فقال علي مقولته السابقة (١).
٥ - وعن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: «أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ ! ، فقال: أنا أقول برأيي وتقول برأيك» (٢).
الثاني: عدم التعدي على المخالف ، والحكم عليه بسبب الاختلاف بفسق أو بدعة أو الشهادة عليه بكفر، فعن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: «ما برح أولو الفتوى يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه» (٣).
الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه ، وعدم تأثرها بالاختلاف، فقد ذكر ابن القيم في " إعلام الموقعين " اختلاف ابن مسعود مع عمر بن الخطاب ﵄ في نحو مائة مسألة (٤)، ومع ذلك بقي الحب والتقدير بين الرجلين، يتجلى ذلك في ثناء كل واحد منهما على الآخر، فعمر يقول عن ابن مسعود: «كُنَيف ملئ علماً» (٥).
стр. 177
ويقول ابن مسعود في عمر: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» (١)، ويقول: «لو وضع علم أحياء العرب في كفة، ووضع علم عمر في كفة لرجح بهم علم عمر» (٢).
وتقدم اختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت، وقول ابن عباس: ليتق الله زيد، ومع ذلك يلتقيان ويرى ابن عباس زيد بن ثابت يركب دابته، فيأخذ بركابه ويقود به، فيقول زيد: تنحَّ يا بن عم رسول الله ﷺ ، فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا، فيقول زيد بن ثابت: أرني يدك، فيخرج ابن عباس يده، فيقبلها زيد، ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا (٣).
ولنظرتهم إلى الخلاف بهذه الصورة كانت لديهم أريحية كبيرة للاختلاف وقبول الرأي الآخر، ولا يرى أحدهم مانعاً من مخالفة غيره صراحة، فعن ابن عباس قال: «قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول: هي يوم
стр. 178
القيامة» (١).
وقد يختلف الطالب مع شيخه إن رأى الصواب في خلاف قوله، فعن مجاهد قال: «قال ابن عباس: إذا أصاب الرجل الحد: قتل أو سرق، فدخل الحرم لم يبايع ولم يؤو، حتى يتبرم فيخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، قال: فقلت لابن عباس: ولكني لا أرى ذلك، أرى أن يؤخذ برمته ثم يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، فإن الحرم لا يزيده إلا شدة» (٢).
وفي جانب آخر يصل الاحترام المتبادل بين السلف، وتقديرهم لمن هو أكثر علماً إلى أن يترك أحدهم مخالفة من هو أعلم منه، فعن عمر ﵁ قال: «إني لأستحي من الله ﵎ أن أخالف أبا بكر في رأي رآه»، قال ذلك في تفسير الكلالة (٣).
ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف .
وهذا أدب من آداب الاختلاف التي أدبهم بها القرآن الكريم، حين يكون هدف الجميع الوصول إلى الحق، ومعرفة الصواب، ورفع الخلاف، قال الله تعالى:
стр. 179
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «اختلف رجلان: رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، قال الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك، فقال: «هو هذا المسجد» لمسجد رسول الله ﷺ ، وقال: «في ذاك خير كثير»، يعني مسجد قباء» (٣).
стр. 180
وقد يبدو هذا الحديث متعارضاً مع ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١)، وما ورد في سبب نزولها من أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى الذي أمر النبي ﷺ بالصلاة فيه هو مسجد قباء كما هو قول جماعة من السلف، وكذلك ما جاء في أن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا هم أهل قباء، وقد جمع العلماء بأنه لا منافاة بين ما ورد في سبب نزول الآية والحديث المتقدم، فإذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى (٢).
٢ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «اختلف في ذلك (٣) رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، فقال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أماه - أو يا أم
стр. 181
المؤمنين - إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك، فقالت: لا تستحي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ ، قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختانُ الختانَ، فقد وجب الغسل» (١).
٣ - وعن سعيد بن جبير قال: «ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس، فقلت: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع. قال: من أي الفريقين كنت؟ ، قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي، إن المس واللمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء» (٢).
ثالثاً: الرجوع إلى الحق .
كان الصحابة والتابعون ﵃ يختلفون، لكن إذا تبين لأحدهم أن الحق مع غيره فإنه سرعان ما يعود إليه، ذلك أن اختلافهم لم يكن مصدره الهوى أو التعصب، أو حباً للمخالفة ومنازعة الآخر، وإنما دافعه طلب الحق، فإذا تبين لأحدهم أن الحق مع غيره لم يكن بد من الرجوع إليه، وتروي الكتب مراجعات
стр. 182
كثيرة للصحابة والتابعين ﵃ في شتى العلوم الشرعية؛ في التفسير والحديث والفقه، بعضها صادر عن كبارهم، فقد ذكر ابن القيم مراجعات كثيرة لبعض الصحابة - وعلى رأسهم أبو بكر وعمر ﵄ عندما خفي عليهم بعض ما قضى الله تعالى به ورسوله ﷺ ، وفي بعض تلك المراجعات يخفى عليهم الحق فيستشيرون من يحضرهم من الصحابة، وفي بعضها يقولون بقول يظهر لهم أنه خلاف السنة فيرجعون عنه، ولما ذكر ابن القيم تلك المراجعات عقب بقوله: «وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سفراً كبيراً» (١).
ومن تلك المراجعات:
١ - اختلف تلاميذ ابن عباس في المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢)، فقال سعيد بن جبير: «هو الزوج، وقال مجاهد وطاوس: هو الولي، قال أبو بشر (٣) - الراوي للخبر - فقلت لسعيد: فإن مجاهداً وطاوساً يقولان: هو الولي، قال سعيد: أرأيت لو أن الولي عفا، وأبت المرأة، أكان يجوز ذلك؟ ،
стр. 183
فرجعت إليهما فحدثتهما، فرجعا عن قولهما وتابعا سعيداً» (١).
٢ - وفي هذه الآية أيضاً اختلف الشعبي والقاضي شريح (٢)، حين رفعت قضية إلى شريح في رجل طلق زوجته قبل الدخول بها، فعفا أخوها عن المهر، فأجاز ذلك شريح، وقال: أنا أعفو عن نساء بني مرة، فقال الشعبي: لا والله ما قضي قضاء قط أحمق منه أن يجيز عفو الأخ! ، ثم رجع شريح، فجعل الذي بيده عقدة النكاح الزوج (٣).
٣ - وعن الشعبي أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فجاءت منه بحمل، فانتفى منه، فقال: يلاعنها، فقال رجل: يا أبا عمرو إن الله قال في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٤) أفتراها له زوجة وقد طلقها ثلاثاً؟ ! ، فقال الشعبي: إني لأستحي إذا رأيت الحق أن رجع إليه (٥).
стр. 184
ويبلغ التواضع للحق بأحدهم إلى أن يصوب من هو دونه، ويرجع عن قوله، فقد جاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي، فتجهمه ابن عمر وأفف منه، ثم أتى ابن عباس ﵄ فقال له: أهد مائة بدنة، ثم أتى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (١) ﵀، فقال له: أرأيت لو نذرت أن لا تكلم أباك أو أخاك؟ إنما هذه خطوة من خطوات الشيطان استغفر الله وتب إليه، ثم رجع إلى ابن عباس فأخبره، فقال: أصاب عبد الرحمن، ورجع ابن عباس عن قوله (٢).
стр. 185
الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دواعي النقد عند الصحابة والتابعين.
الفصل الثاني: أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير.
الفصل الثالث: مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير.
стр. 186
الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين
стр. 187
من أبرز العوامل والأسباب التي أسهمت في ظهور النقد في التفسير وقوع الخطأ في فهم القرآن الكريم، فهو المحرك الأول للنقد، وعليه مدار جميع الأسباب الأخرى، والخطأ في فهم القرآن قد يعرض للمرء مع صحة القصد وسلامة المنهج، إما بسبب خفاء الدليل المفسر للآية على بعض الناس، فيفسر الآية بخلافه، ومن ذلك ما وقع لعلي بن أبي طالب وابن عباس، فقد ذهبا إلى أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الأجلين من وضع الحمل أو بلوغ أربعة أشهر وعشراً، واستدلا بمجموع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، وخفي عليهما حديث سبيعة ﵂ (٣)، وكان زوجها توفي عنها وهي حامل، فلم تنشب
стр. 188
أن وضعت حملها، فقضى النبي ﷺ بأنها قد حلت حين وضعت، وأمرها بالتزوج إن شاءت (١).
وإما بسبب حداثة السن وقلة التحصيل العلمي، التي قد توقع في الخطأ في فهم القرآن، ومن شواهده:
١ - عن عروة (٢) قال: «قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣)، فلا أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما؟ ، فقالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول كانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ
стр. 189
يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾» (١).
٢ - عن جبير بن نفير (٢) قال: «كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣)؟ ، فأقبلوا علي بلسان واحد، وقالوا: أتنتزع آية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها؟ ! ، قال: حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حديث السن، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي» (٤).
وهناك عوامل أسهمت في تفشي الخطأ وازدياده بين الناس، وكان لها أثر بارز في نشاط الحركة النقدية لدى الصحابة والتابعين ﵃، ومن أبرزها ما يأتي:
стр. 190
أولاً: ظهور الفتن والبدع .
أحدثت الفتن التي ظهرت في عصر الصحابة ﵃ بلبلة فكرية بين أوساط كثير من الناس، فضعف تمييزهم بين الحق والباطل، والتبس عليهم فهم نصوص الكتاب والسنة، مما هيأ أرضاً خصبة لنشوء البدع والأهواء، فبدأت البدع بالظهور والتنامي، وأصبح لها أربابها ومنظروها، ولكي تجد تلك البدع والأهواء رواجاً بين الناس اجتهد أصحابها في تأييدها، ولم يجدوا لتأييدها أفضل من القرآن الكريم لأسبابٍ من أبرزها: ما يحظى به القرآن الكريم من المكانة العظيمة في قلوب الناس عامة، وأيضاً ما يجده أهل البدع في القرآن من الآيات المتشابهة، التي تخفى على العامة فيتأثرون بها.
ومما هيأ للبدع أن تجد قبولاً بين الناس قوة أربابها أحياناً واشتداد شوكتهم في بعض الأمصار، فقوي تأثيرهم في الناس، أضف إلى ذلك انتساب بعض المبتدعة للعلم واجتهادهم في العبادة، وظهورهم بمظهر الصالحين مما أسهم في انخداع كثير من الناس بمظهرهم مما أوجب على العلماء التصدي لهم والرد عليهم.
وفيما يتعلق بالقرآن الكريم، فقد اتخذ المبتدعة طرقاً مختلفة في تأييد بدعهم بالقرآن، مما استدعى يقظة الصحابة والتابعين ﵃، فقاموا بالرد عليهم سواءٌ فيما يتعلق بانحراف منهجهم في الاستدلال بالقرآن، كقول ابن عمر عن الخوارج:
стр. 191
«انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين» (١).
أم فيما يتعلق بكشف الشبه التي يلقيها أهل البدع في القرآن، وبيان الآيات المتشابهة التي يعترضون بها لزعزعة عقائد أهل السنة ومسلماتهم، ومن أمثلته ما جاء عن نافع بن الأزرق (٢)
أنه سأل ابن عباس فقال: «يا بن عباس قولَ الله ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٤)؟ ، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نقل، فيسألهم فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت
стр. 192
بهم، ولا يكتمون الله حديثاً» (١).
كما ردوا عليهم فهمهم واستدلالهم بالقرآن، ومن أمثلته ما وقع لجابر بن عبد الله ﵁، فقد جاءه نفر من الخوارج، وهو يحدث بخروج عصاة الموحدين من النار فاعترضوا عليه، واستدلوا على تخليدهم في النار بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (٣)، فرد عليهم جابر، وبيَّنَ خطأ استدلالهم (٤)، وسيأتي حديث مفصل عن هذه القضايا وغيرها في المبحث المخصص لذلك.
ثانياً: مخالطة أهل الكتاب .
نزح بعض اليهود إلى الجزيرة العربية، وأقام كثير منهم في المدينة وما حولها، وقدموا بعلومهم وكتبهم، وفيها تفاصيل لأخبار أنبيائهم وما وقع لهم، وبحكم مجاورتهم للعرب الأميين كان أهل الكتاب يقرؤون ما في كتبهم المشتملة على الغرائب والعجائب والتفاصيل الدقيقة مما يستظرفه أكثر الناس ويرغبون سماعه، وقد جاء في الأخبار أن اليهود كانوا يقرؤون تلك الأخبار على المسلمين، فعن أبي
стр. 193
هريرة ﵁ قال: «كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية» (١).
ومن وجه آخر دخل بعض أهل الكتاب في الإسلام، وجلبوا معهم كثيراً من الروايات والأخبار التي يتداولونها، التي تتحدث عما حصل للأمم السابقة؛ خاصة بني إسرائيل، فاجتهد بعض مسلمة أهل الكتاب في سرد تلك الأخبار والقصص، وفسروا بها القرآن الكريم؛ يدفعهم لذلك حرص بعض المسلمين على سماعها، وتلقيها عنهم، غير أن كثيراً من هذه القصص شابها التحريف والتبديل، واشتملت على أمور باطلة مما ينزه الله تعالى عنه، وانتقاص ظاهر للأنبياء، فدخلت على المسلمين دون أن يتنبهوا إلى ما فيها، وراجت لدى بعض المفسرين فرواها عنهم اعتماداً على الأدلة المرخصة في ذلك (٢)، وهذا الأمر دعا الأئمة من الصحابة والتابعين ﵃ إلى نقدها والتحذير منها، وانتقاد من يرويها ويذيعها في الناس، وسلكوا في ذلك اتجاهين:
الأول: التحذير المجمل من روايات أهل الكتاب، وبيان أن أخبار بني إسرائيل قد تحمل في طياتها الباطل، وحث الناس على الاكتفاء بما جاء في القرآن
стр. 194
والسنة، عملاً بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
والاتجاه الثاني: النقد التفصيلي لبعض الروايات الإسرائيلية التفسيرية، وسيأتي مبحث مستقل لذلك.
ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام .
باتساع الفتوحات الإسلامية دخلت أمم كثيرة الإسلام، وهي تجهل مبادئ اللغة العربية، ومع رغبتهم في تعلم اللغة العربية واجتهاد المسلمين في تعليمهم إلا أنه بقيت فيهم بقايا كثيرة تجهل مسائل اللغة، فالتبس عليهم فهم القرآن الكريم، ويبدو أن أخطاءهم لم تكن قليلة، كما أنها لم تكن فرعية فبعضها يتعلق بالعقائد، ويظهر ذلك من خلال شكوى التابعين منهم، فقد ذكر عند الحسن البصري الاختلاف في التفسير، فقال: «إنما أُتي القوم من قبل العجمة» (٢).
وعنه قال: «أهلكتهم العجمة يتأولون القرآن على غير تأويله» (٣).
стр. 195
وجاء عمرو بن عبيد (١) إلى أبي عمرو بن العلاء ﵀ (٢) فقال: «يا أبا عمرو يخلف الله وعده؟ ، قال: لا، قال: أفرأيت إن وعده على عمل عقاباً يخلف وعده؟ ، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! ، إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تَعُدُّ خلفاً ولا عاراً أن تَعِدَ شراً ثم لا تفعله؛ ترى أن ذاك كرماً وفضلاً، إنما الخلف أن تَعِدَ خيراً ثم لا تفعله» (٣).
رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن .
وينطبق هذا السبب على القُصَّاص، فقد حظي هؤلاء بمكانة اجتماعية بين الناس، فالتفوا حولهم وتحلقوا عندهم، وكان للقُصَّاص تأثير بارز فيهم، وكثير منهم غير مؤهلين علمياً، ومهمتهم الرئيسة وعظ الناس وتذكيرهم، وكثيراً ما
стр. 196
يعظون الناس بآيات القرآن، وقد يحتاج المقام إلى تفسيرها، فربما أخطأ أحدهم في البيان، أو خلط التفسير ببعض الحكايات والغرائب، وهذا جعل الصحابة والتابعين ﵃ ينشطون لنقد آرائهم في التفسير، وسيأتي تخصيص مبحث مستقل في نقدهم.
خامساً: مؤثرات سياسية .
أفضى التنافس على الحكم والخلافة، وما تبعه من صراعات واقتتال بين المسلمين إلى تبني بعض السياسين آراء باطلة في فهم القرآن لتحقيق مكاسب سياسية، إما غضاً من قدر منافسيهم وحطاً من مكانتهم، وإما تأييداً لآخرين، وقد تسربت تلك التأويلات إلى بعض الولاة والخلفاء، ومن المحتمل أن الذي قام بتسريبها بعض من يحب التزلف إليهم، فحكاها لهم فأخذوها عنه، مما دعا الصحابة والتابعين إلى الرد عليهم، وبيان التأويل الصحيح للقرآن، ومما يستشهد به هنا:
١ - استعمل معاوية بن أبي سفيان ﵁ مروان بن الحكم على الحجاز، فخطب الناس، فجعل يذكر يزيد بن معاوية؛ لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ (١) شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا
стр. 197
عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ (١)، فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري (٢).
٢ - وقرأ الوليد بن عبد الملك سورة النور، وعنده الزهري، فلما بلغ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) قال للزهري: «يا أبا بكر، من تولى كبره؟ ، أليس علي بن أبي طالب؟ ، فقال الزهري: لا يا أمير المؤمنين، فضرب الوليد بقضيبه السرير مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: فمن؟ ، فقال الزهري: يا أمير المؤمنين! عبد الله بن أبي بن سلول» (٤).
٣ - وعن حيان بن سريج (٥): «أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في
стр. 198
اللصوص، ووصف له لصوصيتهم، وحبسهم في السجون، وقال: قال الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾، وترك: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإنك كتبت إليَّ تذكر قول الله جل وعز: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾، وتركت قول الله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فنبيٌّ أنت يا حيان؟ ! ، لا تحرك الأشياء عن مواضعها، أتجردت للقتل والصلب كأنك عبد بني عقيل (٢)، من غير ما أشبهك به إذا أتاك كتابي هذا، فانفهم إلى شغب» (٣).
سادساً: مؤثرات اجتماعية .
جلبت الفتوحات الإسلامية إلى المسلمين خيرات وغنائم كثيرة غيرت حياة
стр. 199
الناس من الفقر والحاجة إلى العز والرخاء، ودخل على المسلمين مع تلك الفتوحات بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، فركن الناس إلى الدنيا، وتوسعوا في المباحات، وارتكب بعضهم المحرمات، ولدفع اللوم عن أنفسهم اتخذوا الآيات القرآنية ذريعة لارتكاب المحرمات والتقصير في الواجبات، وقد دفع ذلك الصحابة والتابعين للرد عليهم وانتقادهم، ومن الشواهد:
١ - قيل لأبي العالية: «إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال: ولم ذاك؟ ، قالوا: يتأولون هذه الآية: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (١)، فقال أبو العالية: وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله من كتاب، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾» (٢).
٢ - وعن الحسن قال: «لما بعث الله محمداً قال: هذا نبيي، هذا خياري، استنوا به، خذوا في سننه وسبيله، لم تغلق دونه الأبواب، ولم تقم دونه الحجبة، ولم يغد عليه بالجفان، ولم يرجع عليه بها، وكان يجلس بالأرض ويأكل طعامه بالأرض، ويلعق يده ويلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف بعده، وكان يقول:
стр. 200
«من رغب عن سنتي فليس مني» (١)، قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته التاركين لها، ثم إن علوجاً فساقاً أكلة الربا والغلول قد سفههم ربي ومقتهم، زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وزخرفوا هذه البيوت، يتأولون هذه الآية (٢): ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٣)، وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان، قد جعلها ملاعب لبطنه وفرجه» (٤).
ونتيجة التحولات الاجتماعية التي حدثت في المجتمع الإسلامي ترك بعض الناس العمل بآيات قرآنية، حتى ساد اعتقادٌ أنها منسوخة، فعن ابن عباس ﵄ قال: «ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ إلى آخر الآية (٥) , والآية التي في سورة النساء: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٦) ,
стр. 201
والآية التي في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾» (١).
وقد بين ابن عباس في رواية أخرى سبب ترك الناس العمل بآية النور، فقال: «إن الله ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمة في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحِجَال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به» (٢).
وهناك دواعٍ تدفع المرء للنقد لا تقل أهمية عما سبق يجمعها محبة الخير للناس، والرغبة في دلالتهم عليه، وما يندرج تحت ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الإقرار على الخطأ، وهذه الدوافع من الأهمية بمكان؛ فهي المحرك الأول والحافز الرئيس لأي عمل خير يريد به المرء ما عند الله تعالى، وقد حاز الجيل الأول قصب السبق فيها، وهذه الدواعي تشترك فيها جميع الأمور
стр. 202
المتعلقة بالشريعة، وحين يكون المرء بهذا الشعور فإنه لن يتردد في تصحيح الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس.
وهذا الشعور الكامن في النفوس هو الذي دعا خليفة رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ ليقوم خطيباً في الناس منبهاً على خطأ فهم بعض الناس لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١)، وقال: «إنكم تقرؤون هذه الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٢).
стр. 203
الفصل الثاني أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير
стр. 204
يتفاوت أسلوب الصحابة والتابعين في النقد متأثراً بعدة عوامل، ترجع في مجملها إلى عاملين رئيسين: الأول: نوع الخطأ ودرجته، والثاني: المخطئ، وموقف الناقد منه، وبحسب هذين العاملين يتفاوت أسلوب النقد، فتارة يأتي النقد شديداً، وتارة يأتي برفق، وقد يأتي الرفق والشدة في قضية واحدة لكن مع شخصين مختلفين، ومن أمثلته: أن ابن عباس عندما نقل إليه أن نوف البكالي (١) يقول: إن الخضر ليس بصاحب موسى، قال: كذب عدو الله (٢).
وقد اختلف ابن عباس مع الحر بن قيس (٣) في نفس القضية، ولم يقل له
стр. 205
ذلك، واكتفى بالتحاكم إلى أبي بن كعب ﵁، فعن ابن عباس «أنه تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى أهو خضر؟ ، فمر بهما أبي بن كعب الأنصاري، فدعاه ابن عباس، وقال له: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ ، قال: نعم، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل، فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ ، فقال موسى: لا، فأُوحِي إلى موسى: بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية»، الحديث (١).
والسبب في اختلاف أسلوب ابن عباس مع الرجلين أن الحر بن قيس من الصحابة، ومن القراء وأصحاب الفضل، ولمكانته كان عمر ﵁ يدنيه ويجعله من جلسائه (٢)، بينما لم يكن هذا الأمر لنوف، وكان معروفاً بالرواية عن أهل الكتاب (٣)، فهو ابن امرأة كعب الأحبار (٤)، وقد ذكر ابن حجر احتمال كون ابن عباس يتهم نوفاً
стр. 206
في إسلامه (١).
ومن مظاهر الشدة في النقد:
أولاً: الشدة مع أهل البدع، وإغلاظ القول لهم، ومن أمثلته:
١ - سأل نافع بن الأزرق ابن عباس فقال: «يا بن عباس قولَ الله ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٣)؟ ، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن» (٤).
ولما جادله في معنى ورود النار، قال له ابن عباس بعدما احتج عليه: «أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ ، وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، فضحك نافع» (٥).
стр. 207
٢ - موقف عمر بن عبد العزيز ﵀ الشديد من غيلان القدري (١)، فقد سأله عمر عن القدر، فتلا غيلان قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢)، فقال عمر: «أتم السورة ويحك! أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣)؟ ، ويحك يا غيلان! ، أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾؟ » (٤).
وفي رواية أن غيلان لما أظهر التوبة قال عمر: «اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً وإلا فاصلبه».
وفي بعضها: «اللهم إن كان صادقاً فثبته، وإن كان كاذباً فاجعله آية
стр. 208
للمؤمنين» (١).
ثانياً: كلام الأقران بعضهم في بعض يكون شديداً أحياناً ، فعن القاسم بن أبي بزة قال: «قال لي مجاهد: سل عكرمة عن قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٢)، فسألته، فقال: الإخصاء، فقال مجاهد: ما له، لعنه الله! ، فو الله لقد علم أنه غير الإخصاء، ثم قال لي: سله، فسألته، فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله ﵎: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٣)؟ ، قال: لدين الله، فحدثت به مجاهداً، فقال: ما له أخزاه الله! » (٤).
ثالثاً: وقد يصل الأمر إلى التوبيخ حين يشعر الصحابة أن المرء تكلم في القرآن بلا علم، ومن أمثلته:
توبيخ الصحابة ﵃ لجبير بن نفير حين أخطأ في فهم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥)، وقالوا له بلسان واحد: أتنتزع آية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها؟ ! قال: حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت.
стр. 209
وقد يحتاج بعض الناس إلى ما هو أشد من ذلك فيعزر ويعاقب، كفعل عمر مع صبيغ (١).
ومن مظاهر الرفق في النقد:
أولاً: الرفق مع أهل العلم والفضل، ومن أمثلته ما جاء عن مجاهد ﵀ قال: «كنت عند ابن عمر فقال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدِيرٌ﴾ (٢) فبكى، فانطلقت حتى أتيت على ابن عباس، فقلت: يا بن عباس كنت عند ابن عمر آنفاً، فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قال: قلت: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فضحك ابن عباس وقال: يرحم الله ابن عمر! أو ما يدري فيم أنزلت؟ وكيف أنزلت؟ ، إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غماً شديداً، وغاظتهم غيظاً شديداً، وقالوا: يا رسول الله هلكنا! إنما كنا نؤخذ بما تكلمنا، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : قولوا: «سمعنا وأطعنا»، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فنسختها هذه الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
стр. 210
وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾» (١).
ثانياً: الرفق مع الطلاب ، فقد سئل ابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٢) فقال سعيد بن جبير: «قربى آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس له: عجلت؛ إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» (٣).
ثالثاً: عدم الانتقاد المباشر للمخطئ ، والاكتفاء بالتعميم، كقول: إن ناساً يقولون كذا وكذا، لئلا يكون في الأمر تجريحاً مباشراً، وهذا الأدب أخذوه من الهدي النبوي، «فكان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» (٤).
ومن شواهده عن الصحابة: أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ
стр. 211
الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (١): «إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس» (٢).
وقد ذكر ابن حجر أنه أراد بذلك عائشة ﵂ وغيرها (٣).
وقد يكون التنبيه جماعياً إذا كان الخطأ ذائعاً بين الناس؛ كما فعل أبو بكر ﵁، فإنه قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إلى آخر الآية (٤)، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٥).
стр. 212
عبارات نقدية:
للصحابة والتابعين ﵃ أساليبهم الخاصة التي يعبرون بها عن انتقادهم للأقوال، ولم تكن العبارات التي نشأت بعدُ، واستخدمها العلماء في النقد مستعلمة في وقتهم؛ مثل: هذا القول ضعيف، أو ساقط، أو مرجوح، أو فيه نظر ونحوها، ومن عباراتهم النقدية ما يلي:
أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة ، ومنها:
١ - قال رجل لابن مسعود ﵁: «إن كعب الأحبار حدثني أن السموات تدور على منكب ملك، فقال ابن مسعود: فصدقته أو كذبته؟ ، قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، وكذب كعب! إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾» (١).
٢ - ومر تكذيب ابن عباس ﵄ لنوف البكالي.
ويأتي التكذيب في كلام السلف ويراد به التخطئة، لا حقيقة الكذب والإخبار بخلاف الواقع، ومن أمثلته:
стр. 213
١ - قيل لعبادة بن الصامت ﵁: «إن أبا محمد (١) يزعم أن الوتر واجب، قال: كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» (٢).
قال الخطابي (٣): «قوله: كذب أبو محمد، لم يذهب به إلى الكذب الذي هو الانحراف عن الصدق والتعمد للزور، وإنما أراد به أنه زل في الرأي، وأخطأ في الفتوى، وذلك أن حقيقة الكذب إنما يقع في الإخبار، ولم يكن أبو محمد في هذا مخبراً عن غيره، وإنما كان مفتياً عن رأيه، وقد نزه الله أقدار الصحابة عن الكذب،
стр. 214
وشهد لهم في محكم كتابه بالصدق والعدالة» (١).
٢ - وقيل لعروة: «إن ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ لبث بمكة بضع عشرة سنة، فقال عروة: كذب»، قال الخطابي: «يريد أخطأ» (٢).
وإنما سمي الخطأ كذباً «لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النية والقصد، لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم» (٣).
وذكر بعض العلماء أن هذه التسمية معروفة لدى أهل الحجاز (٤).
ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير:
١ - لما قدم خراج العراق إلى عمر ﵁ خرج ومولى له، فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: «الحمد لله، ويقول مولاه: يا أمير المؤمنين، هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر: كذبت ليس هذا هو ,
стр. 215
يقول الله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١)، وهذا مما تجمعون» (٢).
٢ - وقيل لسعيد بن جبير: إن عكرمة يقول: إن معنى قول الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (٣): كبسوق النساء عند ولادتها، فقال: كذب، بسوقها: طولها (٤).
٣ - وأورد ابن جرير عند قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) أن رجلاً سأل سعيد بن جبير عن العمرة: «فريضة هي أم تطوع؟ ، قال: فريضة، قال: فإن الشعبي يقول: هي تطوع، قال: كذب الشعبي، وقرأ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾» (٦).
٤ - وعن طاوس أن رجلين اختصما إليه فأكثرا، فقال طاوس: «اختلفتما وأكثرتما، قال أحد الرجلين: لذلك خلقنا، فقال طاوس: كذبت، قال: أليس الله