Полный текст (465 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، والنافلة عمل، فاندرجت تحت هذا العموم.
ومثاله احتجاج الشافعي على وجوب الكفارة في اليمين الغموس، بقوله تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ واليمين الغموس مندرجة في عموم الأيمان.
القول في العموم العرفي
وهو عموم المحذوف الذي عينه العرف.
стр. 212
ومثاله: قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ فإنه لما عين العرف الاستمتاع للحذف لزم تعلق التحريم بجميع أنواع الاستمتاع.
فأما إن لم يكن عرف في محذوف معين، فمنهم من يرى العموم في جميع المقدرات، لأنه إن لم يعم في جميع ما يصح إضماره، فإما أن يتعين شيء ما للإضمار أو لا؟
فإن تعين لزم الترجيح من غير مرج وهو باطل، وإن لم يتعين لزم الإجمال، وهو على خلاف الأصل.
ومنهم من التزم الإجمال ورأى: أن الإضمار لما كان واجبًا، لضرورة توقف صحة الكلام عليه، وجب أن يتقدر بقدر الضرورة، والضرورة لا تدعو إلى إضمار الجميع فبطل إضمار الجمع.
ومثاله: ما احتج به اصحابنا على تحريم الانتفاع بشيء من
стр. 213
الميتة مطلقًا، وذلك قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ فإنه لما تعذر أن يتعلق التحريم بالميتة نفسها وجب الإضمار، ولما لم يتعين شيء معين وجب إضمار كل مقدر يصح إضماره، والانتفاع منها فوجب تعلق التحريم به.
ومن يمنع العموم فقد يلتزم الإجمال، وقد يرى أن العرف عين المراد وهو الأكل.
ومثال ذلك: استدلال الشافعية على سقوط القضاء عمن أفطر ناسيًا بقوله ﷺ : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، فإنه لما لم يرتفعا
стр. 214
بنفسهما علم من ضرورة صدق الشارع أن في الكلام حذفًا يفضي تقديره إلى صدقه، ولما لم يتعين وجب إضمار كل ما يصح إضماره، والقضاء مما يصح إضماره، فكان مرفوعًا، والكلام فيه كما تقدم.
القول في العموم العقلي .
فمنه: عموم الحكم لعموم علته، كما في القياس، ومنه: عموم المفعولات التي يقتضيها الفعل المنفي، كقوله: ﴿والله لا أكلت﴾ فإنه يحنث بكل مأكول، إلا أنه إن صرح بالمفعول، كما لو قال: ﴿والله لا أكلت شيئا﴾ ونوى شيئاً مخصوصًا بعينه، نفعته نيته، ولا يحنث بغير ما نوى، لأن العموم فيه لغوي.
ولو لم يصرح بالمفعول لكان عموماً عقلياً، ضرورة أن الأكل يستدعي مأكولاً فإن نوى شيئاً مخصوصاً بعينه نفعته نيته عندنا، كما في العموم اللغوي، ولم تنفعه عند الحنفية، لأن العموم عندهم عقلي، لا يقبل التخصيص.
стр. 215
ولنختم العموم بذكر مسألتين:
المسألة الأولى: إذا كان اللفظ مشتركًا بين معنيين ، حقيقة في أحدهما ومجازًا في الآخر، ففي عمومه فيهما معاً - إذا لم تكن قرينة - خلاف.
والمحققون لا يرون عمومه، لأن العموم في اللفظ تابع للعموم في المعنى، فإذا لم يكن بين المعنيين قدر مشترك يستعمل اللفظ فيه وجب أن لا يعم.
стр. 216
ومثال المشترك: ما احتج به الشافعية على أن طلاق المكره لا يلزم، وهو قوله ﷺ : «لا طلاق في إغلاق»، والإغلاق في اللغة: الإكراه.
فتقول الحنفية: لفظ الإغلاق مشترك بين الجنون والإكراه في اللغة، فلا يحمل على الإكراه إلا بقرينة.
والجواب عند الشافعية: أن الإغلاق لما كان مشتركًا بين الجنون والإكراه، كان عامًا في الجنون والإكراه.
стр. 217
ومثال الحقيقة والمجاز: ما احتج به بعض أهل العلم على أن المدعو إلى تحمل الشهادة تلزمه الإجابة، كالمدعو بعد التحمل إلى الأداء، وذلك قوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾، فوجب العموم في التحمل والأداء.
فيقول الجمهور من العلماء: إنما الشاهد حقيقة فيمن تحمل، فأما من لم يتحمل فتسميته شاهدا مجاز باعتبار ما يؤول إليه، كتسمية العصير حال عصره خمرًا.
والأولون يسلمون أن اللفظ مجاز في المدعو إلى التحمل ويدعون عموم اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه.
المسألة الثانية: العام ظاهر في جميع أفراده لكنه قطعي في أقل الجمع
وقد اختلف في أقل الجمع: فقيل: ثلاثة، وقيل:
стр. 218
اثنان، وعلى ذلك اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في: أن الأم
стр. 219
تحجب عن الثلث إلى السدس بالأخوين الإثنين أو لا تحجب، فزيد يحجبها، وابن عباس لا يحجبها إلا بالثلاثة.
وقد اختلف المذهب - عندنا - في المقر لغيره بدراهم، فقال مالك: يلزمه ثلاثة دراهم، وقال ابن الماجشون: يلزمه درهمان، بناء على الخلاف في أقل الجمع.
والجمهور أن أقل الجمع حقيقة ثلاثة، إلا أنه قد يطلق لفظ الجمع
стр. 220
على الاثنين مجازًا، وعليه ينبني غاية ما يخرج منه بالتخصيص.
السبب الثامن: الإطلاق وفي مقابلته التقييد.
اعلم ان اللفظ إذا كان شائعا في جنسه يسمى مطلقًا، والأصل في اللفظ المطلق بقاؤه على إطلاقه.
ومثاله: ما احتج به الحنفية على أن الرقبة الكافرة تجزيء في كفارة الأيمان، بقوله تعالى: ﴿أو تحرير رقبة﴾، وفي كفارة الظهار، بقوله
стр. 221
بقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾ فتقول المالكية والشافعية: المراد بالرقبة في الآيتين: الرقبة المؤمنة، كما صرح به سبحانه في كفارة القتل.
والجواب عند الحنفية: أن ذلك تفييد للفظ المطلق، والأصل بقاؤه على إطلاقه. ولما كان التخصيص والتقييد تأويلا آخرنا الكلام في مسائلهما إلى فصل المؤول.
стр. 222
الفصل الرابع: في المؤول
اعلم: أن المؤول متضح الدلالة في المعنى الذي تؤول فيه، فيه، لأنه راجح فيه، إلا أن رجحانه لما كان بدليل منفصل كان في اتضاح دلالته ليس كالظاهر.
ولما كانت أسباب الظهور ثمانية، كانت التأويلات ثمانية.
التأويل الأول: حمل اللفظ على مجازه لا على حقيقته
وقد قدمنا أن الحقيقة لغوية وشرعية وعرفية، وفي مقابلة كل حقيقة مجاز.
أما المجاز اللغوي فمثاله: احتجاج أصحابنا على أن من وجد
стр. 223
سلعته عند المفلس فهو أولى بها من سائر الغرماء، بقوله ﷺ : أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه.
فتقول الحنفية: صاحب المتاع هو حقيقة فيمن المتاع بيده، وهو المفلس، ومجاز فيمن كانت بيده، لأن إطلاق اللفظ المشتق بعد ذهاب المعنى المشتق منه مجاز، ولذلك لم يطرد، ألا ترى أن من كان كافرا ثم أسلم فإنه لا يسمى كافرا، فدل على أن إطلاق اللفظ باعتبار الماضي مجاز.
стр. 224
والجواب عند أصحابنا: أن الدليل دل على تعين المجاز، ألا ترى أنه لو أريد به المفلس لم يكن لاشتراط التلفليس معنى، ولقال: فهو أحق بمتاعه فلما أتي في الحديث بالظاهر دون المضمر دل أنه أراد به غير ما يراد بالمضمر.
وأما المجاز الشرعي، فمثاله: احتجاج الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا على ان الزنا يوجب حرمة المصاهرة، بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ فإن المراد به: ولا تطئوا من زني بها الأب، ومن زنى بها الأب، فهي موطوءة له، فوجب أن يحرم وطؤها، على الابن.
فيقول الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا: إنما المراد به العقد، لأن النكاح حقيقة شرعية فيه، ومجاز شرعي في الوطء.
والجواب عند الأولين: أن الوطء يتعين أن يكون هو المراد في الآية لقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ وذلك أن العرب كانت في
стр. 225
الجاهلية تخلف الاباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجددون عليهن عقدا، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إنه كان فاحشة﴾ والفاحشة: الوطء لا العقد
وأما المجاز العرفي: فمثاله: احتجاج المالكية على ان الظهار يلزم السيد في أمته، بقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم﴾ الاية، والأمة من نسائنا.
стр. 226
فتقول الشافعية والحنفية: هذا اللفظ، مخصوص في العرف بالزوجات، ولذلك قال تعالى: ﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ والمراد بنساء المؤمنين: الحرائر بالاتفاق.
وأيضا، فإن امرأة فلان، مخصوصة في العرف بزوجته، ولا يتناول في العرف أمته، ونساء المؤمنين، دال على مدلول جمع المرأة، وإن كان من غير لفظه، ولذلك استغني به عن جمع المرأة.
والجواب عند المالكية: إن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فكان مخصوصا بالزوجات، فلما نسخ ورجع إلي تحريم الاستمتاع، وكان الاستمتاع عاما في الزوجات، والاماء قبلت الأمة التحريم بالظهار، كما تقبله الزوجة، ولذلك كان التحريم عامًا في الحرائر والإماء.
التأويل الثاني: الاشتراك
وهذا في الحقيقة ليس بتأويل، لأن الاشتراك أقرب إلى
стр. 227
الإجمال، لكن إذا أثبت المستدل أن اللفظ حيقة في كل واحد من المعنيين اللذين يحتملهما اللفظ فله بعد ذلك أن يرجع أحد المحتملين بأدني مرجح، ويكفيه ذلك.
فأما إذا كان اللفظ مجازا في مراد المستدل، فلابد من بيان مرجح أقوي من الأصل المقتضى لإرادة الحقيقة، فلذلك يدخل في كلام المستدل وينتفع به.
ومثاله: احتجاج اصحابنا على العدة بالاطهار، لا بالحيض، بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ والقرء مشترك بين الطهر والحيض لغة، لكن الأولى حمل الاية على الأطهار، لأنها محل الطلاق، فينبغي أن يحصل التريض المأمور به منهن، عقب الطلاق بدارا منهن إلى المأمور به، لا سيما وقد علق سبحانه التربص على الوصف المشتق، وهو قوله والمطلقات فكان مشعرا بكون الطلاق علة التربص، فإذا حملت الاية على الطهر اتصل المعلول بعلته، وإذا حملت على الحيض لم يتصل المعلول بعلته بل تتراخي عنها، واتصال المعلول بعلته أولى.
стр. 228
فيقول الحنفية: ما ذكرتم لا يعارض الأصل المقتضي لإرادة الحيض، ولفظ القرء حقيقة في الحيض مجاز في الطهر، وذلك أن القرء أصله في اللغة: إما الجمع من قولهم: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته ومنه سمي القرآن قرآنا، ومنه قول الشاعر:
هجان اللون لم تقرأ جنينا
وإما الانتقال والتغيير من قولهم: قرأ النجم إذا طلع، وقرأ إذا غاب، فإن كان القرء مأخوذا من الاجتماع فزمان الحيض أولي به، لأنه زمان للقطرات المجتمعة بخلاف زمان الطهر، لأنه زمان خلو الدم.
وإن كان مأخوذا من الانتقال والتغيير، فزمان الانتقال من الحالة الأصلية إلى الحالة العارضة، أولى به من العكس، وهو الانتقال عن الطهر إلى الحيض، لا الانتقال عن الحيض إلى الطهر.
وأيضا، فالانتقال إلى الحيض أسبق الانتقالين، فكانت تسميته قرءا أرجح، وإذا كان كذلك فالأولى حمل لفظ القرء على الحيض لا على الطهر.
стр. 229
وأما قولكم: اتصال التربص بالطلاق أولى، قلنا لا يلزم ذلك، لأنه يقال للرجال: وقت الظهيرة تربص ثلاث ليال، ولا يقال: إن ذلك خروج عن ظاهر أو أصل.
والجواب عند أصحابنا: أن اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في المسألة - وهم أهل اللغة - دليل على كون اللفظ حقيقة في كل واحد من المعنييين لغة.
وأما قولكم: زمان الحيض أولى باسم القرء، لأنه زمان اجتماع الدم فباطل، بل زمان الطهر أولى به، لأنه في الحقيقة هو زمان اجتماع الدم في الرحم إلى أن يكثر، فيندفع فيخرج.
وأما إن أخذ من الانتقال فكذلك، لأنها لما طلقت في الطهر اعتدت بانتقالها الأول منه إلى الحيض فهو أسبق الانتقالين وأولادهما، إذ هو انتقال من الحالة الأصلية إلى الحالة العارضة، كما ذكرتم، ثم كذلك في الانتقال الثاني من الطهر إلى الحيض، ثم كذلك في الثالث، فتحل بدخول الحيض الثالثة لحصول ثلاثة انتقالات من حالة أصلية إلى حالة عارضة.
стр. 230
وإذا تساوى هذان الاحتمالان نقلا واعتبارا كفانا أدنى مرجح في ترجيح أحد المعنيين، وقد بيناه.
التأويل الثالث: الإضمار
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الجنب، لا يدخل السجد بقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل﴾، والمراد: لا تقربوا مواضع الصلاة.
فيقول المخالف: هذا تقدير فيه الإضمار، والأصل عدمه.
والجواب عند أصحابنا: أنه لما استثي منه عابري السبيل، دل
стр. 231
على أن المراد موضع الصلاة، لا نفس الصلاة لاستحالة العبور في الصلاة نفسها.
فإن قيل: المراد بعابري سبيل: المسافرون، قلنا: العبور إنما يكون في المسافة القريبة، كما يقال: عبرت القنطرة، ولا يقال: عبرت ما بين إفريقية وخراسان.
التأويل الرابع الترادف .
ومثاله: احتجاج بعض أصحابنا على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة وإن دبغ بقوله ﷺ ، لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا
стр. 232
عصب.
فيقول المخالف من أصحابنا: إنما الإهاب مخصوص بما لم يدبغ، كما قال الجوهري، ولأنه لم يوضع للجلد غير المدبوغ اسم يخصه غير الإهاب، فلا يعرف إلا بتقييد الجلد ووصفه، فاستحق اسما موضوعا له للحاجة إلى ذلك، فإن جعلناه مرادفا للجلد لزم منه مخالفة، الأصل، وتخلف الوضع عن الحاجة التي هي علته، فكان خصوص الإهاب بالجلد غير المدبوغ أولى.
والجواب عند الأوليين: أن الخليل قد نقل أنه للجلد من غير أن
стр. 233
يقيده بأنه غير مدبوغ، وهو أعرف باللغة من الجوهري.
التأويل الخامس: التأكيد
ومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب مسح جميع الرأس، بقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ فإنه تعالى لو قال: وامسحوا رءوسكم لوجب فيه التعميم، فكذلك مع الباء لأن الباء لا تصلح أن تكون مانعة من التعميم، وإلا لما وجب التعميم في مسح الوجه في التيمم في قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ وإذا لم تصلح الباء للمنع من التعميم وجب التعميم.
فتقول الشافعية: ومن وافقهم: لو كان التعميم واجبًا لم يكن
стр. 234
لذكر الباء معنى: لأن وجودها وعدمها حينئذ سواء.
فإن قلتم: إنها للتأكيد، قلنا: التأكيد على خلاف الأصل.
والجواب عند أصحابنا: أنها للتأكيد، لأنه نقل عن العرب زيادتها كثيرا للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ أي إلحادا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ أي جذع النخلة وحكى الفراء عن العرب أنها تقول: هزه وخزبه، وأخذ الخطام وأخذ به، ومديده ومد بيده، وتقول العرب: جسست صدره وبصدره ومسحت رأسه وبرأسه، ولما كانت في مسح
стр. 235
التيمم تأكيدًا بالاتفاق وجب أن تكون ها هنا كذلك
التأويل السادس: التقديم والتأخير
ومثاله: تأويل الحنفية قوله ﷺ ، لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، بأن فيه تقديمًا وتأخيرًا.
فيقول أصحابنا وغيرهم ممن احتج بهذا الحديث على جواز التكفير قبل الحنث: الأصل عدم التقديم والتأخير، وبقاء الترتيب على
стр. 236
حاله.
والجواب عند الحنفية أنا إذا أبقيناه على ترتيبه لزم وجوب تقديم الكفارة على الحنث، ولا قائل به، لما في دلالة ﴿ثم﴾ من الترتيب والأمر للوجوب.
التأويل السابع: التخصيص
وهو قد يكون بمتصل، وقد يكون بمنفصل.
стр. 237
فأما المتصل فهو أربعة الاستثناء، والشرط والغاية والصفة، .
الأول: الاستثناء .
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: اختلف في الاستثناء، فقال أصحابنا، وأصحاب الشافعي: يقتضي نقيض حكم صدر الجملة في المستثني، ـ فإذا قال: عندي عشرة إلا سبعة، فالعشرة مرادة برمتها، وإنما أخرج منها المستثني لمعارض، فكأن الاستثناء معارض للصدر يقتضي نقيض حكم الصدر في المستثني.
وقال أصحاب أبي حنيفة: الاستثناء كأنه تكلم بالباقي من جنس المستثني، وسكوت عن حكم المستثني فإذا قال: عندي عشرة إلا ثلاثة، فكأنه قال: سبعة، وسكت عن الثلاثة.
стр. 238
وعلى ذلك جرى الخلاف بين الفريقين في بيع الحفنة بالحفنتين، فأصحابنا يقولون بالمنع، ويحتجون بقوله ﷺ ، لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء، فإنه يقتضي بصدره المنع من بيع الطعام بالطعام، قليلا كان بحيث لا يمكن كيله، أو كثيرا، متفاضلا كان الكثير أو مساويا، لكن عارض الاستثناء صدر الكلام في التساوي، فحكمنا فيه بنقيض حكم الصدر، وهو الجواز، فبقي الصدر محكومًا عليه بالمنع في القليل والكثير غير المتساوي.
وأصحاب أبي حنيفة يقولون: لما قال: إلا سواء بسواء، وكانت
стр. 239
المساواة في العرف إنما هي حال من أحوال المكيل، كان ذلك كأنه تكلم بالباقي من جنس المساواة، وهو الكيل الذي ينقسم إلى المفاضلة والمساواة، فكأنه قال: لا تبيعوا الطعام بالطعام، كيلا متفاضلا، وحينئذ تخرج الحفنة بالحفنتين عن حكم المنع.
وعلى هذا الأصل اختلف المذهب عندنا في القائل لزوجته: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، إلا واحدة، فقيل: تلزمه طلقة واحدة، لأنه لما قال في المستثني ثلاثا إلى واحدة، فكأنه تكلم بانتين، فقال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين ولو قال كذلك لزمته واحدة.
وقيل: تلزمه طلقتان، وهو المشهور لأنه لما قال: إلا ثلاثا صار ذلك كالمعارض للصدر المستثني منه، ولما استغرقه بطل لبطلان الاستثناء المستغرق، فوجب أن يلغى ويرد الاستثناء الاخر إلى الصدر الأول، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، ولو قال كذلك لزمته اثنتان.
المسألة الثانية: الاستثناء إذا ورد بعد جمل منسوقة بالواو، فإنه يرجع إلى الأخيرة اتفاقا ، وفي رجوعه إلى إلى ما قبلها خلاف.
стр. 240
وعلى ذلك، اختلفت الشافعية والحنفية في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، فالشافعية تقبلها، والحنفية لا تقبلها، وسبب الخلاف بينهم قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا﴾ فالشافعية تصرف الاستثناء إلى الجميع،
стр. 241
والحنفية تخصه بالأخيرة، ويبقى قوله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ على عمومه.
والحق أنه مجمل، لا يترجح فيه أحد الأمرين إلا من خارج.
وأما التخصيص بالشرط، والغاية والصفة، وهي بقية المتصلات، فسيأتي حكمها في المفهوم.
وأما التخصيص بالمنفصل ، فالمهم من مسائله ثلاث:
المسألة الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، والسنة بالكتاب، والكتاب بالسنة المتواترة، وهذا لا نزع فيه عند الجمهور.
وأما تخصيص الكتاب بخبر الواحد، فالأكثر على جوازه مطلقا، لأنه جمع بين الدليلين.
стр. 242
والمحققون من الحنفية يشترطون فيه كون الكتاب مخصوصا، بشيء آخر حتى تضعف دلالته، فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الواحد.
ومثاله ما احتج به أصحابنا على حل ميتة البحر، بقوله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿حرمت
стр. 243
عليكم الميتة﴾ ولما لم يتقدم فيه تخصيص من غير هذا الخبر لم يجز تخصيصه بهذا الخبر، ولا يقال: إن قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ مخصص له، لأنا نقول: إنما خصص ضمير الخطاب في قوله: عليكم لا الميتة.
والجواب عند أصحابنا: أن خبر الواحد يخصص عموم القرآن عندنا: لأنه ظاهر في أفراده، وليس بنص فيها، فتخصيصه به جمع بين الدليلين.
المسألة الثانية: يجوز تخصيص عموم الخبر الواحد بالقياس عند الجمهور .
ومثاله: تخصيص بعض أصحابنا عموم قوله ﷺ : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا، بقياس الكلب المأذون في اتخاذه على الهرة بجامع التطواف.
وكذلك يجوز عندهم تخصيص عموم القرآن بالقياس، والجمهور من الحنفية يشترطون أيضا تقدم تخصيص في القرآن بغير القياس، كما يشترطونه في تخصيصه بخبر الواحد.
стр. 244
المسألة الثالثة: يجوز تخصيص العموم بالمفهوم عند أكثر القائلين به .
стр. 245
ومثاله: احتجاج أصحابنا على المنع من نكاح الحر الأمة مع وجدان الطول بالمفهوم من قوله : ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات﴾ الاية فإن مفهومها يقتضي أن لا يجوز نكاح الامة لمستطيع الطول.
فتقول الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا: هذا يعارض عموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾.
والجواب عند أصحابنا: أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم لما في ذلك من الجمع بين الدليلين.
стр. 246
خاتمة
إذا ورد العام على سبب خاص فإنه لا يقتصر عليه عند المحققين من الأصوليين، ومثاله: ما احتج به الشافعية على أن الوضوء يجب ترتيبه،
стр. 247
بقوله ﷺ : ابدءوا بما بدأ الله. وما من ألفاظ العموم لأنها موصولة كما سبق فاندرج الوضوء فيها، فوجب الابتداء بغسل الوجه ثم الذي يليه إلى آخره.
فيقول من يخالفهم منا ومن الحنفية، هذا وارد على سبب وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله ﷺ ، حين نزلت، ﴿إن
стр. 248
الصفا والمروة من شعائر الله﴾ فقالوا: بم نبدأ يا رسول الله؟ فقال: ابدأ بما بدأ الله به، والعام إذا ورد على سبب خاص فإنه يقصر على سببه.
والجواب عند الشافعية: أن الصحيح عند أهل الأصول أن العام لا يقصر على سببه، بل يحمل على عمومه، لأن المقتضي للعموم قائم، والسبب لا يصلح أن يكون مانعًا، لأنه يجوز أن يقتطع للسبب حظه منه، وينسحب حكم العموم على باقي أفراد العام.
التأويل الثامن: التقييد .
اعلم أن صورة التقييد إما أن تتحد مع صورة الإطلاق في السبب والحكم معا وإما أن تتحد في السبب وتختلف في الحكم، وإما أن تختلف في السبب وتتحد في الحكم، وإما أن تختلف في الصورتان فيهما معا.
فأما إن اتحدث في السبب والحكم، فلا خلاف أنه يحمل المطلق
стр. 249
على المقيد، كقوله ﷺ : لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين، وفي رواية أخرى: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل، فإنه يجب هنا تقييد الشهود بالعدالة، وإنما لم يقييده أبو حنيفة وأجاز النكاح بحضور الفاسقين، لأن الخبر لم يثبت عنده، فإن كان التقييد بخبر الواحد، والمطلق من القرآن تقيد به عندنا، ولم يتقيد عند أبي حنيفة، لأنه عنده زيادة على النص، فيكون نسخا عنده، ونسخ القرآن لا يجوز -
стр. 250
عنده - بخبر الواحد.
ومثاله: تقييد قوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ بقوله ﷺ ، تحريمها التكبير: فإن الأول يقتضي بإطلاقه جواز الدخول في الصلاة بأي ذكر كان.
وأما إن اختلف السبب والحكم فلا خلاف في عدم حمل المطلق على المقيد، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا
следующие страницы →