← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147913

مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول

الشريف التلمساني

Полный текст (465 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

خاتمة إذا ورد العام على سبب خاص فإنه لا يقتصر عليه عند المحققين من الأصوليين، ومثاله: ما احتج به الشافعية على أن الوضوء يجب ترتيبه،

стр. 247

بقوله ﷺ : ابدءوا بما بدأ الله. وما من ألفاظ العموم لأنها موصولة كما سبق فاندرج الوضوء فيها، فوجب الابتداء بغسل الوجه ثم الذي يليه إلى آخره. فيقول من يخالفهم منا ومن الحنفية، هذا وارد على سبب وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله ﷺ ، حين نزلت، ﴿إن

стр. 248

الصفا والمروة من شعائر الله﴾ فقالوا: بم نبدأ يا رسول الله؟ فقال: ابدأ بما بدأ الله به، والعام إذا ورد على سبب خاص فإنه يقصر على سببه. والجواب عند الشافعية: أن الصحيح عند أهل الأصول أن العام لا يقصر على سببه، بل يحمل على عمومه، لأن المقتضي للعموم قائم، والسبب لا يصلح أن يكون مانعًا، لأنه يجوز أن يقتطع للسبب حظه منه، وينسحب حكم العموم على باقي أفراد العام. التأويل الثامن: التقييد . اعلم أن صورة التقييد إما أن تتحد مع صورة الإطلاق في السبب والحكم معا وإما أن تتحد في السبب وتختلف في الحكم، وإما أن تختلف في السبب وتتحد في الحكم، وإما أن تختلف في الصورتان فيهما معا. فأما إن اتحدث في السبب والحكم، فلا خلاف أنه يحمل المطلق

стр. 249

على المقيد، كقوله ﷺ : لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين، وفي رواية أخرى: لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل، فإنه يجب هنا تقييد الشهود بالعدالة، وإنما لم يقييده أبو حنيفة وأجاز النكاح بحضور الفاسقين، لأن الخبر لم يثبت عنده، فإن كان التقييد بخبر الواحد، والمطلق من القرآن تقيد به عندنا، ولم يتقيد عند أبي حنيفة، لأنه عنده زيادة على النص، فيكون نسخا عنده، ونسخ القرآن لا يجوز -

стр. 250

عنده - بخبر الواحد. ومثاله: تقييد قوله تعالى: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ بقوله ﷺ ، تحريمها التكبير: فإن الأول يقتضي بإطلاقه جواز الدخول في الصلاة بأي ذكر كان. وأما إن اختلف السبب والحكم فلا خلاف في عدم حمل المطلق على المقيد، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا

стр. 251

أيديهما﴾ فاليد مطلقة وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ فاليد مقيدة. وأما إن اختلف السبب واتحد الحكم، فإنه يحمل المطلق على المقيد عندنا بجامع، وقيل: بغير جامع، ولا يحمل إن لم يكن جامع. ومثاله: احتجاج أصحابنا بقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة

стр. 252

مؤمنة﴾، على اعتبار الإيمان في كفارة الظهار، فإن الكفارة في آية القتل مقيدة فتحمل عليها الكفارة في آية الظهار. فيقول أصحاب أبي حنيفة: لا يجب أن ترد آية الظهار إلى آية القتل لاختلاف السبب والجواب عند أصحابنا: أن الجميع كفارة، والعتق صدقة على المعتق نفسه، ومن شرط القابض للقربات الواجبة الإيمان كالزكاة، فإنها لا تجزيء إلا بدفعها لمؤمن، وهذه هي علة اعتبار الإيمان في كفارة القتل، وذلك بعينه موجود في كفارة الظهار، فوجب اعتبار الإيمان فيها. وأما إن اتحد السبب واختلف الحكم - وهو عكس القسم الذي قبله - فقد اختلف أيضا في حمل المطلق على المقيد.

стр. 253

ومثاله: هل تجب مراعاة الأوسط في الكسوة أو لا: فيقول من أوجب ذلك: لما قال الله تعالى في الإطعام في كفارة اليمين بالله: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ ثم قال: ﴿أو كسوتهم﴾ فأتى بالكسوة مطلقا، وجب تقييدها بالأوسط، فكأنه قال: من أوسط ما تكسون أهليكم، لأن السبب واحد. فيقال: لا يجب رد المطلق إلى المقيد إلا عند تشابه الأحكام وتماثلها، وأما إذا اختلفت بالانواع فلا، أفلا ترى أنه قيد الصيام في كفارة الظهار بالتتابع، فقال تعالى: ﴿فصام شهرين متتابعين﴾ والتتابع لا يجب في إطعام ستين مسكينا إجماعا، أي لا يجب أن يطعم بعضهم عقب بعض، وما ذاك إلا لاختلاف الأنواع.

стр. 254

والجواب عند الأولين: أن الأمور المختلفة يجوز اشتراكها في حكم واحد، وإذا كان كذلك فلا عبرة بالتماثل، ولا بالاختلاف، وفي الكلام عليه بحث يخرج عن المقصود. وقد عد بعض الناس من هذا القبيل المقيد في قوله تعالى: في آية الوضوء: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ والمطلق في قوله تعالى في آية التيمم: وأيديكم، فإن السبب في الجميع واحد، وهو القيام إلى الصلاة، والشيخ أبو بكر الأبهري من شيوخنا العراقيين يفرق بين هذا وبين ما قبله، ويقول: تضمن آية الوضوء زيادة عضو وهو الذراع، لا زيادة صفة، وفي الاية قبلها إنما تضمن القيد زيادة صفة وليس زيادة عضو كزيادة صفة لا عين لها قائمة، وهذا بحث خارج عن المقصود. ومما يبحث فيه أيضا: أن يرد مطلق فيه حكم واحد على سبب، واحد، ثم يرد حكمان مرتبان على سببين، الحكم الأول أحد الحكمين،

стр. 255

والسبب الأول أحد السببين: كاحتجاج بعض أصحابنا على أن مجرد الردة تنقض الوضوء، فلو تاب هذا المرتد لزمه الوضوء وإن لم يحدث بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ وقوله سبحانه: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾. فيقول من يخالف في ذلك من أصحابنا: هذه الاية وإن وردت مطلقة فإنه يجب أن تقيد بالوفاة على الكفر لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت اعمالهم في الدنيا والأخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ لأن المطلق يجب رده إلى المقيد. والجواب عند الأولين: أنه سبحانه قال في آخر الاية: ﴿وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ فرتب حكمين وهما حبط العمل والخلود في النار على وصفين وهما: الردة والتوفي على الكفر،

стр. 256

وإذا كان كذلك فمن الجائز أن يكون الحكم الأول وهو حبط العمل مرتبا على الوصف الأول وهو الردة، ويكون الحكم الثاني وهو الخلود في النار مرتبا على الوصف الثاني وهو التوفي على الكفر.

стр. 257

خاتمة لفصل المؤول اعلم أن تأويل الظاهر يفتقر إلى بيان ثلاثة أمور: أحدها: كون اللفظ محتملا لمعنى الذي يصرف اللفظ إليه. وثانيها: كون ذلك المعنى مقصورا بدليل. وثالثها: رجحان ذلك الدليل على المقتضى للظاهر. فإن تعذر بيان أحد هذه الأمور بطل التأويل، وقد يختلف الأصل المقتضي للظاهر في القوة حتى يصير الظاهر قريبًا من النص، فيضعف تأويله إلا بأقوى من دليل الظاهر، فمن القوي قوله ﷺ ، أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل، فإن العموم فيه بسبب أي، وهي من ألفاظ العموم، مؤكدة بما في دلالتها

стр. 258

عليه، وباطل، مؤكد بالتكرار، فلذلك يضعف تأويل الحنفية له بأن أخرجوا منه الحرة العاقلة البالغة، وأبقوه مقصورا على الأمة والمجنونة والصغيرة فإن إطلاق هذا اللفظ العام المؤكد عمومه وإرادة أفراد نادرة الخطور بالبال إلا بالإخطار يصير هذا الحديث كاللغز. وكذلك تأويلهم قوله: ﴿باطل﴾ بأنه يؤول إلى البطلان، لاحتمال أن تقع في غير كفء فيكون للولي حق الفسخ، فيبطل النكاح، فإن تأكيد الباطل بتكراره ثلاث مرات يبطل هذا التأويل. ومن الضعيف في الدلالة على العموم الذي يكفي في تخصيصه مالا يكون قويا في الدلالة: قوله ﷺ : فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، إذا احتج به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخضروات، وبيان ضعف عمومه أن الحديث إنما سيق لبيان القدر المخرج [لا لبيان المخرج منه]، فلما صار ذكر المخرج منه غير

стр. 259

مقصود ضعفت دلالته على العموم، حتى ذهب بعضهم إلى أنه لا يفيده، وإن كان الحق أنه يفيده وعلى هذا فقس فهذا تمام الكلام في المؤول. الجهة الثانية: في دلالة القول بمفهومه . اعلم أن المفهوم على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. ف مفهوم الموافقة: هو أن يعلم أن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، ويسمى أيضا: "فحوى الخطاب".

стр. 260

ومثاله قوله سبحانه: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فإن الشرع إذا حرم التأفيف كان تحريم الضرب أولى. وقوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره﴾ فعلمنا أنه من يعمل مثقال فيل أولى أن يراه. ومنه قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ فمن كان يؤدي القنطار ذا اؤتمن عليه فأداؤه للدينار أولى، وقال تعالى: ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك. فمن كان لا يؤدي الدينار فأحرى أن لا يؤدي القنطار. واعلم ان مفهوم الموافقة ينقسم إلى جلي وخفي.

стр. 261

فالجلي - ما قدمنا - والخفي كما يقول أصحابنا في أن تارك الصلاة متعمدا: يجب عليه قضاؤها بقوله ﷺ : ﴿من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها﴾ قالوا: فإذا كان النائم والساهي يقضيان الصلاة وهما غير مخاطبين، فلأن يقضيها العامد أولى. وكقول الشافعية في اليمين الغموس - وهي التي يتعمد الحالف فيها الكذب أن فيها الكفارة بقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ فإذا شرعت الكفارة حيث لا يأثم الحالف، فلأن تشرع حيث يأثم أولى. وكذلك قول الشافعية في قاتل النفس عمدًا: أنه تجب عليه الكفارة لأنها لما وجبت على القاتل خطأ كان وجوبها على القاتل

стр. 262

عمدا أولى. وإنما كان هذا خفيا، لأن لمانع أن يمنع الأولوية بأن يقول: لا يلزم من قضاء صلاة النائم والناسي قضاء صلاة العامد، لأن القضاء جبر، ولعل صلاة العامد أعظم من أن تجبر، وكذلك في الكفارات لاحتمال أن تكون جناية العامد أعظم من أن تكفر، ولأجل ذلك اختلف في هذه المسائل، وهذا النوع هو أكثر ما يوجد في مسائل الخلاف. وأما مفهوم المخالفة وهو: أن يشعر المنطوق بأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكمه - وهو المسمى بـ ﴿دليل الخطاب﴾ - فقد اختلف فيه: فأكثر أصحابنا وأصحاب الشافعي على القول به، والجمهور من

стр. 263

الحنفية على إنكاره واعتمد أصحابنا في إثباته على النقل عن أئمة اللغة. ومن شروطه عند القائلين به خمسة شروط. الشرط الأول: أن لا يخرج مخرج الغالب: كقوله تعالى: ﴿ولا كرهوا فتياتكم على

стр. 264

البغاء إن أردن تحصنا﴾، والبغاء: الزنا، ومفهومه أن الفتيات يكرهن عليه إن لم يردن تحصنا، لكن يقال: هذا خرج مخرج الغالب، فإن من لم ترد التحصن من الفتيات، فمن شأنها أن لاتحتاج إلى إكراه. الشرط الثاني: أن لا يخرج عن سؤال معين كقوله ﷺ : ﴿صلاة الليل مثنى مثنى﴾ فإن هذا الحديث خرج عن سؤال سائل عن صلاة الليل، فقد روى في الحديث أن رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليركع ركعة توتر له

стр. 265

ما قد صلى، وإذا كان هذا الحديث وقع فيه التخصيص بالليل لأجل وقوعه في السؤال فلا مفهوم له في صلاة النهار. الشرط الثالث: أن لا يقصد الشارع تهويل الحكم وتفخيم أمره ، كما في قوله تعالى: ﴿حقا على المحسنين﴾، ﴿حقا على المتقين﴾ فإن ذلك لا يشعر بسقوط الحكم عمن ليس بمحسن ولا بمتق. قالت الحنفية: ولذلك خص رسول الله ﷺ الإحداد في الذكر بالمؤمنات، فقال: ﴿لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا عن زوج أربعة أشهر وعشرا﴾ فلذلك أوجبوا الاحداد على الذمية المتوفي عنها زوجها، وهذا عندهم كقوله ﷺ .

стр. 266

لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومع ذي محرم عليها، وكقوله ﷺ لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. الشرط الرابع: أن لا يكون المنطوق محل إشكال في الحكم ، فيزال بالتنصيص عليه، كما يقول أصحاب أبي حنيفة، إن الكفارة إنما نص فيها على قتل الخطأ رفعا لنزاع من يتوهم أنها لا تجب على القاتل خطأ، نظرأ منه أن الخطأ معفو عنه فرفع الشرع، هذا الوهم بالنص عليه، وليس القصد المخالفة بين العمد والخطأ في الكفارة.

стр. 267

الشرط الخامس: أن لا يكون الشارع ذكر حدًا محصورا للقياس عليه لا للمخالفة بينه وبين غيره ، كقوله ﷺ : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: العقرب، والفأرة والحدأة، والغراب والكلب العقور، فإن مفهوم هذا العدد أن لا يقتل ما سواهن، لكن الشارع إنما ذكرهن لينظر إلى إذايتهن فيلحق بهن ما في معناهن، وهذا كقوله ﷺ : اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فإنه ﷺ لم يقصد حصر الكبائر فيهن، وإنما ذكرهن ليحلق بهن ما في معناهن. وكأن هذا الشرط، والذي قبله يرجع عندهما بالمفهوم إلى القسم الخفي من قسمي مفهوم الموافقة، ولذلك قال بعضهم: من شرط مفهوم

стр. 268

المخالفة أن لا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت فيصير موافقة. وإذا تقررت هذه الشروط، فاعلم أن مفهومات المخالفة ترجع إلى سبعة، وإن كان قد عدها بعضهم عشرة، وهي: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان، ومفهم اللقب، فلنعقد في كل مفهوم منها مسألة. المسألة الأولى: مفهوم الصفة . ومثاله: احتجاج أصحابنا على ثمر النخل غير

стр. 269

المأبورة للمبتاع، بقوله ﷺ : «من باع نخلاً قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، ومفهوم هذه الصفة: أن النخل إن لم تؤبر فثمرها للمشتري. وكذلك احتجاج أصحابنا على أن البكر تجبر على النكاح بعد البلوغ، بقوله ﷺ : «الثيب أحقُّ بنفسها من وليها»، فإن مفهومه أن غير الثيب لا تكون أحق بِنَفْسِها، فيكون وليها أحق منها، وإذا كان كذلك فله إجبارها. المسألة الثانية: مفهوم الشرط . ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن واجد الطول لا

стр. 270

يحل له نكاح الأمة، بقوله سبحانه: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن مما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ فإن مفهوم هذا الشرط: أن من استطاع الطول فليس له نكاح الفتيات. المسألة الثالثة: مفهوم الغاية ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الغسل يجزيء عن الوضوء،

стр. 271

بقوله تعالى: ﴿حتى تغتسلوا﴾ فإن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزيء عن الوضوء لم يكن للمغتسل أن يقرب الصلاة. المسألة الرابعة: مفهوم العدد . ومثاله: احتجاج الشافعي على أن النجاسة إذا أصابت ما دون القلتين نجسته، بقوله صلى الله علي وسلم: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».

стр. 272

فإن مفهومه أن ما دون القلتين يحمل الخبث. المسألة الخامسة: مفهوم الزمان ومثاله: احتجاج أهل الظاهر على أن النوافل بالنهار لا تتقدر بعدد معين، بقوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى»، فإن مفهومه: أن صلاة النهار لا تتقدر مثنى مثنى، وإنما لم نقل نحن بهذا المفهوم

стр. 273

لأنه خرج عن سؤال كما تقدم. المسألة السادسة: مفهوم المكان . ومثاله: احتجاج الظاهرية على أن المعتكف يباح له مباشرة النساء في غير المسجد، بقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فإن مفهومه: فإن كنتم في غير المساجد فباشروهن، وإنما لم نقل نحن به، لأنه خرج مخرج الغالب، إذ غالب أحوال المعتكف أن يكون في المسجد، ولا يخرج عنه إلا لضرورة، وقد قدمنا أنه لا يعمل بما خرج مخرج الغالب من المفهومات. المسألة السابعة: مفهوم اللقب . ومثاله: احتجاج الشافعية على أن التيمم لا يجوز بغير

стр. 274

التراب، بقوله ﷺ : جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورا، فإن مفهوم أن غير التراب لا يكون طهورا. واعلم أن هذه المفهومات تتفاوت في القوة والضعف على حسب ما هو مشروح في الكتاب الكبار لكن مفهوم اللقب لم يقل به أحد من العلماء إلا الدقاق، وبعض الحنابلة.

стр. 275

فهذا تمام الكلام في المفهوم، وبه تم الكلام في القول.

стр. 276

القسم الثاني من أقسام المتن الفعل وأعني بذلك فعله ﷺ ، وقد تقرر في أصول الدين عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن المعاصي، فإذا فعل النبي ﷺ فعلا علمنا أنه غير معصية. وقد اختلفت في حكم فعله ﷺ أقوال العلماء: وأشهرها: القول بالوجوب، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك، وقال:

стр. 277

رأيته في موطئه يستدل بأفعاله كما يستدل بأقواله. ويرى هؤلاء أن فعله يدل على الوجوب من قوله سبحانه: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، ومن قوله تعالى: ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ والتحقيق: أنه إن ظهر من النبي ﷺ أنه قصد بفعله ذلك القربة إلى الله تعالى فهو مندوب، لأن ظهور قصد القربة فيه يوضح رجحان فعله على تركه، والزيادة عليه منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الندب.

стр. 278

وإن لم يظهر منه قصد قربة، ففعله ذلك محمول على الإباحة، لأن صدوره منه دليل على الإذن فيه، والزيادة على ذلك منتفية بالأصل، وذلك هو معنى الإباحة. إذا تقرر هذا فحمل الكلام في الأفعال مشروط بأربعة شروط: الشرط الأول: أن لا يكون جبليا ، كالأكل والشرب والنوم والقيام والقعود، فإن الأفعال الجبلية لا يلزمنا أن نتأسي به ﷺ فيها، فلا يلزمنا أن نأكل إذا أكل، أو ننام إذا نام.

стр. 279

الشرط الثاني: أن لا يكون الفعل خاصاً به ﷺ كالتهجد بالليل فإنه خاص به في الوجوب، وكالزيادة على أربع زوجات فإنه خاص به في الإباحة، ومن ذلك: أنه ﷺ أعتق صفية وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فلا يجوز ذلك لغيره عندنا، والمخالف يرى أن ذلك ليس بخاص به.

стр. 280

الشرط الثالث: أن لا يكون بيانا لما ثبت مشروعيته ، فإنه إذا كان بيانا فحكمه تابع لما هو بيان له، فقد يكون البيان بالقول، كقوله ﷺ ، صلوا كما رأيتموني أصلي، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وكذلك قوله ﷺ : خذو عني مناسككم، وقد يكون البيان بقرينة، كما روى: أنه ﷺ قطع السارق من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.

стр. 281

الشرط الرابع: أن لا يكون قد علم حكمه قبل ذلك ، فإنه إن علم أنه واجب أو سنة في أصل المشروعية له فأمته مثله. فإذا تقررت هذه الشروط فنقول: أما القسم الأول: وهو الذي يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فلا يخلو إما أن يثبت الفعل إجمالا في محل الحكم، أو تفصيلا. أما الإجمال: فكاحتجاج الشافعية على أن مسح الرأس يستحب فيه التكرار ثلاثا، بما روى: أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا.

стр. 282

فيقول أصحابنا: هذا ليس بصريح في تكرار المسح، بل الظاهر أنه لا يتناوله، لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، والنظافة مخصوصة بالغسل، فكأنه قال: غسل رسول الله ﷺ ثلاثا ثلاثا. والجواب عند الشافعية أن الوضوء في لسان الشرع يتناول مسح الرأس، ويتأيد هذا بما ورد في الخبر من أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ومعلوم أن الصلاة لا تقبل إلا بوضوء مشتمل على مسح الرأس، فعلمنا، أن الوضوء مشتمل على مسح الرأس في قوله توضأ رسول الله ﷺ ثلاثاً ثلاثاً.

стр. 283

وأما التفصيل: فكاحتجاج أصحابنا على وجوب الطهارة في الطواف بما روى أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على طهارة. فتقول الحنفية: لا يلزم من ذلك الوجوب، لأن فعله ﷺ لا يدل على الوجوب، والجواب عند أصحابنا: إما بيان أنه دليل على الوجوب بما يذكرونه في أصول الفقه، وإما أنه بيان للطواف الوجب في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وهو من المناسك وقد قال ﷺ : ﴿خذوا عني مناسككم﴾ وإذا كان بيانا للواجب فهو واجب. ومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على الوجوب القيام في الخطبة

стр. 284

بما روي: أن النبي ﷺ كان يخطب قائما. والحنفية لا تحمل فعله ﷺ على الوجوب، فلا توجب القيام، وأصحابنا يبينون أنه للوجوب بما في أصول الفقه، ويرون أنه بيان لصلاة الجمعة، وتابعها الواجب، وبيان الواجب واجب. ومثال ذلك: احتجاج الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا على وجوب الترتيب في الوضوء، بما روى: أنه ﷺ توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه، وربما يثبتون، أنه توضأ مرتبًا

стр. 285

بطريقة أخرى، فيقولون: لو لم يتوضأ مرتبا لتوضأ منكسا، ولو توضأ منكسا لوجب التنكيس لأن فعله ﷺ دليل على الوجوب، فدل أنه توضأ مرتبًا، وإذا توضأ مرتبا كان الترتيب واجبا، لما تقدم من دلالة فعله ﷺ على الوجوب. وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فغاية ما يدل عليه جواز الفعل، وهذا كاحتجاج الحنفية على جواز نكاح المحر، بما روي أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو
следующие страницы →