← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لأن أعلمها أحب إلي من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف؟ »، فأعادها ثلاث مرات (١)، يريد قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾» (٢). ٢ - ويشبه عمر ﵁ في حرصه على معرفة المعنى الصحيح ابن عباس ﵄، فقد أرقه حال طائفة من الذين ذكرهم الله تعالى في قصة أصحاب السبت، وهم الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ (٣)، وأشفق جداً على معرفة حالهم، وهل نجوا مع الذين نهوا عن السوء أو لا؟ ، وقال: «والله لأن أكون علمت أن القوم الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلي مما عدل به»، وفي لفظ: «من حمر النعم، ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً» (٤). وفي بعض الروايات أن عكرمة دخل عليه وهو يبكي من هذه الآية، ويقول: «ما أدري أنجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أم لا؟ ، قال عكرمة:

стр. 107

فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة» (١). ٣ - وعن عمرو بن مرة (٢) قال: «ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني؛ لأني سمعت الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾» (٣). رابعاً: الاهتمام برجال التفسير . من أوجه الاهتمام بالتفسير الصحيح تلقيه من أهله المعروفين به، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤)، ومن فوائد الاهتمام بعلماء التفسير وبيان قدرهم ومنزلتهم فيه إقبال الناس على الأخذ منهم، فإن الناس إذا سمعوا ثناءً على أحد في شيءٍ ما اشتهر بينهم؛ خاصة إذا كان الثناء صادراً من عالم، أو صاحب كلمة مسموعة، ومن ثم سوف يقبل طلاب العلم على الأخذ عنه،

стр. 108

والعناية بأقواله وآرائه. ومن أوجه اهتمام الصحابة والتابعين برجال التفسير ما يأتي: الوجه الأول: حث الناس على الأخذ منهم. حث بعض الصحابة على الأخذ عن المعروفين بتفسير القرآن، ومن الشواهد على ذلك: ١ - قال ابن عباس ﵄ عن جابر بن زيد (١): «لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله علماً» (٢). ٢ - وسأل رجل ابن عمر ﵄ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣)، فقال له: انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد ﷺ ، قال الرجل: فأتيته فسألته، فقال: إنه كان عندهما أصنام، فلما حُرمن أمسكوا عن الطواف بينهما حتى

стр. 109

أنزلت: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١). ٣ - وأتى رجل ابن عمر فسأله عن السموات والأرض: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢)، قال: «اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال لك، فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: نعم، كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق الأرض أهلاً، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق هكذا كانت، ثم قال ابن عمر قد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علماً» (٣). الوجه الثاني: الثناء على رجال التفسير والصحابة والتابعون مقتدون في هذا العمل بالنبي ﷺ ، فقد جاء عنه الثناء على بعض الصحابة في علومهم، والإشادة بالمتقن منهم، فعن عبد الله بن مسعود

стр. 110

- ﵁ أن النبي ﷺ أثنى على قراءته، وقال: «من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» (١). وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁: «يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود» (٢). وبسبب هذا الثناء النبوي على ابن مسعود وأبي موسى علا شأنهما في الإقراء، وأصبحا محط رحال قراء القرآن، ومنهما تلقى أكثر قراء الكوفة القرآن. وتطبيقاً لهذا المنهج النبوي أثنى الصحابة والتابعون ﵃ على من عرف بتفسير القرآن، وأشادوا بهم، إلا أن بعض من أثني عليه كان أسعد بالثناء من بعض.

стр. 111

وممن اشتهر بين مفسري الصحابة والتابعين ﵃ بالإشادة به، والثناء عليه حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄، فقد أشاد به الصحابة والتابعون على حد سواء، وما ذاك إلا لسعة علمه بتفسير القرآن، وتبحره فيه، وأثر من آثار دعاء النبي ﷺ بأن يعلمه الله التأويل (١). ومما جاء في الثناء عليه: ١ - قول عمر بن الخطاب ﵁: «والله إنك لأصبح فتياننا وجهاً (٢)،

стр. 112

وأحسنهم عقلاً، وأفقههم في كتاب الله » (١). ٢ - وكان ﵁ يسأل ابن عباس عن الشيء من القرآن، ثم يقول: غص غواص (٢). ٣ - ويقول عبد الله بن مسعود ﵁ عنه: «نعم الترجمان للقرآن ابن عباس» (٣). وحسبك بثناء هذين الرجلين ﵄ على ابن عباس، وهو يدل على المنزلة التي وصل إليها في هذا العلم. ٤ - وقال ابن عمر: «هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد ﷺ » (٤). ٥ - وعن أبي وائل قال: «شهدت الموسم، فقرأ سورة النور على المنبر، وفسرها، لو سمعت الروم لأسلمت» (٥).

стр. 113

٦ - ويقول مجاهد: «كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه نوراً» (١). ٧ - وأثنى عليه الحسن البصري فقال: «كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ سورة البقرة وآل عمران، فيفسرها آيةً آية» (٢). وممن أثني عليه في تفسير القرآن تلميذه سعيد بن جبير، فقد قال عنه ميمون بن مهران (٣): «لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه، قال: أرى في التفسير» (٤). وكذلك مجاهد بن جبر، فقد قال عنه قتادة: «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» (٥). ويقول الشعبي عن عكرمة: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله تعالى من

стр. 114

عكرمة» (١). وقال قتادة: «أعلم الناس بالتفسير عكرمة» (٢). ومر إبراهيم النخعي بالسدي (٣)، وهو يفسر، فقال: «أما إنه يفسر تفسير القوم» (٤). وقال عون بن عبد الله (٥) عن محمد بن كعب (٦): «ما رأيت أعلم بتأويل القرآن

стр. 115

من القرظي» (١). الوجه الثالث: ذكر مراتبهم في التفسير. والصحابة والتابعون ﵃ في هذا الأمر مقتدون بالنبي ﷺ ، فقد كان يفاضل بين أصحابه في العلوم، ويذكر منازلهم ومراتبهم فيها، مثل قوله ﷺ : «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (٢).

стр. 116

وتقدم قبل قليل عن بعض الصحابة والتابعين ﵃ التفضيل العام لبعض المشهورين بالتفسير، كثناء ابن عمر على ابن عباس، وأنه أعلم من بقي من أمة محمد بالقرآن الكريم. وكذلك قول الشعبي عن عكرمة نحو هذا الكلام، وقول قتادة عن مجاهد، وتقدمت هذه الأقوال. وقد ينقل عن بعض التابعين المفاضلة بين العلماء في تخصصاتهم، ومما جاء في ذلك: ١ - قول سعيد بن جبير مفاضلاً بين ابن عمر وابن عباس ﵃: «كان ابن عمر حسن السرد للرواية عن النبي ﷺ ، ولم يبلغ في الفقه والتفسير شأو ابن عباس» (١). ٢ - وقال عكرمة عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃: «كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، وكان علي أعلمهما بالمبهمات» (٢).

стр. 117

٣ - وقال قتادة: «أعلم الناس بالحلال والحرام الحسن، وأعلمهم بالمناسك عطاء بن أبي رباح، وأعلمهم بالتفسير عكرمة» (١). ٤ - وقال خُصيف (٢): «كان أعلمهم بالطلاق سعيد بن المسيب، وبالتفسير مجاهد، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاوس، وأجمعهم في ذلك كله سعيد بن جبير» (٣). ٥ - وقال أيوب السختياني عن عكرمة: «لو قلت: إن الحسن ترك كثيراً من التفسير حين دخل علينا عكرمة البصرة، حتى خرج منها لصدقت» (٤). ٦ - وعن إسماعيل بن أبي خالد (٥) قال: «السدي أعلم بالقرآن من

стр. 118

الشعبي» (١). وقد تبدو الأقوال السابقة متعارضة بعض الشيء، ولسنا هنا بصدد الترجيح بينها، فذلك مما تختلف فيه الأنظار باختلاف أسباب التفضيل، وقد يظهر لأحد بحكم مخالطته لأحد العلماء ما لا يظهر لغيره، فيحكم فيه بما يخالف غيره، لكنها في الجملة تعطي انطباعاً عاماً عما كان سائداً في ذلك الوقت من المفاضلة بين العلماء، وهي تبرز عناية الصحابة والتابعين بأهل التفسير المعروفين به وإشادتهم بهم. الوجه الرابع: الثناء على أنفسهم في تفسير القرآن. وثناء المرء على نفسه بما فيها ليس من المدح المذموم أو العجب الممقوت، بل هو من قبيل التحدث بنعمة الله، وقد أمر الله تعالى ﷺ بذلك فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٢)، وقال يوسف ﵇ عن نفسه: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، وقد أخذ العلماء من هذه الآية جواز وصف الإنسان نفسه بالعلم والفضل إذا رآها أهلاً لذلك، وأنه ليس داخلاً في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا

стр. 119

أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)، ثم إن إخبار الإنسان بما هو عليه من العلم حث لأتباعه وتلاميذه إلى الأخذ عنه، والاستفادة منه في الجانب الذي أثنى على نفسه فيه (٢)، ومما جاء في ثناء الصحابة والتابعين على أنفسهم في العلم بكتاب الله: ١ - قول علي بن أبي طالب ﵁: «سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت أم بنهار؟ أم في سهل أم في جبل؟ » (٣). ٢ - وقول عبد الله بن مسعود ﵁: «والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم فيم أنزلت؟ ، ولو أعلم أحداً هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه». وفي رواية قال: «لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله، ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ ، فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه ولا يعيبه» (٤). ٣ - وقد أثنى ابن عباس على نفسه في علمه بتفسير القرآن، فقال عند قوله

стр. 120

تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١): «أنا ممن يعلم تأويله» (٢). وقال ﵁ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٣): «أنا من القليل، سبعةٌ وثامنهم كلبهم» (٤). وقال: «كل القرآن أعلمه إلا أربعاً: غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم» (٥). قال ابن قتيبة (٦): «كان هذا من قول ابن عباس في وقت، ثم عَلِمَ بعد ذلك» (٧).

стр. 121

٤ - ويخبر مجاهد عن منزلته في علم التفسير، وأن تعلم القرآن قد استفرغ جهده ووقته، فيقول: «استفرغ علمي القرآن» (١). وعنه قال: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها» (٢).

стр. 122

ثانياً الحث على ما يعين على فهم القرآن من الأولويات لدى الناقد قبل القيام بنقد الأقوال وتصحيحها أن يبادر بالاحتراز من الأخطاء في التفسير قبل وقوعها، وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة الطريقة الصحيحة لفهم القرآن؛ لذا يسعى الناقد جاهداً لتحقيق ذلك بوضع الضوابط والقواعد المعينة على فهم القرآن، وقد أولى العلماء هذا الأمر عناية خاصة، فأفردوا فيه كتباً تحت اسم أصول التفسير أو علوم القرآن، وكان للصحابة والتابعين أفضلية السبق في ذلك، فأرشدوا إلى القواعد والآداب التي تعين على فهم القرآن، ومنها: أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات . فمما يعين المفسر على فهم القرآن نظره في سياق الآيات والموضوع الذي تتحدث عنه، وربط الآيات بما قبلها وما بعدها، فـ «السياق يرشد إلى تبيين

стр. 123

المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات» (١). «والدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية» (٢). وقد اهتم الصحابة والتابعون بالسياق في تفسير القرآن، وحثوا على النظر فيما قبل الآية وما بعدها، فعن مسلم بن يسار (٣) قال: «إذا حدثت عن الله حديثاً، فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده» (٤). ولأهميته استعانوا به في تفسير الآيات، ومن أمثلة ذلك: ١ - ما جاء عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٥) قال: «فمنهن: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ

стр. 124

الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (١)، ومنهن الآيات في شأن المنسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في ذريتهما صلى الله عليهم» (٢). وهذه التي ذكرها ابن عباس مذكورة في الآيات بعد قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. وجاء نحو ذلك عن مجاهد، فإنه قال في هذه الآية: «ابتلي بالآيات التي بعدها» (٣). ٢ - وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ (٤)، قال: «عيسى ناداها، أما تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾» (٥). ٣ - وعن مجاهد أنه قال في قول الله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٦): هي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا

стр. 125

إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (١)، وقال مرة: إنها قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وسيأتي انتقاد الصحابة والتابعين تأويلات لمخالفتها سياق الآيات. ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن . من المهام التي كلف بها النبي ﷺ بيان الوحي الذي أنزل عليه وتفسيره ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وليس أحد أتم إيضاحاً ولا أكمل بياناً من النبي ﷺ ، فسنته من أحسن ما يفسر به القرآن، لأن ما يأتي به وحي من الله تعالى، وقد أدرك الصحابة والتابعون هذه الحقيقة، فاعتنوا بالسنة النبوية في بيان القرآن، وأكدوا على أهميتها، وعدوها من أهم المصادر التفسيرية، ومن أقوالهم في ذلك: ١ - أتى رجل عمران بن حصين ﵁ (٤)، فسأله عن شيء، فحدثه، فقال

стр. 126

الرجل: «حدثوا عن كتاب الله، ولا تحدثوا عن غيره، فقال: إنك امرؤ أحمق! ، أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً لا يجهر فيها بالقراءة؟ ، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحوهما، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسراً؟ ، إن كتاب الله - جل وعلا - أحكم ذلك، وإن السنة تفسر ذلك» (١). وفي رواية أن عمران قال للرجل: «القرآن والله نعم، أرأيت لو رفعنا إليه، وقد وجدت في القرآن: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، ثم لم نر رسول الله ﷺ كيف سن لنا؛ كيف نركع، كيف كنا نسجد، كيف كنا نعطي زكاة أموالنا؟ ! ، فأفحم الرجل» (٢). ٢ - وقال رجل لمطرف بن عبد الله بن الشخير (٣): «لا تحدثونا إلا بالقرآن،

стр. 127

فقال مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا» (١). ٣ - وعن مكحول (٢) قال: «القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن» (٣). ٤ - وعن حسان بن عطية (٤)، قال: «كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ، ويخبره جبريل ﵇ بالسنة التي تفسر ذلك» (٥). ٥ - وقال يحيى بن أبي كثير (٦): «السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب

стр. 128

بقاض على السنة» (١). قال ابن قتيبة: «أراد أنها مبينة للكتاب منبئة عما أراد الله تعالى فيه» (٢). ولا يفهم من كلام مكحول ويحيى أنهما يفضلان السنة على القرآن؛ معاذ الله! ، وإنما أرادا أهمية بيان القرآن بالسنة وحاجة آياته إلى تفسيرها بالسنة، وكأنَّ في عبارة يحيى بن أبي كثير شدة؛ ولذا لما سئل عنها الإمام أحمد قال: «ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب وتبينه» (٣). وسيأتي أن الصحابة والتابعين انتقدوا أقوالاً في التفسير لمخالفتها السنة. ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية . من الطرق القوية لفهم معاني القرآن معرفة سبب النزول «لامتناع معرفة

стр. 129

تفسير الآية، وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها» (١). ومن أسباب النزول ما لا يستغني المفسر عن معرفته؛ لأن فيها بيان المجمل وإيضاح الخفي والموجز، ومنها ما يكون وحده تفسيراً، ومنها ما يدل المفسر على طلب الأدلة التي بها تأويل الآية ونحو ذلك (٢). قال ابن تيمية: «ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (٣). والمراد بسبب النزول: ما نزل بشأنه قرآن وقت وقوعه (٤). وقد أشار الصحابة والتابعون إلى أهمية معرفة سبب في بيان القرآن، ومن الشواهد عنهم: ١ - قول عبد الله بن مسعود ﵁: «والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم فيم أنزلت؟ » (٥).

стр. 130

قال الشاطبي (١) معلقاً على قوله: «وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التي يكون العالم بها عالماً بالقرآن» (٢). ٢ - وعن ابن سيرين قال: «سألت عبيدة عن شيء من القرآن، فقال: اتق الله، وعليك بالسداد، فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن؟ » (٣). ويدل قوله على أن من علم السبب الذي من أجله أنزلت الآية علم تفسيرها. ٣ - وعن الحسن البصري قال: «ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت، وما أراد بها؟ » (٤). قال الشاطبي: «يشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب» (٥). وسيأتي - إن شاء الله - انتقاد الصحابة والتابعين تأويلاتٍ لمخالفتها سبب

стр. 131

النزول. رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ . ومعرفته من الشروط التي تجب على المفسر؛ ولذا «قال الأئمة: لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ» (١). ومن الشواهد عن الصحابة في بيان أهميته لمن أراد تفسير القرآن: ١ - مر علي بن أبي طالب ﵁ على قاص يقص، فقال له: «أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ ، قال: لا، قال: هلكت وأهلكت» (٢). وفي بعض الروايات أن علياً ﵁ قال للقاص: «اخرج من مسجدنا، ولا تذكر فيه» (٣). ٢ - وجاء عن ابن عباس نحو فعل علي ﵃ فقد مر بقاص، فقال له:

стр. 132

«أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال ابن عباس: هلكت وأهلكت» (١). وإنما سأل علي وابن عباس ﵃ القاص عن معرفته بالناسخ والمنسوخ؛ لأن من شأن القاص أنه يعظ الناس ويذكرهم، ويحتاج في ثنايا وعظه إلى بيان ما يحل ويحرم، وقد يستدل على ما يذكره بالقرآن الكريم ويقوم بتفسيره، أو يستدل به على أمر معين، فإذا لم يكن عالماً بالناسخ والمنسوخ فقد يستدل بآية منسوخة، فيقع في الخطأ في فهم القرآن، فبينا له أهمية العلم بالناسخ والمنسوخ لئلا يقع في الخطأ فيضل ويُضل. ٣ - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، قالوا: ومن ذاك؟ ، قال: عمر بن الخطاب، قال: وأمير لا يخاف، أو أحمق متكلف» (٢). والمفتي إذا لم يكن عالماً بالناسخ والمنسوخ قد يفهم من آية منسوخة دلالتها على أمر معين، فيفتي به مع كون الآية منسوخة. ولا تقتصر أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ على المفسر فقط، بل هو ضروري لكل من تكلم في شيء من أمور الشريعة كالقضاء والإفتاء، قال الشافعي: «لا يحل

стр. 133

لأحد يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله؛ ناسخه ومنسوخه» (١). ومن المهم هنا معرفة مفهوم السلف للنسخ، إذ يختلف عن المفهوم الذي اصطلح عليه المتأخرون، فالنسخ عند السلف أعم من النسخ الاصطلاحي، الذي يراد به رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه (٢)، فيشمله ويشمل كل تغير يطرأ على النص بدليل آخر. قال ابن تيمية: «والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف العام كل ظاهر تُرك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام وتقييد المطلق» (٣). وقال ابن القيم معلقاً على قول حذيفة ﵁: «مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة؛ إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه» (٤).

стр. 134

خامساً: معرفة اللغة العربية . نزل القرآن الكريم باللغة العربية، فلا عجب أن تكون هي المرجع في فهمه وتأويله، وقد عُني الصحابة والتابعون ﵃ باللغة وفسروا بها القرآن، وكان هذا الأمر متقرراً لديهم، وحكى بعض العلماء إجماع الصحابة على جواز تفسير القرآن باللغة (١)، وإدراكاً منهم لأهميتها في فهم القرآن تمنى بعض مفسري التابعين لو كان يحسن العربية، فعن عطاء قال: «وددت أني أحسن العربية، وهو يومئذ ابن تسعين سنة» (٢). ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ تي: الوجه الأول: بيان أن اللغة العربية أساس مهم، وركن أصيل لمن أراد تفسير القرآن، ولما قسم ابن عباس ﵄ التفسير إلى أربعة أقسام جعل اللغة العربية أول تلك الأقسام التي يفسر بها القرآن الكريم، فقال: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء،

стр. 135

وتفسير لا يعلمه إلا الله» (١). الثاني: تحذير من لم يكن ملماً باللغة العربية أن يتكلم في تفسير القرآن، وبيان أن الإخلال باللغة العربية سبب للإخلال بفهم القرآن، ومن أقوالهم في ذلك: ١ - قول مجاهد: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب» (٢). ٢ - وعن الحسن أن رجلاً سأله فقال: «يا أبا سعيد، الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته؟ ، قال: حسن يا بن أخي فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية، فيعيى بوجهها فيهلك» (٣). وقوله: يعيى بوجهها؛ يريد لا يهتدي إلى تفسيرها (٤). ٣ - وترك بعض المفسرين الرواية عمن لم يكن متقناً للعربية، فقيل لقتادة:

стр. 136

«مالك لا تروي عن نافع، ورويت عن غيره؟ ، فقال: إن نافعاً كان علجاً لحاناً» (١). الثالث: الرجوع إلى اللغة العربية حينما يشكل على أحدهم فهم آية قرآنية، والاحتكام إليها عند الاختلاف، وجعلها فيصلاً في النزاع وحكماً على المختلفين، ومن أمثلته: ١ - أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٢) بنصب راء ﴿حَرَجًا﴾، وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ (ضَيِّقاً حَرِجاً)، فقال عمر: «ابغوني رجلاً من كنانة، واجعلوه راعياً، وليكن مدلجياً، فأتوا به، فقال له عمر ﵁: يا فتى ما الحرجة؟ ، قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير» (٣). ٢ - وقال ابن عباس ﵄: «إذا تعانيتم في شيء من القرآن فانظروا في الشعر،

стр. 137

فإن الشعر عربي» (١). ٣ - وعنه قال: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن، فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٢). ٤ - وأشكل على ابن عباس معنى آية، فلم يعرف معناها حتى سمع الأعراب؛ يقول ﵁: «كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» (٤). ٥ - وعنه ﵁ قال: «ما كنت أدري ما قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ (٥)، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك، تعني: أقاضيك» (٦).

стр. 138

٦ - وعن الحسن قال: «كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحَجَلة فيها السرير» (١). الرابع: إحالة السائل عن تفسير القرآن إلى اللغة العربية، والتأكيد على أنه لو كان عربياً ما أشكل عليه معنى الآية، فعن الحسن البصري أن رجلاً سأله عن قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾ (٢)، فقال له: «لو كنت عربياً لعرفت ما هي، إنما هي فاستمرت به» (٣). الخامس: الرجوع إلى اللغة العربية عند تفسير الآيات، وقد أكثر الصحابة والتابعون الاحتجاج بالشعر على غريب القرآن ومشكله (٤)، ومن شواهد ذلك: ١ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٥) قال: «شهدت ابن عباس، وهو

стр. 139

يسأل عن عربية القرآن، فينشد الشعر» (١). ٢ - وعن عكرمة أن ابن عباس قال: «إذا سألتموني عن عربية القرآن، فالتمسوه بالشعر، فإن الشعر ديوان العرب» (٢). ٣ - وعن يوسف بن مهران (٣) وسعيد بن جبير أن ابن عباس كان يسأل عن القرآن كثيراً، فيقول: هو كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا (٤). ولو استعرضنا الآيات التي فسرها الصحابة والتابعون باللغة العربية شعراً ونثراً لطال بنا المقام (٥).

стр. 140

سادساً: التدرج في تعلم التفسير . اتبع الصحابة والتابعون في تعلم تفسير القرآن منهجاً فريداً، حيث كانوا يتعلمونه شيئاً فشيئاً، وآية آية، فكانوا لا يتجاوزون قدراً يسيراً من الآيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ثم ينتقلوا إلى غيرها، وقد ساعدهم هذا التدرج على فهم القرآن والتأمل في آياته، والوقوف على المعاني الصحيحة لها، ويصف ابن مسعود ﵁ هذه الطريقة بقوله: «كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» (١). وعن أبي عبد الرحمن السلمي (٢): «حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى، حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم

стр. 141

والعمل» (١). وهذه الطريقة في تعلم القرآن لها أثر في فهمه، والإلمام بتفاصيل أحكامه، والوقوف على بديع أسراره ومعانيه، والإنسان إنما يُؤتى من قبل العجلة وعدم التريث في فهم النصوص. ولكون هذه الطريقة هي المتبعة لديهم يمكث أحدهم في تعلم السورة الواحدة مدة طويلة (٢)، فقد مكث ابن عمر ﵄ في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (٣)، ويدل هذا على أن الأمر عندهم لم يكن مجرد حفظ للآيات دون فهم وتعلم لفقهها، وإلا لما بقي ابن عمر هذه المدة الطويلة في سورة واحدة مع ما مَنَّ الله عليهم من قوة الحفظ وحدة الذاكرة، فلم يكن صنيع ابن عمر لبطء حفظه أو ضعف ذاكرته، وإنما لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها (٤).

стр. 142

ولارتباط الحفظ بالفهم والعمل كان الصحابة ينظرون لمن يحفظ سورة البقرة وآل عمران نظرة إجلال وتقدير، فعن أنس ﵁ قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدَّ فينا، أي: عظم، وفي رواية أخرى: يعد فينا عظيماً (١). سابعاً: التدبر لكتاب الله والتأمل في معانيه: والتدبر للقرآن الكريم إلى جانب كونه يفيد القارئ في اتعاظه بالقرآن، وانتفاعه بأوامره ونواهيه وزواجره، فإنه يفتح له آفاقاً أوسع في فهم القرآن، ويطلع بسببه على معاني وفوائد وحكم لم تكن لتظهر له لولا تمهله في قراءته وتدبره لكتاب الله. والتدبر في معناه اللغوي يعود إلى التأمل في الشيء، والنظر والتفكر في عاقبته (٢)، وقد ذم الله تعالى الكفار على إعراضهم عن تدبر القرآن الكريم، مما ترتب

стр. 143

عليه عدم فهم معانيه، حتى شبه الله قلوبهم التي لا تعي القرآن ولا تدرك معانيه بأنها كالقلوب التي عليها الأقفال قد أحكم غلقها، فلا يمكن أن يصل إليها شيء من معاني القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١). يقول قتادة عند هذه الآية: «إذاً والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك» (٢). ولما أمر تعالى بتدبر القرآن في سورة النساء، ذكر امتناع الاختلاف والاضطراب في القرآن؛ تنبيهاً على أن التدبر التام المفضي إلى فهم القرآن يمتنع معه وجود الاختلاف والتناقض، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣)، وبالمقابل عدم تدبر القرآن الكريم يؤدي إلى الخلل في فهمه، ومن ثم الظن بأن في القرآن اختلافاً وتناقضاً، فعلم بذلك أن الخطأ في فهم القرآن سببه عدم التدبر لآياته (٤). يقول القرطبي (٥): «دلت هذه الآية على وجوب تدبر القرآن ليعرف

стр. 144

معانيه» (١). ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك: ١ - قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: «قرأت المفصل البارحة، فقال: هَذَّاً كهَذِّ الشعر! ، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم» (٢). والمراد بقوله: هذاً كهذِّ الشعر؛ سرعة القراءة من غير تأمل كما ينشد الشعر (٣). ٢ - وقال رجل لابن عباس: «إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال ابن عباس ﵄: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول» (٤).

стр. 145

فالصحابة ﵃ عابوا السرعة في قراءة القرآن؛ لأنها تفضي إلى عدم التدبر، وما يترتب عليه من الخلل في فهم القرآن الكريم. ٣ - وعن محمد بن كعب قال: «لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت، والقارعة لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما وأتفكر، أحب إلي من أن أهذَّ القرآن ليلتي هَذَّاً، أو قال: أنثره نثراً» (١)، ولذلك انتفع بهذه القراءة المتدبرة، فقال عن أثرها: «إن عجائب القرآن تورد علي أموراً، حتى إنه لينقضي الليل، ولم أفرغ من حاجتي» (٢). ثامناً: سؤال المختصين بتفسير القرآن الكريم. ومن الأمور التي عُني بها الصحابة والتابعون للوصول إلى الفهم السليم لمعاني القرآن الكريم أن أحدهم إذا مر بآية وأشكل عليه معناها سأل علماء التفسير؛ لأنهم هم المؤهلون للبت في معني الآيات، وبيان المعنى الصحيح، واللجوء إلى المتخصصين بتفسير القرآن هو السبيل الأمثل والطريق الأقصر لمعرفة المراد بآيات الكتاب العزيز، وشواهد هذا الأمر كثيرة جداً، وتقدم بعضها.
следующие страницы →