Полный текст (465 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
المكلف لما أمر بأداء الصلاة على تلك الحالة، فإذا فعل ما أمر به انقطع عنه التكليف، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ويلزم من الإجزاء سقوط القضاء.
وكذلك من لم يجد ثوبا فصلى عريانا، ثم وجد ثوبًا فيه قولان هل يعيد أو لا يعيد؟ بناء على هذا الأصل.
وكذلك من التبست عليه القبلة، فصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها القبلة، ثم تبين أن القبلة غيرها. وأمثال ذلك.
والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر يقتضي الإجزاء وانقطاع التكليف عند فعل المأمور به، لأن الأمر إما أن يكون متناولا لزيادة على ما أتى به المكلف أو لا يكون متناولا للزيادة، فإن كان متناولا للزيادة لم
стр. 107
يكن المكلف حينئذ آتيا بكل ما أمر به، والفرض أنه آت بكل ما أمر به، وإن كان الأمر غير متناول للزيادة، على ما أتى به المكلف، انقطع الأمر والتكليف حينئذ فصح أن الأمر بالشيء يقتضي الإجزاء.
المسألة الثامنة: في أن الأمر المؤقت بوقت، هل يقتضي قضاء الفعل المأمور به بعد فواته على ذلك الوقت أو لا يقتضيه ؟
اعلم أن العبادة المؤقتة بوقت، إذا لم يفعلها المكلف حتى خرج وقتها، هل يجب عليه قضاؤها بالأمر الأول أو لا يجب عليه قضاؤها بذلك الأمر الأول، بل إن ورد أمر ثان بالقضاء وجب القضاء وإلا لم يجب؟ في لك قولان للأصوليين.
стр. 108
والجمهور منهم يرون أن القضاء لا يجب بالأمر الأول، بل إنما يجب بأمر جديد، ويحتجون على ذلك: بأمر الأمر لا يتناول غير الوقت المقدر ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده، اجلس في الدار يوم الخميس، فإن قوله ذلك لا يتناول يوم الجمعة، ولذلك يصح أن يقول له: اجلس يوم الخميس ولا تجلس يوم الجمعة، فلو كان الأمر الأول متناولا ليوم الجمعة لكان هذا الكلام متناقضا.
وعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء عندنا في المذهب فيمن وجب عليه صوم يوم بعينه، لأجل أنه نذره فلم يصمه، أو أفسده، هل يجب عليه قضاؤه أو لا يجب عليه قضاؤه؟
стр. 109
فمن يرى: أن القضاء بأمر جديد يرى أنه لا يجب عليه قضاؤه، إذ ليس عندنا أمر جديد في هذه المسألة يوجب القضاء، وإنما وجب القضاء في رمضان لوجود أمر جديد، وهو قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾.
ومن يرى: أن القضاء بالأمر الأول، فإنه يوجب عليه القضاء لوجود الأمر الأول.
وكذلك اختلفوا في تارك الصلاة متعمدًا، هل يجب عليه القضاء.
فجمهور المالكية أنه يجب عليه القضاء بناء على أن القضاء بالأمر الأول، وهذا كان مأمورًا بالصلاة في الوقت، وابن حبيب من
стр. 110
أصحابنا يرى أنه لا قضاء عليه، لأن الأمر الأول لا يوجب القضاء، وليس عندنا أمر جديد إلا في النوم والنسيان لقوله ﷺ : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. فلولا أنه ﷺ أوجب القضاء على النائم والناسي لما وجب.
стр. 111
المسألة التاسعة: في أن الأمر بالشيء، هلي قتضي وسيلة المأمور به أو لا يقتضيها ؟
وهو معنى قولهم: ما لا يتم الواجب إلا به، هل هو واجب أو لا؟
стр. 112
اختلف الأصوليون في ذلك، فجمهورهم يرى أن الأمر بالشيء يقتضي جميع ما يتوقف عليه فعل المأمور به كالسيد إذا أمر عبده بالصعود على السطح، فإن العبد مأمور بنصب السلم الذي يحصل به الصعود على السطح.
ومنهم من يرى: أن الأمر بالشيء لا يكون امرًا بما يتوقف عليه ذلك الشيء.
وحجة الجمهور: أن الوسيلة لو لم تكن مأمورًا بها لساغ للمكلف تركها، ولو ساغ له تركها لساغ له ترك الواجب لتوقف الواجب عليها، ولو ساغ له ترك الواجب لم يكن واجبًا.
وعلى هذا الأصل اختلف العلماء في وجوب طلب الماء للطهارة.
стр. 113
فالشافعية توجب الطلب، والحنفية لا توجبه، وعندنا في المذهب خلاف.
فمن يرى: أن الطلب واجب يقول: لأن الوضوء واجب، ولا يتوصل إلى الوضوء إلا بطلب الماء، فطلب الماء واجب، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولذلك أجمعوا على أن من وجبت عليه كفارة بالعتق، ولم تكن عند رقبة، وعنده ثمنها أنه يوجب عليه شرؤاها، لأنه لا يتوصل إلى العتق الواجب عليه إلا بالشراء، فالشراء واجب، ولذلك أوجبنا شراء الماء للوضوء في السفر إلا أن يكون مجحفا به فيسقط الشراء للضرورة.
стр. 114
المسألة العاشرة: اختلفوا في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده ؟
فجمهور الأصوليين والفقهاء: على أن الأمر بالشيء نهي عن
стр. 115
ضده ومنهم من قال: ليس نهيًا عن ضده، وهذه المسألة قريبة من التي قبلها.
وحجة الجمهور: أن ضد المأمور به إما أن يكون مأمورًا به أو منهيًا عنه أو مباحًا، ولا يصح أن يكون مأمورًا به، لأنه لا يصح الأمر بالضدين لاستحالة الجمع بينهما، ولا يصح أن يكون مأمورا به، لأنه لا يصح الأمر بالضدين لاستحالة الجمع بينهما، ولا يصح أن يكون مباحا وإلا لجاز له فعل الضد، ويفضي جواز فعل ضد المأمور به إلى جواز ترك المأمور به لاستحالة الجمع بين الضدين، فإذا ضد المأمرو به فقد ترك المأمور به، لكن ترك المأمور به لا يجوز، ففعل ضده لا يجوز.
وتظهر فائدة الخلاف في أن العبادة المأمور بها لا ينهي عن ضدها، ما لم يفض فعل الضد إلى فواتها، فالقيام في الصلاة مأمور به فإذا جلس ثم تلافي القيام المأمور به لم تبطل صلاته، لأن جلوسه ذلك غير منهي عنه، لأن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده.
والجمهور يرون أن الجلوس منهي عنه، لأنه ضد القيام المأمور به، فإذا جلس من قيامه في أثناء صلاته عمدًا بطلت صلاته، وإن أمكنه
стр. 116
التلافي، لأن المصلي قد فعل في صلاته فعلاً منهيًا عنه، فوجب أن تبطل صلاته.
وكذلك إذا سجد على مكان نجس، فعند الجمهور تبطل صلاته، لأنه مأمور بالسجود على مكان طاهر، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فالسجود على مكان نجس منهي عنه، فوجب أن تبطل صلاته، لفعله ما نهى عنه.
وأبو يوسف من الحنفية يأمره بإعادة السجود على مكان طاهر.
стр. 117
ويجزيه، لأن المأمور به السجود على مكان طاهر، وقد أتى به، وأما السجود على مكان نجس فليس بمنهي عنه، لأن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده.
وقد اختلفت الشافعية فيمن أودع رجلا وديعة وأمره أن يجعلها في مكان معين، فإن لم ينهه عن جعلها في مكان آخر، فنقلها المودع إلى غير ذلك المكان الذي عين له المودع، ثم ضاعت منه، لم يضمن، إذ كان الموضع المنقول إليه مثل الأول في الحرز والحفظ.
وأما إن نهاه عن جعلها في مكان آخر فنقلها هو إلى غيره مما هو مثله في الحرز والحفظ ففي ضمانه قولان:
- فمن رأى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، يرى أنه لا فرق بين أن يقول له: «اجعل هذه الوديعة في الموضع الفلاني»، ويسكت، أو يقول له: «اجعلها فيه ولا تجعلها في غيره»، فكما أنه لا ضمان عليه إذا سكت المودع عن النهي، فكذلك لا ضمان عليه إذا تلفظ بالنهي.
ومن رأى أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، لم ير على المودع ضمانًا إن لم يصرح له بالنهي عن وضع الوديعة في غيره، إذ لا
стр. 118
تعدي في فعل المودع، وأما إذا صرح له بالنهي تحقق حينئذ حصول التعدي من المودع فوجب ضمانه.
واعلم أن ابن خويز منداد ذكر أن مذهب مالك ﵀ أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وأخذ ذلك من كون مالك ﵀ يقول بمفهوم المخالفة، وسيأتي الكلام في المفهوم إن شاء الله.
فهذا تمام الكلام في الأمر.
стр. 119
القول في النهي
اعلم أن الكلام في النهي منحصر في مقدمة، ومسألتين إذ هما أهم مسائله.
أما المقدمة فهي: في حد النهي وصيغته.
أما حده فهو: القول الدال على طلب الامتناع من الفعل على جهة الاستعلاء.
وأما صيغته فهي: ﴿لا تفعل﴾ وقد استعملت في اللغة في ستة، معان: منها: النهي كقوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.
стр. 120
ومنها الدعاء، كقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ومنها: بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾.
ومنها: اليأس، كقوله تعالى: ﴿لا تعذروا﴾.
ومنها الإرشاد كقوله تعالى: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ ومنها: التحقير كقوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجنا منهم زهرة الحيوة الدنيا﴾.
وهي حقيقة في النهي إجماعًا، ومجاز في غيره، فلذلك لا تخرج عن معنى النهي إلا لقرينة.
стр. 121
واعلم أن الأصوليين القائلين بأن تقدم التحريم قبل صيغة الأمر ثرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر اختلفوا في تقدم الوجوب قبل صيغة النهي:
فمنهم من يرى أن تقدم الوجوب قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي، كما أن تقدم التحريم قرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر.
ومنهم من لا يرى تقدم الوجوب قرينة، بل قد نقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الإجماع على أن تقدم الوجوب لا يكون قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي.
стр. 122
والحق أن في ذلك خلافًا.
ومثاله قوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ بعد قوله: ﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾، والمراد بهذه الصيغة النهي بلا خلاف.
وفي معنى النهي بعد تقدم الأمر قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ فإن الثابت بعد أخذ الجزية تحريم قتالهم بعد تقدم وجوبه.
وإذا تمت هذه المقدمة فلنتكلم في المسألتين:
المسألة الأولى: في كون النهي مقتضيا للتحريم أو للكراهة
وقد اختلف في ذلك، ومذهب الجمهور أنه للتحريم، لأن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجون بالنهي على التحريم، وأيضا ففاعل ما نهي عنه عاص إجماعا، لأنه قد خالف ما طلب منه،
стр. 123
والعاصي يستحق العقاب، وكل فعل يستحق فاعله العقاب فهو حرام، فالنهي يقتضي التحريم.
وينبني على هذا مسائل كثيرة من الفقه، فمن ذلك:
الصلاة في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر الكعبة، فإن العلماء اختلفوا في كون الصلاة في هذه المواضع محرمة أو مكروهة.
وعندنا في المذهب في ذلك خلاف، مبناه على أن النهي هل
стр. 124
يدل على تحريم المنهي عنه أو لا؟ وقد نهي النبي ﷺ عن الصلاة في هذه المواضع السبعة، أخرجه الترمذي.
وكذلك اختلفوا في استقبال القبلة لبول أو غائط، هل هو حرام أو
стр. 125
مكروه؟ بناء على قوله ﷺ : لا تستقبلوا القبلة لبول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، هل ذلك محمول على التحريم أو على الكراهة؟
المسألة الثانية: في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أو لا ؟
في ذلك خلاف بين الأصوليين، والجمهور منهم على أنه يدل على فساد المنهي عنه إلا ما خرج بدليل منفصل.
стр. 126
وحجتهم في ذلك أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم لم يزالوا يحتجون على فساد بياعات وأنكحة كثيرة بصدور النهي عنها، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك الاستدلال، بل يعارض بعضهم بعضا بأدلة أخرى.
وعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء في نكاح الشغار، هل يفسخ أو لا؟
فالمالكية والشافعية يحكمون بفسخه، والحنفية لا تحكم بذلك،
стр. 127
وفي الحديث: ﴿إن النبي ﷺ نهي عن نكاح الشغار﴾ فمن رأي أن النهي يدل على فساد المنهي عنه حكم بفسخ نكاح الشغار، ومن رأي أنه لا يدل على فساده لم يحكم بفسخه؟
ومنه بيع وشرط، فإن النبي ﷺ : نهي عن بيع وشرط.
ومنه بيع وسلف، لأن النبي ﷺ : "نهي عن بيع وسلف".
стр. 128
ومنه الصلاة في الدار المغصوبة، لأنه منهي عنها، ففي فسادها خلاف.
وكذلك الصلاة في الأوقات الممنوعة والأمكنة الممنوعة، ففي جميع ذلك خلاف بناء على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه.
وتحقيق المذهب أن النهي عن الشيء إن كان لحق الله تعالى فإنه
стр. 129
يفسد المنهي عنه، وإن كان لحق العبد فلا يفسد المنهي عنه، ألا ترى أن النبي ﷺ نهي عن التصرية، فقال: ﴿لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر﴾، فلم يحكم ﷺ بفسخ البيع، ولو كان مفسوخًا لم يجعل للمشتري خيارًا في الإمساك، فلما جعل له الخيار في الإمساك دل على أنه لم يفسخه، وذلك لأن الحق فيه للعبد إلا لله تعالى.
وإن كان النهي فيه لحق الله تعالى فإنه فاسد، ولذلك قلنا: إن البيع وقت النداء للجمعة يفسخ، لأنه منهى عنه لحق الله تعالى، وهذا
стр. 130
هو وجه تفرقة أكثر الرواة بين ما يفسخ من النكاح المنهي عنه بطلاق، وما يفسخ بغير طلاق، فإنهم قالوا: كل نكاح كان للزوج أو للزوجة أو للولي إمضاؤه وفسخه فإنه يفسخ بطلاق، لأن النهي فيه ليس إلا لحق من له الخيار فالنكاح في نفسه منعقد ليس بفاسد.
وأما كل نكاح لا خيار فيه لأحد الثلاثة، بل يجب فسخه على كل حال فإنه يفسخ بغير طلاق، لأن الفسخ فيه ليس لحق أحد منهم، ولو كان لحق أحد منهم لسقط الفسخ بإسقاطه حقه، فلما لم يسقط الفسخ بإسقاط أحدهم علمنا أن الحق فيه لله تعالى فكان فاسدًا غير منعقد، فلا يحتاج في فسخه إلى طلاق، لأن الطلاق إنما هو حل العقد، فحيث لا عقد فلا حل، فهذه قاعدة المذهب، وما خرج عن هذا فإنما هو لدليل منفصل.
واعلم أن النهي يقتضي الدوام والفور، وكون ضد المنهي عنه
стр. 131
مأمور به، كما أن ضد المأمور به منهي عنه.
وما ذكرنا من مسائله هو المهم في الفقه.
стр. 132
القول في التخيير
اعلم أن اللفظ الدال على التخيير بين الفعل والترك لا يدل على تسوية الطرفين، ألا ترى أن المسافر مخير بين الصوم والفطر، والصوم أفضل عند جمهور أصحابنا، والفطر أفضل عند بعضهم.
وكذلك هو مخير بين الإتمام والقصر في السفر، والقصر أفضل.
стр. 133
وكذلك العبد والمرأة والمسافر مخيرون في يوم الجمعة بين صلاة الجمعة وبين الظهر، والجمعة أفضل.
وإذا كان كذلك لم يصح الاحتجاج على التسوية بين الطرفين بالتخيير بينهما.
والذين يرون أن المندوب مأمور به، والمكروه منهي عنه، يجعلون التخيير مختصًا بالإباحة.
стр. 134
وقد اختلفوا في كون الإباحة حكما شرعيًا، أو حكما عقليا ثابتا بالبراءة الأصلية، وينبني على ذلك مسائل: نشير إلى بعضها في فصل القياس، إن شاء الله تعالى.
فهذا تمام الكلام في التخيير، وبه تم الكلام في الطرف الأول.
الطرف الثاني: في الدلالة على متعلق الحكم .
اعلم أن اللفظ إما أن يحتمل معنيين أو لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فإن لم يحتمل بالوضع إلا معنى واحدًا فهو ﴿النص﴾، وإن احتمل معنيين، فإما أن يكون راجحا في أحد المعنيين أو لا يكون راجحا، فإن لم يكن راجحا في أحد المعنيين فهو ﴿المجمل﴾، وهو غير المتضح الدلالة، وإن كان راجحا في أحد المعنيين، فإما أن يكون رجحانه من جهة اللفظ، أو من جهة دليل منفصل، فإن كان من جهة اللفظ فهو ﴿الظاهر﴾، وإن كان
стр. 135
من جهة دليل منفصل فهو ﴿المؤول﴾.
فخرج من هذا: أن اللفظ إما نص، وإما مجمل، وإما ظاهر، وإما مؤول.
فينبغي أن نعقد في كل قسم من هذه الأربعة فصلا.
стр. 136
الفصل الأول في النص
وهو لا يقبل الاعتراض إلا من غير جهة دلالته على ما هو نص فيه:
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع لا ثلاث بقوله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا.
والحنفية يوجبون الغسل ثلاثا، لكنهم لا ينازعون في دلالة لفظ السبع، على العدد المعلوم، بل يقولون: كان أبو هريرة يفتي بغسل
стр. 137
الإناء ثلاثًا، وهو راوي الحديث، فدل على أن الحديث غير معمول به.
وقد يعتقد معتقد في العدد أنه نص في القصر عليه، وهو في الحقيقة ليس بنص في ذلك، بل هو نص في الانتهاء إليه، وهذا كقوله ﷺ : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، فإن ذلك لا يدل نصًا على
стр. 138
منع الزيادة على الخمس، بل ولا بمنطوقه، وإنما يدل بمفهومه، وللعدد مفهوم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد فرق بعض الأصوليين بين ذكر العدد في نفس الحكم، كقوله: فليغسله سبعًا، وبين ذكره في متعلق الحكم، كقوله: خمس فواسق، وجعل المنع من الزيادة على ثلاثة أيام في الخيار نصا من قوله ﷺ : إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثة أيام، فإن هذا الحديث في الحكم، لا في محل الحكم، فلا تصح الزيادة في الخيار على ثلاثة أيام.
وهذا الذي ذكروه لا ننازعهم فيه، بل نقول: الخيار الذي يكون للغبن يتحدد بالثلاثة، وهو الذي ورد في هذا الحديث، وأما الخيار الذي يعرض في البيع لاختبار المبيع، فلا تحديد عندنا فيه، ويختلف باختلاف السلع.
стр. 139
ومما يدل أيضاً نصاً على الحكم ما احتج به أصحابنا، على أن الإمام مخير في الأسرى بين المن والفداء بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ وهذا نص في التخيير.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا وإن كان نصا في التخيير إلا أنه مغي بغاية مجهولة، وهو قوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ ووضع الحرب أوزارها مجهول، فإنه يحتمل أن يكون المراد منه: حتى لا يبقى شرك، أي إلى يوم القيامة، ويحتمل أن يريد: حتى يفترق القتال، ويحتمل غير ذلك.
стр. 140
وبالجملة: فيحتمل أن الغاية قد وجدت فيرتفع التخيير، ويحتمل أنها لم توجد بعد، فيبقى حكمه مستمرًا، وإذا كان كذلك فالآية مجملة.
والجواب عند أصحابنا: أن أئمة التفسير قد رووا عن ابن عباس: حتى ينزل عيسى بن مريم، وحتى لا يبقى على الأرض مشرك.
واعلم أنه قد يتعين المعنى ويكون اللفظ نصا فيه بالقرائن والسياق لا من جهة الوضع.
ومثاله: ما احتج به أصحابنا على أن بيع الرطب بالتمر، لا يجوز، وهو أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم، قال: فلا إذن.
стр. 141
فيقول أصحاب أبي حنيفة: قوله: ﴿فلا إذن﴾ لا يتم إلا بحذف، فقد يكون معناه، فلا يجوز إذن، وقد يكون معناه: فلا بأس إذن، ومع هذا الاحتمال فلا استدلال.
والجواب عند أصحابنا: إن جوابه ﷺ إنما يطابق سؤال السائل إذا كان المعنى: فلا يجوز لأنه إنما سئل عن الجواز، وأيضا: فقرينة التعليل بالنقص تدل على المنع، إذ النقص لا يكون مناسبًا للجواز، فهذا يوجب القطع بأن المراد أنه لا يجوز.
واعلم أنه قد يحلق بالنص ما يتطرق إليه احتمال غريب نادر، لا يكاد يقبله العقل. ومثاله: ما احتج به أصحاب الشافعي على أن قراءة
стр. 142
الفاتحة واجبة على المأموم، هو قوله ﷺ إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.
فيقول مخالفوهم: يحتمل أن يكون المراد بإلا معنى الواو، فكأنه قال: ولا تقرءوا ولا بأم القرآن، فإن ﴿إلا﴾ قد وردت بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ وكقول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
أي ولا الذين ظلموا منهم، ولا الفرقدان، وإذا كان كذلك، كان الحديث محتملاً.
стр. 143
والجواب عندهم: أن هذا التأويل البعيد الذي يصير الحديث كاللغز ينفيه قوله بعد ذلك: فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن.
خاتمة: وقد يكون المعترض هو الذي يدعى النصوصية في القول، ويريد بذلك أن يمنع تقييده، كما إذا أراد أصحابنا تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة بقوله ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: قد قال تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾، فالآية نص في إجزاء ما تيسر منه، والحديث قد تضمن زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز.
стр. 144
والجواب عند أصحابنا: أن المطلق ظاهر في معناه لا نص، وإذا كان ظاهرًا جاز تأويله بخبر الواحد.
فهذا تمام الكلام في النص.
стр. 145
الفصل الثاني في المجمل
قد قدمنا أن المجمل لا يكون متضح الدلالة، إذ لو اتضح مدلوله لم يكن مجملا فينحصر الكلام في المجمل في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول في التعريف بأسباب الإجمال:
اعلم أن الإجمال تابع للاحتمال، والاحتمال في اللفظ: إما في حالة الإفراد، وإما في حالة التركيب.
والاحتمال في حالة الإفراد: إما في نفس اللفظ، وإما في تصريفه، وإما في لواحقه، فهذه ثلاثة أقسام.
والاحتمال في التركيب، : إما في اشتراك تأليفه بين معنيين، وإما بتركيب المفصل وإما بتفصيل المركب، فهذه ثلاثة أقسام.
فجميع أسباب الاحتمال ستة أقسام.
следующие страницы →