← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (١): «إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس» (٢). وقد ذكر ابن حجر أنه أراد بذلك عائشة ﵂ وغيرها (٣). وقد يكون التنبيه جماعياً إذا كان الخطأ ذائعاً بين الناس؛ كما فعل أبو بكر ﵁، فإنه قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إلى آخر الآية (٤)، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٥).

стр. 212

عبارات نقدية: للصحابة والتابعين ﵃ أساليبهم الخاصة التي يعبرون بها عن انتقادهم للأقوال، ولم تكن العبارات التي نشأت بعدُ، واستخدمها العلماء في النقد مستعلمة في وقتهم؛ مثل: هذا القول ضعيف، أو ساقط، أو مرجوح، أو فيه نظر ونحوها، ومن عباراتهم النقدية ما يلي: أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة ، ومنها: ١ - قال رجل لابن مسعود ﵁: «إن كعب الأحبار حدثني أن السموات تدور على منكب ملك، فقال ابن مسعود: فصدقته أو كذبته؟ ، قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، وكذب كعب! إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾» (١). ٢ - ومر تكذيب ابن عباس ﵄ لنوف البكالي. ويأتي التكذيب في كلام السلف ويراد به التخطئة، لا حقيقة الكذب والإخبار بخلاف الواقع، ومن أمثلته:

стр. 213

١ - قيل لعبادة بن الصامت ﵁: «إن أبا محمد (١) يزعم أن الوتر واجب، قال: كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» (٢). قال الخطابي (٣): «قوله: كذب أبو محمد، لم يذهب به إلى الكذب الذي هو الانحراف عن الصدق والتعمد للزور، وإنما أراد به أنه زل في الرأي، وأخطأ في الفتوى، وذلك أن حقيقة الكذب إنما يقع في الإخبار، ولم يكن أبو محمد في هذا مخبراً عن غيره، وإنما كان مفتياً عن رأيه، وقد نزه الله أقدار الصحابة عن الكذب،

стр. 214

وشهد لهم في محكم كتابه بالصدق والعدالة» (١). ٢ - وقيل لعروة: «إن ابن عباس يقول: إن النبي ﷺ لبث بمكة بضع عشرة سنة، فقال عروة: كذب»، قال الخطابي: «يريد أخطأ» (٢). وإنما سمي الخطأ كذباً «لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق، وإن افترقا من حيث النية والقصد، لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب، والمخطئ لا يعلم» (٣). وذكر بعض العلماء أن هذه التسمية معروفة لدى أهل الحجاز (٤). ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير: ١ - لما قدم خراج العراق إلى عمر ﵁ خرج ومولى له، فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: «الحمد لله، ويقول مولاه: يا أمير المؤمنين، هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال عمر: كذبت ليس هذا هو ,

стр. 215

يقول الله: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١)، وهذا مما تجمعون» (٢). ٢ - وقيل لسعيد بن جبير: إن عكرمة يقول: إن معنى قول الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ (٣): كبسوق النساء عند ولادتها، فقال: كذب، بسوقها: طولها (٤). ٣ - وأورد ابن جرير عند قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥) أن رجلاً سأل سعيد بن جبير عن العمرة: «فريضة هي أم تطوع؟ ، قال: فريضة، قال: فإن الشعبي يقول: هي تطوع، قال: كذب الشعبي، وقرأ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾» (٦). ٤ - وعن طاوس أن رجلين اختصما إليه فأكثرا، فقال طاوس: «اختلفتما وأكثرتما، قال أحد الرجلين: لذلك خلقنا، فقال طاوس: كذبت، قال: أليس الله

стр. 216

يقول: ﴿ ... وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (١)، قال: لم يخلقهم ليختلفوا، ولكن خلقهم للجماعة والرحمة» (٢). ثانياً: زعم . ذكر الأزهري (٣) أن «الزعم والتزاعم أكثر ما يقال فيما يشك فيه ولا يحقق، وقد يكون الزعم بمعنى القول» (٤). وقال الراغب الأصفهاني (٥): «الزعم: حكاية قول يكون مظنة للكذب، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذُمَّ القائلون به، نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٦)،

стр. 217

﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ (١)، ﴿ ... كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٢)» (٣). وقال الفيروز آبادي (٤): «الزعم، مُثَلَّثة: القول الحق، والباطل، والكذب، ضِدٌّ، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه» (٥). فتبين من هذا أن الزعم يرد لثلاثة معانٍ، وأن بعضها أكثر استعمالاً من بعض، والذي يميز بينها قرينة الكلام (٦). وقد جاء استعمال الزعم في تفسير الصحابة والتابعين ﵃ على هذه المعاني الثلاثة: فالمعنى الأول: الرد الصريح للقول وتضعيفه، ومن أمثلته:

стр. 218

١ - قال عروة في قول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (١): «يزعمون أنها خيبر، ولا أحسبها إلا كل أرض فتحها الله على المسلمين أو هو فاتحها إلى يوم القيامة» (٢). ٢ - وقال الشعبي في قول الله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (٣): «إن ناساً يزعمون أن الشاهد على مثله: عبد الله بن سلام (٤)، وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة» (٥). ٣ - وقال الحسن: «قاتل الله قوماً يزعمون أن إبليس من الملائكة» (٦). والثاني: الشك في القول، وعدم التأكد من صحته، ومن أمثلته:

стр. 219

١ - سئل مجاهد عن: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (١)، فقال: «لا أدري يزعمون أنها البقر» (٢). ٢ - وعن الضحاك في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (٣) قال: «يزعمون أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب» (٤). والمعنى الثالث: مرادف للقول، ومن شواهده: ١ - عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٥): «زعموا أنها دمشق». وجاء عنه في رواية أخرى أنه قال: دمشق (٦). ٢ - وعن سعيد بن جبير أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ (٧): «أهم بنو أسد؟ ، فقال: يزعمون ذاك»، وفي رواية قال: قد قيل

стр. 220

ذلك (١). ومما يؤكد أن مراده بالزعم القول ما رواه حبيب بن أبي عمرة (٢)، قال: «كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد عند الحجاج جالسين، فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نزلت في قومك بني تميم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (٣)، فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: إنه لو علم بآخر الآية أجابه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾؛ قالوا: أسلمنا ولم نقاتلك، بنو أسد» (٤). ثالثاً: أخطأت التأويل . ومن أمثلته أن عمر ﵁ حينما أراد إقامة حد شرب الخمر على قدامة بن مظعون (٥)، قال: «لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني، فقال عمر: لم؟ ،

стр. 221

قال قدامة: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ الآية (١)، فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله عليك» (٢). رابعاً: لم تصب. ومن أمثلته: ١ - عن عكرمة قال: «جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس، فسأله رجل: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ (٣)؟ ، فقال ابن عباس ﵄: لم تصب المسألة، اقرأ ما قبلها: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾، حتى بلغ: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٤)، فقال ابن

стр. 222

عباس ﵄: فمن كان أعمى عن هذا النعيم الذي قد رأى وعاين، فهو في أمر الآخرة التي لم تر ولم تعاين: ﴿أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾» (١). ٢ - وسأل سعيد بن المسيب رجلاً عن ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ (٢)، فقال: «الصلاة والصيام، فقال سعيد: لم تصب، فقال الرجل: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٣). ٣ - وعن القاسم بن محمد «أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر (٤) قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، فلم يدع في الدار مسكيناً، ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية (٥)، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له» (٦).

стр. 223

خامساً: بئسما قلت. ومن أمثلته: ١ - عن سعيد بن جبير، قال: «كنا عند ابن عباس فحدث حديثاً، فتعجب رجل، فقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، فقال ابن عباس: بئسما قلت، الله العليم، وهو فوق كل عالم» (٢). ٢ - وقال عروة: «سألت عائشة ﵂، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣)، فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ ، قالت: بئسما قلت يا بن أختي» (٤).

стр. 224

سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها. ومن أمثلته: ١ - قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١): «قد غفر له؛ إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب فكيف بالحج؟ » (٢). ٢ - وفي قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: «أما والله إن كثيراً من الناس يتأولون هؤلاء الآيات على ما لم ينزلن عليه» (٤). سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها. ومن أمثلته:

стр. 225

١ - قول أبي بكر ﵁ المتقدم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١): «إنكم تضعونها على غير موضعها». ٢ - وقال عون بن عبد الله في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٢): «إن قوماً يضعونها على غير موضعها، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: تعمل فيها بطاعة الله» (٣). ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل. ومن أمثلته قول أبو بكر ﵁ لأصحابه: «ما تقولون في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٤) قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا من ذنب، فقال أبو بكر: لقد حملتموها على غير المحمل ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، الذين لم يعدلوها بشرك ولا غيره» (٥).

стр. 226

تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه . فعن عكرمة ﵀ في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (١) قال: «ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي ﷺ » (٢). ومراده بالذي تذهبون إليه، ما ذهب إليه بعض الناس من أن المراد بأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃، وأن أزواج النبي ﷺ لا يدخلن في الآية، وهو مروي عن بعض السلف (٣). عاشراً: ما لكم ولهذه الآية . ومن أمثلته أن مروان أرسل إلى ابن عباس، وقال له: «لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ ! ، إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن

стр. 227

عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) هذه الآية، وتلا ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (٢)، وقال: سألهم النبي ﷺ عن شيء، فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» (٣). حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية. ومن أمثلته: ١ - قال عمر ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٤): «لا تغرنكم هذه الآية، فإنها كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم» (٥).

стр. 228

٢ - وقال سعيد بن المسيب: «لا تغرنكم هذه الآية: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) إنما عُني بها الإماء، ولم يُعن بها العبيد» (٢). والقول بأن الآية تشمل العبيد والإماء مروي عن بعض الصحابة والتابعين، فيجوز للمرأة أن تكشف لرقيقها، وهو قول أكثر العلماء (٣). ثاني عشر: الضحك . قد يكون نقداً، فعن أبي الشعثاء قال: «قعدت إلى ابن مسعود وحذيفة، فقال حذيفة: ذهب النفاق فلا نفاق، وإنما هو الكفر بعد الإيمان، فقال عبد الله: تعلم ما تقول؟ ، قال: فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حتى بلغ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)، قال: فضحك عبد الله، قال شعبة: فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك

стр. 229

بأيام، فقلت: من أي شيء ضحك عبد الله؟ ، قال: لا أدري، إن الرجل ربما ضحك من الشيء الذي يعجبه، وربما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أي شيء ضحك؟ لا أدري» (١). وتقدم ضحك ابن عباس حين ذُكر له أن ابن عمر ﵄ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال: «والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن! ، ثم بكى حتى سمع نشيجه، فضحك ابن عباس وقال: يرحم الله ابن عمر! أو ما يدري فيم أنزلت؟ وكيف أنزلت؟ » (٣)، وهو هنا بمعنى النقد.

стр. 230

الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير وفيه مبحثان: المبحث الأول: مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير. المبحث الثاني: أبرز نقاد الصحابة والتابعين.

стр. 231

المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير أولاً: أهليتهم للنقد . التأهل العلمي مهم للناقد في فنه ليتمكن من الحكم على الأقوال وتمييز الصحيح من الضعيف، فقد تلتبس المناهج والأقوال على من لم يكن مؤهلاً علمياً، وتخفى عليه الأهداف والتوجهات، وقد حاز الصحابة والتابعون قصب السبق في ذلك، فاجتمعت فيهم صفات علمية وشخصية مهمة للناقد، فكانوا على قدر كبير من صحة القصد وسلامة الهدف وكمال النصح، مع ما هم عليه من التمكن العلمي، وما اختص به بعضهم من التبحر في علم التفسير وجمع أطرافه، وملازمة تعلمه وتعليمه مما أهله ليكون مرجعاً علمياً معتبراً في تفسير القرآن، ومما اختص به الصحابة دون غيرهم أنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا السبب الذي من أجله نزلت الآيات، فهم في أكثر من واقعة ينتقدون التفسير، ويستدلون بما شاهدوه من نزول الآية، ومن أمثلته: رد أبي أيوب الأنصاري ﵁ (١) على من تأول قوله تعالى: ﴿وَلَا

стр. 232

تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)، ونَزَّلها على من دخل في صفوف الأعداء في الجهاد، فقال أبو أيوب منكراً: «أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» (٣). وقد يأخذ الصحابة ﵃ نقدهم مباشرة من النبي ﷺ ، ومن أمثلته أن رجلاً قال لأبي بن كعب ﵁: «قول الله ﵎: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (٤)، والله إن كان كل ما عملنا جزينا به هلكنا؟ ! ، فقال أبيّ: والله إن كنت لأراك أفقه مما أرى! ، لا يصيب رجلاً خدش ولا عثرة إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى

стр. 233

اللدغة والنفحة». وهذا النقد أخذه أبيّ من قول النبي ﷺ لأبي بكر حين قال له: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية، فكل سوء عملناه جزينا به؟ ، فقال النبي ﷺ : «غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ، ألست تنصب، ألست تحزن؟ ، ألست تصيبك اللأواء؟ »، قال: بلى، قال: «فهو ما تجزون به» (١). ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال . واطلاع الصحابة والتابعين على المناهج والأقوال مكنهم من سبرها والتأمل في أدلة أصحابها والمقارنة بينها، ومما ساهم في سعة اطلاعهم مخالطتهم للناس، وتصديهم للتعليم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أفسح المجال أمامهم لمعرفة ما يدور بين الناس من مفاهيم خاطئة حول الآيات القرآنية، وساعد في عرض الناس ما لديهم من إشكالات واستفسارات على علماء الصحابة والتابعين. وهناك أمور أخرى ساهمت بشكل مباشر في اطلاعهم على المناهج والأقوال، ومنها:

стр. 234

الأول: الاستفسارات التي ترد إلى الصحابة والتابعين ﵃ من طلابهم وتلاميذهم، وهذا أمثلته كثيرة جداً، ومنها: ١ - ما ذكره الشعبي «أنه شهد شريحاً - وسأله رجل عن الإيلاء - فقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١) وقرأ عليه الآيتين، قال: فقمت من عنده، فأتيت مسروقاً، فقلت: يا أبا عائشة! ، وأخبرته بقول شريح، فقال: يرحم الله أبا أمية، لو أن الناس كلهم قالوا مثل هذا، من كان يفرج مثل هذا؟ ! ، ثم قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة» (٢). ٢ - وعن عمران القطان (٣) قال: «سمعت الحسن يقول في قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (٤): والله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت، قال عمران: فذكرت ذلك لقتادة، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يكثر الصلاة في

стр. 235

الرخاء» (١). الثاني: النقاش العلمي الذي يقع للعلماء مع أقرانهم وطلابهم، ومن أمثلته: ١ - عن فروة بن نوفل الأشجعي (٢) قال: «قال ابن مسعود: إن معاذاً كان أُمَّة قانتاً لله حنيفاً، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ (٣)، فأعادها علي، فقال: إن معاذ بن جبل كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، فعرفت أنه تعمد الأمر تعمداً، فسكت، فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ ، فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الناس الخير، والقانت المطيع لله ولرسوله، وكذلك كان معاذ، كان يعلم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ولرسوله» (٤).

стр. 236

٢ - وقال الشعبي: «أرسل إلي عبد الحميد بن عبد الرحمن (١)، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش (٢)، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكراً ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا: هات، فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف، فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صُرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)، فبينا هم كذلك، اطلع إليهم ربك ﵎ فقال: اذهبوا وادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم» (٤). الثالث: سؤال من يريدون الاطلاع على رأيه، أو إرسال من يسأله، وسؤالهم هنا ليس سؤال من يبحث عن إجابة، وإنما من يريد معرفة رأي غيره، ومن أمثلته:

стр. 237

١ - سأل رجل ابن عمر عن قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١)، فقال لسائله: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال لك، فذهب الرجل إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: نعم كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق، هكذا كانت (٢). ٢ - وأرسل مجاهد رجلاً إلى عكرمة يسأله عن قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣)، فقال عكرمة: أجره في الدنيا أن كل ملة تتولاه، وهو عند الله من الصالحين، فرجع الرجل إلى مجاهد، فقال: أصاب (٤). وتصويب ابن عمر لابن عباس ومجاهد لعكرمة يدل على معرفتهما بالتفسير، وإنما أرادا معرفة رأيهما.

стр. 238

وعلى هذا تحمل بعض أسئلة الصحابة والتابعين لأهل الكتاب عن معاني القرآن، فكأنهم - والله أعلم - يريدون اختبارهم، ومعرفة خلفياتهم عن القرآن وتأويله، فقد قال علي ﵁ لرجل من اليهود: «أين جهنم؟ ، فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقاً ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾» (٢). ثالثاً: الاستدلال للنقد . النقد المبني على أدلة ومبررات أقوى إقناعاً وأشد تأثيراً من النقد المجرد، وقد جاء عن الصحابة والتابعين ﵃ روايات كثيرة نصوا فيها على وجه النقد ودليله، وهي تدل على أنه الأصل لديهم، وأن المنهج العام الذي ساروا عليه ضرورة انطلاق الناقد من معايير واضحة وأسس صحيحة، وهي تحكم على الروايات التي خلت من بيان وجه النقد ومأخذه، فلا يعني خلو بعض الروايات من الدليل أن النقد صادر عن هوى، أو أنه عارٍ في نفس الأمر عن الأدلة والبراهين، فقد يكون عدم ذكر دليل النقد لظروف ودواع اقتضت ذلك. والأدلة التي يستند إليها الصحابة والتابعون في نقدهم متنوعة، وقد

стр. 239

أصبحت فيما بعد أصولاً يُحتكم إليها، مثل الاستدلال بالقرآن الكريم، أو السنة أو اللغة العربية، أو الرجوع إلى الأصول الشرعية التي لا يجوز مخالفتها بحال، وكذا الرجوع إلى الحقائق التاريخية الثابتة، وغير ذلك مما سيأتي تفصيله في الباب الرابع. رابعاً: بيان الرأي الصحيح . ومما تميز به نقد الصحابة والتابعين أنهم لا يكتفون بنقد الرأي وتضعيفه، وإنما يذكرون الرأي الراجح لديهم، وهذا أقوى في إقناع المخطئ ورجوعه عن قوله، فلو اقتصر الناقد على تضعيف التفسير فحسب دون إرشاد المخطئ إلى التفسير الصحيح عنده لما كان للنقد أي أثر، ولربما أوقع صاحب القول في حيرة، فلا هو بقي على قوله، ولا ظفر بقول آخر راجح، وهذا شواهده كثيرة، وقد خصص لذلك مبحث مستقل (١).

стр. 240

المبحث الثاني أبرز نقاد الصحابة والتابعين اشتهر بعض الصحابة والتابعين بتفسير القرآن الكريم، وبرزت أسماء في كل حاضرة من الحواضر الإسلامية، وقد اجتهد العلماء في تصنيفهم وذكر طبقاتهم ومشاهيرهم، وأشهر البلدان في علم التفسير، ومن أحسن من كتب في ذلك ابن تيمية، وقد قدم أهل مكة في هذا العلم على غيرهم، وقال: «وأما التفسير، فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد، وعطاء بن أبى رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير؛ مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير» (١). والكلام عن أشهر الصحابة والتابعين في نقد التفسير لا يختلف كثيراً عن أشهرهم في تفسير القرآن، وخير شاهد على ذلك الشواهد النقدية في هذا البحث، فإن أغلبها للمشهورين بتفسير القرآن من الصحابة والتابعين، وبناء على استقراء الشواهد النقدية فإن أبرز نقاد الصحابة ابن عباس ﵄ ولا يدانيه في ذلك أحد،

стр. 241

وثمة أمور ساهمت في كثرة المروي عنه في النقد وبروزه كناقد، ومن أهمها: أولاً: إمامته في علم التفسير، وقد شهد بذلك لنفسه، وشهد له غيره (١)، وهذا أسهم في جعله مرجعاً علمياً معتبراً في التفسير. ثانياً: قوة الحجة لديه، فقد قال عنه طاوس: «ما رأيت أحداً خالف ابن عباس، ففارقه حتى يقرره» (٢). ولما قيل له: «لم لزمت هذا الغلام، وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ ، قال: إني رأيت سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ إذا تدارؤوا (٣) في شيء، صاروا إلى قول ابن عباس» (٤). وفي رواية عنه قال: «جلست إلى خمسين شيخاً أو سبعين شيخاً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما منهم أحد يخالف ابن عباس، فيقوم حتى يرجع إلى قوله، أو يقول بقوله» (٥). ثالثاً: ونتيجة لما سبق نجد طلابه وغيرهم يعرضون عليه الأقوال التي

стр. 242

يرتابون في صحتها، ويقوم إما بالنقد أو الترجيح، وأحياناً يكون هو الفيصل عند اشتداد الخلاف حول معنى آية، فعن الشعبي قال: «أكثر الناس علينا في هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١)، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب ابن عباس: إن رسول الله ﷺ كان أوسط بيت في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا قد ولده، فقال الله : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ إلى ما أدعوكم إليه إلا أن تودوني بقرابتي منكم وتحفظوني بها» (٢). رابعاً: تكليفه ببعض المهام النقدية، فقد استعان به عمر ﵁ في مناقشة قدامة بن مظعون عندما شرب الخمر محتجاً بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣)، فقال عمر: ألا تردون عليه، فرد عليه ابن عباس واحتج عليه بسبب النزول، فقال عمر: صدقت (٤). وبعثه علي بن أبي طالب ﵁ لمناقشة الخوارج، فذهب إليهم فوجدهم قد

стр. 243

تعلقوا ببعض الآيات القرآنية، فناقشهم ورد عليهم، فرجع كثير منهم، وهذا يدل على أن ابن عباس كان قوي الحجة والإقناع (١). وحتى يكون الأمر بعيداً عن التنظير فقد جمعت الأقوال النقدية الصريحة، فوجدت أن ابن عباس هو أكثر الصحابة والتابعين نقداً للتفسير على الإطلاق، ويليه من الصحابة علي بن أبي طالب ثم عبد الله بن مسعود، وممن جاء عنه النقد بقلة عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ﵃. وأما أبرز النقاد من التابعين فمن أهل مكة مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح. ومن أهل البصرة الحسن وقتادة، ومن أهل الكوفة الشعبي. والأسباب التي ذكرناها في ابن عباس ساهمت بشكل أو بآخر في بروز هؤلاء في نقد التفسير.

стр. 244

الباب الثالث مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: نقد طرق التفسير ومناهجه. الفصل الثاني: نقد رجال التفسير. الفصل الثالث: نقد الأقوال.

стр. 245

الفصلُ الأول نقد طرق التفسير ومناهجه وفيه: أولاً: نقد التفسير بالرأي. ثانياً: نقد الإسرائيليات في التفسير. ثالثاً: نقد تفاسير أهل البدع. رابعاً: نقد تفسير المتشابه. خامساً: نقد الجدال في القرآن. سادساً: نقد تفاسير القصاص. سابعاً: نقد التكلف في التفسير. ثامناً: نقد تدوين التفسير.

стр. 246

لتفسير القرآن الكريم طرق ووسائل يسلكها المفسرون للوصول إلى فهم صحيح للقرآن الكريم، غير أن هذه الطرق والوسائل متفاوتة صحةً وضعفاً، فمنها ما هو صحيح معتبر عند العلماء، مؤدٍ إلى الفهم الصحيح، كالاستعانة بالقرآن والسنة واللغة العربية على فهم القرآن، وغير ذلك من الوسائل التي تلقاها العلماء بالقبول، وجاء عن الصحابة والتابعين ﵃ إقرارها والعمل بها والحث عليها، وتقدمت الإشارة إلى شيء منها في الفصل الثاني من الباب الأول. ومن الوسائل ما تختلف آراء الصحابة والتابعين حول صحتها وسلامتها، وقيمتها العلمية في فهم القرآن الكريم، فقد يرد عن بعضهم نقدها والتحذير منها، ويرد عن آخرين استعمالها في تفسير القرآن، ومن أمثلتها: تفسير القرآن بالرأي، فقد ورد عن بعض الصحابة والتابعين ذمه ونقده، وورد عن آخرين العمل به، ومثله التفسير بالإسرائيليات على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. وقد يتعارض النقل عن شخص واحد حول صحة طريقةٍ ما، فيرد عنه نقدها والعمل بها معاً. وثمة أمر آخر وهو أن الصحابة والتابعين ﵃ قد ينتقدون مذاهب وطوائف لها مناهجها الخاصة في فهم القرآن الكريم وتفسيره، فيرد عنهم التحذير منهم ومن تأويلاتهم، وممن ينطبق عليه هذا الأمر الفرق الموجودة في عصرهم كالخوارج

стр. 247

والشيعة (١)، وقد أفردت هؤلاء في عنوان مستقل تحت مسمى نقد تفاسير أهل البدع. ولن نتجاوز الحديث عن طرق ومناهج لم تكن موجودة في عصر الصحابة والتابعين، إذ بعدهم جدت فرق ومذاهب، وحدثت أمور منكرة في فهم القرآن وتفسيره.

стр. 248

أولاً نقد التفسير بالرأي ومعنى التفسير بالرأي: إعمال الفكر والاجتهاد في فهم الآيات القرآنية (١)، وتقدم في التمهيد ذكر ما روي عن النبي ﷺ في ذمه، أما الصحابة والتابعون ﵃ فقد جاء عنهم ذم الرأي عامة والتنفير منه، كما نقل عن بعضهم ذم الرأي في التفسير خاصة، وفي مقابل ذلك كله جاء عن آخرين استعمال الرأي في التفسير وغيره، بل قد ينقل عن بعضهم نقد الرأي والعمل به معاً. ولكثرة ما ورد عن الصحابة والتابعين في ذم الرأي بعامة بوب البخاري في صحيحه باباً فيما يذكر من ذم الرأي (٢)، وبوب الدارمي باباً في كراهية أخذ الرأي (٣)، وبوب ابن عبد البر (٤) باباً فيما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي (٥)، وذكر ابن تيمية

стр. 249

أن في ذم الرأي آثاراً مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم ﵃، وكذلك عن التابعين بعدهم بإحسان، وفيها بيان أن الأخذ بالرأي يحلل الحرام ويحرم الحلال (١)، فمن النصوص التي جاءت عنهم في ذم الرأي عامة: ١ - قول عمر ﵁: «إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا» (٢). ٢ - وعنه ﵁ قال: «اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل (٣) أرد أمر رسول الله ﷺ برأيي وما ألوت عن الحق، إن رسول الله ﷺ كان يكتب بينه

стр. 250

وبين أهل مكة، فقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقالوا: لو نرى ذلك صدقناك بما تقول؟ ، ولكن اكتب كما نكتب: باسمك اللهم، قال: فرضي رسول الله ﷺ وأبيت، حتى قال لي: «يا عمر تراني قد رضيت وتأبى أنت»، قال: فرضيت» (١). ٣ - وسئل عطاء بن أبي رباح عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ ، فقال: إني استحي من الله أن يدان في الأرض برأيي (٢). ومع دخول الرأي في التفسير في عموم ذم الرأي إلا أنه اشتهر عن الصحابة والتابعين ذم الرأي في التفسير بخصوصه، ولشهرته عنهم عقد فيه بعض المصنفين
следующие страницы →