← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147913

مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول

الشريف التلمساني

Полный текст (465 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أنه قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم، ففي ضمن ذلك أن النبي ﷺ نهي عن صوم يوم الشك، لأن العصيان لا يكون إلا بفعل ما نهي النبي ﷺ عنه، أو بترك ما أمر به.

стр. 72

خاتمة: قد يعترض على السند بأن الراوي خالف ما روى، كما يحتج أصحابنا على أن غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع، بقوله ﷺ إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا".

стр. 73

فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا يرويه أبو هريرة، وقد صح عنه أنه كان يفتي بغسل الإناء ثلاثا، وإذا خالف الراوي روايته كان ذلك قدحا في الحديث عنده، إذ لو كان معمولا به لما خالفه. والجواب عن أصحابنا: أن الحجة في الخبر لا في مذهب الراوي، فلعله خالفه باجتهاد منه، وذلك لا يوجب علينا اتباعه. فهذا تمام الكلام في السند.

стр. 74

الباب الثاني: في كون الأصل النقلي متضح الدلالة اعلم أن اتضاح الدلالة يختلف باختلاف المتن، والمتن: إما قول وإما فعل، وإما تقرير، فهذه ثلاثة أقسام. القسم الأول: القول اعلم أن القول يدل على الحكم من جهتين: - من جهة منطوقه. - ومن جهة مفهومه.

стр. 75

الجهة الأولى: جهة المنطوق . اعلم أن النظر في دلالة المنطوق قد يكون في دلالته على الحكم نفسه وقد يكون في دلالته على متعلق الحكم. والحكم يتعلق بالمحكوم عليه وهو المكلف، وبالمحكوم فيه وهو الفعل، ثم الفعل قد يتعلق بما يتأدي به كالماء والصعيد في الطهارة والرقبة والإطعام، في الكفارة، وقد يتعلق بما يتأدى به زمانًا كأوقات الصلوات والصيام، ومكانا كالحرم وعرفة والمساجد. وبالجملة فهي متعلقات للحكم بعيدة، فلذلك انحصر الكلام في هذ الجهة: في الدلالة على الحكم، وفي الدلالة على متعلق الحكم.

стр. 76

الطرف الأول: في الدلالة على الحكم . اعلم أن اللفظ الدال على الحكم بمنطوقه قد يكون أمرا وقد يكون نهيا وقد يكون تخيرا. القول في الامر: والكلام فيه ينحصر في مقدمة وعشر مسائل. أما المقدمة: فهي في حد الأمر، وفي صيغته الدالة عليه بالوضع. أما حده: فهو القول الدال على طلب الفعل على جهة الاستعلاء. وأما صيغته: فهي صيغة افعل، هي مستعملة في اللغة في خمسة عشر موضعًا. -

стр. 77

أحدها: الأمر، كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾. - الثاني: الإذن، كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. - الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾، فإن ذلك إرشاد لمصالح الدنيا. - الرابع: التأديب، كقوله ﵊، كل مما يليك، ويفارق الإرشاد بأنه لحق الغير. - الخامس: التهديد، كقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾. - السادس: التسوية كقوله تعالى: ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾. - السابع: الإهانة، كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾. -

стр. 78

الثامن: الاحتقار، كقوله تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ - التاسع: الامتنان، كقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾. - العاشر: الإكرام، كقوله تعالى: ﴿ادخلواها بسلام آمنين.﴾. - الحادي عشر: التعجيز، كقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾. - الثاني عشر: الدعاء، كقوله تعالى: ﴿فاغفر لنا﴾. - الثالث عشر: الدعاء، كقوله تعالى: ﴿فاغفر لنا﴾. - الثالث: عشر: التكوين، كقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾. - الرابع عشر: التمني، كقول امريء القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي.

стр. 79

الخامس عشر: زاد بعضهم الإنذار كقوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ ورده بعضهم إلى التهديد، وهو مجاز في هذه المعاني، وحقيقة في الأمر بالاتفاق. وقد اختلفوا في تقديم التحريم على الصيغة، هل هو قرينة تصرف الصيغة عن معنى الامر إلى معنى الإذن، في الفعل من دون أمر به، أو ليس بقرينة؟ وذلك أنه وردت كثيرًا هذه الصيغة بعد التحريم لمجرد الإذن، كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ بعد قوله تعالى: ﴿غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾، وكقوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ بعد

стр. 80

قوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، وكقوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، بعد قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ وكقوله ﷺ : كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا، وكنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. فهذه الصيغ ليس المراد بها إلا الإذن في الفعل. وقد ترد أيضا هذه الصيغ بعد التحريم والمراد بها حقيقتها وهو الأمر كقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ بعد قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم﴾ وكقوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)، بعد نزول قوله تعالى: ﴿ودع أذاهم وتوكل على الله﴾، وفي معناه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾، والحلاق بعد بلوغ الهدي محله مأمور به، فهذا خروج من تحريم إلى أمر.

стр. 81

وقد اختلف في ذلك كما قدمنا، فمنهم من قال بأن تقديم التحريم قرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر إلى معنى الإذن في الفعل، وهم الأكثرون، ومنهم من قال بأن الصيغة تبقي على حقيقتها في الدلالة على معنى الأمر، وهم الأقلون. ومذهب الأكثرين أرجح، لأنها غالبة في الإذن في الفعل، ونادرة

стр. 82

في غيره، وحمل اللفظ على الغالب أرجح فهذا تمام المقدمة فلنتكلم على المسائل. المسألة الأولى: اختلفوا في الأمر المطلق، هل يقتضي الوجوب أو الندب أو غير ذلك اختلافًا كثيرًا، وعلى ذلك اختلافهم في مسائل كثيرة من الفقه.

стр. 83

فمن ذلك اختلافهم في الإشهاد على المراجعة، هل هو واجب أو لا؟ فالقائلون بالوجوب وهم الشافعية يحتجون بقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ والمراد بالإمساك: المراجعة، فالإشهاد على المراجعة مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب. فيمنع المخالف كون الأمر مقتضيا للوجوب. وكذلك احتجوا على وجوب التكبير عند الإحرام بقوله ﷺ للأعرابي: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، فهذا أمر، والأمر للوجوب،

стр. 84

فيمنع المخالف ذلك. وبسبب الخلاف في كون الأمر للوجوب أو للندب، اختلف أصحابنا في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، هل هو واجب أو مندوب إليه من قوله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا. وقد ذهب أبو بكر الأبهري من أصحابنا إلى أن أوامر الله تعالى

стр. 85

تقتضي الوجوب، وأوامر رسول الله ﷺ تقتضي الندب، والمحققون يرون جميعها للوجوب، ويحتجون على ذلك بأن تارك المأمور به عاص كما أن فاعله مطيع وقد قال تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾، وقال: ﴿ولا أعصى لك أمرا﴾ وقال: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ وإذا كان تارك المأمور عاصيًا كان مستحقا للعقاب سواء كان ذلك في أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله ﷺ لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾، وقد قال تعالى في أمر رسوله ﷺ : ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، وقد امتنع ﷺ عن الأمر بالسواك

стр. 86

لأجل المشقة فقال: لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك، مع أن السواك مندوب إليه، فلو كان أمره للندب لما امتنع منه. المسألة الثانية: في كون الأمر بالشيء يقتضي المبادرة إليه أو لا يقتضيها وقد اختلف في ذلك الأصوليون، واختلف الفقهاء في بعض الفروع

стр. 87

بناء على هذا الأصل، كاختلاف الشافعي وأبي حنيفة في كون فريضة الحج على الفور، فمن أخرها وهو متمكن من أدائها كان عاصيا وهو مذهب أبي حنيفة، أو لا على الفور، فمن أخرها وهو متمكن من أدائها لا يكون عاصيا وهو مذهب الشافعي.

стр. 88

وعندنا في المذهب في ذلك قولان: بناء على هذه القاعدة، فإن الله تعالى يقول: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فاقتضت الاية أن الحج مأمور به.

стр. 89

وكذلك اختلفوا في وجوب الكفارة، هل هي على الفور أو على التراخي؟ وكذلك اختلفوا إذا هلك النصاب بعد الحول والتمكن من الأداء، هل يضمن الزكاة أو تسقط عنه؟ فالشافعي يرى أنه يضمن، لأن الأمر بالزكاة عنده على الفور، فهو عاص بالتأخير، والحنفي يرى أنه لا يضمن، لأن الأمر بالزكاة - عنده - ليس على الفور فهو غير عاص بالتأخير. واعلم أن كل واحد منهما قد خالف أصله في الحج، لنظر محل بسطه كتب الفقه.

стр. 90

والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر المطلق لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، لأنه تارة يتقيد بالفور كما إذا قال السيد لعبده: ﴿سافر الان﴾ فإنه يقتضي الفور، وتارة يتقيد بالتراخي كما إذا قال له: ﴿سافر رأس الشهر﴾ فإنه يقتضي التراخي فإذا أمره بأمر مطلق من غير تقييد بفور ولا بتراخ فإنه يكون محتملا لهما، وما كان محتملا لشيئين فلا يكون مقتضيا لواحد منهما بعينه. المسألة الثالثة: في كون الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضيه اعلم أن الشارع إذا أمر بفعل، فهل يحصل بالمرة الواحدة امتثال المأمور أو لا يحصل إلا بتكرير الفعل والدوام عليه؟

стр. 91

قد اختلف في ذلك الأصوليون، وبنى ابن خويز منداد من

стр. 92

أصحابنا على هذا الأصل مسألة التيمم، هل يجب لكل صلاة أو يجزيء التيمم الواحد ما لم يحدث؟ فمن قال يجب لكل صلاة يرى أن قوله تعالى: (فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)، أمر يدل على التكرار، ويقول: إنما أجزأ الوضوء للصلوات، الكثيرة بدليل منفصل وهو حديث يعلى بن

стр. 93

أمية: «إن النبي ﷺ صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد». والمحققون يرون أن الأمر لا يقتضي التكرار ولا المرة، بل هو صالح لكل واحد منهما، لأنه يصلح تقييده بكل واحد منهما، ألا ترى أن الشرع أمرنا بالإيمان دائمًا، وأمرنا بالحج مرة واحدة، ولصلاحية الأمر المطلق لكل واحد من القيدين حسن من السامع الاستفهام لما فيه من الإبهام.

стр. 94

ففي الحديث: أن الأقرع بن حابس أو سراقة بن مالك - لا أدري أي الرجلين - سأل رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فقال: يا رسول الله أحجنا لعامنا هذا أم للأبد - يعني هل يجزئنا حجنا عن عامنا هذا فقط، فنحتاج إلى تكرير حج في كل سنة أو يجزئنا للأبد - فقال رسول الله ﷺ : «للأبد»، فلولا أن الأمر المطلق يحتمل التكرار

стр. 95

والمرة الواحدة لما حسن من السائل هذا السؤال. المسألة الرابعة: في أن الأمر الموقت بوقت موسع، هل يتعلق بأول الوقت خاصة، أو بآخره خاصة، أو لا يختص تعلقه بجزء معين من الوقت . وقد اختلف في ذلك الأصوليون، فبعض الشافعية يرون أن الأمر

стр. 96

متعلق بأول الوقت، فإن تأخر الفعل عن أول الوقت ووقع في آخره فهو قضاء سد مسد الأداء. وبعض الحنفية يرون أن الأمر متعلق بآخر الوقت، فإن قدم في أوله فهو نفل سد مسد الفرض. والمحققون في الأصوليين يرون أن الأمر لا يختص تعلقه ببعض

стр. 97

معين من الوقت، فإنه لو تعلق بأوله لكان المؤخر عاصيًا بالتأخير، ولكان قاضيا لا مؤديا، وحينئذ يجب عليه أن ينوي القضاء وهو خلاف الإجماع، ولو تعلق الأمر بآخر الوقت لكان المقدم متطوعًا لا متمثلا للأمر، ولوجبت عليه نية التطوع، ولما أجزأت عن الواجب كما لو فعلها قبل الوقت، وهذا خلاف الإجماع، فثبت ان الأمر لا يتعلق ببعض معين. ومما ينبني على هذا الأصل اختلافهم في الصبي إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ قبل انقضاء الوقت. فالشافعية يرون أن الصلاة تجزئه، لأن الوجوب عندهم، متعلق بأول الوقت، فهذا الصبي قد بلغ بعد انقضاء زمن الوجوب فلا إعادة عليه، كما لو بلغ بعد انقضاء الوقت.

стр. 98

والحنفية يرون أن الصلاة لا تجزئه، لأن الوجوب عندهم متعلق بآخر الوقت، فقد أدركه، زمن الوجوب وهو بالغ فوجب عليه أن يصلي، كما لو بلغ قبل الوقت. وعندنا في المذهب في ذلك قولان، ونظرنا فيه فقهي، ومحله كتب الفقه. ومن ذلك اختلافهم هل التغليس أفضل بصلاة الصبح أم الإسفار. فالشافعية ترى أن التغليس أفضل، لأنه زمن الوجوب.

стр. 99

والحنفية ترى أن الإسفار أفضل: لأنه زمن الوجوب. المسألة الخامسة: في أن الأمر إذا كان يسقط بفعل بعض المكلفين، هل يتعلق الابتداء بجميع المكلفين ثم يسقط بفعل من فعل عمن لم يفعل، أو إنما يتعلق ابتداء ببعض المكلفين . فجمهور العلماء يرو أنه يتعلق ابتداء بالجميع، ومنهم من يرى أنه يتعلق ببعض غير معين، وحجة الجمهور: أن العقاب يعم جميعهم إذا تركوه إجماعًا، وإنما يعم العقاب لعموم الوجوب.

стр. 100

ومما ينبني على هذه المسألة أن الحاضر الصحيح إذا عدم الماء فإنه يتيمم للفرائض المتعينة كالصلوات الخمس، ولا يتيمم للنوافل.

стр. 101

وفي تيممه للجنازة خلاف، بناء على هذا الأصل: فمن يرى أنه يتيمم يرى ان الوجوب يتعلق بجميع المكلفين ابتداء، ولا فرق على هذا في الابتداء بين فرض العين وفرض الكفاية. ومن يرى أنه لا يتيمم يرى أن الوجوب لا يتعلق بجميع المكلفين، فكانت الجنازة في حقه كالنوافل. المسألة السادسة: في أن الأمر بواحد من أشياء هل يقتضي جميعها أو يقتضي واحدًا لا بعينه قد اختلف في ذلك الأصوليون على أقوال، أشهرها هذا القولان، ومثاله: خصال الكفارة، الإطعام والكسوة والعتق.

стр. 102

وتظهر فائدة الخلاف في: العبد والمسافر إذا كانا إمامين في الجمعة، هل تصح صلاة المؤتمين بهما أو لا؟ فابن القاسم يرى: أنها لا تصح. وأشهب يرى: أنها تصح.

стр. 103

ووجه قول ابن القاسم: أن الواجب في حق العبد غير معين، لأنه مخير بين الجمعة والظهر فالواجب عليه إحداهما لا بعينها، فالعبد مفترض في مطلق الصلاة التي هي إحداهما، ومتنفل في خصوصية الجمعة، فإذا اقتدى به المأموم في خصوصية الجمعة التي هي فرض عليه، كان اقتداؤه اقتداء مفترض بمتنفل، وذلك لا يصح. ووجه قول أشهب: أن خصوصية الجمعة واجبة على العبدـ، بناء على أن الأمر بواحد من أشياء يقتضي وجوب الجميع. والذي ذهب إليه الجمهور هو: أن الأمر يتعلق بواحد لا بعينه، وحجتهم في ذلك: أن من ترك الجميع إنما يعاقب عقوبة من ترك واجبًا

стр. 104

واحدًا، لا عقوبة من ترك واجبات كثيرة إجماعا، فدل على أنه لا يجب عليه جميعها. المسألة السابعة: في الأمر بالشيء هل يقتضي الأجزاء أو لا ؟ اعلم أن الأصوليين اختلفوا في أن المكلف إذا فعل ما أمر به هل يلزم انقطاع التكليف عنه أو لا يلزم، بل يجوز دوام التكليف؟ في ذلك قولان.

стр. 105

وهذه المسألة إن أخذت على ظاهرها بني الفقهاء عليها فروعا كثيرة منها: أن من لم يجد ماء ولا ترابًا، ودخل عليه وقت الصلاة، فإنا نأمره بالصلاة على قول ابن القاسم وأشهب، ثم إذا صلى هل يقتضي تلك الصلاة إذا وجد ماء أو صعيدًا أو لا يقتضيها؟ فابن القاسم يأمره بقضائها، وأشهب لا يأمره بذلك لأنه يرى أن

стр. 106

المكلف لما أمر بأداء الصلاة على تلك الحالة، فإذا فعل ما أمر به انقطع عنه التكليف، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ويلزم من الإجزاء سقوط القضاء. وكذلك من لم يجد ثوبا فصلى عريانا، ثم وجد ثوبًا فيه قولان هل يعيد أو لا يعيد؟ بناء على هذا الأصل. وكذلك من التبست عليه القبلة، فصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها القبلة، ثم تبين أن القبلة غيرها. وأمثال ذلك. والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر يقتضي الإجزاء وانقطاع التكليف عند فعل المأمور به، لأن الأمر إما أن يكون متناولا لزيادة على ما أتى به المكلف أو لا يكون متناولا للزيادة، فإن كان متناولا للزيادة لم

стр. 107

يكن المكلف حينئذ آتيا بكل ما أمر به، والفرض أنه آت بكل ما أمر به، وإن كان الأمر غير متناول للزيادة، على ما أتى به المكلف، انقطع الأمر والتكليف حينئذ فصح أن الأمر بالشيء يقتضي الإجزاء. المسألة الثامنة: في أن الأمر المؤقت بوقت، هل يقتضي قضاء الفعل المأمور به بعد فواته على ذلك الوقت أو لا يقتضيه ؟ اعلم أن العبادة المؤقتة بوقت، إذا لم يفعلها المكلف حتى خرج وقتها، هل يجب عليه قضاؤها بالأمر الأول أو لا يجب عليه قضاؤها بذلك الأمر الأول، بل إن ورد أمر ثان بالقضاء وجب القضاء وإلا لم يجب؟ في لك قولان للأصوليين.

стр. 108

والجمهور منهم يرون أن القضاء لا يجب بالأمر الأول، بل إنما يجب بأمر جديد، ويحتجون على ذلك: بأمر الأمر لا يتناول غير الوقت المقدر ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده، اجلس في الدار يوم الخميس، فإن قوله ذلك لا يتناول يوم الجمعة، ولذلك يصح أن يقول له: اجلس يوم الخميس ولا تجلس يوم الجمعة، فلو كان الأمر الأول متناولا ليوم الجمعة لكان هذا الكلام متناقضا. وعلى هذا الأصل اختلف الفقهاء عندنا في المذهب فيمن وجب عليه صوم يوم بعينه، لأجل أنه نذره فلم يصمه، أو أفسده، هل يجب عليه قضاؤه أو لا يجب عليه قضاؤه؟

стр. 109

فمن يرى: أن القضاء بأمر جديد يرى أنه لا يجب عليه قضاؤه، إذ ليس عندنا أمر جديد في هذه المسألة يوجب القضاء، وإنما وجب القضاء في رمضان لوجود أمر جديد، وهو قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. ومن يرى: أن القضاء بالأمر الأول، فإنه يوجب عليه القضاء لوجود الأمر الأول. وكذلك اختلفوا في تارك الصلاة متعمدًا، هل يجب عليه القضاء. فجمهور المالكية أنه يجب عليه القضاء بناء على أن القضاء بالأمر الأول، وهذا كان مأمورًا بالصلاة في الوقت، وابن حبيب من

стр. 110

أصحابنا يرى أنه لا قضاء عليه، لأن الأمر الأول لا يوجب القضاء، وليس عندنا أمر جديد إلا في النوم والنسيان لقوله ﷺ : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. فلولا أنه ﷺ أوجب القضاء على النائم والناسي لما وجب.
следующие страницы →