Полный текст (465 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
المسألة السادسة: فيما إذا كان للفظ مسمى في اللغة ومسى في الشرع:
ومثاله: قوله ﷺ : توضئوا مما مست النار، فإنه يحتمل أن يكون أراد الوضوء الشرعي، ويحتمل أن يكون أراد الوضوء اللغوي، فمنهم من زعم أنه مجمل لهذا الاحتمال، ومنهم من يرى انه ليس بمجمل، وأنه إنما يحمل على المسمى الشرعي، ولأنه عرف الشارع، وإنما يحمل لفظ الشارع على عرفه.
فهذا تمام الكلام في المجمل.
стр. 177
الفصل الثالث: في الظاهر
اعلم أن الظاهر: هو اللفظ الذي يتحلم معنيين وهو راجح في أحدهما من حيث الوضع، فلذلك كان متضح الدلالة، ولاتضاح الدلالة من جهة الوضع أسباب ثمانية.
стр. 178
السبب الأول: الحقيقة وهي في مقابلة المجاز
والحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له كإطلاق لفظ الأسد على الحيوان المفترس، والمجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينه وبين ما وضع له، كإطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع فإذا كان اللفظ محتملا لحقيقته ومجازه فإنه راجح في الحقيقة.
والحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
حقيقة لغوية وفي مقابلتها مجاز لغوي.
وحقيقة شرعية وفي مقابلتها مجاز شرعي.
стр. 179
وحقيقة عرفية وفي مقابلتها مجاز عرفي.
أما الحقيقة اللغوية، فمثالها: ما احتج به اصحاب الشافعي وابن حبيب من أصحابنا على أن خيار المجلس مشروع، وذلك بقوله: ﷺ : المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا.
стр. 180
فيقول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة: إنما المراد بذلك المتساومان، وافتراقهما هو بالقول، أي هما في حال تساومهما بالخيار ما لم يبرما العقد ويمضياه، فإذا أمضياه فقد افترقا، ولزمهما العقد، وقد يطلق اسم الشيء على ما يقاربه، كقوله ﷺ لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا ينكح على نكاحه، وإنما المراد بالبيع السوم وبالنكاح الخطبة، لأن السوم وسيلة للبيع والخطبة وسيلة للنكاح، فقد ورد في رواية أخرى لا يسم أحدكم على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبته.
والجواب عند أصحاب الشافعي: إن إطلاق المتباعيين على المتساومين مجاز، وإطلاق التفرق على تمام العقد مجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.
стр. 181
وأما الحقيقة الشرعية: فقد اختلف الأصوليون في وقوعها والجمهور منهم يعترفون بوقوعها، ويحتجون على ذلك بالاستقراء، فإنا لما استقرأنا لفظ الصلاة والزكاة والصيام والحج، وجدناها إنما استعملت في لسان الشرع للعبادات الشرعية، وإذن ثبت وقوع الحقائق الشرعية.
فماله: احتجاج أصحابنا أن المحرم لا يتزوج في حال إحرامه
стр. 182
بقوله ﷺ : لا ينكح المحرم ولا ينكح.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: يحتمل أن يريد بالنكاح الوطء، كما قال الشاعر:
كبكر تشهي لذيذ النكاح ... وتفرق من صولة الناكح
وإذا كان المراد به الوطء دل الخبر على حرمة الوطء على المحرم لا على حرمة العقد.
والجواب عند اصحابنا: إن إطلاق النكاح على الوطء مجاز شرعي، وعلى العقد حقيقة شرعية، وحمل اللفظ الشرعي على حقيقته الشرعية أولى من حمله على المجاز الشرعي.
стр. 183
وأما الحقيقة العرفية، فمثالها: ما إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق، وقال: أردت من وثاق، فإن الطلاق بمعنى الإطلاق، وهو حقيقة لغوية في المحل من وثاق أو غيره، فيقال: هذا اللفظ حقيقة عرفية في حل عصمة النكاح، مجاز في الوثاق، وحمل اللفظ على حقيقته العرفية أولى من حمله على المجاز العرفي.
ومثاله من كلام الشارع: ما احتج به أصحابنا على أن البكر يجبرها أبوها على النكاح وذلك قوله ﷺ : لا تنكحُ اليتيمة حتى
стр. 184
تستأمر. واليتيمة هي التي لا أب لها، فمفهومه: أن غير اليتيمة ٠ وهي ذات الأب - تنكح من غير استئمار.
فيقول المخالف: اليتم في اللغة هو الانفراد، ولذلك يقال للبيت المنفرد من الشعر يتيم، وللذي لا نظير له يتيم، وإذا ثبت ذلك فقد يكون المراد باليتيمة التي لا زوج لها، كما اراد الشاعر بقوله:
إن القبول، تنكح الأيامي ... النسوة الأرامل اليتامى
стр. 185
وإذا أريد به التي لا زوج لها لم يكن في الخبر دليل.
والجواب عند أصحابنا: أن عرف اللغة في اليتيمة انها التي لا أب لها، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ وقوله تعالى: ﴿ولذي القربى واليتامى﴾، وهو المشتهر عند أهل العرف وإذا كان كذلك كان حمل اللفظ على حقيقته العرفية أولى من حمله على المجاز العرفي.
السبب الثاني: الانفراد في الوضع، وفي مقابلته الاشتراك
اعلم ان الاشتراك على خلاف الأصل، ومثاله: ما احتج به
стр. 186
الجمهور من الأصوليين على أن أمر النبي ﷺ محمول على الوجوب، وهو قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره، أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
فيقول المخالف: يحتمل أن يراد بأمره، الأمر القولي، ويحتمل أن يراد به الشأن والفعل، كقوله تعالى: (وما أمر فرعون برشيد)، وإذا صح إطلاق لفظ الأمر على غير القول المخصوص - والأصل في الإطلاق الحقيقة - لزم اشتراك لفظ الأمر بين المعنيين، ومع الاشتراك يبطل الاستدلال.
فيقول الجمهور: الأصل في الأفصل الانفراد لا اشتراك، فوجب انفراد لفظ الأمر بأحد المعنيين بالوضع، وأن تكون دلالته على المعنى الآخر بالمجاز، وقد أجمعنا على أنه حقيقة في القول، فوجب كونه مجازًا في الفعل، وقد تقدم أن اللفظ يجب حمله على حقيقته دون مجازه، وآل الأمر، في هذه المسألة إلى أنه إذا تعارض المجاز
стр. 187
والاشتراك فالمجاز أولى من الاشتراك.
السبب الثالث: التباين ، وفي مقابلته الترادف
اعلم أن الأصل في الألفاظ أن تكون متباينة لا مترادفة.
ومثاله: ما احتج به أصحابنا على أن التيمم عام جوازه بكل ما صعد على وجه الأرض، وذلك قوله تعالى: (فتييموا صعيدًا طيبًا
стр. 188
فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) والصعيد مشتق من الصعود، فكان هذا عامًا في كل ما صعد على وجه الأرض.
فيقول أصحاب الشافعي: الصعيد مرادف للتراب، وقد قال صاحب الصحاح: «الصعيد التراب»، وقال الشافعي - وهو من أهل اللغة -: «الصعيد لا يقع إلا على التراب».
стр. 189
والجواب عندنا: أن الصعيد إذا صدق على التراب، فإما أن يسمى به، لأنه صعد على الأرض، وإما أن يسمى به من غير اعتبار هذا الاشتقاق، بل كتسميته بالتراب، وعلى التقدير الثاني، يلزم الترادف وهو خلاف الأصل، فوجب كون لفظ الصعيد، مباينا للفظ التراب، ووجب اعتبار الاشتقاق فيه، وحينئذ يصدق على كل ما على وجه الأرض أنه صعيد.
السبب الرابع: الاستقلال وفي مقابلته الإضمار.
اعلم أن الأصل في اللفظ أن يكون مستقلا، لا يتوقف على إضمار.
ومثاله: ما احتج به بعض أصحابنا على حرمة أكل السباع، وهو
стр. 190
قوله ﷺ : أكل كل ذي ناب من السباع حرام.
فيقول من يخالف من أصحابنا: إنما أراد النبي ﷺ ما أكلته السباع، لا أن السباع لا تؤكل، ويكون الحديث مطابقا لقوله تعالى: ﴿وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾.
والجواب عند الأولين: أنا إذا حملنا الكلام على ما يوافق الاية يلزم الإضمار والحذف، فكأنه قال: أكل مأكول كل ذي ناب من السباع حرام فلا يكون الكلام في الحديث مستقلا، والأصل في الكلام الاستقلال.
السبب الخامس: التأسيس وفي مقابلته التأكيد
ومثاله: استدلال أصحابنا على أن المتعة غير واجبة على
стр. 191
المطلق، بقوله تعالى: ﴿حقا على المحسنين، ﴾ ﴿حقا على المتقين﴾ والواجب لا يختص بالمحسنين ولا بالمتقين، بل يجب على المحسن وعلى غيره، وعلى المتقي وعلى غيره.
فيقول المعترض من المخالفين، إنما قال سبحانه حقا على المحسنين ـ، وعلى المتقين. تأكيدًا للوجوب، لأنه إذا خص الأمر
стр. 192
بالمحسن والمتقي، بعث ذلك سائر المطلقين على العمل بها، رجاء أن يكونوا من المحسنين والمتقين، وإذا كان تأكيدًا للوجوب فلا يكون دليلا على عدمه.
والجواب عند أصحابنا: أن الأصل عدم التأكيد، بل الأصل في الكلام التأسيس.
السبب السادس: الترتيب ، وفي مقابلته التقديم والتأخير
ومثاله: ما احتج به أصحابنا ومن وافقهم على أن العود في الظهار شرط في وجوب الكفارة، بقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم ثم
стр. 193
يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾
فيقول المخالف: إنما تقدير الاية: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ثم يعودون لما قالوا، أي من حرم امرأته بالظهار فعليه الكفارة، ثم بعد ذلك يعود إلى حل الوطء، سالما من الإصم، وهذا لأن الظهار بمجرده منكر من القول وزور، فكان بمجرده موجبًا للكفارة.
والجواب عند أصحابنا: أن الأصل في الكلام بقاؤه على ما هو عليه من الترتيب وعدم التقديم والتأخير فيه.
السبب السابع: العموم
وهو: كون اللفظ مستغرقا لكل ما يصلح له، وفي مقابلته
стр. 194
الخصوص وهو: كونه مقصورا على بعض ما يتناوله.
ثم العموم في اللفظ، إما من جهة اللغة، وإما من جهة العرف، وإما من جهة العقل.
القول في العموم اللغوي
اعلم: أن اللفظ العام: إما أن يكون عمومه من نفسه، وإما أن يكون من لفظ آخر دال على العموم فيه.
فأما العام بنفسه ففيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أسماء الشروط تفيد العموم في كل ما تصلح له.
فمن ذلك: لفظ من كما يحتج بعض أصحابنا على أن
стр. 195
الذمي، يملك بالاحياء بقوله ﷺ : من أحيا أرضا ميتة فهي له، والذمي مندرج تحت هذا العموم.
وكما يحتجون على قتل المرتدة بقوله ﷺ ، من بدل دينه فاقتلوه، وكما يحتج أصحاب أبي حنيفة على أن من ملك
стр. 196
عمه أو خاله عتق عليه، بقوله ﷺ : من ملك ذا رحم محرم عتق عليه.
ومن ذلك لفظ ما كما يحتج أصحابنا وجهور العلماء على أن
стр. 197
كل ما فضل عن ذوي السهام فهو للعصبة، بقوله ﷺ : ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر.
وكما يحتج بعض أصحابنا على أن المسبوق قاض في الأفعال والأقوال، بقوله ﷺ : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا، وكذلك أمثال ما ذكرناه.
стр. 198
المسألة الثانية: أسماء الاستفهام
كما يحتج به أصحابنا على تحريم الاستمتاع بما تحت الإزار من الحائض، بما روى، أن رجلا قال: يا رسول الله ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال ﷺ : لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها.
стр. 199
وكذلك أمثال هذه.
المسالة الثالثة: الموصولات
كما يحتج أصحاب الشافعي على أن الذمي يلزمه الظهار بعموم قوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم﴾ الاية.
وكما يحتج بعض أصحابنا على حكاية جميع ألفاظ الأذان،
стр. 200
بقوله ﷺ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول.
وكاحتجاج بعضهم على أن من فجر بامراة حل له نكاح أمها وابنتها، بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.
وكاحتجاج بعضهم على أن من فجر بامرأة حل له نكاح أمه وابنتها، بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾
وكاحتجاج بعضهم على جواز الصلاة خلف الفاسق، بقوله ﷺ :
стр. 201
صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وأمثال هذا كثير.
وأما العام بلفظ آخر: فإما أن يكون ذلك اللفظ في أول العام أو في آخره، أما الذي في أوله: فأدوات الشرط والاستفهام، والنفي في النكرة فقط، والألف واللام، وكل وجميع، فهذه كلها تفيد العموم فيما دخلت عليه.
وهي خمس مسائل:
المسألة الأولى: لفظ أي الشرطية يفيد العموم
كما يحتج أصحابنا على أن المرأة الحرة العاقلة البالغة إذا عقدت
стр. 202
النكاح على نفسها فنكاحها باطل، بقوله ﷺ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، وكما يحتجون على أن جلد ما لا يؤكل لحمه يطهر بالدباغ، بقوله ﷺ أيما إهاب دبغ فقد طهر.
المسألة الثانية: لفظ أي الاستفهامية
تفيد العموم فيما دخلت عليه أيضا، ولذلك يعم جوابها.
стр. 203
كما يحتج ابن القاسم من أصحابنا على أن عتق الكافر إذا كان أغلي ثمنا أفضل من عتق المسلم إذا كان دونه في الثمن، بما روى: أنه ﷺ سئل: أي الرقاب أفضل؟ فقال: أغلاها ثمنا.
وكاحتجاج أصحابنا على أن ذوي الأرحان لا يرثون، بحديث
стр. 204
جابر قال: مرضت فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: إنما يرثني كلالة، فكيف الميراث فأنزل الله آية الفرائض، فلما كانت آية الفرائض جوابا عن الاستفهام كانت مستوعبة لمن يرث، ولما لم يذكر فيها ذوو الأرحام ظهر أنهم لا يرثون.
المسألة الثالثة: حرف النفي
إذا دخل على نكرة أفاد العموم.
стр. 205
كما يحتج به أصحابنا على أن المال المستفاد لا يضم إلى المال الذي حال حوله، بقوله ﷺ ، لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
стр. 206
وكاحتجاجهم بقوله ﷺ لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل، على وجوب التبيت في صوم التطوع.
المسألة الرابعة: الألف واللام
إذا دخلت على الاسم أفادت فيه العموم، سواء كان مفردا أو جمعا، ومنهم من قال: لا تفيد العموم في مفرد ولا
стр. 207
جمع، ومنهم من قال: تفيد العموم في الجمع دون المفرد.
ومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أن بيع كلب الصيد لا يجوز، بقوله ﷺ : ثمن الكلب حرام، ولفظ الكلب عام، لأنه معرف
стр. 208
بالألف واللام.
ومثاله في الجمع: احتجاج أصحابنا على أن سؤر الكلب طاهر بما روى أنه ﷺ سئل أيتوضأ بما أفضلت الحمر، قال نعم، وبما أفضلت السباع، والكلب سبع، فاندرج في عموم السباع.
المسألة الخامسة: لفظ كل أو جميع
إذا دخلت على اسم أفادت فيه العموم.
стр. 209
كما يحتج أصحابنا على تحريم النبيذ، بقوله ﷺ كل شراب أسكر فهو حرام.
وكما يحتج أصحاب الشافعي على أن الزوج لا يكون وليا في النكاح بقوله ﷺ كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح: خاطب وولي، وشاهدا عدل،
وأما العام الذي لا يستفاد العموم إلا مما في آخره، فهو المضاف
стр. 210
إلى المعرفة، كان منفردا أو جمعا، وفيه من الخلاف ما في المعرف بالألف واللام.
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن صلاة الجماعة لا تتفاضل بالكثرة، بقوله ﷺ : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فحكم بأن كل صلاة جماعة تفضل كل صلاة فذ بهذا العدد المخصوص، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الجماعة كلها في درجة واحدة.
ومثاله في الجمع، احتجاج أصحابنا على أن من دخل في النافلة التي يرتبط أولها بآخرها كالصلاة والصيام لا يجوز له قطعهاـ، بقوله
стр. 211
تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، والنافلة عمل، فاندرجت تحت هذا العموم.
ومثاله احتجاج الشافعي على وجوب الكفارة في اليمين الغموس، بقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ واليمين الغموس مندرجة في عموم الأيمان.
القول في العموم العرفي
وهو عموم المحذوف الذي عينه العرف.
стр. 212
ومثاله: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ فإنه لما عين العرف الاستمتاع للحذف لزم تعلق التحريم بجميع أنواع الاستمتاع.
فأما إن لم يكن عرف في محذوف معين، فمنهم من يرى العموم في جميع المقدرات، لأنه إن لم يعم في جميع ما يصح إضماره، فإما أن يتعين شيء ما للإضمار أو لا؟
فإن تعين لزم الترجيح من غير مرج وهو باطل، وإن لم يتعين لزم الإجمال، وهو على خلاف الأصل.
ومنهم من التزم الإجمال ورأى: أن الإضمار لما كان واجبًا، لضرورة توقف صحة الكلام عليه، وجب أن يتقدر بقدر الضرورة، والضرورة لا تدعو إلى إضمار الجميع فبطل إضمار الجمع.
ومثاله: ما احتج به اصحابنا على تحريم الانتفاع بشيء من
стр. 213
الميتة مطلقًا، وذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ فإنه لما تعذر أن يتعلق التحريم بالميتة نفسها وجب الإضمار، ولما لم يتعين شيء معين وجب إضمار كل مقدر يصح إضماره، والانتفاع منها فوجب تعلق التحريم به.
ومن يمنع العموم فقد يلتزم الإجمال، وقد يرى أن العرف عين المراد وهو الأكل.
ومثال ذلك: استدلال الشافعية على سقوط القضاء عمن أفطر ناسيًا بقوله ﷺ : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، فإنه لما لم يرتفعا
стр. 214
بنفسهما علم من ضرورة صدق الشارع أن في الكلام حذفًا يفضي تقديره إلى صدقه، ولما لم يتعين وجب إضمار كل ما يصح إضماره، والقضاء مما يصح إضماره، فكان مرفوعًا، والكلام فيه كما تقدم.
القول في العموم العقلي .
فمنه: عموم الحكم لعموم علته، كما في القياس، ومنه: عموم المفعولات التي يقتضيها الفعل المنفي، كقوله: ﴿والله لا أكلت﴾ فإنه يحنث بكل مأكول، إلا أنه إن صرح بالمفعول، كما لو قال: ﴿والله لا أكلت شيئا﴾ ونوى شيئاً مخصوصًا بعينه، نفعته نيته، ولا يحنث بغير ما نوى، لأن العموم فيه لغوي.
ولو لم يصرح بالمفعول لكان عموماً عقلياً، ضرورة أن الأكل يستدعي مأكولاً فإن نوى شيئاً مخصوصاً بعينه نفعته نيته عندنا، كما في العموم اللغوي، ولم تنفعه عند الحنفية، لأن العموم عندهم عقلي، لا يقبل التخصيص.
стр. 215
ولنختم العموم بذكر مسألتين:
المسألة الأولى: إذا كان اللفظ مشتركًا بين معنيين ، حقيقة في أحدهما ومجازًا في الآخر، ففي عمومه فيهما معاً - إذا لم تكن قرينة - خلاف.
والمحققون لا يرون عمومه، لأن العموم في اللفظ تابع للعموم في المعنى، فإذا لم يكن بين المعنيين قدر مشترك يستعمل اللفظ فيه وجب أن لا يعم.
следующие страницы →