← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148082

التفسير بالبيان المتصل في القرآن الكريم

بسمة بنت عبد الله الكنهل

Полный текст (159 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بمحل العناية، وأنه حبيبٌ إلى النفس" (١). ثانيا: التفصيل بعد الإجمال: بأن يرد الكلام ابتداء بإيجازٍ واختصارٍ لغرضٍ بلاغي، ثم يَتبعه بيانٌ وتفصيلٌ يُزيل عنه إجماله. الأغراض البلاغية لأسلوب التفصيل بعد الإجمال (٢): استخدم القرآن الكريم أسلوب التفصيل بعد الإجمال لأغراضٍ بلاغيةٍ متنوعةٍ، تتناسب مع مقصد الآيات، ومن أبرز تلك الأغراض ما يلي: ١ - التّشويق: نحو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (٣). قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أتى بـ"أم" المنقطعة التي تتضمن الاستفهام من أجل شدّ النَّفس إلى الاستماع إلى القصة لأنها حقيقةٌ عَجب " (٤)، ثم جاء بأحداث القصة متتاليةً بعد ذلك.

стр. 72

٢ - التوكيد: نحو قوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ (١). التمهيل: مصدر (مَهّلَ)، بمعنى: (أمهَلَ)، وهو الإنظار إلى وقتٍ معينٍ أو غير معين، فأمر رسوله ﷺ بإمهالهم وألا يستعجل، ثم أكّد أمره فقال: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾: أي إمهالًا، ولما كرّر الأمر توكيدًا خالف بين اللّفظين لتحسين التّكرير، فالأول مطلق، والثاني مقيد بقوله: ﴿رُوَيْدًا﴾ (٢). ٣ - التعظيم والتفخيم: نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (٣). قال ابن عطية (٤): " والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالًا مما حرّم الله من الآيات، وخُصّا بالذِّكر لعِظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدرِكون لهاتين الآيتين بحواسّهم" (٥).

стр. 73

وسائل الربط بين أسلوب التّفصيل والإجمال (١): ربط القرآن الكريم بين الإجمال وما يأتي بعده من تفصيل باستخدام أدواتٍ متنوعةٍ تستخدم في اللغة لهذا الغرض، ومن أبرزها ما يلي: ١ - أمّا التفصيلية: نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ (٢). قال ابن عاشور: "في قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ إجمالٌ يفيد التّشويق إلى تفصيله بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ .. الآيات؛ ليتمكن تفصيله في الذهن" (٣). ٢ - (أنْ) التفسيرية: نحو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٤). قال الزمخشري: " (أنْ) هي المفسِّرة لأن الوحي بمعنى القول" (٥). ٣ - (مِن) البيانية: نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٦). قال ابن عثيمين: قوله تعالى ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ لمعنى ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ (٧).

стр. 74

٤ - البدل، أو عطف البيان (١): نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥)﴾ (٢). قال ابن عاشور: "والمراد بالمفاز: الجنة ونعيمها، وأوثرت كلمة ﴿مَفَازًا﴾ على كلمة: الجنة، لأن في اشتقاقه إثارة الندامة في نفوس المخاطبين ... ، وأبدل ﴿حَدَائِقَ﴾ من ﴿مَفَازًا﴾ بدل بعضٍ من كل، باعتبار أنه بعض من مكان الفوز، أو بدل اشتمالٍ باعتبار معنى الفوز" (٣). ٥ - (إذ) الظرفية: نحو قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ (٤).

стр. 75

قال ابن عاشور: "إلا تنصروه، فهو غني عن نُصرتكم بنصر الله إياه، إذ قد نصره في حين لم يكن معه إلا واحدٌ لا يكون به نصر، فكما نصره يومئذ ينصره حين لا تنصرونه ... ويتعلق ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ بِـ ﴿نَصَرَهُ﴾، أي زمن إخراج الكفار إيّاه، أي من مكة، والمراد خروجه مهاجرًا" (١). أنواعه في القرآن الكريم: يكون التّفصيل بعد الإجمال على نوعين: الأول: تفاصيل القصّة. الثاني: تفاصيل كلام مجمل سابق. الأول: تفاصيل القصة: بأن ترد الآية فيها إشارةٌ مجملةٌ لقصةٍ ما، ثم تُردف بذكر تفاصيل القصّة فيما يتلوها من آيات، نحو قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ (٢). المبيَّن: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. البيان المتَّصل: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾. المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل: بدأت الآيات بإشارة إلى قصة ثمود وتكذيبهم نبيهم صالح ﵇،

стр. 76

بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾، ثم شرع في ذكر تفاصيل تلك القصة، وكيف كذّبوه، ثم بيّن أمارة ذلك التكذيب، فقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، أي حين انبعث لعقرها بنشاطٍ وحرصٍ أشقى القوم، وهو قدَّار بن سالف، مع سكوت قومه على ما يفعل مما يدل على رضاهم عن فعله، فقال رسول الله صالح ﵇، لثمود: احذروا ناقة الله وسقياها، وإنما حذرهم سقيا الناقة؛ لأنه كان تقدم إليهم عن أمر الله، أن للناقة شرب يومٍ، ولهم شرب يومٍ آخر غير يوم الناقة، فكذّبوا صالحًا في خبره الذي أخبرهم به، من أنّ الله الذي جعل شرب الناقة يومًا، ولهم شرب يومٍ معلومٍ، وكذبوه فيما حذّرهم منه، من نزول العذاب إن خالفوا أمره فيها، فدمَّر عليهم ربهم بذنبهم ذلك، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله صالحًا، وعقرهم ناقته، فسوى الدمدمة عليهم جميعهم، فلم يفلت منهم أحد (١). " وعرضُ القصَّة بهذه الطريقة أسلوبٌ من أساليب التَّشويق يصنعه الآن المؤلفون والكُتَّاب في قصصهم، فيعطوننا في بداية القصة لقطةً لنهايتها؛ لإثارة الرغبة في تتبع أحداثها، ثم يعود فيعرض لك القصة من بدايتها تفصيلاً ... ومن ذلك أسلوب القرآن في قصّة أهل الكهف، حيث ذكر القصّة موجزةً فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ (٢)، ثم أخذ في عرضها تفصيلاً، فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ (٣).

стр. 77

وقد جاء هذا الأسلوب كثيرًا في قَصَص القرآن، ففي قصّة لوط ﵇ يبدأ بنهاية القصة وما حاق بهم من العذاب: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (١). ثم يعود إلى تفصيل الأحداث: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (٢) ... " (٣). الثاني: تفصيل كلامٍ مجمل. فيذكر الكلام على سبيل الإجمال، ثم يُتبع بذكر بعض التّفاصيل حسبما يقتضيه المقام (٤). ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ (٥). فالمبيّن: ﴿عذاب أليم﴾. والبيان المتَّصل: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ (٦).

стр. 78

المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل: يقول الله تعالى: فبشّر هؤلاء الذين يكنزون الذهب والفضّة، وهم الذين لا يؤدون زكاتها، ولا يخرجون حقوق الله منها، ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فجاء الإخبار عن ذلك العذاب مجملًا، ثم ذكر تفصيل ذلك العذاب في الآية التالية: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾، فأخبر أنه يعذبهم به في يوم القيامة، حين يُحمى عليها، فتُدخل النار فيُوقد عليها، فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، ويقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا عذاب ذلك (١).

стр. 79

المطلب الثاني تخصيص العام في البداية نُعرّف كلا من التخصيص، والعام، فنقول: العام: "كلامٌ مستغرقٌ لجميع ما يصلح له " (١). التّخصيص: "إخراج بعض ما كان داخلًا تحت العموم" (٢). وتخصيص العام: "بيان ما لم يرد بلفظ العام" (٣). تخصيص العام في البيان المتَّصل: أن تكون الجملة من الآية تدل على حكم، أو معنى عام يدخل تحته جميع أفراده، فيأتي بعدها، متَّصلا بها في الآية نفسها، أو ما يليها ما يبيّن تخصيص ذلك المعنى أو الحكم بأفرادٍ معينين، وذلك باستخدام أحد المخصّصات المناسبة. أنواع المخصِّص المتَّصل في القرآن الكريم (٤): الأول: التخصيص بالاستثناء (٥): "هو إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظ (إلا)، أو ما أقيم مقامه" (٦). ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (٧).

стр. 80

فالمبيَّن: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. والبيان المتَّصل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل: "يقول تعالى: إن ابن آدم لفي هلَكةٍ ونقصانٍ، إلا الذين صدّقوا الله ووحَّدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه، وأوصى بعضهم بعضا بلزوم العمل بما أنزل الله في كتابه، من أمره، واجتناب ما نهى عنه فيه، وبالصبر على العمل بطاعة الله" (١). الثاني: التَّخصيص بالوصف: والمراد الصفة المعنوية، لا مجرد النّعت (٢) المذكور في علم النحو (٣). قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (٤). المبيّن: المصلّين. البيان المتَّصل: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (٥). المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل: ذكرت الآيات أن الوعيد الشديد جعله الله تعالى لصنفٍ من المصلّين ذكر صفتهم

стр. 81

في الآية التالية، وهم الذين يصلّون، لا يريدون الله بصلاتهم، وهم في صلاتهم لاهون يتغافلون عنها، بتضييعها أحيانًا، وتضييع وقتها أخرى، وهم يراءون الناس بصلاتهم إذا صلّوا، لأنهم لا يصلّون رغبة في ثوابٍ، ولا رهبةً من عقاب، وإنما يصلونها ليراهم المؤمنون فيظنونهم منهم، فيكفون عن سفك دمائهم وسبي ذراريهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يستبطنون الكفر ويُظهرون الإسلام. ومن صفتهم أنهم يمنعون الناس ما يتعاونونه بينهم، ويمنعون أهل الحاجة والمسكنة ما أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق؛ لأن كل ذلك من المنافع التي ينتفع بها الناس بعضهم من بعض (١). الثالث: التّخصيص بالشرط: ويقصد به الشرط اللُّغوي وهو: ما دخل عليه أحد الحرفين: "إنْ" أو "إذا" أو ما يقوم مقامهما، مما يدل على سببية الأول، ومسببية الثاني (٢). نحو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٣). المبيَّن: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. البيان المتَّصل: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.

стр. 82

المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل: بعد أن أمرنا الله بإقامة حدّ الجلد على الزانية والزاني، نهى عن أن تحملنا الشفقة عليهما على ترك الحد، وفيه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله، فقد قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وقيل هو من باب التهييج، والتهاب التغضب لله تعالى ولدينه، ومعناه: إن كنتم تؤمنون فلا تتركوا إقامة الحدود، فإن الإيمان بهما يقتضي الجدّ في طاعته تعالى والاجتهاد في إجراء أحكامه. وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة (١). قال السعدي (٢): "نهانا تعالى أن تأخذنا رأفةٌ بهما في دين الله، تمنعنا من إقامة الحدّ عليهم، سواء رأفةٌ طبيعيةٌ، أو لأجل قرابةٍ أو صداقةٍ أو غير ذلك، وأن الإيمان موجبٌ لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقةً بإقامة حدّ الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب" (٣). الرابع: التّخصيص بالغاية: الغاية: "هي نهاية الشيء المقتضية لثبوت الحكم قبلها، وانتفائه بعدها" (٤).

стр. 83

ولها لفظان، وهما: "حتى" و"إلى" (١). قال الرازي: "التقييد بالغاية يقتضي أن يكون الحكم فيما وراء الغاية بالخلاف". نحو قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (٢). المبيَّن: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. البيان المتَّصل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾. المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل: أي قاتلوا الذين لا يصدّقون بتوحيد الله، ولا بالبعث بعد الموت، ولا يُحرّمون ما حرّم الله ورسوله في التوراة والإنجيل والقرآن، ولا يخضعون لدين الحق، ولا يقرُّون بشهادة لا إله إلا الله. وكان أهل الكتاب يقرُّون بالله، ولكنّهم لا يقرّون بما أعلم الله تعالى، فليسوا يدينون بدين الحق، يعني: دين الإسلام، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية عن قهرٍ وذلٍ، أو عن إنعامٍ عليهم بذلك، لأن قبول الجزية وترك أنفسهم يدٌ ونعمة عليهم، وإن لم يفُوا ولم يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، يقاتلون حتى يسلموا (٣).

стр. 84

قال الشّوكاني: "إن قوله: ﴿قاتلوا﴾ أمرٌ بالعقوبة، ثم قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فبيّن الذنب الذي توجبه العقوبة، ثم قال: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فأكّد الذنب في جانب الاعتقاد، ثم قال: ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، فيه زيادةٌ للذنب في مخالفة الأعمال، ثم قال: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾، فيه إشارةٌ إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأَنَفة عن الاستسلام، ثم قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ تأكيدًا للحجة عليهم لأنهم كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، فبيّن الغاية التي تمتد إليها العقوبة" (١). قال السعدي ﵀: " أمَره بقتال هؤلاء وحث على ذلك، لأنّهم يدعون إلى ما هم عليه، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس، بسبب أنهم أهل كتاب، وغيّ (٢) ذلك القتال ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ أي: المال الذي يكون جزاءً لترك المسلمين قتالهم، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم، بين أظهر المسلمين، يؤخذ منهم كل عام، كل على حسب حاله، من غنيٍ وفقيرٍ ومتوسطٍ، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن

стр. 85

الخطاب وغيره، من أمراء المؤمنين" (١). الخامس: التَّخصيص ببدل البعض من الكل (٢): البدل تابعٌ مقصودٌ بالحكم بلا واسطة، وضابطه: أن يكون البدل جزءًا حقيقيًا من المبدل منه، وأن يصح الاستغناء عنه بالمبدل منه؛ فلا يفسد المعنى بحذفه (٣). نحو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤). فالمبيَّن: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. والبيان المتَّصل: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. المعنى الإجمالي للبيان المتَّصل: بيَّنت الآية فرض وجوب الحج على المكلفين، ثم بيّنت وخصّصت صنفًا من الناس، ولا بيان في ذلك أبين مما بينه الله حيث قال بعدها: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فيكون الفرض في ذلك على قدر الطاقة، بأن يكون مستطيعًا إليه السبيل، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانع له منه من زمانةٍ (٥)، أو عجزٍ، أو عدوٍ، أو قلة ماء في

стр. 86

طريقه أو زادٍ، أو ضعفٍ عن المشي، فعليه فرض الحج، لا يجزيه إلا أداؤه، فإن لم يكن مطيقًا الحج بتعذُّر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه، فهو ممن لا يجد إليه طريقًا ولا يستطيعه. (١)

стр. 87

المطلب الثالث تقييد المطلق في البداية نُعرّف كلًا من المطلق والمقيّد، فنقول: المطلق: "هو المتناول لواحدٍ لا بعينه باعتبار حقيقةٍ شاملة لجنسه" (١). المقيّد: ما دل على الحقيقة بوصفٍ زائدٍ عليها (٢). تقييد المطلق: ورود النّصّ بلفظٍ يتناول شيئًا أو شخصًا غير محدّد، فيأتي في موضع آخر ما يحدّده (٣). تقييد المطلق في البيان المتَّصل: أن يرد النّصّ بلفظٍ يتناول شيئًا أو شخصًا غير محدّد، فيأتي بعده في الآية نفسها، أو تاليتها، ما يحدّده، ومن ذلك إطلاق الآيات ميراث الزوجين، ثم قيّدت ميراثهما بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ .. ﴾ (٤). نحو قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٥). المبيَّن: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾. البيان المتَّصل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.

стр. 88

المعنى الإجمالي للآيات: ولكم- أيها الناس- ﴿نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾، بعد وفاتهن من مالٍ وميراث، ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ يوم يحدث بهنّ الموت، لا ذكرٌ ولا أنثى، فإن كان لأزواجكم يوم يحدث لهنّ الموت، ولدٌ ذكرٌ أو أنثى، ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ من مالٍ وميراث، ميراثًا لكم عنهنّ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، يقول: ذلكم لكم ميراثًا عنهن، مما يبقى من تركاتهنّ وأموالهنّ، من بعد قضاء ديونهنّ التي يَمُتنَ وهي عليهنّ، ومن بعد إنفاذ وصاياهنّ الجائزة إن كنّ أوصين بها (١). فجعل نصيب الزوج مقيَّدا بإنفاذ الوصيّة وقضاء الدَّين. ومما يجدر التنبيه إليه أنّ المتقدمين قد يطلقون على تقييد المطلق وتخصيص العام نسخًا؛ لأنه مثل النسخ، حيث يقتضي أن يكون الأمر الأول (المطلق، العام) غير معمولٍ به، وإنما المراد الأمر الوارد في الأخير (التقييد، التخصيص) (٢).

стр. 89

الفصل الثالث ضوابط التفسير بالبيان المتّصل وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: ضوابط التفسير بالبيان المتَّصل. المبحث الثاني: أسباب الخطأ في التفسير بالبيان المتَّصل. المبحث الثالث: أثر الخطأ في التفسير بالبيان المتَّصل.

стр. 90

المبحث الأول ضوابط التفسير بالبيان المتَّصل. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: لزوم التّفصيل في قبول التفسير بالبيان المتَّصل. المطلب الثاني: ترك العدول عن ظاهر القرآن، إلا بدليلٍ يجب الرجوع إليه. المطلب الثالث: وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إلى ذلك سبيل.

стр. 91

توطئة قد يتّصل الكلام بين الآيات والجمل مع انفصال المعنى، وقد جاء ذلك في آيات القرآن الكريم كأسلوبٍ من أساليب العرب في كلامهم. قال ابن الجوزي (١): " .. من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص شيئًا ثم تصله بالحكاية عن آخر"، واستشهد لذلك بآيات من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ (٢). قال: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ هذا قول الكفار، فقالت الملائكة: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ (٣). ولا شك أن الالتزام بقواعد مضبوطةٍ في تفسير الآيات يحدّ من غموضها، ومن الوقوع في إشكالات عند تفسيرها، ويحدّد المترَجّح من أقوال العلماء عند التعارض؛ لذلك كان من المناسب أن تُجمع تلك الضوابط لتسهل دراستها، ومن ثَم العمل بها عند الوقوف على تفسير الآيات. وقبل الشروع في تلك الضوابط، أوضحُ مناهج العلماء في التفريق بين الضابط والقاعدة؛ ليتبيّن مسار البحث: انقسم العلماء في ذلك إلى فريقين:

стр. 92

قسم فرَّق بين الضابط والقاعدة: فذهبوا إلى: "أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من بابٍ واحدٍ" (١). وقسمٌ منهم يطلق الضابط على القاعدة، والعكس (٢). فالمعنيان متقاربان، والخلاف في المصطلح. وعلى الرأي الأخير سأسير في هذا المبحث، فأستعرض في هذا المبحث أبرز القواعد والضوابط المتعلقة بالتفسير بالبيان المتَّصل على النحو التالي: أولا: لزوم التَّفصيل في قبول التفسير بالبيان المتَّصل. ثانيا: ترك العدول عن ظاهر القرآن، إلا بدليلٍ يجب الرجوع إليه. ثالثا: وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إلى ذلك سبيل.

стр. 93

المطلب الأول لزوم التفصيل في قبول التفسير بالبيان المتَّصل يتفاوت التفسير بالبيان المتَّصل من حيث الحجية إلى قسمين: أولا: القسم التوقيفي، وهو نوعان: الأول: أن يكون في الآية أو الآيات لبسٌ أو خفاءٌ؛ فيأتي ما يزيله ويفسره بعده مباشرةً، فيُحمل عليه قطعًا، ويكون ذلك مما لا مجال فيه للاجتهاد والنَّظر، ولا يمكن حصول خلافٍ فيه بين المفسرين، كأن يكون جوابًا لسؤال، أو بيانًا لمفردة (١). وهو ما عناه الزركشي بقوله: " وقد يكون بيانه واضحًا وهو أقسام: أحدها: أن يكون عقبه كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢). قال محمد بن كعب القرظي (٣): تفسيره: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٤). وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ (٥). قال أبو العالية (٦): تفسيره: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ

стр. 94

مَنُوعًا (٢١)﴾ (١) ... ، وكقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ فسّره بقوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢) ... " (٣). الثاني: أن يصرِّح الرسول ﷺ به في التفسير. حكمه: يُحمل عليه قطعًا، لكونه من التفسير بالمأثور الذي يجب قبوله مطلقًا، ويُلحق به ما صرّح به الصحابي (٤). ثانيا: القسم الاجتهادي: ويعتمد على سلامة الفهم، وحسن الرّبط بين الآيات، بأن يحمل آيةً على أنها بيان لما قبلها، مما لم يصرَّح به في الآيات. حكمه: هذا النوع منه المقبول، ومنه المردود؛ فقد يكون اجتهاد المفسر في الربط بين الآيات خاطئًا، أو فيه اتباعٌ لهوًى أو بدعة، كما سيأتي بيانه لاحقا في هذا الفصل.

стр. 95

المطلب الثاني ترك العدول عن ظاهر القرآن، إلا بدليل يجب الرجوع إليه (١) للظاهر عند العلماء تعاريف، من أبرزها: " أنه ما يُعرف المراد منه بنفس السَّماع من غير تأمل، وهو الذي يسبق إلى العقول والأوهام لظهوره موضوعًا فيما هو المراد" (٢). وقيل: "اسمٌ لكلامٍ ظهر المراد منه للسامع بنفس الصّيغة، ويكون محتملًا للتأويل والتّخصيص" (٣). وقيل: "ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنىً مع تجويز غيره" (٤). وقيل: "ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر" (٥). ومن خلال مجموع التعاريف السابقة يمكن القول: إنّ المراد بالظاهر هنا هو الظاهر في اصطلاح الأصوليين تارة، وقد يكون هو النّص في اصطلاحهم (٦). حكمه: "كل نصّ قرآني يدل على معنىً متبادر منه، ولا يحتمل غيره أصلًا يُفسّر بذلك المتبادر تفسيرًا قطعيًا دون حاجةٍ إلى دليلٍ أو قرينةٍ على إرادته منه" (٧).

стр. 96

ويفهم من ذلك أن الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به، بدليل إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ، ولا يجوز تركه إلا بتأويل" (١). نماذج توضح الضّابط: النموذج الأول: قال تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ (٢). قال أبو حيان عند قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: "وظاهر الآية وسياق الكلام أن هذه الجملة هي مفسّرة لبعض آيات البيت، ومُذكّرة للعرب بما كانوا عليه في الجاهلية من احترام هذا البيت، وأمن من دخله من ذوي الجرائم" (٣). ورجَّحه الطبري بعد أن عرض أقوال العلماء في ذلك، فقال: "وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال: "الآيات البينات، منهنّ مقام إبراهيم"، .. فيكون

стр. 97

الكلام مرادًا فيه "منهنّ"، فترك ذكره اكتفاءً بدلالة الكلام عليه" (١). النموذج الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ (٢). في قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾، قال الطبري: "يعني تعالى ذكره بقوله: "ذلك"، هذا الذي أبَحْتُ أيها الناس، من نكاح فتياتكم المؤمنات لمن لا يستطيع منكم طَوْلًا لنكاح المحصنات المؤمنات؛ أبحتُه لمن خشي العنت منكم، دون غيره ممن لا يخشى العنت، وفيه إشارة إلى نكاح عادم طَول الحرّة المؤمنة" (٣). "فالذي دل عليه ظاهر القرآن أنه لا يجوز نكاح الحر الأمة إلا بثلاثة شروط: اثنان في الناكح وهما: عدم طول الحرة المؤمنة، وخوف العنت. وواحد في الأمة وهو: الإيمان" (٤). فيجب الأخذ بالأحكام الظاهرة من الآيات لعدم وجود دليل يصرفها عن معناها الظاهر. ويجوز العدول عن ظاهر النّص إن دلّ دليل شرعي على ذلك.

стр. 98

قال ابن تيمية: "ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسَّر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويُصرف الكلام عن ظاهره؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحدٍ من أهل السنة وإن سمي تأويلًا وصرفًا عن الظّاهر؛ فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السُّنّة والسلف عليه؛ لأنه تفسير القرآن بالقرآن؛ ليس تفسيرًا له بالرأي، والمحذور إنَّما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالةٍ من الله ورسوله والسابقين " (١). "وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظَّاهر واجب حتى يرِد دليلٌ شرعيٌ صارفٌ عنه إلى المحتمَل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول" (٢). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ (٣). قال الشنقيطي: " قد يتوهم غير العارف من مفهوم مخالفة (٤) هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، أنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، وليس ذلك مرادًا بالآية، بل الغاية ببلوغ الأشد يراد بها: أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله، إن أُونس منه الرشد، كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ .. ﴾ (٥) " (٦). فصُرفت الآية عن ظاهرها بدليل من القرآن الكريم.

стр. 99

المطلب الثالث وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إلى ذلك سبيل (١) معلومٌ أن إجراء الكلام على اتّساق وترابط معانيه، السّابق منها واللّاحق، أرسخ في باب الفصاحة والبلاغة من تفريق معاني الكلام وتشتيتها، وقد جاء القرآن الكريم منسجمًا مع ذلك ولا ريب؛ فالقرآن الكريم قد بلغ من البلاغة غايتها، فوصل معانيه ببعضها أولى ما وجد إلى ذلك سبيل (٢). قال ابن عطية ردا على من خالف هذه القاعدة: "وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى، وعما تأخر أيضًا .. " (٣). وذكر ابن جزي الكلبي من وجوه الترجيح: " .. أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله أو ما بعده" (٤). نماذج توضح الضابط: النموذج الأول: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا

стр. 100

يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ (١). فصّل الطبري الأقوال وفندها، ورجح أن "ما" التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، موصولة بمعنى "الذي"، و ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ إما أن يكونا بدلًا من الملكين وترجمةً عنهما، أو بدلًا من "النّاس" في قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، ثم رجّح أن "هاروت وماروت" مترجمٌ بهما عن أقرب مذكور، وهو الملكين، ولذلك فُتحت أواخر أسمائهما، لأنهما في موضع خفض على الرد على "الملكين" (٢). فالراجح كون هاروت وماروت تفسيرًا للملكين، وذلك للمحافظة على اتصال معاني الكلام وتناسقها لما قبلها. النموذج الثاني: في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ......... إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ (٣). فقد اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ على ما هي عائدةٌ، فقال بعضهم: هي عائدةٌ على الماء، وقيل: عائدةٌ على الإنسان، وأورد الطّبري أقوال العلماء في معنى الآية، ثم رجّح قول من قال: "معنى ذلك: إن الله على ردّ الإنسان المخلوق من ماء دافق من بعد مماته حيًّا، كهيئته قبل مماته لقادر" (٤). قال: "وإنما قلت: هذا أولى الأقوال في ذلك بالصواب؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، فكان في إتباعه قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ نبأً من أنباء القيامة، دلالةٌ على أن السّابق قبلها

стр. 101

أيضًا منه، ومنه ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، يقول تعالى ذكره: إنّه على إحيائه بعد مماته لقادرٌ يوم تُبلى السرائر، فاليوم من صفة الرّجع، لأن المعنى: إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر" (١). فالراجح كون ﴿يَوْمَ﴾ متعلقٌ بما قبله وهو: (الرجع)، وذلك للمحافظة على اتّصال معاني الكلام السّابق باللّاحق.

стр. 102

المبحث الثاني أسباب الخطأ في التفسير بالبيان المتّصل وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: مخالفة طرق التفسير المعتمدة. المطلب الثاني: تقديم مقررات سابقة. المطلب الثالث: الجهل بالتفسير اللغوي.

стр. 103

المطلب الأول مخالفة طرق التفسير المعتمدة وطرق التفسير المعتمدة هي القرآن الكريم والسُّنّة المطهرة، وأقوال السلف. قال ابن تيمية: " فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ ، فالجواب: إن أصحّ الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكان فإنه قد فُسِّرَ في موضع آخر، وما اخْتُصِر من مكان فقد بُسِطَ في موضعٍ آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحةٌ له .. " (١)، ثم قال: "وحينئذٍ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السُّنّة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن، والأحوال التي اختُصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح" (٢)، ثم قال: " إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السُّنّة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثيرٌ من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين ... " (٣). فتلك هي الطرق التي سار عليها السلف في تفسير القرآن الكريم، فمن سلك سبيلهم فقد سلك المنهج الصحيح، ومن خالفهم وخرج عن منهجهم؛ حاد عن الجادّة. وتتمثل المخالفة في أمور من أبرزها: الأول: أن تُفسَّر آيات القرآن الكريم بما كان مخالفًا لأصول الدين والعقيدة الصحيحة الثابتة بالقرآن والسُّنّة وإجماع السلف؛ فكل معنىً يخالف الكتاب والسنة فهو باطلٌ وحجته داحضة.

стр. 104

قال ابن تيمية: "والتّمسك بالأقيسة مع الإعراض عن النصوص والآثار طريق أهل البدع؛ ولهذا كان كل قول ابتدعه هؤلاء قولًا فاسدًا، وإنما الصواب من أقوالهم ما وافقوا فيه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان .. " (١). ويتّضح ذلك من خلال النّظر في بعض كتب التفسير المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة، وسنأتي على تفصيله في السبب الثاني من أسباب الخطأ. الثاني: أن يعدل المفسر عن التفسير بالمأثور الثابت بالنصوص الصريحة الصحيحة في الكتاب والسنة، ويعمد إلى غيره، وهذا من أبرز الأسباب المؤدية للخطأ في التفسير، فالتفسير بالمأثور مقدمٌ على الرأي، ولا يمكن أن يُعارض به، ولا يجوز العدول إلى الرأي والاجتهاد في إيجاد حكمٍ أو تفسيرٍ نص الشارع عليه، فالنّص مقدمٌ، والاجتهاد ساقطٌ (٢). قال القاسمي (٣): "وأولى الأقوال: ما دلّ عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع الأمة، أو سياق الكلام .. " (٤). الثالث: تقديم اللغة على أصول التفسير الأخرى، تقديم اللغة على أصول التفسير الأخرى فإذا عرف تفسيرها وما أريد منها من الكتاب أو السنة أو أقوال السلف، لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم (٥).

стр. 105

ونرجئ التفصيل فيه إلى الفقرة الثالثة من أسباب الخطأ. نماذج من الخطأ بسبب مخالفة طرق التفسير المعتمدة: النموذج الأول: ومن أمثلة المخالفة للعقيدة الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ (١). قال الواحدي (٢): " (فَوْقَ) يستعمل في كل ما يستحق أن يوصف بأفعل، ولا يراد به المكان العالي، كما يقال: هو فوقه في القدرة، أي: أقدر منه، وهو فوقه في العلم، أي: أعلم منه، وهو فوقه في الجود، أي: أجود، يُعبَّر عن تلك الزيادة بهذه العبارة للبيان عنها" (٣). ثم أورد معنيين للعلماء في تفسير هذه الآية: "أحدهما: أن الآية من باب حذف المضاف، على تقدير: " يخافون عقاب ربهم من فوقهم"؛ لأن أكثر ما يأتي العقاب المهلك من فوق، سيّمَا والآية في صفة الملائكة. والآخر: أن الله تعالى لما كان موصوفًا بأنه عليٌّ ومتعالٍ علو الرتبة في القدرة حَسُن أن يقال: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليدل على أنه في أعلى مراتب القادرين" (٤). أقول: وكلا القولين باطلٌ؛ لما فيهما من التعطيل (٥) والتأويل، فالأول: تعطيلٌ

стр. 106

لصفة الفوقية. والثاني: تأويلٌ لظاهر النّص من فوقية العلوّ إلى فوقية القدرة والعظمة، والقولان خلاف مذهب أهل السُّنّة والجماعة. الشاهد: خطأ المؤولة في صرف معنى الفوقية في قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ إلى فوقية القهر والقدرة دون العلوّ في الذات. والصحيح أن قوله: ﴿رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، فيه تقريرٌ لصفة العلوّ لله على خلقه، وتشمل علوّ الذات والقدر، وذلك وفقًا لما جاء في الكتاب والسُّنّة الصحيحة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ (١). وقوله ﷺ للجارية: (أَيْنَ اللهُ؟ )، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: (مَنْ أَنَا؟ )، قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) (٢)، وغير ذلك من الأدلة التي تثبت صفة العلوّ والفوقية لله (٣). قال السعدي ﵀ عند قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾: " لما مدحهم بكثرة الطاعة والخضوع لله، مدحهم بالخوف من الله الذي هو فوقهم

стр. 107

بالذّات والقهر، وكمال الأوصاف ... " (١). وقد استدل العلماء بقوله: (﴿رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، على ثبوت الفوقية والعلوّ لله تعالى، بلا تشبيهٍ ولا تمثيل (٢). النموذج الثاني: ومن أمثلة مخالفة طرق التفسير المعتمدة، ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾ (٣). قال الزّمخشري عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾: "فمنكم آت بالكفر وفاعل له" (٤). الشاهد: تأويل الزّمخشري الآية بمذهب المعتزلة، الذي يقضي بأن العبد هو الخالق لفعله، وهذا منافٍ للطرق المعتمدة في التفسير، ومخالفٌ لما عليه أهل السُّنّة والجماعة، من أن الله خالق أفعال العباد (٥). والصحيح في تفسير الآية ما جاء عن الطبري، يقول: " ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، فمنكم كافرٌ بخالقه وأنه خلقه، ﴿وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، يقول: ومنكم مصدِّقٌ به موقنٌ أنه خالقه أو بارؤه" (٦).

стр. 108

وقد أورد المفسرون بعض الأحاديث التي تُعضِّد هذا التفسير، ومنها: قوله ‘: " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا" (١). وقوله ‘: "خَلَقَ اللهُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فِي بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وَخَلَقَ فِرْعَوْنَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ كَافِرًا" (٢).

стр. 109

المطلب الثاني تقديم مقررات سابقة من أبرز علامات أهل الأهواء والبدع تقديمهم لمذاهبهم وبدعهم وأهوائهم على النّصوص الشرعية، وجعل النّصوص الشرعية تبعًا لها، فيقومون بتطويع النّصوص، وتأويلها لتوافق آراءهم. قال ابن تيمية: "والألفاظ نوعان: نوعٌ يوجد في كلام الله ورسوله، ونوعٌ لا يوجد في كلام الله ورسوله، فيُعرف معنى الأول ويُجعل ذلك المعنى هو الأصل، ويُعرف ما يعنيه الناس بالثاني ويُرد إلى الأول، هذا طريق أهل الهدى والسُّنّة. وطريق أهل الضّلال والبدع بالعكس، يجعلون الألفاظ التي أحدثوها ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تبعًا لهم، فيَردُّونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نفسر القرآن بالعقل واللغة، يعنون أنهم يعتقدون معنىً بعقلهم ورأيهم ثم يتأوّلون القرآن عليه بما يمكنهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف الكلم عن مواضعه" (١). وقد بيّن طريقتهم في ذلك بقوله: " إحداهما: قومٌ اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها ... فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظرٍ إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان ... تارةً يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارةً يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يُرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون

стр. 110

خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول" (١). وبيّن الشاطبي أن من أسباب الخلاف والابتداع: اتّباع الهوى، فقال: " الثاني من أسباب الخلاف: اتّباع الهوى، ولذلك سُمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك" (٢). وذكر السّيوطي في العلوم التي يحتاجها المفسر: "التاسع: أصول الدّين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله تعالى، فالأصوليّ يؤول ذلك، ويستدل على ما يستحيل، وما يجب، وما يجوز" (٣). نماذج من الخطأ في التفسير، لتقديم مقررات سابقة: النموذج الأول: من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ (٤).
следующие страницы →