Полный текст (465 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الشرط الرابع: أن لا يكون قد علم حكمه قبل ذلك ، فإنه إن علم أنه واجب أو سنة في أصل المشروعية له فأمته مثله.
فإذا تقررت هذه الشروط فنقول:
أما القسم الأول: وهو الذي يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فلا يخلو إما أن يثبت الفعل إجمالا في محل الحكم، أو تفصيلا.
أما الإجمال: فكاحتجاج الشافعية على أن مسح الرأس يستحب فيه التكرار ثلاثا، بما روى: أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا.
стр. 282
فيقول أصحابنا: هذا ليس بصريح في تكرار المسح، بل الظاهر أنه لا يتناوله، لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، والنظافة مخصوصة بالغسل، فكأنه قال: غسل رسول الله ﷺ ثلاثا ثلاثا.
والجواب عند الشافعية أن الوضوء في لسان الشرع يتناول مسح الرأس، ويتأيد هذا بما ورد في الخبر من أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ومعلوم أن الصلاة لا تقبل إلا بوضوء مشتمل على مسح الرأس، فعلمنا، أن الوضوء مشتمل على مسح الرأس في قوله توضأ رسول الله ﷺ ثلاثاً ثلاثاً.
стр. 283
وأما التفصيل: فكاحتجاج أصحابنا على وجوب الطهارة في الطواف بما روى أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على طهارة.
فتقول الحنفية: لا يلزم من ذلك الوجوب، لأن فعله ﷺ لا يدل على الوجوب، والجواب عند أصحابنا: إما بيان أنه دليل على الوجوب بما يذكرونه في أصول الفقه، وإما أنه بيان للطواف الوجب في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وهو من المناسك وقد قال ﷺ : ﴿خذوا عني مناسككم﴾ وإذا كان بيانا للواجب فهو واجب.
ومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على الوجوب القيام في الخطبة
стр. 284
بما روي: أن النبي ﷺ كان يخطب قائما.
والحنفية لا تحمل فعله ﷺ على الوجوب، فلا توجب القيام، وأصحابنا يبينون أنه للوجوب بما في أصول الفقه، ويرون أنه بيان لصلاة الجمعة، وتابعها الواجب، وبيان الواجب واجب.
ومثال ذلك: احتجاج الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا على وجوب الترتيب في الوضوء، بما روى: أنه ﷺ توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه، وربما يثبتون، أنه توضأ مرتبًا
стр. 285
بطريقة أخرى، فيقولون: لو لم يتوضأ مرتبا لتوضأ منكسا، ولو توضأ منكسا لوجب التنكيس لأن فعله ﷺ دليل على الوجوب، فدل أنه توضأ مرتبًا، وإذا توضأ مرتبا كان الترتيب واجبا، لما تقدم من دلالة فعله ﷺ على الوجوب.
وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى: فغاية ما يدل عليه جواز الفعل، وهذا كاحتجاج الحنفية على جواز نكاح المحر، بما روي أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو
стр. 286
محرم. فإذا كان ذلك مباحًا في حقه فهو في حقنا كذلك، وقد أباح له ﷺ نكاح زوج دعيه زيد بن حارثة بقوله سبحانه: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، وعلله بقوله سبحانه: لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، فأفادت العلة اقتداءنا به في الإباحة ورفع الحرج.
стр. 287
خاتمة
ويلحق بالفعل في الدلالة الترك فإنه كما يستدل بفعله ﷺ على عدم التحريم، يستدل بتركه على عدم الوجوب.
وهذا كاحتجاج أصحابنا على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار بما روي أنه ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى، [ول يتوضأ.
وكاحتجاجهم على أن الحجامة لا تنقض الوضوء، بما
стр. 288
روي: أنه ﷺ احتجم ولم يتوضأ وصلى.
ومما يلحق به أيضا في الدلالة على عدم الحكم، سكوته ﷺ على حكم لو كان مشروعا لبينه.
ومثاله احتجاج الشافعية على أن من أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه، بما روى أن رجلا قال: يا رسول الله نسيت وأكلت وشربت وأنا صائم، فقال: الله أطعمك وسقاك، قالوا: فلو كان القضاء واجبًا لبينه ﷺ .
стр. 289
وكذلك: احتجاجهم على أن المرأة لا كفارة عليها في الوقاع في رمضان، بما روي أن رجلا قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال ﷺ اعتق رقبة، فلو وجبت على المرأة كفارة لبينها، ﷺ ، ولأمره بتبليغ ذلك لأهله كما أمر أنيسا في حديث الرجل الذي فجرت امرأته، فقال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
стр. 290
واعلم: أن من شرط هذا الاستدلال بيان أن الوقت وقت حاجة للبيان، بحيث يكون التأخير معصية، فلذلك لم نقل نحن بسقوط القضاء عمن أفطر ناسيًا، ولا بسقوط الكفارة عن المرأة في الوقاع، ونرد ما احتجت به الشافعية: بأن القضاء والكفارة غير واجبين على الفور فلا يلزم من تركه ﷺ بيان الحكم على الفور سقوط الحكم، وإنما أمر أنيسا على الفور، لأنه حد بلغ] الإمام فبيانه يوجب عليه القيام به في الفور.
وهذا تمام الكلام على قسم الفعل.
стр. 291
القسم الثالث من أقسام المتن التقرير
اعلم أن النبي صلىى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ ولا على المعصية، لأن التقرير على الفعل معصية، فالعاصم له من فعل المعصية، عاصم له من التقرير عليها.
ومن شرط التقرير الذي هو حجة:
أن يعلم به النبي ﷺ ويكون قادرا على الإنكار.
وأن لا يكون قد بين حكمه قبل ذلك بيانا يسقط عنه وجوب
стр. 292
الإنكار، فإذا تقرر هذا، فالإقرار إما على الحكم، وإما على الفعل، فهذا فصلان:
الفصل الأول: إذا وقع الحكم بين يديه ﷺ فأقره على ذلك ، كان دليلا على أنه حكم الشرع في تلك المسألة، وذلك كاحتجاج أصحابنا على أن حكم قذف الزوج لزوجته الحد، وأن اللعان مسقط له، خلافا للحنفية القائلين بأن حكمه اللعان، فإن تعذر وجب الحد، بقول العجلاني
стр. 293
للنبي ﷺ : الرجل يجد مع امرأته رجلا، إن قتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت عن غيظ، فسكت عنه النبي ﷺ فدل على إصابته في الحكم.
وفي معنى هذا التقرير: تقريره ﷺ على حجة يحتج بها بين يديه كما احتج مجزز المدلجي بالشبه، فقال حين رأي أقدام زيد
стр. 294
وأسامة وقد غطيا رؤوسهما، إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر به رسول الله ﷺ .
واعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم قد فهموا الصواب بين يدي النبي ﷺ بتركه الإنكار، ألا ترى إلى حديث جابر قال: أحلف بالله بأن ابن صياد هو الدجال، لأني سمعت عمر
стр. 295
يحلف بالله بأن ابن صياد هو الدجال، بين يدي رسول الله ﷺ فلم ينكر عليه.
الفصل الثاني: اعلم أن الفعل: إما أن يكون واقعا بين يديه ﷺ وإما أن يكون واقعا في زمانه ﷺ ، والواقع في زمانه: إما أن يكون مشتهرا، وإما أن يكون خفيا فهذه ثلاث مسائل.
المسألة الأولى الفعل الواقع بين يديه ﷺ
ومثاله: احتجاج الشافعية على قضاء فوائت النوافل في الأوقات
стр. 296
الممنوعة بما روي قيس بن قعد، قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أصلي ركعتين بعد صلاة الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس، فقلت يا رسول الله: لم أكن صليت ركعتي الفجر فهما، هاتان الركعتان، فسكت ﷺ .
стр. 297
المسألة الثانية: ما وقع في زمانه ﷺ وكان مشهورا
ومثاله: احتجاج الشافعية على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل بما روي: أن معاذا كان يصلي العشاء مع رسول الله ﷺ ثم ينصرف إلى قومه فيصلي بهم وهي له تطوع ولهم فريضة. وليس هذا في القوة كالأول، لاحتمال أن يكون لم يبلغه ﷺ ، وإن كان الغالب على الظن بأن الغالب أن رسول الله ﷺ كان يعلم الأئمة الذين يصلون في قبائل
стр. 298
المدينة، لا سيما وقد ورد في الخبر: أن أعرابيا شكا معاذا إلى النبي ﷺ مما يطول في الصلاة، فقال له النبي ﷺ : أفتان أنت يا معاذ.
المسألة الثالثة: وهو ما وقع في زمانه ﷺ وكان خفيا .
ومثاله: احتجاج بعض العلماء على أن التقاء الختانين من دون إنزال لا يوجب الغسل، بقول بعض الصحابة رضوان الله عليهم:
كنا نكسل على عهد رسول الله ﷺ ولا نغتسل، وهذا يقوي فيه
стр. 299
احتمال عدم علمه ﷺ ، فلذلك كان الصحيح: أن مثل هذا ليس بحجة بخلاف الأولين.
فهذا تمام الكلام في التقرير، وبه تم الكلام في اتضاح الدلالة.
стр. 300
الباب الثالث: في كون الأصلي النقلي مستمر الأحكام
ومعناه: أنه غير منسوخ، فلنتكلم في النسخ، وينجصر الكلام فيه، في مقدمة تشتمل على شرح حده، وفيما يهم ويكثر تداوله بين الفقهاء من مسائله.
أما المقدمة: فاعلم أن حد النسخ: رفع الحكم الشرعي بالدليل الشرعي المتأخر عنه.
وقيل: انتهاء الحكم الشرعي، وذكر
стр. 301
القاضي أبو بكر بن الطيب: أن حقيقته الرفع، والفرق بينهما في المثال: أن من استأجر دارا سنة، فتمت السنة، فيقال: قد انتهى عقد الإجارة، ولا يقال ارتفع، ولو تهدمت الدار في أثناء السنة لقيل: ارتفع العقد، ولا يقال انتهى.
والرفع يقتضي كون الرافع أقوى من المرفوع، لاستحالة أن يرفع الأضعف ما هو اقوى منه، وأما الانتهاء فلا يلزم منه ذلك، لأن المنتهى ينتهي بنفسه، ولا يلزم أن يكون ما ينتهي إليه أقوى منه.
وعلى هذا الأصل اختلف أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة في نكاح الزوج الثاني هل يهدم ما دون الطلقات الثلاث أو لا؟
стр. 302
فأصحابنا يقولون: لا ينهدم ما دون الثلاث بنكاح الزوج الثاني: لأن نكاح الزوج الثاني غاية للتحريم اللاز عن الثلاث، لقوله تعالى: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. فلا يلزم من كونه غاية لشيء أن يكون غاية لما دونهما.
والحنفية يقولون: هو رافع، لحكم الثلاث الذي هو التحريم، وحكم الثلاث أقوى من حكم ما دونها، فلما كان رافعا للأقوى كان رفعه لما دونه أولى.
وإنماا شترطنا في الحكم أن يكون شرعيا لأن رفع البراءة الأصلية ليس بنسخ، وإلا لزم أن يكون كل حكم مشروع ناسخًا، لأنه رافع للبراءة الأصلية.
وإنما اشترطنا أن يكون بدليل شرعي، لأنه إذا ارتفع بدليل عقلي لا
стр. 303
يكون نسخاً، كما لو كان المكلف نائما أو جن، فإن الحكم يرتفع بذلك وليس رفعه بدليل شرعي بل عقلي.
وإنما اشترطنا أن يكون متأخرا عن الحكم تحرزا من الغاية، فإنها لا تكون ناسخة للحكم، فالصيام إذا انتهي إلى الليل فأفطر الصائم لا يقال بأن فريضة الصيام قد نسخت في حقه، لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾.
فهذا تمام المقدمة، فلنتكلم على المسائل:
المسألة الأولى: الزيادة على النص المطلق ليست بنسخ عندنا وعند الشافعية، خلافاً للحنفية .
стр. 304
وأصحابنا يرون أن تلك الزيادة لم ترفع حكما شرعيا، فلا تكون ناسخة، نعم: لو تقدم حكم في تلك الزيادة ثم ارتفع لكان نسخا.
ويتبين هذا بمثالين:
المثال الأول: قراءة الفاتحة، فرض عندنا في الصلاة لقوله ﷺ ، لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقوله ﷺ كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، والطمأنينة واجبة في الركوع والسجود
стр. 305
عندنا لقوله ﷺ في حديث الأعرابي، ثم اركع حتى تطمئن راكعا ن والطهارة شرط في صحة الطواف عندنا، لقوله ﷺ الطواف بالبيت صلاة، ولأنه ﷺ ، طاف على طهارة، وفعله دليل على الوجوب.
وعند الحنفية: القراءة المطلقة هي الواجبة من قوله سبحانه: فاقرءوا ما تيسر والفاتحة زيادة، والركوع المطلق هو الفرض
стр. 306
من قوله سبحانه: اركعوا واسجدوا، والطمأنينة زيادة، والطواف، المطلق هو الفرض، من قوله سبحانه، وليطوفوا بالبيت العتيق، والطهارة زيادة، فلو وجبت هذه الزيادة لكانت نسخا للمطقات الثابتة بالقرآن، والأخبار الموجبة لهذه الزيادات، اخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا تكون ناسخة للقرآن، لأن المظنون لا ينسخ المقطوع.
المثال الثاني: التغريب، يجب عندنا مع الجلد، لقوله ﷺ جلد مائة وتغريب عام، والحنفية يرونه زيادة على الجلد المذكور
стр. 307
في القرآن، هو نسخ، ونسخ القرآن بأخبار الآحاد لا يجوز.
والفرق بين المثال الأول وهذا المثال هو: أن الزيادة في المثال الأول صفة في الأصل المزيد عليه، والزيادة هنا متميزة عن الأصل المزيد عليه، لا يقال إن الطهارة متميزة عن الطواف، لأنا نقول: لسنا نعني بالطهارة الوضوء، بل صفة المكلف الحاصلة حين الطواف، بدليل أنه لو أحدث بعد الوضوء لم يطف لأن الطهارة حين الطواف لم تحصل، وإنما يرى أصحابنا أنها ليست بنسخ، لأن العبادة المطلقة المأمور بها من حيث هي لا تنافي شيئا من القيود، فأجزأت ولم يجب قيد معين، فإذا وجب القيد المعين كان زيادة على وجوب الأصل، لا رافعا له، كعبادة زيدت على عبادة، فلا تكون الثانية ناسخة لحكم الأولى.
المسألة الثانية: اختلف إذا نسخ المنطوق ، هل يلزم من ذلك نسخ المفهوم أم
стр. 308
لا؟ والمسألة مسألة نظر وبحث.
أما مفهوم الموافقة فمثاله: احتجاج الحنفية على أن الحر يقتل بالعبد، بقوله ﷺ : من قتل عبده قتلناه، ومن جرحه
стр. 309
جرحناه"، فإذا وجب ذلك في عبده، فوجوبه في عبد غيره أحرى، وأولى.
فيقول أصحابنا: هذا الخبر منسوخ عندنا، لأنكم لا تقولون بأن الحر يقتل بعبده.
والجواب عندهم: أنهم يستدلون بفحوى هذا الخطاب، وإن كان أصله منسوخا، إذ لا يلزم نسخ الفحوي من نسخ أصلها.
وأما مفهوم المخالفة فمثاله: احتجاج أصحابنا على أن الوصية للأجانب غير فرض، بقوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم
стр. 310
الموت إن ترك خيرًا بالوصية للوالدين والأقربين﴾، فمفهومه: أنها لغير الوالدين والأقربين غير فرض.
ويقول أهل الظاهر هذه الاية منسوخة، بقوله ﷺ : لا وصية لوارث.
والجواب عند أصحابنا: أن الاية لها جهتان في الدلالة، جهة منطوق وجهة مفهوم، فلا يلزم من نسخ مقتضى إحدى الجهتين نسخ مقتضى الأخرى.
стр. 311
المسألة الثالثة:
اعلم أن الأصل النقلي يعلم كونه منسوخا بوجوه منها: متفق عليه، ومنها: مختلف فيه.
فمن ذلك أن ينقل عن النبي ﷺ كونه منسوخا بالصريح، كقوله ﷺ كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها، وكنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، وكنت نهيتكم عن زيادة القبور فزورها، فهذه الأخبار علم منها الحكم المنسوخ.
ومما احتج به بعض أصحابنا على طهارة جلد الميتة بعد الدباغ، قوله ﷺ : إيما إهاب دبغ فقط طهر.
فتقول الحنابلة: هذا منسوخ بقوله ﷺ : كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا إتاكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.
والجواب عند أصحابنا: أن الحديث إنما أشار به إلى ما رخص فيه
стр. 312
حين مر بشاة ميتة، فقال: هلا انتفعتم بجلدها. قيل: يا رسول الله إنها ميتة. فقال: إنما حرم أكلها، فلما أباح ﷺ الانتفاع بجلدها إباحة مطلقة من دون تقييد بدباغ أشار في الخبر إلى تحريمه، لا إلى تحريم الانتفاع بالجلد بعد الدباغ، والذي يدل على ذلك: ان الإهاب اسم للجلد الذي لم يدبغ، فقوله ﷺ لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، إنما أشعر بتحريم الانتفاع بالجلد قبل الدباغ، فأما بعده فلا.
ومن ذلك: أن ينعقد الإجماع على خلاف الحكم، وإن لم يعلم الناسخ فالإجماع عندنا ليس بناسخ، ولكنه متضمن للناسخ، ومثاله ما
стр. 313
روي: أن رسول الله ﷺ أمر بقتل شارب الخمر، في المرة الرابعة، ثم انعقد الإجماع، بعد ذلك على أنه يحد ولا يقتل، فعلمنا أن الخبر الأول منسوخ.
ومن هذا المعنى عندنا عمل أهل المدينة، ولذلك قدمه مالك
стр. 314
رحمه الله على الخبر.
ومن ذلك أن يصرح الراوي بأن الحكم منسوخ، كما إذا احتج بعض أصحابنا على ان الحامل والمرضع تفطران وتطعمان، بقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾.
стр. 315
فيقول المخالف: هذا منسوخ بما روى أن سلمة بن الأكوع، قال: إن الناس كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين الصوم والفطر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فلو لميكن ما قال الراوي في بيان تقدمه: كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ فإن قال: هذا منسوخ بهذا، فإن كثيرًا من الأصوليون لا يجعل قول الراوي دليلا، لأنه يتحمل أن يكون عن اجتهاد لا عن نقل.
стр. 316
ومن ذلك: أن يستند الراوي في بيان تقدمه على ما يخالفه إلى أمر إجمالي، كما إذا احتج أصحابنا على أن الإمام مخير بين المن والفداء، بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذه الاية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فإن الاية الاولى في سورة القتال، والاية الثانية في سورة براءة، ومن المعلوم أن براءة متأخرة عن القتال، في النزول.
ومن ذلك إذا علم تاريخ الحكم، وعلى تأخر، إسلام راوي الخبر المعارض له عن ذلك التاريخ، كما إذا احتج أصحاب أبي
стр. 317
حنيفة على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، بقول طلق بن علي: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يؤسس مسجد المدينة، فسألة رجل عن مس الذكر: أينقض الوضوء؟ فقال: هل هو إلا بضعة منك».
стр. 318
فيقول أصحابنا: هذا منسوخ بخبر أبي هريرة، عنه ﷺ : «من مس ذكره فليتوضأ»، ومن المعلوم أن إسلام أبي هريرة بعد بناء المسجد بسنين، فقد قال أبو هريرة: «قدمت المدينة والنبي ﷺ بخيبر، وعلى المدينة سباع بن عرفطة».
стр. 319
فإن لم يتعين تاريخ الخبر المنسوخ لم يلزم نسخه بتأخر إسلام راوي الخبر المعارض له، ولا بقرب أحد الخبرين في التاريخ من موته ﷺ ، كما روي: «أن رسول الله ﷺ نهى عن استقبال القبلة ببول أو بغائط».
فيقول المخالف: هذا منسوخ بحديث جابر، قال: «رأيت النبي ﷺ قبل موته بعام يبول وهو مستقبل القبلة»، وإنما لم يتعين بهذا كون الخبر الأول منسوخاً، لاحتمال أن يكون متأخرًا عن حديث جابر.
ومن ذلك ان يرتفع سبب مشروعية الحكم ويستقر خلافه، فإن ذلك لا يدل على أن الحكم الأول منسوخ، كما إذا استدل أصحابنا على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، بحديث أبي هريرة.
فتقول الحنفية: إنما كان ذلك لشدة ألفهم للكلاب، وعسر مفارقتها
стр. 320
عليهم، فشدد عليهم في ذلك لكي يتجشموا مفارقتها، وتنقطع العلاقة العادية بينهم وبينها، فلما زالت تلك الحقائق زال الحكم المشروع.
وكذلك احتجاج أصحابنا على أن تخليل الخمر محظور، بحديث أنس قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: لا».
فتقول الحنفية: إنما كان ذلك في ابتداء الأمر، لأجل شدة شغفهم
следующие страницы →