Полный текст (334 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غربيان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وتروى لامرئ القيس.
وقالت خنساء في صخر أخيها:
يا صخر وراد ماءٍ قد تبادره ... أهل المياه وما في ورده عار
مشى السنين إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان أنياب وأظفار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وإن صخراً لوالينا وسيدنا ... وإن صخراً إذا تشتو لنحار
لم تره جارته يمشي لساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
تريد بقولها وراد ماء الموت لإقدامه على الحرب. والمعنى. ما في ترك ورده عار. ومثله قال المرقش.
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء الموت ما لا يعلم
وألسبتني: الجري.
وقال عقال بن شبة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه، فما مضى قلت له: أبعد ما قال لنا ما قال؟!: قال يا بني أفأوسع جرحي؟ وقال ابن الحنفية: قد تدفع باحتمال مكروه ما هو أعظم منه. وقال عبد الله بن عروة: بعض الذل أبقى للمال والأهل. ومدح ابن شهاب شاعر فأعطاه وقال: إن من ابتغى الخير اتقى الشر.
стр. 247
باب والشعراء تستحسن انتصارها بألسنتها ويقيم ذلك أحدهم مقام سيفه ويده
قال أوس بن حجر:
بني ومالي دون عرضي وقاية ... وقول كوقع المشرفي المصمم
وكان أوس يرغب في مدحه وتحريضه، ومن تحريضه يحض النعمان بن المنذر على بني حنيفة. وذلك؛ أن شمر بن عمرو الحنفي قتل المنذر بن المنذر حين التقى مع الحارث بن أبي شمر الغساني فقال أوس:
نبئت أن بني حنيفة أدخلوا ... أبياتهم تامور نفس المنذر
فغزا النعمان بني حنيفة فقتل منهم وحرق عليهم. وقال:
ألا أبلغ بني بكر رسولاً ... فقد صم الظنابيب السباق
إلى الغايات أعلى المجد حتى ... حسرناكم وبرزت العتاق
وسأل بنا الغبيط وجانباه ... على حنق وساد بهم أفاق
أطعنا ربنا وعصاه قوم ... وذقنا غب طاعته وذاقوا
стр. 248
ومن مدح أوس لفضالة الأسدي، قوله يرثيه:
أيتها النفس أجلي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة ... والنجدة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
قال الأصمعي: هو أحسن ابتداء مرثية، وهو كقول علي بن الحسين وتوفي له ولد فلم يربه عليه جزع، فقيل له في ذلك. فقال هذا ما كنا نتوقعه، فلما حل لم ننكره.
ولأوس بن حجر في مقالة يرثيه أيضاً:
ألم تكسف الشمس شمس النها ... ر بالنجم والقمر الواجب
لهلك فضالة لا يستوي الفق ... ود ولا جلة الذاهب
ألهفي على علم الآية ... على الحائر الحي والحارب
ويكفي المقالة أهل المقا ... ل غير معيب ولا عائب
ويحبو الخليل بخير الحبا ... ء غير صخوب ولا قاطب
برأس النجيبة من حوله ... وبالطرف كالجوذر الكاعب
فمن يك ذا نائل يسع ... من فضالة في أثر لاجب
هو الواهب العلق غير النفي ... س والمتعلى على الواهب
وأفضلت في كل شيء فما ... تناول سعيك من طالب
نجيح مليح أخو ما قط ... نقاب يحدث بالغائب
стр. 249
وكان المخبل السعدي هجا خليدة بنت بدر، فقال للزبرقان أخيها:
وأنكحت هزالاً خليدة بعدما ... حلفت برأس العين أنك قاتله
فأنكحته رهوي كان عجانها ... مشق إهاب أوسع السلح بأجله
يلاعبها فوق الفراش وجاركم بذي شرمان لم تزيل مفاصله وكان هزال قتل ابن أمية في جوار الزبرقان، ورحل إلى الجزيرة، فأقسم الزبرقان ليقتلنه، ثم مضى الدهر على ذلك وزوجه أخته خليدة، ثم مر المخبل بعد حين وقد أصابه كسر بخليدة، وهو لا يعرفها، فآته وجبرت كسره، وزودته عند رحيله، فقال: ما اسمك يا جارية؟. قالت: لم ذاك؟ قال: لأمدحك قالت: رهوي. قال: بالله ما رأيت امرأة أكرم منك لها مثل هذا الاسم. قالت: فأنت سميتني به. قال: وكيف؟. قالت: أنا خليدة أخت الزبرقان فأقسم لا يهجوها ولا أحداً من قومها. وقال:
لقد زل رأي في خليدة زلة ... سأعتب قومي بعدها وأتوب
وأشهد والمستغفر الله إنني ... كذبت عليها والهجاء كذوب
الرهوي التي تذم عند الجماح بسعة الفرج.
стр. 250
وقدم المدينة عبان بن قيس بن عاصم، فنزل على أروى بنت كزير فأكرمت مثواه فقال حين أراد الخروج:
حلفت على أروى سلاماً فإنما ... جزاء الثواء أن تعف وتحمدا
سلاماً أتى من وامق غير عاشق ... أراد رحيلاً ما أعف وأمجدا
وقال نابغة بني ذبيان لعامر بن الطفيل في وقعة حنين. وكان النابغة غائباً عنها، فلما قدم سأل بني ذبيان عما قالوا لعامر وما قال لهم، فأنشدوه فقال: أفحشتم على الرجل وهو
شريف. ثم قال:
إن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مظنه الجهل الشباب
فكن كأبيك أو كأبي براء ... تصارفك الحكومة والصواب
فلا تذهب بلبك طائشات ... من الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تبرك أو تناهي ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
وإن تكن الفوارس من حنين ... أصابوا من لقائك ما أصابوا
فما أن كان من نسب بعيدٍ ... ولكن أدركوك وهم غضاب
فلما سمع ذلك عامر قال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة. جعلني القوم رئيساً، وجعلني النابغة سيفها جاهلا، وتهكم بي ولم يزد عليه. والتهكم الاستخفاف.
أراد عمرو بن الأهتم أن يسفه الأحنف بن قيس فدس إليه رجلا
стр. 251
فقال: يا أبا نجم من كان أبوك في قومه؟. قال: كان في أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم. فرجع إليه ثانية ففطن أنه من قبل عمرو، فقال الرجل: ما كان مال أبيك؟. فقال: كانت له صرمة يمنح منها ويقرى، ولم يكن أهتم سلاحاً. والأهتم أسمه سنان بن سمى والذي هتمه قيس بن عاصم ضربه بطرف قوسه فكسر فمه.
وجعل عمرو بن الأهتم لرجل ألف درهم على أن يسفه الأحنف، فأتاه الرجل وسبه بما يغضب والأحنف مطرق لا يكلمه، فأقبل الرجل يعض إبهامه ويقول: واسوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه. وفعل ذلك آخر فأمسك الأحنف عنه، وأكثر الرجل إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء، فقال للرجل: يا هذا إن غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه إن شئت فانك منذ اليوم تجد وتحمل بغال.
ولولا الشعر ما عرف جود حاتم وكعب بن مامة وهرم بن سنان وأولاد جفنة، وإنما أشاد بذكرهم الشعر. قال الفرزدق:
على ساعة لو أن في القوم حاتماً ... على جوده سبت نفس حاتم
وقال زهير:
من يلق يوماً على علاته هرماً ... يلق السماحة فيه والندى خلقاً
لو نال حي من الدنيا بمكرمةٍ ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا
وقال جرير:
فما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
стр. 252
وقال عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم
وقال آخر:
وفككنا غل امرئ القيس عنه ... بعدما طال حسبه والعناء
وقال القطامي:
أليسوا بالأولى قسطوا قديما ... على النعمان وابتذروا السطاعا
وهم وردوا الكلاب على تميم ... بجيش يبلع الناس ابتلاعا
стр. 253
باب في الشعر التياط بالقلوب
ومدخل لطيف إلى النفوس، وسلم محتضر إلى الأوهام، ومعز شاف، وواعظ ناه، ومعقل يأوى إليه المحروب، ويسكن إليه المحزون، ويتسلى به المهموم. قال لبيد بن ربيعة وكان جواداً، وكان ابنه قريط أبو حنيف يلومه على ذلك، فقال له:
أنبئت أن أبا حنيف ... لا مني في اللائمينا
ابني هل أحسست أعمامي ... بني أم البنينا
وأني الذي كان الأرامل ... في الشتاء له قطينا
الفتية البيض المخالص ... أخلصوا حرما ولينا
ما إن رأيت ولا سمعت ... بمثلهم في العالمينا
فلئن بعثت لهم بغاة ... ما البغاة بواجدينا
فبقيت بعدهم وكنت ... بطول صحبتهم ضنينا
стр. 254
وإذا دفنت أباك فاجعل ... فوقه خشباً وطينا
ليقين وجه أبيك سفساف ... التراب ولن يقينا
وقال الحارث بن حلزة:
من حاكم بيني وبين ... الدهر جار علي عمدا
أود لسادتنا وقد ... تركوا لنا خلفاً وجردا
فلو أن ما يأوي يصيب ... من بني ثهلان فندا
أو رأس رهوة أو رؤوس ... شمارخ لهددن هدا
فضعي قناعك إن رأيت ... الدهر قد أفنى معدا
الفند القطعة من الجبل.
وقال علي بن أبي طالب لما مات الأشتر: (تالله مالك لو كان من جبل كان فنداً، أو كان من حجر كان صلدا على مثل مالك، فلبيك البواكي).
وقال لبيد:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ... لعلك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معد فلتزعك العوازل
وقتل نصر بن بشر بن أبي أرطأة العامري عمرو بن أراكة، وكان خليفة عبيد الله بن عباس على النمر أيام علي ﵁، فجزع عليه أخوه جزعاً شديداً، فقال أبوه:
стр. 255
لعمري لئن اتبعت عينك ما مضى ... به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستدر فإن كان البكارد هالكاً ... على أهله فاشدد يديك على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه ... علي وعباس وآل أبي بكر
﵃، فتغرب عنه لما سمع الأبيات.
وكان سبب قتل عمرو بن أراكة الثقفي أن معاوية أرسل بشر بن أرطأة إلى اليمن ليقتل شيعة علي ﵁، وقال له: لا إمرة لك على قيس، فسار حتى أتى المدينة. فقتل بها ابني عبيد الله بن عباس، وكانا عند جدتهما من بني كنانة، ويقال من بلحارث بن كعب. أخذتهما من تحت ذيلها، فقتلهما فقالت:
يا من أحس بابني اللذين هما ... سمعي وطرفي اليوم مختطف
يا من أحس بابني اللذين هما ... كالدرتين تسطى عنهما الصدف
يبيت برا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم، ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى علي ووجى طفلي مرهفة ... مشحوذة وعظيم الإفك يقترف
من ذل والهة حرى مفجعة ... على صبيين بانا إذ مضى السلف
وفر أهل المدينة منه فدخلوا حرة بني سليم، ومضى إلى اليمن، فقتل وسبى. قال العتبي: مات لي بنون، فمنعني شدة الوجد بهم من البكاء عليهم فذكرت قول ذي الرمة:
стр. 256
خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى نجي البلابل
فحنيت فبكيت وشكوت.
ومن شعر العتبي في بيته:
ينام المسعدون ومن يلوم ... وتوقظني وأوقظها الهموم
صحيح بالنهار لمن رآني ... وليلى لا ينام ولا ينيم
كأن الليل محبوس دجاه ... فأوله وآخره مقيم
لمهلك فتية تركوا أباهم ... وأصغر ما به منهم عظيم
يذكرنيهم ما كنت فيه ... فسيان المساءة والنعيم
فبالخدين من دمعي ندوب ... وبالأحشاء من وجدي كلوم
فإن تهلك بني فليس شيءٌ ... على شيءٍ من الدنيا يدوم
وقال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة مابيا
فقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا
стр. 257
باب في دعاء بعضهم على بعض
ومما ينشد في ذلك. قال ناس من الصحابة ﵃ لعمر ﵁: ما بال الناس كانوا إذا ظلموا في الجاهلية استجيب لهم ونحن لا يستجاب لنا ولو كنا مظلومين؟. قال: قالوا فلا زاجر لهم إلا ذاك، فلما أنزل الله الوعد والوعيد والحدود والقصاص وكلهم إلى ذاك.
وقال الراجز:
يا رب يا رباه يا رب البشر ... سلط على الضحاك في برد السحر
صلا من الحيات ملموماً ذكر ... داهية قد صغرت من الكبر
أبتر ما صادف من عمر بتر
وقال:
وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلا ولم يقطع بها البعد قاطع
سرت حيث لم تهد الركاب ولم تتح ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع
تمر وراء الليل والليل ضارب ... بجثمانه فيه سهير وهاجع
إذا وقدت لم يردد الله وقدها ... على أهلها والله راءٍ وسامع
تفتح أبواب السماوات دونها ... إذا قرع الأبواب منهن قارع
وإني لأرجو الله حتى كأنما ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
стр. 258
وقال ابن أحمر:
لا صاب جارهم الربيع ولا ... زادت حمولته على عشر
أي لا جعل الله له من الحمولة، وهي الإبل إلا أصابعه العشر أي لا يكون له إلا ما يحمله بكفيه. والعرب تقول: حليت قاعداً وشربت بارداً تعنى أنه يحلب الغنم لذهاب إبله ويذهب لبنها فيشرب الماء. وقال آخر:
فجنبت الحبوس أبا زبيب ... وجاد على دياركم السحاب
أي لا كان لك مال تعزى عليه، أي لا زلت فقيراً وجاءت السحاب على ديارك لتراه حسرة، والعرب تقول: مرعى ولا أكولة، وعشب ولا بعير.
قال الزبير بن بكار: كان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، ومر يوماً بقوم عكوف على رجل سمعه يسب عليا وطلحة والزبير، فنهنهه، فرفع إليه رأسه فقال: لا تهددني كما تهددني بنى. فانصرف سعد فدخل دار آل فلان، فتوضأ ثم قام فصلى ركعتين ثم رفع يديه فقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواماً قد سلفت لهم منك سابقة اسخطك بسبه إياهم فاره اليوم ليكون آية للعالمين.
стр. 259
فخرجت لحينة دابة من دار لا يردها شيء حتى دخلت بين أضعاف الناس، فافترق الناس عنها وهو بين قوائمها، فلم تزل تدعسه حتى مات. قال: فرأيت الناس يشتدون وراء سعد ويقولون أبا إسحاق أجاب الله دعاءك أجاب الله دعاءك.
ودعا أعرابي على الحجاج فقال: اللهم إن شره عتيد وخيره بليد بعيد، فباعد عتيده وقرب بعيده: وأحط به عزمة من قضائك بنصال لها فلا تحير ولا تخيب.
وقال الأصمعي لأعرابي: ما بالنا إذا دعا الرجل منا على عبده قال له: باعك الله في الأعراب؟. قال: لأنا نجيع كبده، ونعرى جلده،، ونطيل كده.
стр. 260
باب في دفاع الشر بالشر
قال:
وإني لآتي الشر حتى إذا دنا ... وحل بداري قلت للشر مرحبا
وأركب ظهر الشر حتى يلين لي ... إذا لم أجد إلا على الشر مركبا
وقال آخر:
ولا أتمنى الشر والشر باركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
قال الله تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم).
والعرب تتمادح بذلك. ويقال عن أبي مسلم أنه هزم نفيا وستين هزيمة فمارئي عليه كآبة الانهزام، وفتح له مثلها، فما رئي عليه أثر الفرح.
قال:
لا أحسب الشر جاراً لا يفارقني ... ولا أجر على ما فاتني الودجا
وما نزلت من المكروه منزلة ... إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا
وقال:
إني إذا ما امرؤ خفت نعامته ... في الجهل واستحصدت منه قوى الوذم
عقدت في ملتقى أوداج لبته ... طوق الحمامة لا يبلي على القدم
стр. 261
وكان الحارث بن عباد اعتزل حرب بكر وتغلب، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. فذهبت مثلا. فلما قتل مهلهل بجير بن الحارث. قال الحارث: نعم القتيل قتل. أصلح الله به بين ابني وائل، فقيل له: إنه قال وهو يقتله: بوء بشسع كليب، فغضب وقال:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن خبال
لم أكن من جناتها علم الله ... ولكني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة مني ... إن قتل الكريم بالشسع غالي
لا تحيرا عني قتيلاً ولا رهط ... كليب تزاجروا عن ضلال
وقال المتنبي:
لي كل طاو تحت طاو كأنه ... من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها في الوغى زي الفوارس ... فوقها فكل حصان دارع متلثم
وما ذاك بخلاً بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم
وقال الفند الزماني:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع ... ن قوماً كالذي كانوا
فلما صرح الشر ... وأضحى وهو عريان
стр. 262
شددنا شدة الليث ... غدا والليث غضبان
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
بضرب فيه تضجيع ... وتوهين وإدنان
وطعن كفم الزق ... غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حين ... لا ينجيك إحسان
(وبعض الحلم عند الجه ... ل للذلة إذعان)
ومما قيل في المكافأة بالشكر أسر حنظلة بن عامر العجلي جويرية بن زيد من بني درام، فقعد العجليون شرباً وهو في الوثاق، فرفع عقيرته يتغنى:
وقائلة ما غاله أن يزورنا ... وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل
وقد أدركتني والحوادث جمة ... مثالب قوم لا ضعاف ولا عزل
لعلهم أن ينطروني بنعمة ... كما صاب ماء المزن في البلد المحل
وقد ينعش الله الفتى بعد عشرة ... وقد يهدي إلى الحسنى سراة بني عجل
فأطلقوه بغير فداء.
وقال آخر:
سأشكر عمراً إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... وكانت قذى عينيه حتى تجلت
стр. 263
وقال أبو طالب:
جزى الله رهطاً من لؤي تتابعوا ... على ملأ يهدي لحزم ويرشد
قعود لدى جنت الحطيم كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضياً ... فسر أبو بكر بها ومحمد
ألم يأتكم أن الصحيفة مزقت ... وأن كلاماً لم يرضه الله يفسد
أعان عليها كل صقر كأنه ... إذا ما مشى في رفرف الدرع أجرد
ويعني سهل بن بيضاء الفهري، وهو الذي سعى في شأن الصحيفة حتى مزقت.
وقال عمارة بن عقيل:
بني دارم إن يفن عمري فقد مضى ... حياتي لكم مني بناء مخلد
بدأتم وأحسنتم وأحسنت جاهداً ... وإن عدتم أحسنت والعود أحمد
وقال أبو نجيلة:
شكرت إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أقرضته نعمة يقضي
فأحييت من ذكرى وما كان ميتاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وكان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكبر أهل زمانه، وأشدهم عارضة ولسانا، وطال عمره ونكبه دهره، فخرج عشية يبتهل لأهله، فمر به عملية
стр. 264
الفزاري، فقال: يا عمرو ما أصارك إلى ما أرى؟. قال: بخل مثلك بماله وصرف وجهي عن مسألة الناس، فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك. فرجع ابن عنقاء إلى أهله، فأخبرهم بقوله، فقالت أمه: غرك كلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرا، فبات متململا بين رجاء ويأس. فلما كان السحر سمع رغاء الإبل وثغاء الشاء وصهيل الخيل ولجب الأموال. فقال: ما هذا. قالوا: عملية ساق إليك ماله. قال فاستخرج ابن عنقاء وقسم ماله شطرين، فساهمه عليه، فقال ابن عنقاء:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ما له حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيراً وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سابغ الذيل واتزر
غلام وماه الله بالحسن مقبلاً ... له سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
ومما قيل في العتاب. قال يزيد بن الحكم الثقفي:
تكاشرني كرهاً كأنك ناصح ... وعينك تبدى أن صدك لي دوي
لسانك ماذي وعينك علقم ... وشرك مبسوط وخيرك منطوي
فليت كفافاً كان خيرك كله ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي
عدوك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوي ليس ذاو بمستوي
تصفح من لاقيت لي ذا عداوة ... صفاحاً وعني بين عينيك منزوي
أراك إذا لم أهو أمراً هويته ... ولست لما أهوى من الأمر بالهوي
стр. 265
أراك احتويت الخير مني واحتوى ... أذاك فكل مشتو قرب مجتوي
وكم مواطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي
إذا ما ابتنى المجد ابن عمك لم تعن ... وقلت ألا يا ليت بنيايه خوي
وإنك إن قيل ابن عمك غانم ... شج أو عميد أو أخو مغلة لوي
تملأت من غيظ علي ولم يزل بك ... الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوي
وما برحت نفس حسود حسبتها ... تريبك حتى قيل هل أنت مكتوى
وقال النطاسيون إنك مشعر ... سلالاً، ألا بل أنت من حسد روي
جمعت وفحشا غيبة ونمية ... خصالاً ثلاثاً لست عنها بمرعوي
أفحشاً وجنباً واجتناباً عن الندى ... كأنك أفعى كدية في محجوي
فيدحو بك الداحي إلى كل سوءة ... فيا سوء من يدحو بأطلس مدحوي
بدا منك غش طال ما قد كتمته ... كما كتمت داءً بها أم مدوى
ودخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي دؤاد، فجلس متقصياً، فقال له أحمد: أحسبك يا أبا تمام عاتباً. فقال: أعزك الله إنما نعيت على واحد، فأما جميع الناس فلا طاقة لي بعتابهم. فاستحسن ظرفه. وقال: من أنزلك هذا؟. فقال: من الحسن حيث يقول:
وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
стр. 266
وقال معن بن أوس المزني:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تأتي المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل ... أرابك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
كأنك تشفي منك داء مساءتي ... وسخطي وما في ريبتي ما تعجل
وإن سؤتني يوماً صبرت إلى غدٍ ... ليعقب يوماً منك آخر مقبل
ستقطع بي الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل
وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار الفلا متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
وتركب حد السيف من أن تمضيه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب أم ظنتي ... وبدل سوءاً بالذي كنت أفعل
قبلت له ظهر المجن فلم أدم ... على ذاك إلا ريث ما أتحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
стр. 267
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال عبد الله: أتسمع أبياتاً قلتها، وكان واجداً عليه. فقال معاوية: هات فانشده هذه القصيدة المقدمة، فقال له أقلت بعدنا شيئاً؟. قال: نعم. وأنشده القصيدة. فقال معاوية: يا أبا بكر أما ذكرت آنفا ان الشعر لك؟. قال: أنا أصلحت المعاني وهذا ألف الشعر وهو بعد طبري، فلما من شيء فهو لي. وكان عبد الله مسترضعاً في مزينة.
وقال ذو الإصبع العدواني:
لي ابن عم على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتحزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في الغراء تكفيني
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها ... إن كان أغناك عني فهو يغنيني
الله يعلمني والله يعلمكم ... والله يجزيكم والله يجزيني
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ... ألا أحبكم إذ لم تحبوني
كل امرئٍ صائر يوماً لشيمته ... وإن تخلق أخلاقاً إلى حين
стр. 268
إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق، ولا خيري بمنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلق ... بالمنكرات، ولا فتكي بمأمون
وفي مثله لقعنب بن أم صاحب:
مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوم وإن ضننوا
إذا غلا الحمد في مالي رخصت له ... والحمد لا يشتري إلا له ثمن
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... عهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلاماً ومقدرة ... لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوءٍ عندهم أذنوا
كل يداجي على البغضاء صاحبه ... ولا يعالنهم إلا كما علنوا
ولن يراجع قلبي ودهم أبداً ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
стр. 269
جهلاً علينا وجبناً عن عدوهم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن
إذا بطنت أرجي خيرهم ظهروا ... وإن ظهرت لبقيا فيهم بطنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهم ... مروءة أو تقى لله ما فطنوا
ما لي أسكن عن ضب ويشتمني ... ولو شتمت بني ضب لقد سكنوا
كمدخل رأسه لم يدعه أحد ... بين القرينين حتى لزه القرن
وما أبالي إذا أنضجت كيهم ... ويدعى الناس ما قالوا هن وهنوا
وقال ابن المعتز:
ألا هل ترون ما أرى من معاشر ... لهم في حكم يهجر الحق مشتط
يريعون مما راعهم في شبيبتي ... على حين أن ذكيت واشتعل الوخط
ألا إنها أم العجائب فاصطبر ... وإن كنت ما لقيت أمثالها قط
إذا ما رأوا خيراً أبوا وتحملوا ... إلى بنتهم أو إن رأوا شرة حطوا
ألا إن حلمي واسع إن صلحتم ... بحلمي، وعندي بعده الجدع والحبط
فلا تكثروا شوك الأذى في غضونكم ... فيكثر مني فيكم الكسر والخرط
وليس لقرباكم وأنتم عققتم ... على السيف يوم الروع عهد ولا شرط
ولا رحم إلا وقد شجبت بكم ... ومزقتموها مثل ما مزق المرط
стр. 270
ستدرس آثار المودة بيننا ... وأرحامها الدنيا كما يدرس الخط
قريبون مني لا تلاؤم بيننا ... ونحن بنو عم كما انفرج المشط
كفرتم يدي فيكم فحل عقالها ... إلى غيركم لما يشد لها ربط
وما كنت إلا من يد الله معطيا ... ألا إنه في كفه القبض والبسط
فهل عندكم عقبى فيرجع محسن ... هني الرضا، والعفو نائله سبط
وألا ملكت جانبي وعزلته ... وكنت كأني ليس لي منكم رهط
وهل عندكم من هذه غير زفرة ... تصعد منكم في الصدور وتنحط
وإلا وعيد لا يسير جنوده ... وحيات ضغن في مكامنها رقط
وقال غيره:
ألا أبلغ أبا قيس رسولاً ... بأني لم أخنك فلا تخني
ولكني طويت الكشح لما ... رأيتك قد طويت الكشح عني
فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف أو بليت أو لو أني
ولست بآمن أبداً خليلاً ... على شيءٍ إذا لم يأتمني
وصلتك ثم عاد الوصل إني ... قرعت ندامة من ذاك سني
فإن أعطف عليك بفضل حلم ... فما قلبي إليك بمطمئن
стр. 271
غيره:
إلى كم يكون الصد في كل ليلة ... وكم لا تمليني القطيعة والهجرا
رويدك إن الدهر فيه بلاغة ... لتفريق ذات البين فانتظر الدهرا
آخر:
أإن سمتني ذلاً فعفت حياضه ... سخطت ومن يأت المذلة يعذر
فهد أنا مسترضيك لا عن خيانة ... جنيت ولكن من تجنيك فاغفر
وقال ابن الرومي:
أتاني مقال من أخ فاغتفرته ... وإن كان فيما دونه وجه معتب
وذكرت نفسي منه عند امتعاضها ... محاسن تعفو الذنب عن كل مذنب
ومثلي رأى الحسنى بعين جلية ... وأغضى عن العوراء غير مؤنب
فيما هارباً من سخطه متنصلاً ... هربت إلى أنجى مفر ومهرب
فعذرك مبسوط لدنيا مقدم ... وودك مقبول بأهل وموجب
ولو بلغتني عندك أذني أقمتها ... لدي مقام الكاشح المتكذب
ولست بتقليب اللسان مصارماً ... خليلي إذا ما القلب لم يتقلب
وقال نصر بن أحمد الخبرأرزي يعاتب معشوقاً له:
فعالك بي أصحت فؤادي من السكر ... فلم تبق لي إلا خماراً من الذكر
стр. 272
ولما بدت رايات غدرك خاذلات ... وأنجزت لي خيل السلو إلى نصري
ومن لم يطق صبراً على الغيظ يستعن ... بهجر وبعض الشر يدفع بالشر
كما لا ترى أوفى من الحر في الهوى ... كذا لا ترى في الغدر أوفى من الحر
أرى الصبر أخطأ من بخيانة ... وإن كان لا شيء أمر من الصبر
أموت بعز لا أعيش بذلة ... وعند الملوك القتل أعفى من الأسر
لعمري ما أعرضت عنك تنقصاً ... لقدرك لكن صنت نفسي على قدري
تراني إلى خير أفر من المنى ... إلى الناس أو أرضى من الوصل بالهجر
أرى كل حر بحسن العذر بعده ... ويعفى وما بعد الخيانة من عذر
ظننت بك الحسنى فأفسدك العدى ... فكيد الأعادي كان أصدق من حذري
وقالوا رأى السكين في الماء فانثنى ... ولست أرى السكين إلا على نحري
سأرعى وإن لم ترع لي حق واجب ... واحفظ ما واليت في سالف الدهر
ولولا حفاظي لم أكن متداركاً ... قليل الأيادي بالقليل من الشكر
وكان الرشيد كثيراً ما يستشهد بقول الزبير بن بكار لعبد الله بن مصعب:
وإني وإن قصرت عن غير بغضة ... لراع لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرى ... فآبى وتثنيني عليك الحفائظ
وانتظر العتبى وأغضى عن القذى ... ألاين طوراً أمره وأغالظ
وانتظر الإقبال بالود منكم ... وأصبر حتى أوجعتني المغايظ
وجربت ما يسلى المحب عن الصبا ... فأقصرت والتجريب للمرءِ واعظ
стр. 273
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يعاتب حسين بن عبد الله، وكان له صديقاً له ثم تنكر ما بينهما:
إن ابن عمك وابن أمك ... معلم شاكي السلاح
لا تحسبن إذا ابن عم ... ك شرب ألبان اللقاح
بك كاشحاً تحت اللها ... ة إذا تسوغ بالقراح
بغض العدو وليس يرضى ... حين يبطش بالجراح
فانظر لنفسك من يجيب ... ك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوءه ... بالغيب أن يلحاك لاح
وقال غيره:
وإذا غنيت علي بت كأنني ... بالليل مختلس الرقاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي في هواك قديم
يبقى على حدث الزمن وريبه ... وعلى جفائك إنه لكريم
وقال الفرزدق:
أسجناً وقيداً واشتياقاً وغربة ... وفقد حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده ... على دون ما لاقيته لكريم
وقال الآخر:
أردت لكيما لا ترى لي عثرة ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
стр. 274
وقال عصام الزماني:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قلبي قوماً لم يكن لهم ... في الحق أن يدخلوا الأبواب قدامي
لوعد قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعثهم من منزل الرامي
فقد جعلت إذا ما حاجتي ... نزلت بباب دارك أدلوها بأقوام
وقال بشر بن المغيرة بن المهلب:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه
وكلهم قد نال شبعاً لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلاً واتخذني لنبوة ... تلم فإن الدهر حتم نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
وقال الحسن:
إذا ما افترقنا فادر أن لست من ذكرى ... ولا تك في شك كأنك لا تدري
وصني على عمد بعلمك وانسني ... ولا ترع لي الإحسان يوماً من الدهر
كشفت خبيات الأمور وأدركت ... يدي فلتات الرأي في أول الأمر
عليك سلام لا يرد رعيته ... فإني لا أغضى لخل على غدر
وقال عبد الله بن أبي عيينة يعاتب ذا اليمينين:
أيا ذا اليمينين إن العتاب ليغرى ... صدوراً ويشفي صدوراً
وكنت أرى أن ترك العتا ... ب خير بأني لنفسي أرضى الحقيرا
стр. 275
وأضمرت النفس في وهمها ... من الهم هما يكد الضميرا
ولا بد للماء في مرجل ... على النار موقدة أن تفورا
ومن أشرب اليأس كان الغني ... ومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتي ... لديك ويضحى لك الدهر بورا
ألم أك بالمصر أدعو البعيد إلي ... ك وأدعو القريب العشيرا
ألم أك أول آت أتاك ... بطاعة من كان خلفي يسيرا
وألزم عذرك في ما قسط ال ... حروب عليها مقيما صبورا
ففيم تقدم حقا له ... إليك أمامي ادعاءاً أخيرا
كأنك لم تدر أن الفتى ... الحمي إذا زار يوماً أميرا
فقدم من دونه قلبه ... ألست تراه بسخط جديرا
أليس ترى أن سف الترا ... ب به كان أكرم من أن يزورا
ولست ضعيف المدى والهوى ... أكون الصبا أو أكون الدبورا
ولكن شهاب فإن ترم بي ... مهما تجد كوكبي مستنيرا
فهل لك في الإذن لي راضياً ... فإني أرى الإذن غنماً كبيرا
وكان لك الله فيما ابتغيت ... له من جهاد وليا نصيرا
ولا جعل الله في دولة ... سبقت إليها وربح فتورا
فإن ورائي لي مذهبا ... بعيداً من الأرض قاعا وقورا
به الضب تحسبه بالفلا ... ة إذا خفق الآل فيها بعيرا
ومالاً ومصراً على أهله ... يد الله من حائز أن يحورا
وإني لمن خير سكانه ... وأكثرهم بنفيري نفيرا
стр. 276
وقالوا شدة الحجاب سبب العقاب. وكان يقال حاجب الرجل حارس عرضه. وقال الأمويين لقد رأيت قوماً يضربوننا بالسيوف، وما لنا إليهم ذنب إلا شدة الحجاب. وقال عتبة بن أبى سفيان: يا بني آمنة ليكن حجابكم أعقل الناس، فانه طالما شرعت في وجوهنا يوم صفين رماح قوم ليس لنا إليهم ذنب إلا ذل الحجاب.
وقال ابن المهلب لأخيه حين وجهه إلى خراسان: استغفل الحاجب واستطرف الكاتب.
وقال الأوزاعي: يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب. قال الشاعر:
اعلم إن كنت تجهله ... أن وجه المرء حاجبه
فيه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
وقال آخر:
إنا لقينا حجاباً منك أرمضنا ... فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا
في هذه الدار في الحجاب على ... هذا السرير العز فانقرضا
ابن الرومي:
وكم حاجب عضبان كاسر حاجب ... رمى الله منه ذلك الكسر بالكسر
فلو حجبوني من شريعة جدول ... صبرت ولكني حجبت عن البحر
стр. 277
وقال علي بن بسام:
إني أتيتك زائراً ومسلماً ... ولكني أقوم ببعض حق الواجب
فإذا نبا بك حاجب متجهم ... فعمود بابك في حرام الحاجب
ومتى رأيتك راضياً بفعاله ... فتمام بابك في حرام الصاحب
آخر:
أبا جعفر إن الولاية إن تكن ... منبلة قوماً فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنا بشيءٍ وليته ... كما لم يصغر عندنا شأنك العزل
وقال آخر:
أبا جعفر عرج على خلطائكا ... وأقصر قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن تك في ذا اليوم قد نلت رفعة ... فإن رجائي في غد كرجائكا
وكتب ابن أبي عيينة إلى صديق:
أتيتك زائراً لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قومٍ ... وإن كرهوا كما يقع الذباب
وقال آخر:
على باب ابن منصور ... علامات من النبل
جماعات وحسب الما ... ل نبلاً كثرة الأهل
стр. 278
وقال:
أبيض وضاح يلوح نوره ... لندى يديه رفعت ستوره
وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:
تأبى خلائق خالدٍ وفعاله ... ألا يخيب كل أمر عاتب
وإذا حضرنا الباب عند غدائه ... أمر الغداء لنا برغم الحاجب
فأمر له بألف دينار.
وقال ابن هرمة:
سمح إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال الحمداني في الحسين بن أيوب والي البصرة:
قل لابن أيوب قد أصبحت مأمولا ... لا زال بابك مغشياً ومأهولا
إن كنت في عطلة. فالعذر متصل ... فصل إذا كنت بالسلطان موصولا
شر الأخلاء من ولى قفاه إذا ... كان المولى وأبدى البشر معزولا
стр. 279
من لم يسمن جواداً كان يركبه ... في الخصب قام به في الجدب مهزولا
افرغ لحاجتنا مادمت منشغلاً ... لو قد فرغت لقد ألفيت مبذولا
آخر:
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل
وتشاغل بعض الولاة عن صديق فاعتذر بشغله فقال له: لولا الشغل ما أتيتك.
وقال ذو الرياستين لثمامة بن اشرس ما أدري كيف أصنع في كثرة طلاب الحوائج، وغاشية الباب؟. قال: أنزل عن موضعك، على ألا يلقاك أحد. قال: صدقت. وقعد لهم.
وقال آخر:
إنما تحمد إذ تفرغ ... في حين اشتغالك
لو تفرغت من الشغل ... استوينا في المسالك
جاء إبراهيم بن المهدي إلى يحيى بن خالد فحجب عنه، فكتب إليه:
إني أتيتك للسلام ولم ... أنقل إليك لغيرة رجلي
فحجبت دونك مرتين وقد ... تشتد واحدة على مثلي
وقيل ليحيى بن خالد: غير حاجبك. قال: فمن يعرف إخواني القدماء؟.
وقال محمود الوراق:
وبني الملوك حصونهم فتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
عالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتتوقوا في فتح وجه الحاجب
стр. 280
فإذا تلطف للدخول عليهم ... عاف تلقوه بوعد كاذب
واطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضراعة طالبا من طالب
وجد في ميل بطريق مكة:
ألا يا طالب الدنيا ... دع الدنيا لشانيكا
إلى كم تطلب الدنيا ... وظل الميل يكفيكا
وقال أبو العنبس الصيمري في ابن المدبر:
وسل الذي عطف الأعن ... ة بالمواكب نحو بابك
وأراك تقبل مالكاً ... ما لم يكن لك في حسابك
وأذل من فعل الفري ... ر على وقوفي في رحابك
ألا تطيل تجرعي ... غصص المنية من حجابك
وقال آخر:
صحبتك إذ أنت لا تصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكب
وإذ أنت تفرح بالزائرين ... ومشيك أضعاف ما تركب
وإذ أنت تكثر ذم الزما ... ن ونفسك نفسك تستحجب
وقال:
ليس عتاب الناس للمرءِ نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه
آخر:
فدع العتاب فرب شر ... هاج أوله العتاب
ويروى عن أوس بن حارثة أنه كان فيما قال لابنه: يا مالك العتاب قبل العقاب والمنية ولا الدنية.
стр. 281
وقال بعض الوزراء لعامل قبيح الأثر عزله ثم أعاده إلى عمله إنا امتحناك فما طاب خبرك، ولا حسن أثرك، ولا ساعدك رجاء، ولا تبعك ثناء. ما نقصناك ثغرك ثم لا يتبع فيه نظر لا استقصاء معه، ثم أطافت الرعاية بك، وعطفت التقيا عليك، فاستأنفنا اصطناعك، ورددنا إليك عملك، فقابل الإنعام بأحسن شكرك، والنعمة بأوفر نصحك إن شاء الله.
وقال أبو الطبيب المتنبي يعاتب علي بن حمدان:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
يا من يعز علينا أن نفارقه ... وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألا نفارقهم فالراحلون هم
стр. 282
شر البلاد بلاد لا صديق بها ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
بأي لفظ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم
هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم
وقال آخر في ترك العتاب:
فأقسم ما تركي عتابك عن ... قلبي ولكن لعلمي أنه غير نافعي
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعاً ... فلا بد منه مكرهاً غير طائع
ولو أن ما يرضيك عندي ممثل ... لكنت لما يرضيك أول بائع
إذا أنت لم ينفعك إلا شفاعة ... ولا خير في ود يكون بشافع
وقال الفضل بن عتبة بن أبي لهب لبني العباس:
مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا ... مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نحبكم إذ لا تحبونا
كل له نية في بغض صاحبه ... بنعمة الله نعنيكم وتعنونا
لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
وقال آخر في الشناءة:
أطل حمل الشناءة لي وبغضي ... وعش ما عشت فانظر من تضير
فما بيديك خير أرتجيه ... وغيرك صدودك الخطب الكبير
стр. 283
ألم تر أن شعري سار عني ... وشعرك حول بيتك ما يسير
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور
وقال:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كما طر أوتار الحراب على الشر
إذا ما رآني ظل كاسر عينه ... ولاحق بالبغضاء والنظر الشزر
آخر:
لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض ... إلى كل امرئٍ وغير طائل
وأني شقي باللئام ولن ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل
وقال جميل:
إذا ما رأوني طالعاً من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني
آخر:
ولقد بدا لي أن قلبك ذاهل ... عني وقلبي لو بدا لك أذهل
كل تحامل وهو يخفى بغضه ... إن الكريم على القلى يتحمل
وقال بعض المولدين:
سأترك ما بيني وبينك واقعاً ... فإن عدت عدنا والإخاء سليم
ولو قد خبرت الناس حق اختبارهم ... رجعت إلى وصلي وأنت ذميم
стр. 284
باب في التعيير والتوبيخ
قال الحارث بن خالد المخرومي يعير عبد العزيز بن عبد الله بن خالد أسيد فراره عن الخوارج وانهزامه دونهم:
فر عبد العزيز لما رأى الأ ... بطال بالسفح نازلوا قطريا
عاهدوا الله إن نجام المنايا ... ليعودن بعدها حرميا
يسكن الحل بالسفاح فمر ... أن فسلعاً وتارة بحريا
حيث لا يشهد القتال ولا يس ... مع يوماً لكر خيل دويا
وكان من حديثه أن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ولى أخاه عبد العزيز قتال الخوارج، وعزل المهلب حسداً له. وكان يقول: ذهب المهلب بحظ هذا المصر. يعني البصرة. ومضى عبد العزيز في ثلاثين ألفا. وكان يقول في طريقه إلى الخوارج: زعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب فيستغلون قلقهم، فكان أول من لقيه سعد الطائع في خمسمائة فارس كأنهم خيط ممدود، فناهزهم عبد العزيز فواقفوه، ثم انهزموا له مكيدة فأتبعهم. وأخذوا أسارى منهم فشدوا وثاقهم، وأدخلوهم غاراً، وسدوا بابه حتى ماتوا فيه، وأخذوا امرأة عبد العزيز، وهي أم حفص بنت المنذر بن الجارود فبلغ بها رجل من الخوارج سبعين ألفاً، فقال قطري: ما ينبغي لمسلم أن يكون عنده سبعون ألفا، وإن هذه فتنة، فوثب أبو الحديد فقتلها، وقال: رأيت المؤمنين يتزايدون فيها فخشيت الفتنة عليهم. فقال قطري له: أصبت.
стр. 285
وقال حسان بعد قتلى بدر للحارث بن هشام بن المغيرة:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنحوت محنى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام
فقال الحارث معتذراً من ذلك:
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا رأسي بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوى مشهدي
ففرت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد
ثم أسلم الحارث يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم وخرج في زمن عمر إلى الشام من مكة بأهله وماله، فاتبعه أهل مكة يبكون فبكى، وقال: أما أنا لو كنا نستبدل داراً بدارنا ما أردنا بكم بدلا، ولكنها النقلة إلى الله . فلم يزل مجاهداً حتى مات.
وكان ابنه عبد الرحمن بن الحارث يكنى أبا محمد، وكان اسمه إبراهيم، وإنما غير اسمه عمر بن الخطاب ﵁ حين أراد تغيير أسماء الذين هم على أسماء الأنبياء. وقالت عائشة ﵂: لأن كنت قعدت في بيتي عن مسيري إلى البصرة أحب إلى من أن يكون لي من رسول الله عشرة من الولد كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث.
وقال جرير للأخطل:
واقبض يديك فإنني في مشرف ... صعب الذرى متمنع الأركان
فقال الأخطل: قبض يدي ماله، رماه الله بداء القراد.
следующие страницы →