Полный текст (465 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومن ذلك: أن يستند الراوي في بيان تقدمه على ما يخالفه إلى أمر إجمالي، كما إذا احتج أصحابنا على أن الإمام مخير بين المن والفداء، بقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذه الاية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ فإن الاية الاولى في سورة القتال، والاية الثانية في سورة براءة، ومن المعلوم أن براءة متأخرة عن القتال، في النزول.
ومن ذلك إذا علم تاريخ الحكم، وعلى تأخر، إسلام راوي الخبر المعارض له عن ذلك التاريخ، كما إذا احتج أصحاب أبي
стр. 317
حنيفة على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، بقول طلق بن علي: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يؤسس مسجد المدينة، فسألة رجل عن مس الذكر: أينقض الوضوء؟ فقال: هل هو إلا بضعة منك».
стр. 318
فيقول أصحابنا: هذا منسوخ بخبر أبي هريرة، عنه ﷺ : «من مس ذكره فليتوضأ»، ومن المعلوم أن إسلام أبي هريرة بعد بناء المسجد بسنين، فقد قال أبو هريرة: «قدمت المدينة والنبي ﷺ بخيبر، وعلى المدينة سباع بن عرفطة».
стр. 319
فإن لم يتعين تاريخ الخبر المنسوخ لم يلزم نسخه بتأخر إسلام راوي الخبر المعارض له، ولا بقرب أحد الخبرين في التاريخ من موته ﷺ ، كما روي: «أن رسول الله ﷺ نهى عن استقبال القبلة ببول أو بغائط».
فيقول المخالف: هذا منسوخ بحديث جابر، قال: «رأيت النبي ﷺ قبل موته بعام يبول وهو مستقبل القبلة»، وإنما لم يتعين بهذا كون الخبر الأول منسوخاً، لاحتمال أن يكون متأخرًا عن حديث جابر.
ومن ذلك ان يرتفع سبب مشروعية الحكم ويستقر خلافه، فإن ذلك لا يدل على أن الحكم الأول منسوخ، كما إذا استدل أصحابنا على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً، بحديث أبي هريرة.
فتقول الحنفية: إنما كان ذلك لشدة ألفهم للكلاب، وعسر مفارقتها
стр. 320
عليهم، فشدد عليهم في ذلك لكي يتجشموا مفارقتها، وتنقطع العلاقة العادية بينهم وبينها، فلما زالت تلك الحقائق زال الحكم المشروع.
وكذلك احتجاج أصحابنا على أن تخليل الخمر محظور، بحديث أنس قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: لا».
فتقول الحنفية: إنما كان ذلك في ابتداء الأمر، لأجل شدة شغفهم
стр. 321
بها، فحرم اقتناؤها للتخليل حسما للباب، فلما زالت تلك المهلكات زال تحريم الاقتناء للتخليل، ألا ترى أنه ﷺ أمر بكسر الدنان، وتخريق الظروف حينئذ، ولا يجب اليوم بالإجماع.
والجواب عند أصحابنا: أن الحكم إذا شرع لسبب فلا يلزم رفعه لارتفاع ذلك السبب، ألا ترى أنه ﷺ أمر بالرمل في الطواف، إظهارا لجلد الإسلام حين قالت كفار قريش في عمرة القضاء: إن أصحاب محمد قد وهنتهم حمي يثرب، وقد زال هذا السبب، ثم لم يزل الحكم، فقد رمل رسول الله ﷺ في حجة الوداع ورمل
стр. 322
أصحابه ولم يكن بمكة إذ ذاك مشرك.
وهذه المسألة: أعني مسألة تخليل الخمر، مما يتعلق بالنظر في جواز النسخ بالقياس، وفي ذلك خلف
ومثال ذلك: احتجاج أصحابنا على أن أسار السباع طاهرة، بما رواه جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ سئل: أيتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضيت السباع كلها.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: إنما كان ذلك حين كانت السباع
стр. 323
حلالا فلما نسخت إباحة السباع نسخت طهارة أسآرها، فكأنهم قاسوا نسخ أحد الحكمين على نسخ الآخر، بناء على اتحادهما في العلة، فلما زال أحد الحكمين زال اعتبار علته، ولزم من ذلك زوا الحكم الآخر.
ونحن نقول: لا يلزم من نسخ أحد الحكمين نسخ الآخر، لأن الوصف الواحد يجوز أن يكون علة لحكمين من جهتين، فلا يلزم من رفع اعتباره من إحدى الجهتين رفع اعتباره من الجهة الأخرى، فيتعلق بما نحن فيه، إذا كان الدليل أو الخبر يتضمن حكمين، فهل يلزم من نسخ أحد الحكمين نسخ الآخر أو لا
والتحقيق فيه: أنه إن كان أحد الحكمين لا ارتباط بينه وبين الآخر إلا من حيث اشتمل عليها نص واحد من كتاب أو سنة، فإنه لا يلزم من رفع أحدهما رفع الآخر.
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن بيع الكلب حرام، بقوله ﷺ :
стр. 324
كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث.
فيقول المخالف: قد نسخ خبث كسب الحجام بحديث أبي طيبة: أنه حجم رسول الله ﷺ فأعطاه أجرته، فإذا نسخ خبث كسب الحجام نسخ خبث ثمن الكلب، فهذا وأمثاله ضعيف.
وأما إن كان بين الحكمين ارتباط وتلازم، فإنه يلزم من رفع احد الحكمين رفع الآخر، ومثاله: ما إذا ادعينا حد شارب النبيذ بالقياس على الخمر أو غيره.
فتقول الحنفية: قد نسخ الحد عنه بقوله ﷺ : كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، فلما نسخ التحريم فيه لزوم وجوب الحد على شاربه.
стр. 325
كذلك كل ما في معنى هذا المثال، كما إذا ادعينا جرحة الشاهد بفعل من الأفعال، فيقول: قد نسخ ذلك الفعل، فيلزم نسخ التجريح به.
وقد يكون الاستلزام خفيا أو مظنونًا، فيقع الخلاف، كما إذا احتج الشافعي رحمه الله تعالى على تحريم ثمن الكلب بما روى أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب وما وجب قتله فلا قيمة على متلفه، ومالا قيمة على متلفه فلا ثمن له.
فتقول الحنفية: قد نسخ حكم قتل الكلاب، فوجب بذلك القيمة على متلفه، وما لا قيمة على متلفه فلا ثمن له.
فتقول الحنفية: قد نسخ حكم قتل الكلاب، فوجب بذلك القيمة على متلفه، فإذا وجبت القيمة حل الثمن.
فهذا استلزم خفي، يقبل المنع، مع أنه لا يلزم من وجوب القيمة على القاتل جواز البيع.
стр. 326
خاتمة
اعلم أن الناسخ قد ينسخ: إما بغير الحكم الأول، وإما بمثله، فقد نسخ صوم يوم عاشوراء بالتخيير بين صوم رمضان والإطعام، ثم نسخ ذلك التخيير بالتعيين، وقد صح أن نكاح المتعة قد أباحه الله تعالى، ثم حرمه ثم أباحه ثم حرمه، ثم أباحه ثم حرمه فاستقر فيه التحريم، ذكر ذلك ابن حزم وهو ثقة في
стр. 327
النقليات.
فهذا تمام الكلام في النسخ.
стр. 328
الباب الرابع: في كون الأصل النقلي راجحا
اعلم أن الترجيح يقع: إما من جهة السند، وإما من جة المتن، فهذا فصلان:
الفصل الأول: في ترجيحات السند
وله عشرة أسباب:
السبب الأول: كبر الراوي
ومثاله: احتجاج أصحابنا على أن الإفراد بالحج افضل،
стр. 329
بحديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ أفرد بالحج حين أحرم.
فتقول الحنفية: هذا معارض بحديث أنس: أنه سمع رسول الله ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا.
والجواب عند أصحابنا: أن ابن عمر كان في حجة الوداع كبيرا وكان أنس صغيرا، فكانت رواية ابن عمر ارجح، وقد روي الثقات عن زيد بن أسلم وغيره، أن رجلا أتى ابن عمر فقال: بم أهل
стр. 330
رسول الله ﷺ : فقال: ألم تأت العام الأول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم، أنه قرن فقال ابن عمر: إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء - وهن مكشفات الرؤوس - وإني كنت تحت ناقة رسول الله ﷺ يمسنى لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وإنما كانت رواية الكبير أرجح، لأنه أثبت وأضبط لما يرويه.
السبب الثاني: أن يكون الراوي لأحد الخبرين أعلم وأتقن من الراوي الآخر ،
стр. 331
ومثاله: احتجاج أصحابنا على ان الإفراد بالحج أفضل، بحديث عائشة، فإذا عورض بحديث أنس، قلنا في الجواب: إن عائشة أعلم وأتقن من أنس.
السبب الثالث: أن يكون الراوي مباشرا للقصة بنفسه ، فروايته أرجح من غير المباشر، لأن المباشر أقعد بما باشر، وأعرف وأثبت.
ومثاله: ترجيح أصحابنا رواية أبي رافع، على رواية ابن عباس، قال
стр. 332
أبو رافع: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة - وهو حلال -، وبني بها، وهو حلال - وكنت أنا الرسول بينهما، وقال ابن عباس: تزوجها وهو محرم، فأبو رافع باشر القصة فهو أولى.
стр. 333
السبب الرابع: أن يكون أحد الراويين صاحب الواقعة فهو أولى .
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث ميمونة قال: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان، على رواية ابن عباس المذكورة.
السبب الخامس: أن يكون أحد الراويين أكثر صحبة، فالأكثر صحبة أولى .
стр. 334
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث عائشة، وأم سلمة: أن رسول الله ﷺ ، كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصوم، على رواية أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: أصبح جنبا فلا صوم له، وهذا لأن الأدوم صحبة أعرف بما يدوم من السنن وما لا يدوم، ولذلك لما بعث مروان بن الحكم
стр. 335
إلى أبي هريرة من يرد عليه ما روى بحديث عائشة وأم سلمة، قال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال أبو هريرة: هما أعلم.
السبب السادس: كثر رواة أحد الخبرين .
стр. 336
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر على حديث طلق بن علي، وهو قوله ﷺ ، هل هو إلا بضعة منك، فإن حديث إيجاب الوضوء، رواه أبو هريرة وابن عمر، وزيد بن خالد، وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة، وأم
стр. 337
حبيبة، وأروى وما كان أكثر رواة كان أرجح وقد قيل: لا يقع بكثرة الرواة ترجيح كما لا يقع بكثرة الشهود ترجيح.
السبب السابع: أن يكون أحدهما أقرب إلى النبي ﷺ ، كترجيح أصحابنا
стр. 338
حديث ابن عمر في إفراد الحج، على حديث أنس، وقد تقدما.
السبب الثامن: كون الراوي سمع الحديث من غير حجاب ، كترجيح أصحابنا حديث القاسم، وعروة عن عائشة، أن بريرة عتقت
стр. 339
وزوجها عبد، على رواية الأسود عن عائشة: "أنها عتقت وزوجها حر".
стр. 340
السبب التاسع: أن يكون أحد الراويين لم تختلف الرواية عنه بخلاف الآخر ، كترجيح حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون: وفي كل خمسين حقه، على حديث عمرو بن حزم: أن النبي ﷺ قال: إذا زادت الإبل على
стр. 341
عشرين ومائة استؤنفت الفريضة، فإنه قد روي عن عمرو بن حزم مثل رواية ابن عمر.
السبب العاشر: أن يكون أحد الراويين متأخر الإسلام ، لأنه أقل احتمالاً
стр. 342
للنسخ، كترجيح أصحابنا حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ سلم من اثنتين وتكلم، وبني على صلاته، على حديث ابن مسعود قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ في الصلاة فيرد علينا، فلما قدمنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، [فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك فترد علينا] فقال: إن في الصلاة شغلا، وفي رواية أخرى: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا
стр. 343
في الصلاة، فإن الحنفية احتجت بهذا الحديث على أن الكلام في الصلاة يبطلها مطلقا كالحدث.
فهذه نبذ من ترجيحات السند.
стр. 344
الفصل الثاني: في ترجيحات المتن ، وأسبابه عشرة:
السبب الأول: أن يكون أحد المتنين قولا والآخر فعل ا، فإن القول أقوى على الصحيح.
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث عثمان، قال: قال
стр. 345
رسول الله ﷺ : لا ينكح المحرم ولا ينكح على حديث ابن عباس: ان رسول الله ﷺ نكح ميموة - وهو محرم. وذلك أن الفعل يحتمل الخصوص به، ولا يدل على دوام الحكم، والقول بخلافه.
السبب الثاني: أن يكون أحد المتنين دالاً بمنطوقه والآخر بمفهومه ، فالدال بمنطوقه أولى.
ومثاله: ترجيح الحنفية ما روى: أن رسول الله ﷺ قال: الجار أحق بشفعة جاره، على مفهوم قوله ﷺ : الشفعة فيما لم
стр. 346
يقسم".
فإن كان مع المفهوم منطوق انعكس الترجيح، لأنه حينئذ تحصل الدلالة بوجهين، كترجيح أصحابنا قوله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم، فإذا صرفت الحدود، فلا شفعة، فهذا يدل بمنطوقه وبمفهومه على أن لا شفعة للجار، على قوله ﷺ : الجار أحق بشفعة جاره، وقد اشتمل هذا على سببين.
السبب الثالث: أن يكون أحدهما قصد به الحكم ولآخر ليس كذلك ، فإن ما
стр. 347
قصد به الحكم أرجح.
كترجيح أصحابنا حديث جبريل في: أنه صلى به العصر حين صار ظل كل شيء مثله، على الحديث الذي تمسكت به الحنفية: من أن أول الوقت أن يصير ظل كل شيء مثليه، وهو حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إنما مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم، مثل رجل استأجر أجيرا، فقال: من يعمل ما بين غدوة إلى نصف
стр. 348
النهار على قيراط، فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل فيما بين نصف النهار إلى العصر على قيراط، فعملت النصاري ثم قال: من يعمل فيما بين العصر والمغرب على قيراطين فعملتم أنتم، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء، فقال: هل نقصتكم من حقكم شيئا؟ فقالوا: لا فقال: إنما هو فضلى أوتيه من أشاء.
قالت الحنفية: فدل هذا الحديث على أن ما بين العصر والغرب أقل مما بين الزوال والعصر، ولا يصح ذلك إلا إذا كان أول وقت العصر أن يصير ظل كل شيء مثليه.
فأصحابنا يرون أن هذا الحديث إنما قصد به ضرب المثل، ولم يقصد به شرع الحكم، وأما حديث جبريل فهو مقصود بنفسه في شرع الحكم.
السبب الرابع والخامس: أن يكون أحد المتنين واردًا على سبب، و [والآخر واردًا
стр. 349
على غير سبب]، فإن الوارد على سبب أرجح في السبب، والوارد على غير سبب أرجح في غير السبب.
ومثال الأول: ترجيح ما روي: أن رسول الله ﷺ مر بشاة ميمونة، فقال: إيما إهاب دبغ فقد طهر، على قوله ﷺ : لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، فإن الخبر الأول أرجح في جلد ما يؤكل لحمه، لأنه كالنص فيه إذ هو السبب، وترجيح الحديث الثاني على الأول في أن ما لا يؤكل لحمه لا ينتفع بجلده، وإن دبغ، لأنه قد اختلف في العمل بالعام الوارد على سبب في غير السبب.
стр. 350
وهذا هو المثال الثاني: وبه كان الفصل مشتملا على سببين.
السبب السادس والسابع: ترجيح الظاهر على المؤول ، إلا أن يكون دليل التأويل أرجح من الأصل المقتضي للظاهر وأمثلته، جميع ما اشتمل عليه الفصل الثالث من الباب الثاني: وهو فصل الظاهر.
فإن كان دليل التأويل أرجح، فأمثلته، جميع ما اشتمل عليه الفصل الرابع من الباب الثاني: وهو فصل المؤول.
السبب الثامن: أن يكون أحدهما إثباتا والآخر نفيا، فإن الإثبات أرجح .
стр. 351
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث بلال: أن النبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه، على حديث أسامة: أنه دخل البيت ولم يصل فيه.
стр. 352
السبب التاسع: أن يكون أحدهما ناقلا عن أصل البراءة والآخر مبقيا فإن الناقل أولى ، كما رجح اصحابنا حديث أبي هريرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر، فإنه ناقل عن الأصل الذي هو عدم التكليف على حديث طلق بن علي في عدم إيجابه فإنه هو الأصل، وإنما كان ذلك، لأن في تقديم حديث طلق على حديث أبي هريرة نسخا لحديث أبي هريرة
стр. 353
بخلاف العكس لما قدمنا من أن النقل عن البراءة الأصلية ليس نسخا.
السبب العاشر: كون أحدهما يتضمن احتياطا، فإنه أرجح
ومثاله: ترجيح أصحابنا قوله ﷺ : فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، على رواية من روى: فاقدروا.
فهذه نبذ من ترجيحات المتن، به تم الكلام في الباب الرابع.
стр. 354
الصنف الثاني
مما هو أصل بنفسه، وهو الأصل العقلي
ونعني به:
الاستصحاب
اعلم أن الاستصحاب ضربان: استصحاب أمر عقلي أو حسي، واستصحاب حكم شرعي.
الضرب الأول:
وهو حجة عندما وعند الشافعية لأجل حصول غلبة الظن
стр. 355
بأن ما علم وقوعه على حالة لم يتغير عنها، وقلما يسلم من معارضة باستصحاب آخر، ومن إثبات ناقل عن الحالة الأولى.
فأما الأول: وهو ما يعارض باستصحاب آخر، فكاستدلال بعض أصحابنا على ان الغائب إذا هلك قبل القبض ووقع النزاع بين المتابعين: هل هلك قبل العقد أو بعده؟ فإن ضمانه من المشترى بأن يقول: إن السلعة كانت موجودة قبل العقد، وسالمة من العيوب، فوجب أن تستصحب سلامتها إلى زمن تيقن الهلاك، وهو بعد العقد، فقد هلكت على ملك المشترى، فكانت من ضمانه.
فيعارضه من يخالفه من أصحابنا: بأن ذمة المشترى بريئة من الضمان، فوجب استصحاب تلك البراءة، فلا ضمان على المشتري، فيرجع الأمر حينئذ إلى ترجيح أحد الاستصحابين.
следующие страницы →