← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 147913

مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول

الشريف التلمساني

Полный текст (465 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولا يكتفون فيها بالمعاطاة، وأما الأشياء الحقيرة، فتكفي فيها المعاطاة عندهم، وهذا استحسان، ووجهه: أن الصيغة أدل على الرضا من المعاطاة، فمن المناسب أن يعتبر في الأشياء النفيسة ما هو أدل تحصينًا للبيع، وصونًا له عن خلل التجاحد في الرضا. المسألة الثالثة: يجب أن يكون وصف العلة منضبطًا غير مضطرب ، ومعناه أن الأشياء التي تتفاوت في نفسها كالمشقة، فإنها تضعف وتقوى إذا أناط الشرع الحكم بها، فلابد من ضبطها. ومثاله: السفر، فإن الشرع رخص للمسافر في القصر والإفطار لأجل المشقة، لكن المشقة المعتبرة في القصر غير منضبطة، لأنها

стр. 387

تتفاوت بطول السفر وقصره، وكثرة الجهد وقلته، فلا يحسن إناطة الحكم بها، فاعتبر الشرع ما يضبطها وهو السفر أربعة بُرُد، فلذلك لم يلتحق به غيره من الصنائع الكادة. المسألة الرابعة: اختلفوا في اشتراط الاطراد في العلة ، ومعناه: أنه كلما وجدت العلة في صورة من الصور وجد معها الحكم، فمن اشترطه جعل النقض مفسدا للعلة، والنقض: أن يوجد الوصف في صورة من الصور

стр. 388

ولا يوجد معه الحكم. والتحقيق فيه التفصيل، فإن كان تخلف الحكم عند ذلك الوصف لا لمانع يعارض العلة، فلذلك النقض يفسد العلة. ومثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث، بأنه استعجل غرضه قبل أوانه فعوقب بحرمانه، فيطرد أصحابنا هذه العلة في الناكح في العدة، فيحكمون عليه بتأبيد التحريم، معاملة له بنقيض قصوده كما عومل القاتل لموروثه بنقيض مقصوده. فتقول الحنفية والشافعية: هذه العلة منقوضة بأم الولد إذا قتلت

стр. 389

سيدها لاستعجال العتق فإنها تعتق، ورب الدين إذا قتل المديان لاستعجال الدين فإنه يتعجله، فقد انتقضت العلة. وأما إن كان تخلف الحكم في صورة النقض لمانع، فإن ذلك لا يبطل العلة. ومثاله: احتجاج أصحابنا على وجوب الزكاة في مال الصبي بأنه مالك النصاب فوجب في ماله الزكاة قياسا على البالغ. فتقول الحنفية: هذه العلة منقوضة بصورة الدين، فإن المديان يملك النصاب ولا تجب عليه الزكاة.

стр. 390

والجواب عند أصحابنا: أن الدين يمنع من وجوب الزكاة، لأنه إذا ازدحم حقان على مال واحد قدم أقواهما، وحق الغرماء أقوى من حق الفقراء، لأن المستحق إذا تعين ترجح على مستحق لم يتعين. المسألة الخامسة: اختلفوا في اشتراط الانعكاس في العلة ، ومعناه: أنه كلما انتفت العلة انتفى الحكم، فمنهم من يشترطه، ويمنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، ومنهم من لا يشترطه، ويجيز تعليل الحكم الواحد بعلتين كتعليل إيجاب الوضوء بالبول والغائط والريح، وتعليل حرمة النكاح بالقرابة والصهر والرضاع.

стр. 391

وكذلك اختلفوا إذا اجتمعت العلل هل ينسب إلى جميعها أو يبقى كل واحد منها علة كما كان حالة الانفراد.؟ وعلى ذلك اختلفوا في الأولياء في النكاح إذا اجتمعوا وكانوا في درجة واحدة، فقيل: يعقدون جميعا بعقد واحد، وقيل: يعقد أي واحد منهم كما لو انفرد. وقد اختلفت الشافعية: فيمن أحدث حدثين، فنوى رفع أحدهما ونسي الآخر، فمنهم من قال: لا يجزئه، لأن كل واحد منهما له مدخل

стр. 392

في إيجاب الوضوء، فلا يجزيء رفع احدهما عن رفع الآخر في النية، وقيل: يجزئه لتداخلهما، وأنهما في حكم الحدث الواحد، وقيل: إن نوى أول الحدثين أجزأه، لأنه الموجب للوضوء، والثاني لم يصادف محلا يوجب فيه الحكم، وإن نوى آخر الحدثين لم يجزئه، لأنه نوي ما لا تأثير له في الإيجاب. المسألة السادسة: اختلفوا في اشتراط التعدية في العلة ، وهو أن توجد في محل آخر، غير محلها الذي نص الشرع عليه. فالحنفية يشترطونها، وأصحابنا وأصحاب الشافعي لا

стр. 393

يشترطونها بل يرون أن الدليل إذا دل على اعتبارها كانت علة الحكم الثابتة في محلها سواء كانت موجودة في غيره أو لم تكن. ومثاله: تعليل أصحابنا تحريم الربا في النقدين بكونها أصلا في الثمينة، فلو دخلها الربا لافتقر إلى شيء آخر يتقومان به. فتقول الحنفية: هذه علة قاصرة، لا فائدة فيها، لأن الفائدة إن كانت في الأصل فالحكم في الأصل إنما ثبت بالنص لا بها، وإن كانت في غير الأصل فباطل، لأن الفرض أن لا فرع لها.

стр. 394

والجواب عند أصحابنا: أن الحكم في الأصل إنما ثبت بها، بمعنى أنها الباعثة عليه، والنص معرف لا موجب.

стр. 395

خاتمة اعلم أنهم اختلفوا في حكم الأصل، فأصحابنا وأصحاب الشافعي يرون أن حكم الأصل ثبت بالعلة، واصحاب أبي حنيفة يقولون: إنما ثبت الحكم في الأصل لا بالعلة. فمن الأصوليين من يزعم أن الخلاف في ذلك لفظي، لا فائدة فيه، ومنهم من يني على ذلك فروعا، ويجعل الخلاف في المعنى. فقال: إذا احتج أصحابنا على تحريم قليل النبيذ بالقياس على قليل الخمر، فللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر إنما ثبت بالنص، وإذا احتجت الحنفية على إباحة النبيذ غير المسكر: بأن على التحريم في النبيذ

стр. 396

إنما هو الإسكار، وقد انتفي في القليل الذي لا يسكر، فيلزم أن لا يكون حرامًا، وهو خلاف الإجماع. فللحنفية أن يقولوا: قليل الخمر عندنا وكثيره لم يحرم بالعلة، وإنما حرم بالنص، قال: وكذلك تقول الحنفية: علة الربا في النقدين إنما هو الوزن، ويلحقون بذلك كل ما يوزن من النحاس والحديد والرصاص وغير ذلك، وما خرج عن الوزن بالصياغة كأواني النحاس والرصاص والحديد لا ربا عندهم فيه، قالوا: لأن العلة عندنا إنما هي الوزن، وقد انتفت في المصوغ. فيقول لهم أصحابنا: هذا يلزمكم فيما يصاغ من الذهب والفضة أن لا يكون فيه ربا، فللحنفية ان يقولوا: حكم الربا في النقدين ثبت عندنا بالنص لا بالعلة فخرج تحريم الربا في المصوغ منهما دون غيرهما وأما مسالك العلة: وهي الأدلة الدالة على أن الوصف علة في الحكم فهي خمسة مسالك.

стр. 397

المسلك الأول: النص وهو قسمان: صريح وإيماء فالصريح: أن يأتي الشارع بصيغة العلة، كقوله سبحانه: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ وكقوله ﷺ : كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت عليكم. وقوله ﷺ : تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم. ومنه قوله ﷺ ، في المحرم الذي وقصت

стр. 398

به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. وكقوله في الشهداء يوم أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وجراحهم تشخب دما. فهذا وأمثاله صريح في التعليل ولذلك عدت الشافعية هذين المسلكين إلى كل محرم وشهيد. ومثله قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما﴾ ومثل قوله ﷺ : ملكت نفسك

стр. 399

فاختاري"، وهو كثير. وأما الإيماء فهو مراتب. المرتبة الأولى: أن يذكر ﷺ مع الحكم وصفا يبعد أن يأتي به لغير التعليل، كقوله ﷺ في الهرة: إنها ليست بنجس،

стр. 400

وإنما هي من الطوافين عليكم والطوافات»، فلو لم يكن التطواف علة لنفي النجاسة لم يكن لذكره مع هذا الحكم فائدة، لأنه قد علم أنها من الطوافات. ومنه: قوله ﷺ : «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها». فلولا أن فعلهم ذلك سبب لعنتهم لم يكن للإخبار عن فعلهم بالدعاء عليهم فائدة.

стр. 401

المرتبة الثانية: الاستنطاق بوصف يعلمه الشارع خاليًا من التنازع ليرتب عليه الجواب، ولو لم يكن للتعليل لكان استنطاقه عن وصف يعلمه خالياً عن الفائدة. وهذ: كما سئل ﷺ عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذن». وكذلك: لما سألته الخثعمية فقالت: «يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج، أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى».

стр. 402

المرتبة الثالثة: أن يذكر النبي ﷺ حكمًا عقب علمه بواقعة حدثت، فيعلم أن تلك الواقعة سبب ذلك الحكم. كما روي أن أعرابياً قال: يا رسول الله: هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال: اعتق رقبة»، فكأنه، قال: إذا واقعت فكفر. فأما الشافعية فحملته على الوقاع، وقالت: إنه العلة بنفسه في الكفارة، فلم توجبها على من أكل أو شرب في رمضان عمدًا. وأما الحنفية فأناطت الكفارة بمعنى يتضمنه الوقاع، وهو اقتضاء شهوة يجب الإمساك عنها، فإن الصيام عبارة الإمساك عن اقتضاء شهوة البطن وشهوة الفرج فلذلك أوجبوا الكفارة على من أكل عمدًا في

стр. 403

رمضان، لما فيه من اقتضاء الشهوة التي منع الصيام منها، ولم يوجبها فيما لا شهوة في اقتضائه، كابتلاع حصاة أو نواة. وأما المالكية: فألغت الشهوة عن درجة الاعتبار، وإنما وجبت الكفارة عندهم على الجنابة على الصوم بتعمد الإفساد مطلقا فأوجبوا الكفارة بابتلاع الحصاة والنواة. وهذا يسمى عند الأصوليين بتنقيح المناط، وهو: أن يحذف من محل الحكم ما لا مدخل له فيه: ويبقى ماله فيه مدخل واعتبار، وما روي عن ابن القاسم، فيمن ابتلع حصاة فعليه الكفارة من غير قضاء بعيد في النظر، لخروجه عن المآخذ التي قدمناها. المرتبة الرابعة: أن ينقل الراوي فعلا صدر من النبي ﷺ أو

стр. 404

من غيره، فيرتب عليه حكما منه ﷺ ، فإنه يفيد تعليل ذلك الحكم بذلك الفعل. كقول الراوي: سها رسول الله ﷺ فسجد، فإن هذا يشعر بأن السهو علة السجود، فلذلك لم يرتب ابن القاسم سجودا على من ترك سنة من سنن الصلاة عمدًا، خلافا لأشهب، فإنه

стр. 405

أوجب السجود قبل السلام، نظرا منه إلى أن النقصان علة السجود، سهوا كان أو عمدًا. ومن ذلك: قول الراوي: زنى ماعز، فرجمه رسول الله ﷺ ،

стр. 406

فإنه يدل على أن الزنا على الرجم، فلذلك قال ابن القاسم في أربعة شهدوا على رجل بالزنا، وشهد عليه بالإحصان اثنان آخران، فرجم بشهاداتهم، ثم رجعوا جميعًا: أن الدية تجب على شهود الزنا، خلافا لأشهب، فإنه يوجب الدية على الجميع. فهذه مراتب الإيماء. المسلك الثاني: الإجماع وهو أن يثبت كون الوصف علة في حكم الأصل بالإجماع.

стр. 407

ومثاله: إذا كان للمرأة أخوان، أحدهما شقيق، فهل يكون أولى بعقد النكاح عليها من الأخ للأب؟ وهذا هو اختيار ابن القاسم أن مزيد القرابة من جهة الأم سبب تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب في الميراث بالإجماع، فوجب أن يكون كذلك في النكاح بالقياس عليه. ووجه روايته عن مالك: أن الأم لها مدخل في الإرث، فلذلك كان مزيد القرابة بها مرجحا فيه، ولا مدخل لها في عقد النكاح فلا يكون مزيد القرابة بها مرجحا في النكاح. المسلك الثالث: المناسبة وهو أن يكون في محل الحكم وصف يناسب ذلك الحكم.

стр. 408

ومثاله: تحريم الخمر، فإن فيه وصفا يناسب أن يحرم لأجله، وهو الإسكار المذهب للعقل، الذي هو مناط التكليف وسبب اقتناء السعادتين: المعاشية والمعادية، ولذلك قال أبو زيد الدبوسي: المناسب: ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول. ثم المناسب: إما أن ينص الشرع على اعتباره أو لا، والذي نص الشرع على اعتباره ينقسم إلى مؤثر وملائم. فالمؤثر هو الذي يكون عينه معتبرًا في عين الحكم،

стр. 409

ومثاله قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما﴾ فإن عين الزنا معتبر في عين الجلد، وهو كثير. والملائم: هو الذي يعتبر عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم. ومثال الأول: قول الحنفية في الثيب الصغيرة: إنها تجبر على النكاح، لأن الصغر علة في إقامة الولاية عليها في المال فيكون علة في إقامة الولاية، عليها في النكاح، فإن عين الصغر معتبر في جنس الولاية بالإجماع.

стр. 410

ومثال الثاني: تعليل أصحابنا الجمع بين الصلاتين في الحضر بالمطر للحرج، والمشقة الذي هو علة في الجمع بينهما في السفر، فإن جنس الحرج معتبر في عين الجمع. ومثال الثالث: تعليل القصاص في الأطراف بالجنابة التي هي معتبرة في القصاص في النفس بالإجماع، فإن جنس الجنابة معتبر في جنس القصاص. وأما الذي لم ينص الشرع على اعتباره فينقسم قسمين: منه ما يثبت الحكم على وفقه في صورة من الصور، ويسمى: "غريبًا".

стр. 411

ومنه ما لا يثبت الحكم على وفقة في صورة من الصور، ويسمى مرسلا. ومثال الأول: قياس أصحابنا المبتوتة في المرض في استحقاقها الميراث على القاتل في الحرمان من الميراث بجامع التوصل إلى الغرض الفاسد فيناسب المعاملة بنقيض المقصود، فإن التوصل إلى الغرض الفاسد لم ينص الشرع على اعتباره أصلا، لكن قد رتب الحكم على وفقه في صورة القاتل. ومثال الثاني: ما انفرد به اللخمي من أصحابنا، وهو طرح بعض

стр. 412

أهل السفن بالقرعة إذا خيف غرق جميعهم، فإن ذلك مناسب، لأن فيها استخلاص بقيتهم، ولم ينص الشرع على اعتباره، ولم يرتب حكما على وفقه في صورة من الصور. المسلك الرابع: الدوران وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، ويعدم عند عدمه، فيعلم أن ذلك الوصف علة ذلك الحكم. ومثاله: أن عصير العنب قبل أن يدخله الإسكار ليس بحرام إجماعا، فإذا دخله الإسكار كان حرامًا إجماعًا، فإذا ذهب عنه الإسكار ذهب عنه التحريم، فلما دار التحريم مع الإسكار وجودًا

стр. 413

وعدماً، علمنا أن الإسكار علة التحريم. ومن ذلك احتجاج أصحابنا على طهارة عين الكلب والخنزير بقياسهما على الشاة الحامل بجامع الحياة، وبيان أن الحياة علةالطهارة: هو أن الشاة إذا ماتت وفي بطنها جنين حي حكمنا على جميع أجزائها بالنجاسة، وعلى ذلك الجنين بالطهارة، فلما دارت الطهارة مع الحياة وجودا وعدما، علمنا أن الحياة علة الطهارة. المسلك الخامس: الشبه . وهو ان تتردد المسألة بين أصلين مختلفين في الحكم، وهو أقوى شبهًا به.

стр. 414

ومثاله: الوضوء، فإنه دائر بين التيمم وبين إزالة النجاسة، فيشبه التيمم من حيث أن المزال فيه وهو الحدث، حكمي لا حسي، ويشبه إزالة النجاسة في أن المزال فيها حسي لا حكمي لإزالة الماء العين بالطبع بخلاف التراب. فالمالكية والشافعية: يوجبون النية في الوضوء، تغليبا لشبهه بالتيمم، والحنفية لا توجب النية في الوضوء، تغليبا لشبهه بإزالة النجاسة، ولكل من الفريقين ترجيحات لشبهه، يخرج ذكرها عن المقصود. وكذلك أيضًا: احتجاج أصحابنا على ان العبد يملك بأنه دائر

стр. 415

بين الحر والبهيمة، فمن غلب أنه آدمي أشبه الحر، ومن غلب أنه مال أشبه بالبهيمة، فأحد الشبهين يوجب له استحقاق أن يملك، وهو الشبه الآدمي، والآخر يوجب له أن لا يملك، وهو الشبه المالي، لكن الشبه الآدمي أقوي من الشبه المالي، من وجهين: أحدهما: أن الشبه الآدمي أصلي، والمالي عارض، والأصلي أولى من العارض. وثانيهما: أن الشرع غلب عليه شبه الآدمي في أحد نوعي الملك، فأثبت له ملك النكاح، الذي لا مدخل للبهيمة فيه، فوجب بهما أن يثبت له ملك اليمين لقوة الشبه الموجب له. فهذا تمام الكلام في الركن الثاني الذي هو العلة.

стр. 416

الركن الثالث: "الفرع " وشروطه أربعة: الشرط الأول: أن تكون العلة موجودة في الفرع ، لأن المقصود وهو ثبوت الحكم في الفرع فرع عن ثبوت علته فيه. كما يقيس أصحابنا عظام الميتة على لحمها في النجاسة، فتمنع الحنفية وصف العظام بالموت، فيجيب أصحابنا بأن الحياة تحلها بقوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾، وما هو محل الحياة فهو محل الموت، فثبت وصف العظام بالموت.

стр. 417

الشرط الثاني: أن لا يتقدم حكم الفرع على الأصل ، لأنه إن تقدم لزم ثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لتأخير الأصل. ومثاله: قياس أصحابنا الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية، والوضوء متقدم على التيمم في المشروعية وفي الفعل، نعم: يكون هذا إلزامًا، فيقول: لو لم تجب النية في الوضوء لما وجبت في التيمم. الشرط الثالث: أن لا يكون الفرع منصوصا عليه بعموم أو

стр. 418

بخصوص. ومثال العموم: أن يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع: كما إذا قيس التفاح على البر في الربا، واثبت الحكم في الربا بعموم قوله ﷺ : لا تبيعوا الطعام بالطعام، فإن هذا يشمل حكم الفرع فلا يكون الأصل أولى بالأصالة من الفرع. ومثال الخصوص: قياس أصحاب أبي حنيفة إيجاب الوضوء من القيء والرعاف على سائر الأحداث ثم يبينون حكم الرعاف والقيء بقوله ﷺ : من قاء أو رعف فعليه الوضوء. الشرط الرابع: أن لا يباين موضع الأصل موضع الفرع في الأحكام . كقياس البيع على النكاح أو بالعكس، فإن البيع مبني على المكايسة والمشاحة والنكاح مبني على المكارمة والمساهلة.

стр. 419

فإذا تقرر هذا: فالشافعية يقيسون فساد النكاح إذا انعقد على عبد في الذمة على فساد البيع إذا انعقد على عبد في الذمة غير موصوف، بجامع الجهل بالعوض، فإنه علة الفساد في البيع بالإجماع. فيقول أصحابنا: البيع مبني على المشاحة، والمكايسة، فكان الجهل فيه بالعوض مخلا بالمقصود منه، والنكاح مبني على المكارمة والمساهلة وليس المقصود من الصداق أن يكون مماثلا وعوضا ولذلك سماه الله تعالى: نحلة، فهو كالهبة فلا يضر الجهل به كما لا يضر بالهبة. الركن الرابع: الحكم . وفيه مسائل:

стр. 420

المسألة الأولى: من شرط الحكم أن يكون شرعيًا ، لأن القياس دليل شرعي. فعلى هذا: لا يجوز القياس في اللغات، وقد اختلف فيه.

стр. 421

ومثاله: تسمية النباش سارقًا بالقياس على أخذ مال الحي خفية، بجامع أخذ المال خفية وكتسمية النبيذ خمرا بالقياس على تسمية عصير العنب خمرا بجامع مخامرة العقل. المسألة الثانية: لا يجوز إثبات الحكم العادي بالقياس ومثاله: إذا قال أصحابنا في إثبات أن الحامل تحيض بأنه دم عارض فلا ينافي الحمل كدم الاستحاضة، لأن الحيض والاستحاضة دمان متجانبان لا يرى أحدهما إلا من يرى الآخر، ألا ترى أن الصغيرة التي تحيض لا تستحاض، والبائسة من المحيض لا تستحاض، فهذا قياس العادة والعادة قد تختلف فلا يتم. المسألة الثالثة: ما يطلب فيه القطع، فلا يجوز إثباته بالقياس ، لأن القياس لا يفيد

стр. 422

القطع. ومثاله: قياس أصحاب الشافعي في بسم الله الرحمن الرحيم، أنها من القرآن في كل سورة على سائر أي القرآن بجامع أنها مكتوبة بخط المصحف. المسألة الرابعة: اختلف الأصوليون في نفي الحكم: هل هو شرعي أو لا ؟ فمن رآه حكما شرعيا أجاز إثباته بالقياس، ومن لم يره حكما شرعيا منع من ذلك، والمحققون يجيزون فيه قياس الدلالة ويمنعون من قياس العلة. ومثاله: قول أصحابنا في الحلي: لا تجب فيه الزكاة قياسا على عبد الخدمة، وثياب المهنة، فيقول المعترض: حكم [الأصل ليس

стр. 423

بشرعي فلا يصح] القياس عليه، وحكم الفرع ليس بشرعي، فلا يجوز إثباته بالقياس. فهذا تمام القول في الأركان الأربعة.

стр. 424

الفصل الثاني: في أقسام قياس الطرد اعلم أن الجامع بين الأصل والفرع في قياس الطرد، إما أن يكون جملة ما وقع الاشتراك فيه بين الأصل والفرع، وهو قياس لا فارق، ويسمى قياسًا في معنى الأصل. وإما أن يكون بعض ما وقع الاشتراك فيه، وينقسم قسمين: إما نفس العلة، ويسمى قياس العلة. وإما ما يدل على العلة، ويسمى قياس الدلالة، فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: قياس لا فارق . وحاصله: بيان إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، والعلة موجودة في

стр. 425

الأصل لثبوت حكمها فيه، فوجب كونها مشتركة سواء كانت جملة المشترك او بعضه. ومثاله: قول أصحاب أبي حنيفة في المديان: تجب عليه الزكاة قياسًا على غير المديان، وبيان ذلك: أنه لا فارق بين الأصل والفرع إلا الدين الموجود في الفرع بدليل أنه لو عدم منه لانقلب الفرع أصلا ولو وجد في الأصل لانقلب الأصل فرعا، فدل أنه لا فارق بينهما إلا الدين، لكن الدين لا يصلح أن يكون مانعا من الزكاة، إذ لو منع من زكاة العين لمنع من زكاة الحرث والماشية، وإذا ثبت أن الدين غير مانع، ولا فارق غيره وجب الاشتراك في كل ما سواه، وأن العلة الموجودة في الأصل من جملة ما سواه، فوجب الاشتراك فيها. مثاله أيضا: إذا استولي الكفار على اموال المسلمين، فالشافعية يقولون: لا يملكونها والحنفية يقولون: إنهم
следующие страницы →