← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147913

مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول

الشريف التلمساني

Полный текст (465 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيقول أصحاب أبي حنيفة: قوله: ﴿فلا إذن﴾ لا يتم إلا بحذف، فقد يكون معناه، فلا يجوز إذن، وقد يكون معناه: فلا بأس إذن، ومع هذا الاحتمال فلا استدلال. والجواب عند أصحابنا: إن جوابه ﷺ إنما يطابق سؤال السائل إذا كان المعنى: فلا يجوز لأنه إنما سئل عن الجواز، وأيضا: فقرينة التعليل بالنقص تدل على المنع، إذ النقص لا يكون مناسبًا للجواز، فهذا يوجب القطع بأن المراد أنه لا يجوز. واعلم أنه قد يحلق بالنص ما يتطرق إليه احتمال غريب نادر، لا يكاد يقبله العقل. ومثاله: ما احتج به أصحاب الشافعي على أن قراءة

стр. 142

الفاتحة واجبة على المأموم، هو قوله ﷺ إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن. فيقول مخالفوهم: يحتمل أن يكون المراد بإلا معنى الواو، فكأنه قال: ولا تقرءوا ولا بأم القرآن، فإن ﴿إلا﴾ قد وردت بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ وكقول الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان أي ولا الذين ظلموا منهم، ولا الفرقدان، وإذا كان كذلك، كان الحديث محتملاً.

стр. 143

والجواب عندهم: أن هذا التأويل البعيد الذي يصير الحديث كاللغز ينفيه قوله بعد ذلك: فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن. خاتمة: وقد يكون المعترض هو الذي يدعى النصوصية في القول، ويريد بذلك أن يمنع تقييده، كما إذا أراد أصحابنا تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة بقوله ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. فيقول أصحاب أبي حنيفة: قد قال تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾، فالآية نص في إجزاء ما تيسر منه، والحديث قد تضمن زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز.

стр. 144

والجواب عند أصحابنا: أن المطلق ظاهر في معناه لا نص، وإذا كان ظاهرًا جاز تأويله بخبر الواحد. فهذا تمام الكلام في النص.

стр. 145

الفصل الثاني في المجمل قد قدمنا أن المجمل لا يكون متضح الدلالة، إذ لو اتضح مدلوله لم يكن مجملا فينحصر الكلام في المجمل في ثلاثة مطالب: المطلب الأول في التعريف بأسباب الإجمال: اعلم أن الإجمال تابع للاحتمال، والاحتمال في اللفظ: إما في حالة الإفراد، وإما في حالة التركيب. والاحتمال في حالة الإفراد: إما في نفس اللفظ، وإما في تصريفه، وإما في لواحقه، فهذه ثلاثة أقسام. والاحتمال في التركيب، : إما في اشتراك تأليفه بين معنيين، وإما بتركيب المفصل وإما بتفصيل المركب، فهذه ثلاثة أقسام. فجميع أسباب الاحتمال ستة أقسام.

стр. 146

السبب الأول: الاشتراك في نفس اللفظ ومثاله: استدلال أصحابنا على أن الاعتداد بالأطهار بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ والقرء في اللغة الطهر، ومنه قول الشاعر: وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا وفي الحمد رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا

стр. 147

أي من أطهارهن بسبب الغزو. فتقول الحنفية: لفظ القراء يحتمل الحيض بدليل قول النبي ﷺ : دعي الصلاة أيام أقرائك، وإنما المراد: أيام الحيض لا أيام الطهر. والدليل على ثبوت الاشتراك بين المعنيين لغة اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، وهم أهل اللغة. فإن كان المبتديء بالاستدلال أصحابنا فعليهم بيان أن اللفظ أرجح في الطهر منه في الحيض، فمنهم من رجح بما ذكره ابن الأنباري.

стр. 148

وهو: أن القرء مفردًا يحتمل الطهر والحيض، فإن جمع على أقراء فالمراد به الحيض كقوله ﷺ : دعي الصلاة أيام أقرائك، وإن جمع على قروء فالمراد به الطهر كقوله الشاعر: لما ضاع فيها من قروء نسائكا ولما جمع القرء في الآية على قروء دل على أن المراد به الطهر لا الحيض. والحنفية يقدحون في هذا ويقولون: لو صح هذا لما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، فإنهم أهل اللغة، وأعرف بها، فلما

стр. 149

اختلفوا دل ذلك على بقاء الاحتمال حالة الجمع، كما كان حالة الإفراد، وقد قال الشاعر: يارب ذي ضغن وضب فارض ... له قروء كقروء الحائض السبب الثاني: التصريف ومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أن الحضانة في الولد حق له لا

стр. 150

لها بقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾ فنهى المرأة عن أن تضر بالولد، فدل على أن الحق له عليها. فيقول من زعم غير ذلك من أصحابنا: يحتمل أن يكون ذلك لا تضارر بكسر الراء فيصح الاستدلال، ويحتمل أن يكون لا تضارر بفتح الراء فيكون الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله فلا يصح الاستدلال. والجواب عند الأولين: أن احتمال الفاعلية متعين، لأن الخطاب حينئذ يتعلق بمعين، وأما على الاحتمال الثاني فيتعلق الخطاب بغير معين لكن المأمور والمنهي من شرطه أن يكون معينًا لا مبهمًا.

стр. 151

السبب الثالث: اللواحق: من النقط والشكل ومثاله: احتجاج أصحابنا على المنع من بيع ذهب وعرض بذهب بحديث فضالة بن عبيد: أن رجلا سأل رسول ﷺ فقال: يا رسول الله، ابتعت قلادة فيها خرز وذهب بذهب، فقال رسول الله ﷺ : لا حتى تفصل، فأمر بالتفصيل ونهي عن البيع

стр. 152

مجملا، فدل على أن بيع سلعة وذهب بذهب لا يجوز. فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا الحديث قد ورد في رواية أخرى: حتى تفضل بالضاد المعجمة مخففة، أي يكون في الذهب فضل على مقدار الذهب المضاف مع السلعة، ولما كانت القصة واحدة، علمنا أن اللفظين معا لم يصدرا عن النبي ﷺ لتنافي معنييهما، وأن اللظف الوارد عن النبي ﷺ واحد معين في نفسه مجهول عندنا فلا يحتج به. والجواب عند أصحابنا: أن رواية الصاد غير المعجمة أصح عند المحدثين، وهي المحفوظة عندهم، ويعضدها ما روى من طريق آخر أنه قال: ﴿لا حتى تميز﴾ فوجب أن تكون إحدي الروايتين مفسرة

стр. 153

للأخرى، ثم إن رواية الضاد المعجمة تستلزم زيادة النقطة، والأصل عدمها. ومثاله أيضا في التغيير بالحركة: احتجاج الشافعية على أن بيع الحنطة في السنبل لا يجوز، بما روى: أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع الحب حتى يفرك، أي يخرج من سنبله. فتقول الحنفية: قد نقل في رواية أخرى: ﴿حتى يفرك﴾ أي يطعم ويبلغ حد الأكل، وإذا اختلفت الرواية واللفظ واحد ثبت الاحتمال في اللفظ، فوجب أن لا يحتج به.

стр. 154

والجواب عند الشافعية: أن الروايتين تحملان على التعدد في الأخبار، وحينئذ نقول بالموجب فيهما معًا. السبب الرابع: اشتراك التأليف ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن للأب أن يسقط نصف الصداق المسمى عن الزوج إذا طلق قبل البناء، بقوله تعالى: ﴿أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ والذي بيده عقدة النكاح، هو الولي في وليته. فيقول أصحاب الشافعي: هذا التأليف مشترك بين الزوج والولي، لأن الزوج أيضا يصدق عليه أنه الذي بيده عقدة النكاح.

стр. 155

والجواب عند أصحابنا: أن نسق الآية يدل على أنه الأب، لأن ذلك كله مستثني من قوله: ﴿فنصف ما فرضتم﴾ أي فالواجب نصف ما فرضتم إلا أن يقع عفو من المرأة إن كانت مالكة أمر نفسها، أو من وليها إن كانت في حجره. السبب الخامس: تركيب المفصل ومثاله: احتجاج أصحاب أبي حنيفة على جواز الوضوء بنبيذ التمر، بقوله ﷺ : تمرة طيبة وماء طهور، فحكم على النبيذ بأنه ماء طهور.

стр. 156

فيقول أصحابنا: هذا اللفظ يحتمل أن يكون المراد به التركيب، أي مجموع من تمرة طيبة ومن ماء طهور، لا أنه بعد المزج والتركيب يصدق عليه أنه تمرة طيبة وانه ماء طهور، ألا ترى أن الخمسة تركبت من زوج وفرد، أي من اثنين وثلاثة، ولا يصدق كل واحد منهما بانفراده على الخمسة، إذ لا يصدق على الخمسة أنها زوج، وكما تقول في المز، إنه حلو حامض فإنه يصدق هذا الكلام على المز ولا يصدق عليه انه حلو وحده، ولا أنه حامض وحده، فثبت أن اللفظ

стр. 157

قد يصدق حالة التركيب على معنى لا يصدق عليه حالة التفصيل، فمن الجائز أن يكون قوله ﷺ ، تمرة طيبة وماء طهور، مما يصدق مجموعا ولا يصدق مفردا، ولا يتم الاستدلال به إلا إذا كان يصدق مفردًا. والجواب عند الحنفية: إن الحديث يعين أن المراد به التفصيل لا التركيب بدليل ما روي أنه ﷺ : توضأ به. السبب السادس: تفصيل المركب ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الاقتصار على مسح الناصية وحده لا يجوز، وان المسح على العمامة وحده لا

стр. 158

يجوز بما روي: أن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة، فلو كفاه المسح على الناصية لاقتصر عليه، ولو كفاه المسح على العمامة لاقتصر عليه. فيقول أصحاب أحمد بن حنبل، ومن يخالفنا في هذه المسألة:

стр. 159

يحتمل أن يكون هذا في وضوء واحد، ويحتمل أن يكون من وضوءين، مسح بناصتيه في وضوء ومسح على العمامة في وضوء، ومع هذا لا دليل على المنع من الاقتصار على أحدهما. والجواب عند أصحابنا: أن المغيرة راوي الحديث ذكر أنه وضوء واحد. فهذه جملة أسباب الاحتمال في اللفظ.

стр. 160

المطلب الثاني: في بيان القرائن المرجحة لأحد الاحتمالين . وهي إما لفظية، وإما سياقية، وإما خارجية. القرينة اللفظية مثالها: ما قدمناه عن ابن الأنباري في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ وهو أن القرء إذا جمع على قروء فالمراد به الطهر لا الحيض، والجمع قد يختلف باختلاف المعاني، وإن كان اللفظ المفرد مشتركًا، ألا ترى أن العود مشترك بين الخشبة - وجمعه إذ ذاك أعواد - وبين آلة الغناء - وجمعه إذ ذاك عيدان، وكذلك الأمر مشترك بين القول المخصوص - وجمعه إذا ذاك أوامر - وبين الفعل - وجمعه إذ ذاك أمور. ومن ذلك قول أصحابنا: الأطهار مذكرة فيجب ذكر التاء في العدد

стр. 161

المضاف إليها، فيقال: ثلاثة أطهار، والحيض مؤنثه [فيجب حذف التاء من العدد المضاف إليها، فيقال: ثلاثة حيض، ولما قال الله تعالى، ﴿ثلاثة قروء﴾ بالتاء علمنا أنه أراد الأطهار. والحنفية يجيبون عن هذا: بأن المعنى الواحد قد يكون له لفظان أحدهما مذكر والاخر مؤنث]. فيكون التأنيث فيه لفظيا لا معنويًا، ألا ترى أنك تقول: جسد وجثة، والمراد واحد، ثم تقول: ثلاثة أجساد وثلاث جثث، ولما كان لفظ الحيضة مؤنثا وجب حذف التاء في جمعه، ولما كان لفظ القرء مذكرا وجب ذكر التاء في جمعه فقس على هذه القرائن اللفظية أمثالها. القرينة السياقية مثالها: احتجاج الحنفية وبعض أصحابنا على جواز انعقاد النكاح بلفظ الهبة، بقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ وإذا جاز

стр. 162

انعقاد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة جاز انعقاد أنكحة الأمة به بالقياس عليه. فيقول أصحاب الشافعي: لما قال الله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ دل ذلك على اختصاصه ﷺ بشيء دون المؤمنين، فيحتمل أن يكون ذلك الشيء هو جواز النكاح بلا مهر، ويحتمل أن يكون ذلك جواز انعقاد نكاحه بلفظ الهبة، وإذا كان اللفظ محتملا للمعنيين لم يصح القياس حتى يترجح أن المراد بالاختصاص هو ملك البضع من غير عوض لا جواز النكاح بلفظ الهبة. فيقول الأولون: سياق الاية يرجح أن المراد ملك البضع وذلك: أن الآية سيقت لبيان شرفه ﷺ على أمته ونفي الحرج عنه، ولذلك قال تعالى: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج﴾، ولا شك أن الشرف لا يحصل بإباحة لفظ له وحجره على غيره، إذ ليس في ذلك شرف، بل إنما يحصل

стр. 163

الشرف بإسقاط العوض عنه حتى يكون تعالى ذكر لنبيه ﷺ ثلاثة أنواع من الإحلالات: إحلال نكاح بمهر، وهو قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزوجك التي ءاتيت أجورهن﴾. وإحلال بملك اليمين، وهو قوله تعالى: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك﴾. وإحلال بلا مهر بل بتمليك مجرد وهو قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾. وأيضا فالحرج المقصود نفيه من الاية إنما يكون بإيجاب العوض عليه لا بحجر لفظ عليه يؤدي المعنى المطلوب دونه ألفاظ كثيرة أسهل منه، فهذا السياق كله يدل على أن المراد بالخلوص هو: ملك البضع من غير مهر لا اللفظ. والقرائن الحالية قريبة من السياقية وهي لا تنضبط. القرينة الخارجية وهي موافقة أحد المعنيين لدليل منفصل من نص أو قياس أو عمل. ومثال الأول: ما إذا قال أصحابنا: المراد بالقروء الأطهار،

стр. 164

والدليل عليه قوله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ فأمر بطلاقهن طلاقا يستعقب عهدتهن ولا تتراخي العدة عنه، ولذلك قرأ ابن مسعود، لقبل عدتهن، وليس ذلك إلا في الطهر لا في الحيض، فإن الطلاق في الحيض حرام. والحنفية يرجحون احتمالهم بقرينة خارجية أيضا، فيقولون: قال الله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ فجعل الأشهر بدلا عن الحيض لا عن الأطهار، فدل

стр. 165

أن الحيض أصل في العدة، ألا ترى أنه تعالى قال في التيمم: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ فعلمنا أن الماء هو الأصل، وأن الصعيد بدل عنه. وأما الثاني وهو موافقة القياس فمثاله: قول أصحابنا وأصحاب الشافعي: إن العدة لما كانت مأمورا بها كانت عبادة من العبادات، والشأن في العبادة أن الحيض ينافيها، ولا تتأدى فيه، فضلا عن ان تتأدى به، ألا ترى أن الصلاة والصيام والطواف لا تصح مع الحيض بخلاف الطهر، فالقياس يقتضي في العدة أنها تتأدي بالطهر لا بالحيض، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الاية على الأطهار، لا على الحيض. والحنفية يرجحون احتمالهم أيضا بقياس آخر، وهو أن القصد من العدة استبراء الرحم، والعلامة الدالة على براءة الرحم في العادة إنما هي الحيض لا الطهر، فإن الطهر تشترك فيه الحامل والحائل، والحيض إنما هو في الغالب مختص بالحائل، ولذلك كان الاستبراء بالحيض لا بالطهر، وإذا كان كذلك وجب حمل القروء في الاية على الحيض لا

стр. 166

على الأطهار. وأما ماوفقته لعمل الصحابة، فمثاله: احتجاج العلماء على وجوب غسل الرجلين بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ بالنصب فيكون معطوفا على قوله: ﴿وجوهكم وأيديكم﴾. فيقول المعترض: يحتمل أن يكون معطوفا على الوجه واليدين كما ذكرتم ويحتمل أن يكون معطوفا على الرأس من قولهم: ما زيد بجبان ولا بخيلا، وقول الشاعر:

стр. 167

معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا ومع هذا الاحتمال فلا استدلال. والجواب عند العلماء: أنه لم ينقل عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم إلا الغسل لا المسح، فكان ذلك دليلا على ان المراد بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ الغسل، ويكون معطوفا على قوله: وجوهكم وأيديكم.

стр. 168

المطلب الثالث: في مسائل ذكرها الأصوليون واختلفوا في كونها مجملة أو ليست بمجملة، وهي ست مسائل: المسألة الأولى: في إضافة الأحكام الشرعية إلى الأعيان، هل يوجب إجمالا أو لا ؟ ومثاله: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، وقوله تعالى:

стр. 169

﴿حرمت عليكم الميتة﴾ فإنه أضاف التحريم إلى ذات الأم، وذات الميتة، والتحريم حكم شرعي فلا يتعلق إلا بفعل. وقد اختلف في مثل هذا، هل هو مجمل أو لا؟ والقائلون بأنه مجمل يرون أنه لما استحال تعلق التحريم بالاعيان وجب أن يضمر في الكلام ما يصح أن يتعلق به التحريم، وإذا تعين الإضمار فإما أن يضمر الجميع هو باطل، لأن الإضمار على خلاف الأصل، فلا يضمر إلا بقدر ما تدعو إليه الضرورة، والضرورة لا تدعو إلا إلى ما لا يتم الكلام إلا به، ولا تدعو إلى الجميع، فلا يضمر الجميع، وإنما يضمر البعض، والبعض المضمر: إما معين أو غير معين، والمعين باطل، لأنه ترجيح من غير مرجح لاستواء جميع الأفعال، وإذا بطل أن يكون الفعل المضمر معينا وجب أن يكون غير معين وحينئذ يكون اللفظ مجملا. والمحققون يرون: أنه ليس بمجمل، ويعينون المضمر بالعرف والسياق: لأن العرف والسياق يدلان على أن المضمر هو المعنى

стр. 170

المقصود من الأم وهو الاستمتاع، ومن الميتة هو الأكل. المسألة الثانية: في الكلام الذي يتوقف صدقه على الإضمار، هل هو مجمل أو لا ؟ ومثاله: قوله ﷺ : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، فإن نفس الخطأ ونفس النسيان واقعان في الأمة، وكلام النبي ﷺ واجب الصدق، فلابد من إضمار، والكلام في هذه المسألة كالكلام في التي قبلها.

стр. 171

والذي يعين ذلك المضمر يقول: العرف في مثل هذا رفع المؤاخذة به، أي لا تؤاخذ أمتي بخطأ ولا نسيان. المسألة الثالثة: في دخول النفي على الحقائق الشرعية: مثل: قوله ﷺ : لا نكاج إلا بولي، ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل.

стр. 172

وقد اختلف في ذلك، فمن يرى أنها مجملة يقول: يتعذر نفي هذه الحقائق لأجل أنها توجد بدون هذه الشروط فيتعين الإضمار، فيحتمل أن تضمر الصحة، أي لا نكاح صحيح، ولا صياح صحيح، ويحتمل أن يضمر الكمال، أي لا نكاح كامل، ولا صيام كامل ومع هذا الاحتمال يثبت الإجمال فلا يستدل بشيء من هذه على عدم الصحة. ومن يرى أنها غير مجملة: منهم من يمنع الاحتياج إلى الإضمار، لأن هذه لما كانت حقائق شرعية صح تعلق النفي بها، وما يوجد منفكًا عن الشروط فليس بنكاح شرعي، ولا صيام شرعي. ومنهم من يسلم الإضمار ويقول: يتعين نفي الصحة لأنه إذا انتفت الصحة انتفت الفائدة منه، والعرف في مثل نفي الفائدة كقولهم: لا

стр. 173

علم إلا ما نفع، وأيضًا: فلما تعذر نفي الحقيقة وجب أن يحمل اللظف على أقرب المجازات، وما يصير الحقيقة كالعدم أولى وأقرب إلى نفي الحقيقة مما لا يصيرها كذلك، وإذا انتفت الصحة كان أقرب إلى نفي الحقيقة، فإضمارها أولى. المسألة الرابعة: في اللفظ إذا كان يحتمل معنيين إن حمل على أحدهما أفاد فائدة، وإن حمل على المعنى الآخر أفاد فائدتين . ومثاله: قوله ﷺ : من استجمر فليوتر، فإنه يحتمل أن يتعلق الوتر بالفعل نفسه، ويحتمل أن يتعلق بالجمار، فإن تعلق بالفعل نفسه لم يقتض الوترية في الجمار، لاحتمال أن يستجر بشفع من الجمار وترا، وإن تعلق بالجمار تعين الوتر في الفعل. وقد اختلف في ذلك، فمنهم من يرى أنه مجمل، ومنهم من يرجح بكثرة الفائدة، والمحققون يرون: أنه مجمل، لأن كثرة الفائدة إنما تكون

стр. 174

بعد إرادة المعنى الذي يقتضيها، فلا يستدل بكثرة الفائدة عليه وإلا لزم الدور. المسألة الخامسة: في اللفظ الدائر بين إفادة حكم شرعي وإفادة وضع لغوي ومثاله: قوله ﷺ : الاثنان فما فوقهما جماعة، وقوله ﷺ :

стр. 175

الطواف بالبيت صلاة، فإنه يحتمل أن يكون ذلك إخبارا منه أن أقل الجمع في اللغة اثنان، وأن الطواف بالبيت في اللغة يسمى صلاة، ويحتمل أن يكون أفاد أن الشرع جعل الطواف بالبيت صلاة، وجعل الاثنين جماعة، فمنهم من يرى أن هذا مجمل للاحتمال الذي فيه، ومنهم من حمله على المحمل الشرعي ورأي أن النبي ﷺ إنما بعث لتعريف الأحكام الشرعية لا لتعريف الألقاب اللغوية.

стр. 176

المسألة السادسة: فيما إذا كان للفظ مسمى في اللغة ومسى في الشرع: ومثاله: قوله ﷺ : توضئوا مما مست النار، فإنه يحتمل أن يكون أراد الوضوء الشرعي، ويحتمل أن يكون أراد الوضوء اللغوي، فمنهم من زعم أنه مجمل لهذا الاحتمال، ومنهم من يرى انه ليس بمجمل، وأنه إنما يحمل على المسمى الشرعي، ولأنه عرف الشارع، وإنما يحمل لفظ الشارع على عرفه. فهذا تمام الكلام في المجمل.

стр. 177

الفصل الثالث: في الظاهر اعلم أن الظاهر: هو اللفظ الذي يتحلم معنيين وهو راجح في أحدهما من حيث الوضع، فلذلك كان متضح الدلالة، ولاتضاح الدلالة من جهة الوضع أسباب ثمانية.

стр. 178

السبب الأول: الحقيقة وهي في مقابلة المجاز والحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له كإطلاق لفظ الأسد على الحيوان المفترس، والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينه وبين ما وضع له، كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع فإذا كان اللفظ محتملا لحقيقته ومجازه فإنه راجح في الحقيقة. والحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حقيقة لغوية وفي مقابلتها مجاز لغوي. وحقيقة شرعية وفي مقابلتها مجاز شرعي.

стр. 179

وحقيقة عرفية وفي مقابلتها مجاز عرفي. أما الحقيقة اللغوية، فمثالها: ما احتج به اصحاب الشافعي وابن حبيب من أصحابنا على أن خيار المجلس مشروع، وذلك بقوله: ﷺ : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا.

стр. 180

فيقول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة: إنما المراد بذلك المتساومان، وافتراقهما هو بالقول، أي هما في حال تساومهما بالخيار ما لم يبرما العقد ويمضياه، فإذا أمضياه فقد افترقا، ولزمهما العقد، وقد يطلق اسم الشيء على ما يقاربه، كقوله ﷺ لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا ينكح على نكاحه، وإنما المراد بالبيع السوم وبالنكاح الخطبة، لأن السوم وسيلة للبيع والخطبة وسيلة للنكاح، فقد ورد في رواية أخرى لا يسم أحدكم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته. والجواب عند أصحاب الشافعي: إن إطلاق المتباعيين على المتساومين مجاز، وإطلاق التفرق على تمام العقد مجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.
следующие страницы →