والعمل» (١).
وهذه الطريقة في تعلم القرآن لها أثر في فهمه، والإلمام بتفاصيل أحكامه، والوقوف على بديع أسراره ومعانيه، والإنسان إنما يُؤتى من قبل العجلة وعدم التريث في فهم النصوص.
ولكون هذه الطريقة هي المتبعة لديهم يمكث أحدهم في تعلم السورة الواحدة مدة طويلة (٢)، فقد مكث ابن عمر ﵄ في سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها (٣)، ويدل هذا على أن الأمر عندهم لم يكن مجرد حفظ للآيات دون فهم وتعلم لفقهها، وإلا لما بقي ابن عمر هذه المدة الطويلة في سورة واحدة مع ما مَنَّ الله عليهم من قوة الحفظ وحدة الذاكرة، فلم يكن صنيع ابن عمر لبطء حفظه أو ضعف ذاكرته، وإنما لأنه كان يتعلم فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها (٤).
стр. 142
ولارتباط الحفظ بالفهم والعمل كان الصحابة ينظرون لمن يحفظ سورة البقرة وآل عمران نظرة إجلال وتقدير، فعن أنس ﵁ قال: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدَّ فينا، أي: عظم، وفي رواية أخرى: يعد فينا عظيماً (١).
سابعاً: التدبر لكتاب الله والتأمل في معانيه:
والتدبر للقرآن الكريم إلى جانب كونه يفيد القارئ في اتعاظه بالقرآن، وانتفاعه بأوامره ونواهيه وزواجره، فإنه يفتح له آفاقاً أوسع في فهم القرآن، ويطلع بسببه على معاني وفوائد وحكم لم تكن لتظهر له لولا تمهله في قراءته وتدبره لكتاب الله.
والتدبر في معناه اللغوي يعود إلى التأمل في الشيء، والنظر والتفكر في عاقبته (٢)، وقد ذم الله تعالى الكفار على إعراضهم عن تدبر القرآن الكريم، مما ترتب
стр. 143
عليه عدم فهم معانيه، حتى شبه الله قلوبهم التي لا تعي القرآن ولا تدرك معانيه بأنها كالقلوب التي عليها الأقفال قد أحكم غلقها، فلا يمكن أن يصل إليها شيء من معاني القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (١).
يقول قتادة عند هذه الآية: «إذاً والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك» (٢).
ولما أمر تعالى بتدبر القرآن في سورة النساء، ذكر امتناع الاختلاف والاضطراب في القرآن؛ تنبيهاً على أن التدبر التام المفضي إلى فهم القرآن يمتنع معه وجود الاختلاف والتناقض، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣)، وبالمقابل عدم تدبر القرآن الكريم يؤدي إلى الخلل في فهمه، ومن ثم الظن بأن في القرآن اختلافاً وتناقضاً، فعلم بذلك أن الخطأ في فهم القرآن سببه عدم التدبر لآياته (٤).
يقول القرطبي (٥): «دلت هذه الآية على وجوب تدبر القرآن ليعرف
стр. 144
معانيه» (١).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
١ - قال رجل لعبد الله بن مسعود ﵁: «قرأت المفصل البارحة، فقال: هَذَّاً كهَذِّ الشعر! ، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم» (٢).
والمراد بقوله: هذاً كهذِّ الشعر؛ سرعة القراءة من غير تأمل كما ينشد الشعر (٣).
٢ - وقال رجل لابن عباس: «إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال ابن عباس ﵄: لأن أقرأ البقرة في ليلة، فأدبرها وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ كما تقول» (٤).
стр. 145
فالصحابة ﵃ عابوا السرعة في قراءة القرآن؛ لأنها تفضي إلى عدم التدبر، وما يترتب عليه من الخلل في فهم القرآن الكريم.
٣ - وعن محمد بن كعب قال: «لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح بإذا زلزلت، والقارعة لا أزيد عليهما، وأتردد فيهما وأتفكر، أحب إلي من أن أهذَّ القرآن ليلتي هَذَّاً، أو قال: أنثره نثراً» (١)، ولذلك انتفع بهذه القراءة المتدبرة، فقال عن أثرها: «إن عجائب القرآن تورد علي أموراً، حتى إنه لينقضي الليل، ولم أفرغ من حاجتي» (٢).
ثامناً: سؤال المختصين بتفسير القرآن الكريم.
ومن الأمور التي عُني بها الصحابة والتابعون للوصول إلى الفهم السليم لمعاني القرآن الكريم أن أحدهم إذا مر بآية وأشكل عليه معناها سأل علماء التفسير؛ لأنهم هم المؤهلون للبت في معني الآيات، وبيان المعنى الصحيح، واللجوء إلى المتخصصين بتفسير القرآن هو السبيل الأمثل والطريق الأقصر لمعرفة المراد بآيات الكتاب العزيز، وشواهد هذا الأمر كثيرة جداً، وتقدم بعضها.
стр. 146
الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين
وفيه:
أولاً: طبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين.
ثانياً: أدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين.
стр. 147
سنة الاختلاف بين الناس من السنن التي أجراها الله تعالى في الخلق ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١)، واختلاف الناس وتباين آرائهم لا يختص بالأمور الدينية، وإنما يشمل الأمور الدنيوية، والحديث هنا عن اختلاف الناس في عقائدهم وأديانهم، الذي يشتد أحياناً فيصل إلى تعدد الأديان والملل، وقد يكون في الملة الواحدة باختلاف أهلها في فهم دينهم، وما يحل فيه ويحرم.
ولم تكن المجتمعات الإسلامية بمعزل عن هذه السنة الربانية، فقد وقع فيها الاختلاف؛ متخذاً - أحياناً - أشكالاً خطيرة بوقوعه في أركان الدين وثوابته، غير أن اختلاف الصحابة والتابعين لهم بإحسان اختص بخصائص، واتسم بسمات ميزته عن الاختلاف الذي حدث في العصور المتأخرة.
والحديث عن الاختلاف مهم، وتتأكد أهميته عند الحديث عن النقد، إذ لا يتصور وجود النقد بمعناه الشائع دون اختلاف، فالمرء ينتقد من يعتقد خطأه أو يختلف معه، فالبحث في النقد جزء من البحث في الاختلاف، لكنه خاص فيما فيه نقد، فارتباط النقد بالاختلاف وثيق، وإنما نبهنا على هذا لئلا يظن من يقرأ هذا البحث أنه لا يعدو حديثاً عن الاختلاف بين الصحابة والتابعين.
ومما يؤكد الكلام عن الاختلاف بين الصحابة والتابعين ﵃ عند الحديث عن
стр. 148
النقد ألاّ يقع في نفس الناظر في نقدهم أن الخلاف بينهم كان شديداً، وأنهم تفرغوا للنزاعات والردود، والاختلاف مع هذا وذاك، فنبهنا في هذا الفصل إلى حجم الاختلاف بينهم، وموقفهم منه، والتزامهم بضوابطه وآدابه، وأنه ليس بالصورة التي قد تنشأ بسبب قراءة هذا البحث.
стр. 149
أولاً
طبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين
طبيعة الاختلاف في التفسير عند الصحابة والتابعين وأدبياته لا تختلف كثيراً عن طبيعة اختلافهم في العلوم الفرعية الأخرى كالحديث والفقه؛ وما يقال فيها يقال في التفسير، سوى أشياء يسيرة يأتي التنبيه عليها.
ومن أبرز سمات اختلاف الصحابة والتابعين ما يأتي:
أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول .
لم يختلف الصحابة والتابعون ﵃ في الأصول والثوابت، سواء في التفسير أم العقائد أم الفقه، ومن الأمور التي تشهد على أن الخلاف الذي وقع بينهم لم يكن في الأصول، الاطلاع على الاختلاف الذي اتسع بعدهم واتخذ أشكالاً خطيرة حيث تشعبت المذاهب وكثرت البدع، وما ترتب على ذلك من تأويل القرآن والانحراف في فهمه ليوافق معتقدات أهله.
وفي تفسير القرآن الكريم لم يختلف الصحابة والتابعون في معاني آيات الصفات مثلاً، وقد نص العلماء على ذلك:
فقال ابن تيمية: «إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن
стр. 150
الصحابة اختلاف في تأويلها»، ثم ذكر أنه قرأ ما يزيد على مائة كتاب في التفسير من الكتب الكبار والصغار، فلم يجد عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات، ثم قال: «وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (١)، فروي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، وأن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في آيات الصفات»، ثم قرر أن ظاهر القرآن لا يدل على أنها من الصفات (٢).
وعندما ذكر ابن القيم تنازع الصحابة في تفسير بعض الآيات عقب بقوله: «ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها» (٣).
وهناك أصول يعتمد عليها في فهم القرآن الكريم، كالاعتماد على القرآن والسنة في التفسير، أو الأخذ باللغة العربية، وهذه لم يختلف فيها الصحابة والتابعون، ونقلت عنهم نصوص كثيرة تارةً بالأخذ بها والاستفادة منها في فهم الآيات، وأخرى بالحث عليها (٤).
стр. 151
ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين .
ومن الأمور التي تميز بها اختلاف الصحابة والتابعين ﵃ أنه كان قليلاً؛ مقارنةً بالاختلاف الذي حصل بعد ذلك، وهذا عام في جميع العلوم كالحديث والفقه، لكنه في تفسير القرآن الكريم أقل، وقد ذكر ابن تيمية أن الاختلاف بين الصحابة في التفسير قليل جداً، وهو بين التابعين أكثر، إلا أنه أيضاً قليل إذا قورن بالخلاف الذي حدث بعد ذلك، وذكر أن اختلاف السلف في الأحكام أكثر من اختلافهم في التفسير (١).
وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها (٢):
١ - وهو سبب يختص به الصحابة ﵃، فوجود النبي ﷺ بينهم، وقيامه ببيان القرآن الكريم، ومشاهدتهم التنزيل، ثم احتكامهم إلى النبي ﷺ عند الاختلاف؛ كل ذلك أسهم في قلة الاختلاف بينهم.
٢ - كراهيتهم للاختلاف عامة وبغضهم له ونهيهم عنه، وسيأتي تفصيل ذلك.
стр. 152
٣ - اتفاقهم في مسائل الاعتقاد، ولذلك اتفقت كلمتهم في تفسير آيات الصفات، على حين أخذت جانباً كبيراً من اختلافات المفسرين فيما بعد.
٤ - اهتمامهم الشديد بالعمل وانكبابهم عليه، مما صرفهم وشغلهم عن الاختلاف والنزاع.
٥ - ترك الحديث عما لم يقع، والنهي عن السؤال عنه؛ لكونه من التنطع والتكلف في الدين، والرجم بالظن من غير ضرورة ملحة.
يقول النووي (١)
معلقاً على نهي النبي ﷺ عن كثرة السؤال (٢): «قيل: المراد به الإكثار من السؤال عما لم يقع، ولا تدعو إليه حاجة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك، وكان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف المنهي
стр. 153
عنه» (١).
ومن أقوال الصحابة والتابعين في كراهية السؤال عما لم يقع:
١ - قول عمر ﵁: «أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن» (٢).
٢ - واستفتى رجل أبي بن كعب ﵁ فقال: «يا أبا المنذر ما تقول في كذا وكذا؟ ، قال: يا بني أكان الذي سألتني عنه؟ ، قال: لا، قال: فأجلني حتى يكون، فنعالج أنفسنا حتى نخبرك»، وفي رواية قال: «فأعفنا حتى يكون» (٣).
٣ - وعن ميمون بن مهران قال: «سألت ابن عباس عن رجل أدركه رمضانان، فقال: أكان هذا أو لم يكن؟ ، قلت: لم يكن بعد، قال: اترك بلية حتى تنزل» (٤).
٤ - وعن القاسم بن محمد قال: «إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها، وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو
стр. 154
علمناها ما حل لنا أن نكتمكموها» (١).
وهذا المنهج العام الذي اتبعه الصحابة والتابعون في الامتناع عن الإفتاء في مسائل لم تقع، أو إبداء الرأي في أمر اجتهادي قد يخطئ وقد يصيب قلل من المسائل الخلافية بينهم، وقلل من حديثهم في المسائل التي لا طائل تحتها.
والأقوال السابقة وإن كانت تتعلق بالفتيا فإنها تعطينا تصوراً واضحاً عن مدى الجدية التي كان عليها الصحابة والتابعون، واهتمامهم بالأمور النافعة المثمرة، وهذا المنهج الذي اتبعوه أثر في موقفهم من تفسير بعض الآيات، ومن ذلك الخوض في تفسير بعض الآيات التي لا فائدة تعود من الكلام في تفاصيلها؛ كالتفاصيل الدقيقة لما وقع للأمم الماضية مما أعرض القرآن الكريم عن ذكره؛ لأجل ذلك أعرض الصحابة والتابعون في الجملة عن الخوض فيها، وعاملوها معاملة المسائل التي لم تقع.
ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد .
ومن السمات البارزة لما وقع بين الصحابة والتابعين من الاختلاف في التفسير اعتبار أكثره من اختلاف التنوع الذي يمكن الجمع بين أقواله، وهذا النوع من الاختلاف أشار إليه ابن تيمية، وجاء في كلام المتقدمين ما يدل عليه، فقال أبو
стр. 155
الدرداء ﵁ (١): «لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرة» (٢).
وعن سفيان بن عيينة (٣) قال: «ليس في تفسير القرآن اختلاف، إنما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا» (٤).
وهذا النوع أحد نوعي الخلاف اللذين ذكرهما ابن تيمية في تفسير السلف.
والنوع الثاني خلاف التضاد، والمقصود به: القولان المتنافيان الذي يلزم من
стр. 156
القول بأحدهما نفي القول الآخر (١)، وذكر ابن تيمية أن هذا النوع موجود بين السلف (٢)، إلا أن غالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف التنوع (٣).
والمراد باختلاف التنوع: ما لا تنافي بين الأقوال، فيمكن حمل الآية على جميع ما قيل فيها من غير تعارض (٤).
وذكر الشاطبي من ضروب الخلاف الذي لا يعتد به «ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة؛ فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالاً مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه» (٥).
وهذا النوع من الاختلاف له صور، منها:
١ - أن يعبر كل واحد من السلف عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل
стр. 157
على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمّى، فهي في حقيقتها ترجع إلى شيء واحد، لكن يوهم نقلها على اختلاف اللفظ على أنه خلاف محقق (١).
مثل اختلاف عبارات السلف في المراد بالصراط المستقيم، فعن علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄ أن الصراط المستقيم كتاب الله تعالى.
ورواية أخرى عن ابن مسعود وجابر وابن عباس ﵃ أنه الإسلام.
وعن أبي العالية والحسن قالا: «هو رسول الله ﷺ وصاحباه من بعده» (٢).
وعند تأمل هذه الأقوال نجدها متفقة، فكلها من الصراط المستقيم، فالإسلام لا يكون إلا بإتباع القرآن والرسول ﷺ .
قال ابن تيمية بعدما ذكر الأقوال في معنى الصراط المستقيم: «فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها» (٣).
٢ - أن يذكر كل واحد منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، ومن أمثلته:
стр. 158
الخلاف في معنى المنّ الوارد في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١).
فعن بعض السلف أنه كان ينزل عليهم مثل الثلج.
وعن آخرين: أنه مثل العسل، وقيل: خبز الرقاق مثل الذرة، وقيل: الزنجبيل (٢).
قال الشاطبي معلقاً على هذا الاختلاف: «فهذا كله يشمله اللفظ؛ لأن الله منَّ به عليهم، ولذلك جاء في الحديث: «الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل» (٣)، فيكون المنُّ جملة نعم، ذكر الناس منها آحاداً» (٤).
٣ - ومنها أن يكون اللفظ المفسر محتملاً للأمرين، كأن يكون مشتركاً
стр. 159
لفظياً، أو متواطئاً (١).
مثال المشترك: لفظ "قسورة" في قوله تعالى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٢)، فعن ابن عباس وأبي موسى ومجاهد وعكرمة أن المراد به الرماة.
وعن أبي هريرة ورواية عن ابن عباس، وهو قول زيد بن أسلم (٣) أن المراد به الأسد (٤).
ومثله لفظ "عسعس" في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (٥)، فعن علي وابن عباس وقتادة والضحاك أن المراد به إدبار الليل، وعن الحسن أنه إقباله (٦).
стр. 160
قال ابن تيمية: «فمثل هذا قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف» (١).
ومثال المتواطئ الاختلاف في عود الضمير إذا احتمل شيئين كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢)، فعن ابن عباس أن الذي دنا هو الرب جل وعلا، وعن الحسن وقتادة أنه جبريل ﵇ (٣).
٤ - ومن صور اختلاف التنوع أن يرد عن السلف في تفسير الآية ألفاظ متقاربة، فيحكيها بعض الناس عنهم على أنها اختلاف، يقول الزركشي حين ذكر تفاسير الصحابة والتابعين ﵃: «يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافاً فيحكيه أقوالاً، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالباً، والمراد الجميع، فليتفطن لذلك، ولا
стр. 161
يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات» (١).
ومن أمثلته لفظ "تبسل" في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ (٢)، فمن عبارات السلف في معناها: تُرتهن، وقيل بمعنى: تُحبس، وقيل: تُسلم، وقيل: تُؤخذ.
وقد علق ابن كثير على هذه الأقوال بقوله: «وكل هذه العبارات متقاربة في المعنى؛ وحاصلها الإسلام للهلكة والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كما قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ (٣)» (٤).
وبهذا التفصيل يمكن تصنيف كثير من اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير على أنه من اختلاف التنوع، وأن الخلاف الحقيقي المعتبر مما له ثمرة قليل.
وبتصنيف أكثر تفسير الصحابة والتابعين على أنه من اختلاف التنوع يمكن القول بأن اختلافهم يفيد المفسر في فهم القرآن الكريم، فهو يثري معارفه ويعطيه مجالات أرحب في فهم الآيات؛ لأن حقيقة هذا الاختلاف زيادة في إيضاح معنى
стр. 162
الآية، وإعطائها دلالة أوسع.
رابعاً: مع الاختلاف مودة وألفة .
لم يتخذ الاختلاف بين الصحابة والتابعين ﵃ في التفسير شكلاً عنيفاً، أو يخرج عن مساره الشرعي، بل اتسم ببقاء المودة والألفة؛ إذ لم يكن فيه خصام أو تهاجر أو تقاطع أو اقتتال.
ولا يعني ذلك ألا يصدر من بعضهم ألفاظ شديدة على مخالفيه، فهم كغيرهم يعتريهم ما يعتري البشر من الغضب، وغالباً ما يكون دافع هذه الشدة النصيحة للمسلمين ومحبة الخير لهم، ورد المخطئ إلى الجادة، فيصدر عن بعضهم ألفاظ شديدة في حق المخالف، لكنها لا تؤدي إلى التهاجر والتقاطع (١)، ومن شواهد ذلك:
١ - قول عائشة ﵂: «من زعم أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية» (٢).
стр. 163
وهذا القول قال به بعض الصحابة (١).
٢ - وعن أبي ذر ﵁ قال: «كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها» (٣).
وكان مذهب أبي ذر ﵁ تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يأمر بذلك، ويغلظ على من يخالفه مستدلاً بأدلة منها هذه الآية، فنهاه معاوية فلم ينته، وحصل بينهما هذا النقاش؛ حتى كتب فيه إلى عثمان ﵃ (٤).
٣ - وعن القاسم بن أبي بزة (٥) قال: «قال لي مجاهد: سل عكرمة عن قوله
стр. 164
تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (١) فسألته، فقال: الإخصاء، فقال مجاهد: ما له لعنه الله! ، فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء، ثم قال لي: سله، فسألته، فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله ﵎: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٢) قال: لدين الله، فحدثت به مجاهداً، فقال: ما له أخزاه الله؟ ! »، وفي بعض الروايات أن مجاهداً قال: كذب العبد (٣).
وقد يصل الأمر بالمختلفين إلى المباهلة، ومن شواهده:
١ - عن ابن مسعود ﵁ قال: «من شاء لاعنته ما نزلت: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤) إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، وإذا وضعت المتوفى عنها فقد حلت؛ يريد بآية المتوفى عنها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾» (٥).
стр. 165
٢ - واختلف الصحابة في توريث الإخوة مع وجود الجد، فكان علي وابن مسعود وزيد ﵃ لا يحجبون الإخوة به، وخالفهم ابن عباس ﵄ فحجبهم به، وكان يقول: «ليتق الله زيد أيجعل ولد الولد بمنزلة الولد، ولا يجعل أب الأب بمنزلة الأب؟ ! ، إن شاء باهلته عند الحجر الأسود» (١).
وفي رواية قال: «لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفوني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» (٢).
٣ - وعن الشعبي ﵀ قال: «من شاء حالفته لأنزلت النساء القصرى [يريد سورة الطلاق] بعد الأربعة الأشهر والعشر التي في سورة البقرة» (٣).
وقد تبدو ألفاظ الروايات السابقة قاسية شديدة، إلا أنها بقيت في إطارها، ولم تخرج بالمختلفين عن الحد المعقول، وإذا قيست بالخلافات التي نشأت بعد ذلك
стр. 166
تبين مفارقتها لها من حيث الكثرة والشدة.
وقد أدرك الصحابة ﵃ أن الخلاف بعدهم سيتخذ أشكالاً أخطر، ولعلهم فهموا ذلك من النبي ﷺ حين قال لبعض المختلفين في وقته: «قد اختلفتم وأنا بين أظهركم، فأنتم بعدي أشد اختلافاً» (١).
ومما جاء عن الصحابة في ذلك:
١ - قول أبي بكر الصديق ﵁ حين خطب الناس، وذكر اختلافهم في الأحاديث التي يروونها عن النبي ﷺ فقال: «إنكم تحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافاً» (٢).
٢ - واستشار عمر بن الخطاب ﵁ المهاجرين والأنصار في الاغتسال من الإكسال (٣)، فاختلفوا، فقال عمر: «هذا وأنتم أصحاب بدر، فمن بعدكم أشد
стр. 167
اختلافاً» (١).
٣ - وقال عثمان للصحابة ﵃: «إني أرى أن أجمع الناس على مصحف واحد لا يختلفون بعدي، فإنكم إن اختلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافاً» (٢).
وفي بعض الروايات أن عثمان رأى اختلاف القراء عنده في المدينة، فخطب وقال: «أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافاً» (٣).
فالصحابة كانوا مدركين أن الاختلاف بعدهم سيكون أشد، لبعده عن عصر النبوة، فإن العصر كلما كان أشرف كان الاجتماع والائتلاف أقوى (٤)، ولذلك علم عثمان ﵁ أن الاختلاف في الأمصار النائية أشد منه في المدينة؛ لكثرة العلماء فيها من الصحابة والتابعين ﵃، أما الأمصار التي يقل فيها الصحابة فالاختلاف سيكون فيها أعظم وأكثر.
وأما قول سعيد بن المسيب: «كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في
стр. 168
الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه» (١)، فليس مراده الاختلاف المؤدي إلى التقاطع والمعاداة والتهاجر، وإنما أراد تباين آرائهم في تحديد الصلاة الوسطى وكثرة أقوالهم فيها.
خامساً: كراهة الاختلاف .
تقدم أن من أسباب قلة الاختلاف بين الصحابة والتابعين ﵃ كراهتهم له، وكراهة المرء للشيء تدعوه إلى تركه والإعراض عنه، وقد جاء في القرآن النهي عن الاختلاف وذمه وذم أهله، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣).
ومن الأسباب التي جعلت الصحابة يبغضون الاختلاف وينفرون منه ما كانوا يرونه من بغض النبي ﷺ له ونهيه عنه؛ خاصةً الاختلاف في القرآن الكريم، فحين رأى اختلاف الصحابة في بعض آيات الكتاب خرج إليهم مغضباً كأنما فقئ في وجهه حب الرمان، وقال لهم: «بهذا أمرتم، أو بهذا بعثتم؟ ! أن تضربوا كتاب
стр. 169
الله بعضه ببعض؟ ! إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا» (١).
وقال ﷺ : «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا» (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «سمعت رجلاً قرأ آية سمعت من النبي ﷺ خلافها، فأخذت بيده فأتيت به رسول الله ﷺ ، فقال: «كلاكما محسن»، قال شعبة (٣): أظنه قال: «لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» (٤).
وهذه التربية العملية من النبي ﷺ أثرت على الصحابة في نظرتهم إلى الخلاف، ونفورهم منه وبعدهم عنه (٥)، وإذا أضفنا إلى ذلك ما كان يدركه الصحابة
стр. 170
من مساوئ الاختلاف وعواقبه السيئة علمنا القدر الكبير الذي يحملونه تجاهه، ومن الشواهد عنهم:
١ - اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في صلاة الرجل في الثوب الواحد، فقال أبي: يصلي في الثوب الواحد، وقال ابن مسعود: في ثوبين، فبلغ عمر، فأرسل إليهما، فقال: اختلفتم في أمر فلم يدر الناس بأي ذلك يأخذون؟ ! ، لو أتيتما لوجدتما عندي علماً، القول ما قال أبي، ولم يأل ابن مسعود (١).
وذكر ابن القيم أنه لم يكن أحد بعد النبي ﷺ أشد عليه الاختلاف من عمر (٢).
٢ - وقال علي ﵁ لقضاته: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي» (٣).
٣ - وترك ابن مسعود ﵁ مخالفة أمير المؤمنين عثمان ﵁ في إتمام الصلاة بمنى، وكان يرى القصر كما هي سنة النبي ﷺ ، فترك ذلك وأتم مع عثمان، وقال: «وددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين، فقيل له في ذلك، فقال: الخلاف
стр. 171
شر» (١).
فابن مسعود ترك ما يعتقد أنه الأفضل وفعل المفضول؛ معللاً ذلك بكراهة الخلاف (٢)، وهذا يدل على أن الواقع الذي كانوا يعيشونه قلل من فرص الاختلاف.
٤ - وكان يقول ﵁: «لا تختلفوا في القرآن ولا تنازعوا فيه، فإنه لا يختلف لكثرة الرد، ألا ترون أن شرائع الإسلام فيه واحدة؛ حدودها وفرائضها وأمر الله فيها، فلو كان شيء من الحرفين يأمر بشيء ينهى عنه الآخر كان ذلك اختلافاً، ولكنه جامع ذلك كله» (٣).
٥ - وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ
стр. 172
آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٣)، ونحو هذا من القرآن، قال: «أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم: إنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله» (٤).
وما تقدم يبين لنا حجم الاختلاف بين الصحابة والتابعين ﵃ ومقداره، ويمكن القول بأن الخلاف الحقيقي الذي وقع بينهم كان في حجمه الطبيعي الذي لا مفر منه بحكم السنة التي أجراها الله تعالى في خلقه من وجود الاختلاف ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ولذلك يمكن وصف اختلافهم بأنه اختلاف ضرورة لا يلحقهم بسببه ذم كما تشير إليه الآيات التي ذمت الاختلاف (٥)، وكانت له مسوغات ودوافع ألجأت إليه، فلم يكن بسبب اتباع الهوى، أو حباً في العلو والاستكبار ونحو ذلك من المقاصد الفاسدة التي حدثت عند غيرهم.
وقد أفاض العلماء في بيان أسباب اختلاف المفسرين، ومنها ما ينطبق على
стр. 173
اختلاف الصحابة والتابعين، وإذا أمعنت النظر في تلك الأسباب وجدتها أسباباً حقيقية لنشوء الاختلاف، وهي في الوقت نفسه ترفع اللوم عن المخطئ (١).
стр. 174
ثانياً
أدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين
تقدم أن الاختلاف بين الصحابة والتابعين كان منضبطاً بضوابط الخلاف وآدابه، ومن أدبهم عند الاختلاف ما يأتي:
أولاً: احترام الرأي الآخر .
ومن أوجه احترام الصحابة والتابعين للرأي الآخر:
الأول: عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد ، ومن الشواهد:
١ - عن عمر ﵁ أنه لقي رجلاً، فقال له: «ما صنعت؟ ، قال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما يمنعك والأمر إليك؟ ، قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه ﷺ لفعلت، ولكني أردك إلى رأي
стр. 175
والرأي مشترك» (١).
فلما كان الأمر متعلقاً بالاجتهاد لم ينقض عمر ما قضى به علي وزيد، وعلل ذلك بأن الأمر مبناه على الرأي والاجتهاد، ولو كان في مخالفة نص من الكتاب والسنة لرده.
٢ - لما اختلف عثمان مع أبي ذر بخصوص معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ لم يلزم عثمان أبا ذر بالرجوع عن رأيه؛ لأن الأمر مبناه على الاجتهاد (٢).
٣ - ولام علي بن أبي طالب عثمان ﵄ حين بلغه أنه منع من التمتع في الحج، فقال عثمان: «وهل نهيت عنها؟ ! إني لم أنه عنها، إنما كان رأياً أشرت به، فمن شاء أخذ به ومن شاء تركه» (٣).
٤ - وتقدم قول علي لقضاته بأن يقضوا بما كانوا يقضون به، وإن كان مخالفاً لرأيه، كما جاء في سبب القصة، حيث كان يرى هو وعمر ﵄ في خلافة عمر عدم جواز بيع أمهات الأولاد، ثم رجع عن ذلك فرأى جواز بيعهن، فقال له عَبيدة السلماني: «رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة»،
стр. 176
فقال علي مقولته السابقة (١).
٥ - وعن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: «أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ ! ، فقال: أنا أقول برأيي وتقول برأيك» (٢).
الثاني: عدم التعدي على المخالف ، والحكم عليه بسبب الاختلاف بفسق أو بدعة أو الشهادة عليه بكفر، فعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: «ما برح أولو الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه» (٣).
الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه ، وعدم تأثرها بالاختلاف، فقد ذكر ابن القيم في " إعلام الموقعين " اختلاف ابن مسعود مع عمر بن الخطاب ﵄ في نحو مائة مسألة (٤)، ومع ذلك بقي الحب والتقدير بين الرجلين، يتجلى ذلك في ثناء كل واحد منهما على الآخر، فعمر يقول عن ابن مسعود: «كُنَيف ملئ علماً» (٥).
стр. 177
ويقول ابن مسعود في عمر: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» (١)، ويقول: «لو وضع علم أحياء العرب في كفة، ووضع علم عمر في كفة لرجح بهم علم عمر» (٢).
وتقدم اختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت، وقول ابن عباس: ليتق الله زيد، ومع ذلك يلتقيان ويرى ابن عباس زيد بن ثابت يركب دابته، فيأخذ بركابه ويقود به، فيقول زيد: تنحَّ يا بن عم رسول الله ﷺ ، فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فيقول زيد بن ثابت: أرني يدك، فيخرج ابن عباس يده، فيقبلها زيد، ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا (٣).
ولنظرتهم إلى الخلاف بهذه الصورة كانت لديهم أريحية كبيرة للاختلاف وقبول الرأي الآخر، ولا يرى أحدهم مانعاً من مخالفة غيره صراحة، فعن ابن عباس قال: «قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم
стр. 178
القيامة» (١).
وقد يختلف الطالب مع شيخه إن رأى الصواب في خلاف قوله، فعن مجاهد قال: «قال ابن عباس: إذا أصاب الرجل الحد: قتل أو سرق، فدخل الحرم لم يبايع ولم يؤو، حتى يتبرم فيخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، قال: فقلت لابن عباس: ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يؤخذ برمته ثم يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، فإن الحرم لا يزيده إلا شدة» (٢).
وفي جانب آخر يصل الاحترام المتبادل بين السلف، وتقديرهم لمن هو أكثر علماً إلى أن يترك أحدهم مخالفة من هو أعلم منه، فعن عمر ﵁ قال: «إني لأستحي من الله ﵎ أن أخالف أبا بكر في رأي رآه»، قال ذلك في تفسير الكلالة (٣).
ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف .
وهذا أدب من آداب الاختلاف التي أدبهم بها القرآن الكريم، حين يكون هدف الجميع الوصول إلى الحق، ومعرفة الصواب، ورفع الخلاف، قال الله تعالى:
стр. 179
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «اختلف رجلان: رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، قال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك، فقال: «هو هذا المسجد» لمسجد رسول الله ﷺ ، وقال: «في ذاك خير كثير»، يعني مسجد قباء» (٣).
стр. 180
وقد يبدو هذا الحديث متعارضاً مع ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١)، وما ورد في سبب نزولها من أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى الذي أمر النبي ﷺ بالصلاة فيه هو مسجد قباء كما هو قول جماعة من السلف، وكذلك ما جاء في أن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا هم أهل قباء، وقد جمع العلماء بأنه لا منافاة بين ما ورد في سبب نزول الآية والحديث المتقدم، فإذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى (٢).
٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «اختلف في ذلك (٣) رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، فقال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أماه - أو يا أم