Полный текст (465 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ومثاله: ترجيح أصحابنا حديث بلال: أن النبي ﷺ دخل البيت فصلى فيه، على حديث أسامة: أنه دخل البيت ولم يصل فيه.
стр. 352
السبب التاسع: أن يكون أحدهما ناقلا عن أصل البراءة والآخر مبقيا فإن الناقل أولى ، كما رجح اصحابنا حديث أبي هريرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر، فإنه ناقل عن الأصل الذي هو عدم التكليف على حديث طلق بن علي في عدم إيجابه فإنه هو الأصل، وإنما كان ذلك، لأن في تقديم حديث طلق على حديث أبي هريرة نسخا لحديث أبي هريرة
стр. 353
بخلاف العكس لما قدمنا من أن النقل عن البراءة الأصلية ليس نسخا.
السبب العاشر: كون أحدهما يتضمن احتياطا، فإنه أرجح
ومثاله: ترجيح أصحابنا قوله ﷺ : فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، على رواية من روى: فاقدروا.
فهذه نبذ من ترجيحات المتن، به تم الكلام في الباب الرابع.
стр. 354
الصنف الثاني
مما هو أصل بنفسه، وهو الأصل العقلي
ونعني به:
الاستصحاب
اعلم أن الاستصحاب ضربان: استصحاب أمر عقلي أو حسي، واستصحاب حكم شرعي.
الضرب الأول:
وهو حجة عندما وعند الشافعية لأجل حصول غلبة الظن
стр. 355
بأن ما علم وقوعه على حالة لم يتغير عنها، وقلما يسلم من معارضة باستصحاب آخر، ومن إثبات ناقل عن الحالة الأولى.
فأما الأول: وهو ما يعارض باستصحاب آخر، فكاستدلال بعض أصحابنا على ان الغائب إذا هلك قبل القبض ووقع النزاع بين المتابعين: هل هلك قبل العقد أو بعده؟ فإن ضمانه من المشترى بأن يقول: إن السلعة كانت موجودة قبل العقد، وسالمة من العيوب، فوجب أن تستصحب سلامتها إلى زمن تيقن الهلاك، وهو بعد العقد، فقد هلكت على ملك المشترى، فكانت من ضمانه.
فيعارضه من يخالفه من أصحابنا: بأن ذمة المشترى بريئة من الضمان، فوجب استصحاب تلك البراءة، فلا ضمان على المشتري، فيرجع الأمر حينئذ إلى ترجيح أحد الاستصحابين.
стр. 356
وأما الثاني: وهو ما يدعي فيه وجود ناقل، فكاحتجاج أصحابنا على أن سؤر الكلب طاهر، بأنه سالم من المخالطة للنجاسة قبل الولوغ، فوجب استصحاب ذلك حتى تتحقق مخالطة النجاسة.
فيقول المخالف: هذا الاستصحاب إنما يتم أن لو لم يوجد ناقل له وقاطع، وقد وجد، وهو الولوغ فإنه مظنة المخالطة، لأنها غالب حال الكلاب، ويرجع أمرهما إلى أن ما ذكرنا أولا: هل يصلح لقطع الاستصحاب أو لا
الضرب الثاني: استصحاب حكم الشرع .
стр. 357
وهذا كاحتجاج أصحابنا على: أن الرعاف لا ينقض الوضوء، بأنا لما أجمعنا على انه متطهر قبل الرعاف، فوجب استصحاب الطهارة بعده حتى يدل دليل على النقض.
فيقول أصحاب أبي حنيفة: نحن نمنع هذا الاستصحاب، وذلك أن دليل هذا الحكم هو الإجماع، والإجماع لم ينعقد بعد الرعاف كما كان قبله، فكيف يستصحب حكم بعد فقدان دليله، وأيضا/ الناقض، موجود وهو الرعاف عملا، بقوله صلى الله عليه سليم: من فاء أو رعف فعليه الوضوء، وهذا الاستصحاب قلما يتم، وهو أضعف من الأول.
стр. 358
النوع الثاني: وهو ما كان لازما عن أصل
اعلم أن الناشيء عن الأصل لابد وأن يدل على حكم، وذلك الحكم: إما أن يكون مماثلا للأصل، وإما أن يكون مناقضا لحكم الأصل، وإما أن يكون ليس بمماثل ولا مناقض.
فإن كان مماثلا لحكم الأصل، فلابد من المغايرة بين الحكمين في المحل، لاستحالة اجتماع المثلين، وإذا تغاير المحلان فذلك هو قياس الطرد.
وإن كان مناقضا لحكم الأصل، فلابد من المغايرة بينهما في المحل، لاستحالة اجتماع النقيضين، وذلك هو قياس العكس.
وإن كان ليس بمماثل ولا مناقض، فلذلك هو الاستدلال.
فانحصر الكلام في اللازم عن أصل ثلاثة أقسام:
قياس طرد، وقياس عكس، وقياس استدلال.
فلنعقد في كل قسم بابًا.
стр. 359
الباب الأول: في قياس الطرد
والكلام فيه منحصر في شرح حده، وبيان أركانه، وبيان أقسامه، وفي الاعتراضات الوارادة عليه، فهذه مقدمة وفصلان، وخاتمة.
المقدمة:
اعلم أن القياس عبارة عن الحاق صورة مجهولة الحكم بصورة معلومة الحكم، لأجل أمر جامع بينهما يقتضي ذلك الحكم.
والصورة المعلومة الحكم تسمى: اصلا، والصورة المجهولة الحكم تسمىى: فرعا، كما إذا قسنا النبيذ الذي هو مجهول الحكم ومحل النزاع
стр. 360
على الخمر الذي هو معلوم الحكم ومحل الاتفاق، فالخمر هو الأصل، والنبيذ هو الفرع، والجامع الإسكار، والحكم المطلوب، إثباته في الفرع التحريم.
стр. 361
الفصل الأول: في أركان القياس
وهي أربعة: الأصل، والعلة، والفرع، والحكم.
الركن الأول: الأصل
وشروطه خمسة:
الشرط الأول: أن يكون الحكم فيه ثابتا ، فإنه إن لم يكن ثابتًا لم يتوجه القياس عليه، لأن المقصود ثبوت الحكم في الفرع، وثبوت الحكم في الفرع فرع عن ثبوته في الأصل، وكذلك في المناظرة إذا قاس المستدل على أصل لا يقول به، فإنه لا تقوم به الحجة على خصمه، وإن كان خصمه يقول به في الأصل، لأن المستدل معترف بفساد قياسه.
стр. 362
ومثاله: احتجاج الشافعية على الحنفية في أن نية التطوع في الحج تجزيء عن نية الفريضة فيه، خلافا للحنفية بقياسهم ذلك على الصوم، فإن مذهب الحنفية فيه أن نية التطوع فيه تجزيء عن نية الفريضة خلافا للشافعية، وقد قاست الشافعية على أصل لا تقول به.
الشرط الثاني: أن يكون الأصل مستمرا في الحكم ، أي غير منسوخ، لأنه إذا نسخ حكم الأصل وكان الوصف الجامع حاصلا فيه لزم أن يكون ذلك الوصف علة لتخلف الحكم عنه، وإذا لم يكن علة لم
стр. 363
يصح الجمع به، لأن ما ليس بعلة لا يقتضي حكم العلة.
فإن قلت قد يجمع بين الأصل والرفع بغير علة، قلنا: لا بد من كون ذلك الجامع متضمنا للعلة، أما إن لم يكن الوصف الجامع علة ولا متضمنا للعلة لم يصح الجمع به.
واعلم أنه قد ينسخ حكم من أحكام الأصل فيتوهم، سريان النسخ إلى الحكم الذي يطلب مثله في الفرع.
مثاله: قول أصحاب أبي حنيفة: في أن التبييت غير واجب في صوم رمضان، لأنه صوم متعين، فلا يجب التبييت قياسًا على صوم يوم عاشوراء، فإنه لا يجب فيه التبييت للحديث الوارد.
فيقول أصحابنا: قد نسخ حكم الأصل، ومن شروط الأصل المقيس عليه أن لا يكون منسوخًا.
стр. 364
والجواب عند الحنفية أن قالوا: إنا لم نقس الفرع على الأصل في الحكم المنسوخ، بل في حكم آخر: ولا يلزم من نسخ حكم الوجوب نسخ حكم التبييت، المقيس على الأصل فيه.
ومما ينظر فيه مسألة ظهار الأمة، فقد يقال بأن الظهار كان طلاقا مخصوصًا بملك النكاح، فلو لم ينسخ لم ينعقد في الأمة ظهار، لأن الطلاق لا ينعقد في الأمة، لكنه لما نسخ منه حكم الطلاق صرف إلى مجرد تحريم الاستمتاع، والاستمتاع مشترك فيه بين الزوجة والأمة، وجب أن ينعقد الظهار في الزوجة والأمة.
وقد يقال: كان الظهار حكم مخصوص وهو الطلاق، ومحل مخصوص وهو الزوجة، وقد نسخ حكمه، فلا يلزم منه نسخ محله، ألا ترى أن الإيلاء كان طلاقا ثم نسخ، وبقي محله وهو الزوجة - غير منسوخ.
الشرط الثالث: أن لا يكون الأصل مخصوصا بالحكم فإنه إذا كان
стр. 365
مخصوصاً تعذر إلحاق غيره به في الحكم وإلا بطل الخصوص.
وهذا الشرط يتفصل إلى ثلاثة أقسام:
قسم نص الشرع على الخصوص فيه، أو ثبت الإجماع على ذلك.
وقسم لم ينص الشرع على الخصوص، فيه، إلا أنه لا يعقل معناه فيتعذر إلحاق غيره به لأجل الجهل بالمعنى الذي لأجله شرع الحكم في الأصل.
وقسم عقل معناه إلا أنه فقد ما شاركه في ذلك المعنى.
فأما القسم الأول: فمثاله: قضاء رسول الله ﷺ بشهادة خزيمة
стр. 366
وحده فإنه كان مخصوصا بذلك، ومشتهرا به من بين الصحابة رضوان الله عنهم، ولأنه لو ألحق به غيره لجرى، القياس في كل شاهد وبطل اعتبار العدد في الشهود.
وكذلك قوله ﷺ لأبي بردة في العناق، تجزيء عنك ولا
стр. 367
تجزيء عن أحد بعدك، وكاختصاص سالم بالرضاع، وهو كبير، حتى صار يدخل على عائشة ﵂ من غير حجاب
وفي معني هذا ما اختص به الرسول ﷺ من الأحكام، ولا يحلق به غيره فيها.
стр. 368
وقد اختلف في فروع بناء على أنه ﷺ مختص بتلك الأحكام أم لا.
فمن ذلك: الخلاف في جواز العقد في النكاح بلفظ الهبة، فالشافعية تمنع منه، وترى أنه مختص بالنبي ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾.
والحنفية: يردون ذلك إلى سقوط المهر، لأن به يظهر الشرف ورفع الحرج، بخلاف الاختصاص بلفظ يوجد ما يقوم مقامه من الألفاظ.
والشافعية: ترى أن اختصاصه ﷺ باللفظ تابع لاختصاصه بمعناه ولأجل ذلك اختلف فيه عندنا في المذهب على قولين.
ومن ذلك: جواز جعل عتق الأمة صداقها، فإن ذلك عندنا من خواصه ﷺ ، فلا يحلق به غيره وأمثال هذا القسم كثير.
أما إذا وقع النزاع بين الخصمين في كون الأصل مخصوصا بالنص، فإن الظاهر حمله على عدم الخصوص حتى يثبت الخصوص بنص أو إجماع
стр. 369
ومن ذلك: اختلاف العلماء في الإحرام، هل ينقطع بالموت أو لا؟ وينبني على هذا جواز تطييب المحرم إذا مات.
واختلافهم في الشهيد: هل يغسل ويصلي عليه ام لا؟ وقد ورد في الخبر: أن أعرابيا وقصت به ناقيته، فقال رسول الله ﷺ لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا، وقال ﷺ في قتلى أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم
стр. 370
القيامة وجراحهم تشخب دما، اللون لون الدم والريح ريح المسك.
فالحنفية ترى أن ذلك مخصوص بالأعرابي وبشهداء قتلى أحد فلا يلحق بهم غيرهم والشافعية ترى: أن ذلك غير مخصوص بهم، فيلحق بهم غيرهم.
وأما أصحابنا المالكية ففصلوا ورأوا: أن حديث الأعرابي مخصوص فلا يلحق به غيره وحديث الشهداء عام.
القسم الثاني: وهو ما لا يعقل معناه، فمثاله: معظم التقديرات، فإنها غير معقولة المعنى فلا يقاس عليها.
стр. 371
فإن قيل: قد قستم تقدير أقل الصداق على تقدير أقل نصاب السرقة، وقستم تحديد اليد بالكوع في التيمم على تحديدها في القطع بالسرقة على مشهور المذهب، وذلك تقدير ثبت بالقياس.
قلنا: ليس ذلك قياسا، وإنما هو استشهاد على أقل ما هو معتبر، وتقديره: أن الشرع أوجب المال في النكاح فقال تعالى: ﴿أن تبتغوا بأمولكم﴾ وذلك إظهار لخطر النكاح، والخطر لا يحصل بأقل م يسمى مالا، فإن الفلس والحبة يصدق على كل واحد منهما أنه مال، ولا بد من اعتبار ماله، خطر وبال، وذلك مختلف شرعا وعرفا، فوجب الرجوع فيهما إلى الشرع، إذ هو الموجب لأصل المال في النكاح تشريعًا له، ووجب اعتبار أقل الأموال التي جعل الشرع لها خطرا، ولا أقل من نصاب السرقة، فإن اليد ذات خطر، فلما قطعت من ربع دينار،
стр. 372
دل ذلك على أن ربع دينار له خطر، ولما لم نجد أقل منه يشهد الشرع بخطرهـ، علمنا أن أقل الأموال التي لها خطر في الشرع ربع دينار، فلذلك حددنا به المهر.
وأما تحديد اليد بالكوع، فإنه ليس بقياس أيضا، بل أخذ بتلك الطريقة نفسها، فإن اليد مطلقة تقبل التحديد بحدود كثيرة، فكان أصل تحديدات اليد إنما هو بالكوع، فلذلك تحدد به اليد في الأجزاء عندنا على المشهور وحكمنا عليه بالإعادة في الوقت طلبا للكمال، وأمثال ما لا يعقل معناه كثير.
وأما القسم الثالث: وهو ما عقل معناه إلا أنه لا نظير له في الشرع، ولا يظهر له ما يشاركه في ذلك المعنى، فإما أن يكون ذلك المعنى بسيطا وإما أن يكون جملة معان لا يوجد جميعها في نوع واحد.
أما الأول: فكالسفر، فإنه مشتمل على نوع من المشقة معقول التأثير
стр. 373
في القصر، ولا يشاركه غيره من الصنائع في ذلك النوع من المشقة، المناسبة للقصر، فلا يلحق به غيره فيه، وأما المرض: فإنما ثبت فيه الفطر والجمع بالنص لا بالقياس.
وأما القصر: فإن مشقة المرض لا تناسبه، بل تناسب التخفيف على المريض بمشروعية الجلوس والإيماء في الصلاة.
ومن أمثال هذا القسم: الشفعة في العقار، فإنها معقولة المعنى، وهو لحوق نوع من الضرر بالشريك، في العقار، لا يشترك مع العقار فيه، غيره.
ومن أمثاله: ابتداء المدعين في القسامة بالأيمان: تحصينا للدماء، لغلبة الخفية والغيلة في القتل، بحيث يعسر الإشهاد، والقاتل يستخف الأيمان كما يستخف القتل، ويصر على الإنكار في غالب الأمر، فلذلك ابتدأ المدعون في القسامة بالأيمان، وقد يكون هذا مما يجتمع فيه عدة مناسبات، فيكون من الثاني.
стр. 374
وأما الثاني: وهو ما تجتمع فيه عدة مناسبات، لا تجتمع في غيره، فكضرب الدية على العاقلة في قتل الخطأ، فإنه معقول المعنى، ولذلك كانت تفعله الجاهلية قبل الشرع، وكان الشرع مقرا له، ووجه المصلحة فيه أن الحاجة ماسة إلى مخالطة السلاح وتعلم الحرب والطعان والضراب بها حتى أبيح الصيد من غير ضرورة ولا حاجة، بل لما في ذلك من حصول آلة الحرب، ولما كانت النفس جريرة خطيرة لا تهدر، ولم يتعمد القاتل جناية القتل، فلو أقدناه به أو حملناه المال كله عليه لقطع مخالطة السلاح حتمًا لما يتوقف من ذلك، فكان من النظر السديد ضرب الدية على العاقلة إذ لا كبير حيف عليهم في ذلك لخفتها عليهم بالتوزيع، مع أن ذلك ينجبر بما بينهم من التعاضد والتناصر الذي جبلت عليه القبائل فيما بينها، ولهذا
стр. 375
المعنى أيضا أجازت السنة شهادة الصبيان في اللعب، وأمثال هذا كثير.
فهذا معنى هذا الشرط الثالث، ويعبر عنه الأصوليون بأن لا يكون معدولا به عن سسن القياس.
الشرط الرابع: أن لا يكون الأصل المقيس عليه فرعًا عن اصل آخر .
واعلم أن هذا الشرط قد اعتبره الأصوليون، ونقلوا عن الحنابلة
стр. 376
وأبي عبد الله البصري من المعتزلة: أنه ليس بشرط، وهو عندنا في المذهب ليس بشرط، بل يجوز عندنا القياس على أصل ثبت حكمه بالقياس على أصل آخر، ومثاله: قياس جمهور أصحابنا قول القاتل لزوجته: أنت طالق، إذا حضت على قوله: أنت طالق رأس الشهر، ثم إنهم يحتجون على حكم الأصل بقياسه على نكاح المتعة، والعلة في ذلك: أن المعنى المقصود من النكاح وهو المودة وحسن الألفة والعشرة لا يفضي إليه النكاح إلا بالتأبيد، أما مع توقع الفراق عند حصول الأجل قطعًا أو ظنا، فذلك مخل لما يقصد من النكاح، وهو المودة وحسن الألفة،
стр. 377
وهذا المعنى لما لم يكن هو المقصود من الملك، بل المقصود منه ما لا يخل بالمؤجل كالهبة والاستخدام جاز تعليق العتق بأجل محقق.
والأصوليون يرون أن العلة الجامعة بين الوسط وأحد الطرفين، إن كانت بعينها موجودة في الطرف الآخر فذلك الوسط لغو، ومثال ذلك قياس السفرجل على التفاح في الربا بجامع الطعم، فإذا منع له حكم الربا في التفاح أثبته بالقياس على البر، فيقال له: جعل التفاح أصلا لعو، بل كان ينبغي أن تقيس السفرجل على البر، وتستغني عن ذكر التفاح
وهؤلاء يرون أن ركن الدليل لا يجوز أن يكون لغوا.
وأما إن كانت العلة بين الوسط وأحد الطرفين غير العلة بين الوسط
стр. 378
والطرف الآخر، فإن الوصف الجامع بين الأصلين غير موجود في الفرع، ولا يصح إلحاقه بالأصل الوسط، والوصف الجامع بين الفرعين ليس هو العلة في الفرع الوسط، فلا يكون علة في الفرع المقيس.
ومثاله: لو قاس قائس، الطحلب والمكث إذا تغير بهما الماء على ما تغير بالتراب الجاري هو عليه في الطهورية، بجامع غلبة التغيير وضرورة الحاجة إليه، فإذا منع له حكم الأصل قاسه على الماء إذا صب على الماء، فإنه طهور وخالطه طهور، فالجامع طهورية المخالط.
الشرط الخامس: أن لا يكون الاتفاق على الحكم مركبا على وصفين ، بناء من كل فريق على أن وصفه هو العلة، فإن مثل هذا لا يثبت به حكم الأصل.
стр. 379
ومثاله: قياس أصحابنا قاتل العبد في أنه لا يقتل به على قاتل المكاتب، فإن الحنفية يوافقون أصحابنا على أن قاتل المكاتب لا يقتل، لكن العلة عند أصحابنا في ذلك، كون المقتول عبدا، وألحقوا به قاتل العبد القن، والعلة عند الحنفية: جهل المستحق لدمه، وذلك أنه لما عقد الكتابة فهو متردد بين الرق والحرية، فإن أدى نجوم كتابته عتق وإلا رق، فإذا مات تعذر علينا استطلاع عاقبته من عتق أو رق، فتردد دمه بين السيد وبين الورثة.
قالت الحنفية: فهذه العلة التي أبديناها إن صحت بطل قياس قاتل العبد على قاتل المكاتب، لأن قاتل العبد معلوم فيه المستحق لا مجهول، وإن لم تصح هذه العلة منعنا حكم الأصل المقيس عليه وهو قاتل المكاتب، وقلنا حينئذ: يقتل قاتل المكاتب فإذن لا يثبت حكم الأصل بمثل هذا الاتفاق.
стр. 380
ومثل هذا يسميه الأصوليون: بالقياس المركب، ولو أثبت أصحابنا حكم المكاتب بنص لصح القياس.
الركن الثاني: العلة
والكلام في شروطها، وفي مسالكها، وهي ما ثبتت بها كون الوصف علة.
وأما شروطها: فلنعقد بها مسائل:
المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي والحكم العدمي بالوصف العدمي إجماعا ، وذلك كما نعلل وجوب الزكاة بملك النصاب، ونعلل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان.
وأما تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي ففيه خلاف بين أئمة الأصول.
стр. 381
ومثاله: قياس أصحابنا الحاضر الصحيح في وجوب التيمم عليه على المسافر عند عدم الماء، فيقول: الحاضر لا ماء عنده فيجب عليه التيمم قياسًا على المسافر، فيقال: عدم الماء ليس علة في وجوب التيمم فإن الوصف العدمي لا يكون علة في الحكم الوجودي.
وكذلك - أيضا - لا يكون جزء من العلة، كجعل الطواعية جزء من علة القصاص فلذلك لم توجب الحنفية قصاصا على المكره لفقد علة القصاص لفقد جزئها وهو الطواعية.
وأما أصحابنا فيقولون: الطواعية في نفسها عدمية، لأنها عبارة عن
стр. 382
عدم الإكراه، والعدم لا يكون علة ولا جزء علة، وإلى هذا ذهب جماعة من المحققين أعني أن العدم لا يكون علة ولا جزء علة.
قالوا: لأن العلة لا بد وأن تشتمل في نفسها على مصلحة تحصل عند مشروعية الحكم، والعدم في نفسه لا يكون مشتملا على مصلحة.
وأما تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي فهو بالتعليل المانع، لكن الأصوليين اختلفوا: هل من شرط التعليل بالمانع وجود المقتضى أو ليس من شرطه؟
فالأكثر على أن وجود المقتضى شرط، لأن الحكم إذا لم توجد العلة فيه يكون انتفاؤه لانتفائها لا لوجود المانع.
стр. 383
وهذا كثيرا ما يقع في الجدل، وتتعلق به أبحاث كثيرة في كل مسألة ينفي فيها الحكم بالقياس على مسألة أخرى، ويجمع بينهما بوصف وجودي.
ومثاله: قول أصحابنا في الحلي: مال متخذ للقنية والامتهان، فلا تجب فيه الزكاة قياسًا على الثياب والعبيد.
فيقول الحنفي: قد عللتم بالوصف الوجودي - وهو الامتهان - في الحكم العدمي - وهو عدم وجوب الزكاة - فلا يصح ذلك إلا بعد أن تبينوا أن ذلك الوصف هو المانع من الزكاة، وفي ضمن دعواكم كونه مانعًا تسليمكم أن المقتضى موجود في صورة النزاع، فقد كفيتمونا
стр. 384
مؤونة إثبات علة وجوب الزكاة في صورة النزاع، وادعيتم أن المقتضى موجود في الأصل المقيس عليه، فعليكم بيان ذلك.
والجواب عند أصحابنا: أن المال نعمة تستحق شكرا، والإخراج منه لحق المنعم شكر، والزكاة إخراج منه فكانت شكرا، فصلح أن يكون ذلك المال في نفسه موجبًا للزكاة.
المسألة الثانية: يجب أن يكون الوصف الذي يقتضي الحكم ظاهرا لا خفيا ، لأن الحكم في نفسه غيب، فإذا كان الوصف أيضا غيبا عنا لم يصح التعليل له، لأن العلة معرفة، والغيب لا يعرف الغيب، وهذا كما نعلل القصاص بالقتل العمد العدوان، فيقول المعترض: العمد من أفعال النفوس، وهو خفي لا يصح اعتباره في العلة بالاستقلال ولا بالجزئية، نعم، يعتبر عوضا منه ما يظن وجوده عنده ويسمى الوصف المشتمل عليه ﴿مظنة﴾.
стр. 385
ومثاله: إذا عللنا نقل الملك في العوضين بالتراضي بين المتبايعين، وقد قال تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ لكن الرضا وصف خفي، لأنه من أفعال النفوس، فيتعذر اعتباره بنفسه، ويرجع الاعتبار إلى الأمر الظاهر الدال عليه، كالإيجاب والقبول، فإن قول البائع: ﴿بعتك﴾ دليل على حصول الرضا منه بخروج المبيع عن ملكه، ودخول الثمن في ملكه، وكذلك قول المشتري: ﴿قبلت﴾، دليل على خروج الثمن عن ملكه، ودخول المشتري في ماله، فأناط الشرع نقل الملك بالإيجاب والقبول، ولأجل أن المعتبر عندنا ما يدل على الرضا الذي هو المقصود بالأصل في الاعتبار، وكان الفعل - أيضا - قد يدل على الرضا كدلالة القول، كالمعاطاة الحاصلة بين المتبايعين، حكم أصحابنا بأن البيع ليس من شرطه الصيغة خلافًا للشافعية فإنهم لا يحكمون بانعقاد البيع إلا بالصيغة الدالة على الإيجاب والقبول.
والحنفية يفرقون بين الأشياء النفيسة فيعتبرون في بيعها الصيغة
стр. 386
ولا يكتفون فيها بالمعاطاة، وأما الأشياء الحقيرة، فتكفي فيها المعاطاة عندهم، وهذا استحسان، ووجهه: أن الصيغة أدل على الرضا من المعاطاة، فمن المناسب أن يعتبر في الأشياء النفيسة ما هو أدل تحصينًا للبيع، وصونًا له عن خلل التجاحد في الرضا.
المسألة الثالثة: يجب أن يكون وصف العلة منضبطًا غير مضطرب ، ومعناه أن الأشياء التي تتفاوت في نفسها كالمشقة، فإنها تضعف وتقوى إذا أناط الشرع الحكم بها، فلابد من ضبطها.
ومثاله: السفر، فإن الشرع رخص للمسافر في القصر والإفطار لأجل المشقة، لكن المشقة المعتبرة في القصر غير منضبطة، لأنها
стр. 387
تتفاوت بطول السفر وقصره، وكثرة الجهد وقلته، فلا يحسن إناطة الحكم بها، فاعتبر الشرع ما يضبطها وهو السفر أربعة بُرُد، فلذلك لم يلتحق به غيره من الصنائع الكادة.
المسألة الرابعة: اختلفوا في اشتراط الاطراد في العلة ، ومعناه: أنه كلما وجدت العلة في صورة من الصور وجد معها الحكم، فمن اشترطه جعل النقض مفسدا للعلة، والنقض: أن يوجد الوصف في صورة من الصور
стр. 388
ولا يوجد معه الحكم.
والتحقيق فيه التفصيل، فإن كان تخلف الحكم عند ذلك الوصف لا لمانع يعارض العلة، فلذلك النقض يفسد العلة.
ومثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث، بأنه استعجل غرضه قبل أوانه فعوقب بحرمانه، فيطرد أصحابنا هذه العلة في الناكح في العدة، فيحكمون عليه بتأبيد التحريم، معاملة له بنقيض قصوده كما عومل القاتل لموروثه بنقيض مقصوده.
فتقول الحنفية والشافعية: هذه العلة منقوضة بأم الولد إذا قتلت
стр. 389
سيدها لاستعجال العتق فإنها تعتق، ورب الدين إذا قتل المديان لاستعجال الدين فإنه يتعجله، فقد انتقضت العلة.
وأما إن كان تخلف الحكم في صورة النقض لمانع، فإن ذلك لا يبطل العلة.
ومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب الزكاة في مال الصبي بأنه مالك النصاب فوجب في ماله الزكاة قياسا على البالغ.
فتقول الحنفية: هذه العلة منقوضة بصورة الدين، فإن المديان يملك النصاب ولا تجب عليه الزكاة.
стр. 390
والجواب عند أصحابنا: أن الدين يمنع من وجوب الزكاة، لأنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، وحق الغرماء أقوى من حق الفقراء، لأن المستحق إذا تعين ترجح على مستحق لم يتعين.
المسألة الخامسة: اختلفوا في اشتراط الانعكاس في العلة ، ومعناه: أنه كلما انتفت العلة انتفى الحكم، فمنهم من يشترطه، ويمنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ومنهم من لا يشترطه، ويجيز تعليل الحكم الواحد بعلتين كتعليل إيجاب الوضوء بالبول والغائط والريح، وتعليل حرمة النكاح بالقرابة والصهر والرضاع.
следующие страницы →