقال: إنما سألت عن الإنس، ولم أسأل عن الجن.
وعمير بن الحباب ابن أمة، وابن خازم مثله.
ولما صار إبراهيم بن الأشتر بخازر لقتال عبيد الله بن زياد، قال عبيد الله: من صاحب الجيش؟. قيل له: ابن الأشتر. قال: أليس الغلام الذي كان يطير الحمام بالكوفة؟. قالوا: بلى. قال: ليس بشيء. وعلى ميمنته عبيد الله بن حصين بن نمير السكوني من كندة. وعلى مسيرته عمير بن الحباب السلمي فارس الإسلام. قال حصين بن نمير لابن زياد: أنت لي عمير بن الحباب غير ناس قتلى المرج، وإني لا أثق لك به. قال ابن زياد: أنت لي عدو. قال حصين: ستعلم. قال ابن الحباب: فلما كان في الليلة التي نريد أن نواقع فيها ابن الأشتر خرجت إليه، وكان لي صديقاً، ومعي رجل. فصرت إلى عسكره، فرأيته، وعليه قميص هروى، وملاءة، وهو متوشح بالسيف يجوس عسكره، فالتزمته من ورائه، فوالله ما التف إلي، ولكن قال: من هذا؟ قلت: عمير بن الحباب. قال: مرحباً بأبي المغملس. كن بهذا الموضع حتى أعود إليك. قال راوية هذا الحديث: أرأيت أشجع من هذا قط؟! يحتضنه رجل من عسكر عدوه، ولا يدري من هو، فلا يلتفت إليه.
стр. 230
قال (ابن الحباب) ثم عاد إلي فقال: ما الخبر؟! قلت له: القوم كثير فناجزهم، فلا صبر لهذه العصابة على ذلك الجمع الكثير. قال: نصبح إن شاء الله ونحاكمهم إلى ظباء السيوف وأطرف القنا. فقلت: أنا منخذل عنك بثلث الناس غداً. فلما التقوا كانت على أصحاب إبراهيم أول النهار، فأرسل أصحاب المختار الطير، فتصايح الناس: الملائكة! الملائكة!، فتراجعوا، ونكس عمير بن
الحباب رايته، ونادى: يا لثارات المرج، وانخذل بالمسيرة كلها وفيها قيس. واقتتل الناس إلى الليل، وفنى أصحاب زياد. وقال ابن الأشتر: لقد ضربت رجلا على شاطئ النهر فرجع إلى سيفي، وفيه رائحة المسك. ورأيت إقداماً وجرأة، فصرعته، فذهب يداه قبل المشرق، ورجلاه قبل المغرب، فانظروه. فأتى بالنيران فإذا هو عبيد الله بن زياد.
وعبيد الله بن زياد ابن أمة تدعى مرجانة. وكان المختار دفع إلى قوم من خاصته حماماً بيضاً وقال: إن رأيتم الأمر لنا فدعوها، وإن كان علينا فأرسلوها. وقال للناس: أن استقمتم فبنصر الله وإن حضتم حيضة، فإني أجد في محكم الكتاب وفي اليقين والصواب أن الله مؤيدكم بملائكة عصاب تأتي في صور الحمام دوين السحاب.
وكان السليك من أشد فرسان العرب وأنكرهم وأدل الناس بالأرض وأجودهم عدوا على رجليه، لا تلحق به الخيل، وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة. وهو ابن أمة. وقال له بنو عوف بن كنانة حين كبر أرأيت أن ترينا ما بقي من أحصارك. قال: نعم ابغوني أربعين شابا، وابغوني درعاً ثقيلة، فأخذها ولبسها فخرج بالشباب حتى إذا كان على رأس ميل أقبل يحصر فلاث العدو لوثا، واهتضموا في حلبتيه، ولم يصبحوه إلا قليلا فجاء يحصر مثيرا بحيث لا يرونه، وجاءت الدرع تخفق في عنقه كأنها خرقة.
وقال عنترة:
стр. 231
إني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا ... أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معم مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بضربة فيصل
إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أوكل بالرعيل الاول
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بذاك المنهل
فاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امروٌ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلث مثلي ... إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها بنقع الحنظل
يعرض في هذا الشعر بقيس بن زهير، وكان أكولا، ذلك أن بني عبس غزت بني تميم وعليهم قيس بن زهير فهزمت بنو عبس، فطلبتهم بنو تميم، فوقف عنترة فلحقتهم كتيبة من الخيل فحامى عنترة فقال القصيدة التي تقدمت.
ولعنترة أشعار حسان، وأخبار طريفة، وله القصيدة إحدى المعلقات: وكان سبب صنعته لها أنه جلس يوماً في لبني عبس بعد ما أبلى وأعترف به
стр. 232
أبوه، فسابه رجل من بني عبس فذكر سواده وأمه واخوته. فقال عنترة: إن الناس ليتواصلون في العطية، وما حضرت مرقد الناس أنت ولا أبوك ولا جدك قط، وإن الناس ليدعون فيقرعون فما رأيناك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيتا فما حضرت أنت ولا أحد من أهل بيتك بخطية فيصل، فلو كنت فقعاً نبت بقرقرة لكنت في مزرك الذي أنت به اليوم. أي في أصلك. فلو ما جدتك لمجدتك، ولو سألت أباك وأمك لأخبراك أو نصحا لك، وإني لأحضر الناس وأوفى المغنم، وأعف عن المسألة، وأجود بما ملكت، وأفضل الخطة الصمعاء.
فقال له الرجل: أنا أشعر منك. قال: ستعلم ذاك.
فكان أول ما قال عنترة يذكر قتل معاوية بن بزال وغيره. ومعاوية بن بزال خالد الأحنف بن قيس.
قاول الحماني بلال بن جرير قال: يا ابن أم حكيم. فقال له بلال بن جرير: وما تذكر من ابنة دهقان. وأخيذة رماح، وعطية ملك ليست بأمك التي بالمروت تعدو على أثر ضبانها، كأنما عقباها حافرا حمارة.
وقال رجل من قريش: كنت أجالس سعيد بن المسيب، فقال لي: من أخوالك؟ فقلت: أمي فتاة. فكأني نقصت في عينه، فأمهلت حتى دخل عليه سالم ابن عبد الله بن عمر الخطاب، فلما خرج قلت: يا عم من هذا؟. قال: سبحان الله: أتجهل مثل هذا من قومك؟. هذا سالم بن عبد الله بن عمر قلت: فمن أمه؟. قال فتاة. قال: ثم أتى القاسم بن محمد بن أبي بكر فحسب عنده ثم نهض، فقلت: يا عم من هذا؟ قال: أتجهل مثل هذا من
стр. 233
أهلك؟. ما أعجب هذا!. هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر. قلت: فمن أمه؟ قال: فتاة. ثم أهملت شيئاً حتى جاء علي بن الحسين بن علي فسلم عليه ثم نهض، فقلت: يا عم من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله. هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. قلت: فمن أمه؟. قال: فتاة
قلت: يا عم! رأيتني نقصت في عينك لما علمت أني لأم ولد، فمالي بهؤلاء أسوة. قال: فجللت في عينه جداً.
وقال ابن الزبير الأسدي لعبد الرحمن بن أم الحكم، وأم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن ربيعة الثقفي:
تبغلت لما أن أتيت بلادهم ... وفي أرضنا أنت الهمام القملس
ألست ببغل أمه عربية ... أبوه حمار أدبر الظهر ينحس
لما كان أبوه من ثقيف جعل ثقيفاً من ثمود من نسل أبي رعال عبد صالح النبي ﵇، وجعل كالبغل لأن الذي أمه عربية وأبوه أعجمي الدرع. ويشبهونه بالبغل.
وكان عبد الرحمن ولي الكوفة، وكان ذا قدر ثم عزل عنها وصار إلى الشام. وفيه يقول الفرزدق:
فأنت ابن بطحاوي قريش وإن تشأ ... تكن في ثقيف سيل ذي حدب غمر
стр. 234
وأنت ابن سيار اليدين إلى العلا ... تكفت بك الشمس المنيرة للبدر
دخل زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك، فلما مثل بين يديه، ولم ير لنفسه موضعاً يحبس فيه، فعلم أن ذلك فعل به على عمد. فقال: إيه يا أمير المؤمنين لن يكبر أحد عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله. فقال: اسكت. لا أم لك. أنت الذي تنازعت نفسك الخلافة، وأنت ابن أمة. قال: أن لي جواباً، فان أذنت فيه جاوبت. قال: أجب. وما أنت وجوابك؟!. قال: الأمهات لا يقعدون بالرجال دون بلوغ الغايات، وكانت أم إسماعيل ﷺ أمة، وقد ابتعثه الله نبياً، وأخرج من صلبه رسول الله ﷺ . أفتقول هذا وأنا ابن فاطمة، وجدي علي بن أبي طالب.
قال: صدقت. ثم خرج. فقال هشام حين بقي في أهل بيته: ألستم زعمتم أن أهل البيت قد بادوا. لا، لعمري ما انقرض قوم هذا خلفهم.
قال الجاحظ: أئمة الشيعة من ولد الحسين الذين عندهم أنهم يعلمون كثيراً من مراشد الدين والدنيا، وعند الغلاة منهم أنهم يعلمون الغيب. أولاد إماء وهم ستة: علي بن الحسين، موسى بن جعفر. ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي. هؤلاء الأربعة، وجعفر بن محمد، أمه بنت القاسم بن محمد، وأم القاسم أمة، فكلهم ابن أمة، فهؤلاء خلفاء أصحاب الأهواء
وخلفاء أصحاب الجماعة، نعني عمر بن عبد العزيز، ومروان بن محمد، ومن أشير إليه بالخلافة كالقاسم وسالم. قال: ولم يكن في بني مروان أرجل من مروان بن محمد، وأمه أمة، ولا أفضل من يزيد الناقص، وأمه أمة، وهي بوران رخت بنت فيروز بن يزدجر، ولذلك كان يزدجرد، ولذلك كان يرتجز في حروبه ويقول:
أنا ابن كسرى وأبي خاقان ... وقيصر جدي وجدي مروان
стр. 235
وهذه ولادة ثالثة. وهو عند أهل النظر يعني المعتزلة، لأنه كان قدرياً فوق عمر بن عبد العزيز، فقد كان في الفقه والزهد واللسان بالمكان الذي قد عرفتموه.
فقد كان الجاحظ، فمحال أن يشبه عمر بن عبد العزيز. وقد ولدت عمر الإماء وذلك أن زينب بنت العلاء، وابن شهاب سباها عمرو بن المشمرخ اليشكري، فباعها بعكاظ فاشتراها بشر بن سفيان الثقفي، فأولدها امرأة تزوجها عاصم بن عمر، فولدت له امرأة تزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت عمر.
قال الجاحظ: ولم يكن في بني مروان أزهد ولا أبين لساناً ولا أشد عقلاً ولا أظهر فزعاً من عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وهو ابن أمة. ولم يكن فيهم أشجع ولا أدهى ولا أحلم. ولا أمكر ولا آدب. ولا أجمع لكل فضيلة، ولا أكثر فتوة من مسلمة بن عبد الملك وأمة أمة.
ما أبين بيان الجاحظ!.
قيل لأبي العيناء: أي شيء يحسن الجاحظ؟ قال: أي شيء لا يحسنه الجاحظ؟. وأنشد الجاحظ شعر أبي العتاهية فمجه وقال: هو أملس المتون)، ليس له عيون كأنه ونمارة الجارية كاملاً واحداً.
عليك بأرباب النمار فإنني ... رأيت صميم الموت في النقب الصفر
النمرة الجبة من الصوف القصيرة يلبسها الإماء، والنقبة الدرع تلبسه الجارية.
وقال الجاحظ: رأيت عبداً أسود لبني أسد، فقدم عليهم من شق اليمامة فبعثوه ناطورا، وكان وحشياً لطول تغربه كان في الإبل، وكان لا يلقى إلا الأكراد، وكان لا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن إلي، وسمعته يقول: لعن الله بلاداً ليس فيها عرب. قاتل الله الشاعر حيث يقول:
стр. 236
حر الثرى مستعذب التراب
أبا عثمان إن هذه العرب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، فلولا أن الله رق عليهم في حشاه لطمست هذه العجمان آثارهم، أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا. والله ما أمر الله نبيه بقتلهم الا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم تنزيها لهم.
وكان عتاب بن ورقاء الرياحي قد أولد مولدة له يقال لها ميثاء خالداً وزياداً، وكانا فارسي تميم، وخالد أشجع الناس فارساً، وأسخاهم يداً ويكنى أبا سليمان. وكان عاملا على الري لبشر بن مروان، وعلي أصبهان، فمر به طلحة الطلحات مقبلا من سجستان فأهدى إلى خالد واستهداه شهداً فحمل إليه سبعمائة ألف درهم وكتب إليه:
(إني قد حملت ما تشترى به المشهد ولو كان في بيت المال أكثر منها لبعثت به).
وكان خالد شجاعاً فكتب إليه الحجاج: (أنك هربت عن أبيك ليلة شبيب). فكتب إليه: (قد علم من رآني لم أفر، ولكنك وأباك هربتما يوم الربذة من الحتيف بن السجف، وأنتما على بعير بقتت، فلله أبوك أيكما كان ردف صاحبه؟).
стр. 237
فقدم خالد الشام فاستجار بزفر بن الحارث، فأجره، ودخل على عبد الملك فأخبره، فأمضى جواره، فلم يزل مقيما عنده حتى مات. وقيل عتاب بن ورقاء بن الباجور السليطي رأس الأزارقة.
قال الشاعر:
لبيك ابن ورقاء الرياحي إذ ثوى ... من الدهر يوماً نابل وطعان
وقائلة هل كان بالمصر حادث ... ألا هلك عتاب هو الحدثان
стр. 238
وهذا أول اختيار الجزء الثاني.
باب أنفة السادات من قول الهجاء والمناقصات
وقد يفعل العرب ذلك أنفا عن قول الهجاء لما فيه من سوء الأثر، وتدع جواب الهجاء تنزهاً عنه. وقال معيذ بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت مراتنا ... فلسنا بشتامين للمتشتم
ولكننا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وإن التمادي في الذي كان بيننا ... بكفيك فاستأخر له أو تقدم
وكان الأعور بن براء يهجو بني كعب بن ربيعة فأتت بنو كعب تميم بن أبي ابن مقبل، فقالوا ألا ترى ما يصنع الأعور بقومك؟.
стр. 239
فقال: ما تشاءون؟. قالوا: نشاء أن تهجو بني فلان قال: انصرفوا، فإذا أتاكم الشعر فادووا. واندفع وهو يقول:
ولست وإن شاحنت بعض عشيرتي ... لأذكر ما الكهل الكلابي ذاكر
فكم لي من أم لعبت بثديها ... كلابية عادت عليها الأواصر
فسمعت بذلك بنو كعب فشتموه، وسمعت بنو كلاب فركبوا إلى الأعور فنهوه عن بني كعب، وقالوا له: العجلاني خير منك أتوه بنو كعب يأمرونه بهجاء بني كلاب، فمدح بني كلاب. فقال الأعور:
ولست بشاتم كعباً ولكن ... على كعب وشاعرها السلام
ولست ببائع قوماً بقوم ... هم الأنف المقدم والسنام
وكائن في المعاشر من قبيل ... أخوهم فوقهم وهم كرام
ولم يقل الأعور بعدها شيئاً. وقال آخر:
كم من لئيم ود أني شتمته ... وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم
وللكف عن شتم اللئيم تكرماً ... أضر له من شتمه حين يشتم
وتعجب أن حاولت منك تنصفاً ... فأعجب منه ما تحاول من ظلمي
أبا حسن يكفيك ما فيك شاتماً ... لعرضك من شتم الرجال ومن شتمي
إذا شئت يوماً أن تسود عشيرة ... فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
وللحلم خير فاعلمن مغبة ... من الجهل إلا أن يشمس من ظلمي
وهجا الحطيئة، واسمه جرول بن أوس العنسي الزبرقان بن بدر فقال:
стр. 240
دع الكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وكان الزبرقان شاعراً مفلقا، فلم يرد على الحطيئة، ولا رضي لنفسه مناقضته، كما فعل بالمخبل القريعي إذ كان الحطيئة دون المخبل في الشرف، واستعدى عليه عمراً فأنصفه منه. وكان الزبرقان شريفاً، ولم يرتد بمنع الزكاة كما فعل نظراؤه، بل كان أول من دخل المدينة على الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ بصدقات قومه، فقدم بإبل كأنها عروق الأرطى. والأرطى شجر له عروق حمر، فجهز بها أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد إلى أسد وغطفان، وهم على بزاخة مرتدين مع طليحة بن خويلد الفقعسي وفيهم الحطيئة، وهو مرتد، وهو القائل:
ألا كل أرماح قصار أذلة ... فداء لأرماح نصبن على الغمر
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا ليت شعري ما لدين أبي بكر
أيورثها بكراً إذا مات بعده ... فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
ثم حسن إسلامه بعد ذلك.
وقال الزبرقان:
وفيت بأذواد الرسول وقد أتت ... سعاة فلم يردد بعيراً مجيرها
وإني لمن قوم إذا عد سعيهم ... أتى المخربات حبها وقتيرها
وقال الفرزدق إن الطرماح يهجوني لأرفعه. إيهات، ايهات! عليت دونه القضب.
عليت: ارتفعت. من عالت الفريضة أي ارتفعت. والقضب القصائد، وأحدها قضيب، أي مقضوب. والذي هجا به الطرماح الفرزدق قوله:
стр. 241
لا عز نصر امرئ أضحى له فرس ... على تميم بحب النصر من أحد
إذا دعا بشعار الأزد نفرهم ... بما ينفر صوت السبع بالنقد
أفي تميم تسامينا وما حلفت ... حتى مضت قسمة الأحساب والعدد
لو جاء ورد تميم ثم قيل لها ... حوض النبي عليه الأزد لم تعد
أو أنزل الله وحياً أن يعذبها أن لم تعد لقتال الأزد لم تعد
لا تأمنن تميميا على جسد ... قد مات ما لم تزايل أعظم الجسد
وكل لؤم يبيد الدهر سوأته ... ولؤم ضبة لم ينقص ولم يزد
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذل أولهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد
واسأل قفيرة بالمروت هل وجدت ... سوط الحطيئة بين الكسر والنقد
أم كان في غالب شعر فيشبهه ... شعر ابنه فينال الشعر من صدد
لولا قريش وحق في الكتاب لها ... وأن طاعتها تهدى إلى الرشد
دنا تميماً كما كانت أوائلنا ... دانت أوائلهم في سالف الأبد
وإنما نسب الطرماح الفرزدق إلى الحطيئة لأن الفرزدق لما هرب من زياد أتى سعيد بن العاص وهو على المدينة أيام معاوية فاستجاره فأجاره،
стр. 242
وعنده الحطيئة وكعب بن جعيل، فأنشده الفرزدق شعره الذي يقول في سعيد منه:
ترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان غالا
بني عم النبي ورهط عمرو ... وعثمان الأولى غلبوا فعالا
قياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
فقال الحطيئة: هذا والله الشعر لا ما يعلك به منذ اليوم أيها الأمير. فقال كعب: فضله على نفسك، ولا تفضله على غيرك. فقال: بل والله أفضله على نفسي وعلى غيري. يا غلام أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك. ثم قال له: إن طال بك عمر فستبرز علينا. ثم قال: يا غلام. أنجدت أمك!؟ قال: لا بل أبي. يريد الحطيئة إن كانت أمك أنجدت فأنا أصبتها، فأشبهتني فألفاه لقن الجواب، فنعى ذلك عليه الطرماح بقوله:
فأسأل فقيرة. . . البيت
وقال الطرماح:
أتجعل يا ابن القين أوساً وحاتماً ... كذى مرجل عند أسته وقدوم
قال ابن شبرمه: كان الطرماح جليسا لنا، وإذا فقدناه قمنا جميعا ننظر ما دهاه فلما كنا قريبا من منزله إذا نحن بنعش عليه مطرف خز أخضر، فقلنا: من هذا الميت؟. قالوا: الطرماح. فقال بعضهم، والله ما استجاب الله حيث يقول:
стр. 243
فيا رب لا تجعل وفاتي إذا أتت ... على شرجع يعلى بدكن المطارف
ولكن بصحراء فريداً، وعصبة ... يصابون في فج من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
وكان الطرماح يرى رأي الخوارج، وكان أعرف في الشعر من الفرزدق لأن جده نفر الذي يقول:
ألا قالت أمامة ما لنفر ... أراه غيرت منه الدهور
وأنت كذاك قد غيرت بعدي ... وكنت كأنك الشعرى العبور
وقال ألطرماح:
فلما دركناهن أبدين للهوى ... محاسن واستولين دون محاسن
ظعائن يستحدثن في كل بلدة ... رهينا ولا يحسن فك الرهائن
وكان الطرماح أليفا للكميت بن زيد على بعد ما بينهما في المذهب، والعصبية. كان الكميت عدنانيا كوفيا شيعيا، والطرماح قحطانيا شامياً، صفريا. وقيل لهما: ما ألف بينكما؟ قالا: بغض العامة. وكانا معلمين. وهما أحد من اجتمع له المنثور والموزون وقال بعضهم:
أرادت وذاكم من سفاهة رأيها ... أن أهجوها لما هجتني محارب
معاذ إلهي إنني لعشيرتي ... ونفسي عن ذاك المقام لراغب
стр. 244
وقال صخر بن عمرو بن الشريد:
وعاذلة هبت علي تلومني ... ألا لا تلوميني، كفى اللوم ما بيا
تقول ألا تهجو فوارس هاشم ... ومالي إلى أن أهجوهم ثم ماليا
أبي الذم أنى قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
الشمال واحدة الشمائل وهي الخلائق.
وكان معاوية بن عمرو بن الشريد فارساً شجاعاً، فأغار في جمع من بني سليم على غطفان فبدرته القوم فانبرى له دريد وهاشم أبنا حرملة فانطرد له أحدهما وطعنه الآخر فقتله، فقال خفاف بن ندبة: قتلني الله أن رجعت حتى أباريه، فحمل على مالك بن حمار سيد بني شمخ بن فزاره، فقتله. فلما دخلت الأشهر الحرام ورد عليهم صخر فقال: أيكم قاتل أخي، فقال له أحد ابني حرملة: استطردت له فطعنني هذه الطعنة، وحمل عليه أخي فقتله فان قتلته فهو ثأرك. أما أنا فلم أسلب أخاك. قال: فما فعلت بفرسه السمى. قالوا: هاهي تلك فخذها،
فانصرف بها. وقيل لصخر: ألا تهجزهم؟. فقال: ما بيني وبينهم أقذع من الهجاء، وأنا أصون لساني عن الخنا. ثم خاف أن يظن به عيى فقال الأبيات المتقدمة، ومنها:
إذا ما امرؤ أهدى لبيت تحية ... فحياك رب الناس عني معاويا
وهون وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل عليه بماليا
стр. 245
فلما أصاب دريداً زاد فيها.
وذي اخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحداً لا أخا ليا
فلما انقضت الأشهر الحرم جمع لهم، فنظرت غطفان إلى جمعه فقال بعضهم: هذا صخر على فرسه السمى، فقيل: كلا السمى غراء، وكان خمم غرتها فأصاب فيهم. وقتل دريد بن حرملة، ثم غزا صخر بعد ذلك بني أسد بن خزيمة، فنذروا به، فاقتتلوا، فارفض أصحاب صخر عنه، وطعن في جنبه طعنة، فاستقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها فنبا من الجرح مثل اليد، فأضناه ذلك حولا فسمع سائلا يقول لامرأته كيف صخر؟ فقالت: لا ميت فينعى، ولا حي فيرجى، فعلم أنها برمت منه، ورأى تحرق أمه فقال:
أرى أم صخر ما تحل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقاً وهوان
وهم بقتل سليمى، فأخذ السيف، فلم يستقل به ساعده، وضعف عن الضرب به فنزل حتى وجد راحة فعلقها بيدها إلى عمود الخباء حتى ماتت ثم قطع ناتئا من جنبه فيئس من نفسه، فقال:
стр. 246
أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غربيان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وتروى لامرئ القيس.
وقالت خنساء في صخر أخيها:
يا صخر وراد ماءٍ قد تبادره ... أهل المياه وما في ورده عار
مشى السنين إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان أنياب وأظفار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وإن صخراً لوالينا وسيدنا ... وإن صخراً إذا تشتو لنحار
لم تره جارته يمشي لساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
تريد بقولها وراد ماء الموت لإقدامه على الحرب. والمعنى. ما في ترك ورده عار. ومثله قال المرقش.
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء الموت ما لا يعلم
وألسبتني: الجري.
وقال عقال بن شبة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه، فما مضى قلت له: أبعد ما قال لنا ما قال؟!: قال يا بني أفأوسع جرحي؟ وقال ابن الحنفية: قد تدفع باحتمال مكروه ما هو أعظم منه. وقال عبد الله بن عروة: بعض الذل أبقى للمال والأهل. ومدح ابن شهاب شاعر فأعطاه وقال: إن من ابتغى الخير اتقى الشر.
стр. 247
باب والشعراء تستحسن انتصارها بألسنتها ويقيم ذلك أحدهم مقام سيفه ويده
قال أوس بن حجر:
بني ومالي دون عرضي وقاية ... وقول كوقع المشرفي المصمم
وكان أوس يرغب في مدحه وتحريضه، ومن تحريضه يحض النعمان بن المنذر على بني حنيفة. وذلك؛ أن شمر بن عمرو الحنفي قتل المنذر بن المنذر حين التقى مع الحارث بن أبي شمر الغساني فقال أوس:
نبئت أن بني حنيفة أدخلوا ... أبياتهم تامور نفس المنذر
فغزا النعمان بني حنيفة فقتل منهم وحرق عليهم. وقال:
ألا أبلغ بني بكر رسولاً ... فقد صم الظنابيب السباق
إلى الغايات أعلى المجد حتى ... حسرناكم وبرزت العتاق
وسأل بنا الغبيط وجانباه ... على حنق وساد بهم أفاق
أطعنا ربنا وعصاه قوم ... وذقنا غب طاعته وذاقوا
стр. 248
ومن مدح أوس لفضالة الأسدي، قوله يرثيه:
أيتها النفس أجلي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة ... والنجدة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
قال الأصمعي: هو أحسن ابتداء مرثية، وهو كقول علي بن الحسين وتوفي له ولد فلم يربه عليه جزع، فقيل له في ذلك. فقال هذا ما كنا نتوقعه، فلما حل لم ننكره.
ولأوس بن حجر في مقالة يرثيه أيضاً:
ألم تكسف الشمس شمس النها ... ر بالنجم والقمر الواجب
لهلك فضالة لا يستوي الفق ... ود ولا جلة الذاهب
ألهفي على علم الآية ... على الحائر الحي والحارب
ويكفي المقالة أهل المقا ... ل غير معيب ولا عائب
ويحبو الخليل بخير الحبا ... ء غير صخوب ولا قاطب
برأس النجيبة من حوله ... وبالطرف كالجوذر الكاعب
فمن يك ذا نائل يسع ... من فضالة في أثر لاجب
هو الواهب العلق غير النفي ... س والمتعلى على الواهب
وأفضلت في كل شيء فما ... تناول سعيك من طالب
نجيح مليح أخو ما قط ... نقاب يحدث بالغائب
стр. 249
وكان المخبل السعدي هجا خليدة بنت بدر، فقال للزبرقان أخيها:
وأنكحت هزالاً خليدة بعدما ... حلفت برأس العين أنك قاتله
فأنكحته رهوي كان عجانها ... مشق إهاب أوسع السلح بأجله
يلاعبها فوق الفراش وجاركم بذي شرمان لم تزيل مفاصله وكان هزال قتل ابن أمية في جوار الزبرقان، ورحل إلى الجزيرة، فأقسم الزبرقان ليقتلنه، ثم مضى الدهر على ذلك وزوجه أخته خليدة، ثم مر المخبل بعد حين وقد أصابه كسر بخليدة، وهو لا يعرفها، فآته وجبرت كسره، وزودته عند رحيله، فقال: ما اسمك يا جارية؟. قالت: لم ذاك؟ قال: لأمدحك قالت: رهوي. قال: بالله ما رأيت امرأة أكرم منك لها مثل هذا الاسم. قالت: فأنت سميتني به. قال: وكيف؟. قالت: أنا خليدة أخت الزبرقان فأقسم لا يهجوها ولا أحداً من قومها. وقال:
لقد زل رأي في خليدة زلة ... سأعتب قومي بعدها وأتوب
وأشهد والمستغفر الله إنني ... كذبت عليها والهجاء كذوب
الرهوي التي تذم عند الجماح بسعة الفرج.
стр. 250
وقدم المدينة عبان بن قيس بن عاصم، فنزل على أروى بنت كزير فأكرمت مثواه فقال حين أراد الخروج:
حلفت على أروى سلاماً فإنما ... جزاء الثواء أن تعف وتحمدا
سلاماً أتى من وامق غير عاشق ... أراد رحيلاً ما أعف وأمجدا
وقال نابغة بني ذبيان لعامر بن الطفيل في وقعة حنين. وكان النابغة غائباً عنها، فلما قدم سأل بني ذبيان عما قالوا لعامر وما قال لهم، فأنشدوه فقال: أفحشتم على الرجل وهو
شريف. ثم قال:
إن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مظنه الجهل الشباب
فكن كأبيك أو كأبي براء ... تصارفك الحكومة والصواب
فلا تذهب بلبك طائشات ... من الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تبرك أو تناهي ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
وإن تكن الفوارس من حنين ... أصابوا من لقائك ما أصابوا
فما أن كان من نسب بعيدٍ ... ولكن أدركوك وهم غضاب
فلما سمع ذلك عامر قال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة. جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سيفها جاهلا، وتهكم بي ولم يزد عليه. والتهكم الاستخفاف.
أراد عمرو بن الأهتم أن يسفه الأحنف بن قيس فدس إليه رجلا
следующие страницы →