← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لتفسير القرآن الكريم طرق ووسائل يسلكها المفسرون للوصول إلى فهم صحيح للقرآن الكريم، غير أن هذه الطرق والوسائل متفاوتة صحةً وضعفاً، فمنها ما هو صحيح معتبر عند العلماء، مؤدٍ إلى الفهم الصحيح، كالاستعانة بالقرآن والسنة واللغة العربية على فهم القرآن، وغير ذلك من الوسائل التي تلقاها العلماء بالقبول، وجاء عن الصحابة والتابعين ﵃ إقرارها والعمل بها والحث عليها، وتقدمت الإشارة إلى شيء منها في الفصل الثاني من الباب الأول. ومن الوسائل ما تختلف آراء الصحابة والتابعين حول صحتها وسلامتها، وقيمتها العلمية في فهم القرآن الكريم، فقد يرد عن بعضهم نقدها والتحذير منها، ويرد عن آخرين استعمالها في تفسير القرآن، ومن أمثلتها: تفسير القرآن بالرأي، فقد ورد عن بعض الصحابة والتابعين ذمه ونقده، وورد عن آخرين العمل به، ومثله التفسير بالإسرائيليات على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى. وقد يتعارض النقل عن شخص واحد حول صحة طريقةٍ ما، فيرد عنه نقدها والعمل بها معاً. وثمة أمر آخر وهو أن الصحابة والتابعين ﵃ قد ينتقدون مذاهب وطوائف لها مناهجها الخاصة في فهم القرآن الكريم وتفسيره، فيرد عنهم التحذير منهم ومن تأويلاتهم، وممن ينطبق عليه هذا الأمر الفرق الموجودة في عصرهم كالخوارج

стр. 247

والشيعة (١)، وقد أفردت هؤلاء في عنوان مستقل تحت مسمى نقد تفاسير أهل البدع. ولن نتجاوز الحديث عن طرق ومناهج لم تكن موجودة في عصر الصحابة والتابعين، إذ بعدهم جدت فرق ومذاهب، وحدثت أمور منكرة في فهم القرآن وتفسيره.

стр. 248

أولاً نقد التفسير بالرأي ومعنى التفسير بالرأي: إعمال الفكر والاجتهاد في فهم الآيات القرآنية (١)، وتقدم في التمهيد ذكر ما روي عن النبي ﷺ في ذمه، أما الصحابة والتابعون ﵃ فقد جاء عنهم ذم الرأي عامة والتنفير منه، كما نقل عن بعضهم ذم الرأي في التفسير خاصة، وفي مقابل ذلك كله جاء عن آخرين استعمال الرأي في التفسير وغيره، بل قد ينقل عن بعضهم نقد الرأي والعمل به معاً. ولكثرة ما ورد عن الصحابة والتابعين في ذم الرأي بعامة بوب البخاري في صحيحه باباً فيما يذكر من ذم الرأي (٢)، وبوب الدارمي باباً في كراهية أخذ الرأي (٣)، وبوب ابن عبد البر (٤) باباً فيما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي (٥)، وذكر ابن تيمية

стр. 249

أن في ذم الرأي آثاراً مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم ﵃، وكذلك عن التابعين بعدهم بإحسان، وفيها بيان أن الأخذ بالرأي يحلل الحرام ويحرم الحلال (١)، فمن النصوص التي جاءت عنهم في ذم الرأي عامة: ١ - قول عمر ﵁: «إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا» (٢). ٢ - وعنه ﵁ قال: «اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل (٣) أرد أمر رسول الله ﷺ برأيي وما ألوت عن الحق، إن رسول الله ﷺ كان يكتب بينه

стр. 250

وبين أهل مكة، فقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقالوا: لو نرى ذلك صدقناك بما تقول؟ ، ولكن اكتب كما نكتب: باسمك اللهم، قال: فرضي رسول الله ﷺ وأبيت، حتى قال لي: «يا عمر تراني قد رضيت وتأبى أنت»، قال: فرضيت» (١). ٣ - وسئل عطاء بن أبي رباح عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ ، فقال: إني استحي من الله أن يدان في الأرض برأيي (٢). ومع دخول الرأي في التفسير في عموم ذم الرأي إلا أنه اشتهر عن الصحابة والتابعين ذم الرأي في التفسير بخصوصه، ولشهرته عنهم عقد فيه بعض المصنفين

стр. 251

أبواباً، فعقد أبو عبيد (١) وابن جرير الطبري (٢) بابين أوردا فيهما جملة مما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك، ويمكننا إجمال ما جاء عن الصحابة والتابعين في ذم تفسير القرآن بالرأي والتحذير منه في الصور التالية: الأولى: النهي عن الكلام في كتاب الله تعالى بالرأي وتعظيم ذلك، ومن أقوالهم في ذلك: ١ - قول أبي بكر الصديق ﵁: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم» (٣). ٢ - وقول ابن عباس: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار».

стр. 252

وفي رواية عنه: «من تكلم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (١). ٣ - ونهى أبو قلابة (٢) أيوب السختياني أن يقول في القرآن برأيه، وقال له: «احفظ عني أربعاً: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب محمد ﷺ فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك، فينفذوا فيه ما شاءوا» (٣). الثانية: الإمساك عن تفسير القرآن بالرأي، فقد سأل رجل سعيد بن جبير عن آية من كتاب الله، فقال سعيد: «الله أعلم، فقال له الرجل: قل فيها أصلحك الله برأيك، فقال: أقول فيها برأيي؟ ! فردد ذلك مرتين، أو ثلاثاً ولم يجبه بشيء» (٤). وكان إحجام الصحابة والتابعين ﵃ عن التفسير وورعهم في ذلك أشد من ورعهم وإحجامهم عن الكلام في الأمور الشرعية الأخرى، وقد تقدم ذكر الآثار عنهم في ذلك، وكيف كان سعيد بن المسيب يسأل عن الحلال والحرام فيجيب،

стр. 253

فإذا سئل عن تفسير القرآن سكت كأن لم يسمع (١). الصورة الثالثة: جعل القول في القرآن بالرأي سبباً من أسباب اختلاف الأمة المنهي عنه، المفضي إلى التنازع والاقتتال، فعندما سأل عمر ابن عباس: «كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ ، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن، فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزبره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد عليَّ ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه» (٢). الصورة الرابعة: انتقاد بعض رجال التفسير بسبب تفسيرهم القرآن بالرأي، فقد قيل لعبيد الله بن عمر: إن الناس يتكلمون في زيد بن أسلم، فقال: «لا أعلم به بأساً إلا أنه يفسر القرآن برأيه ويكثر منه» (٣).

стр. 254

الجمع بين ذم الرأي والعمل به: وفي مقابل نفور الصحابة والتابعين عن التفسير بالرأي نجد آثاراً أخرى عنهم تدل على أخذهم بالرأي وعملهم به، وفي بعضها حث على الاجتهاد وإعمال الرأي، فهل يعني أن ما جاء عنهم من ذم الرأي وعيبه لم يكن صحيحاً لمعارضته العمل بالرأي، أو أنه كان في وقتٍ، ثم استقر رأيهم بعد ذلك على جوازه، وهل يتصور أن يعيب أحد الصحابة والتابعين الرأي وينتقده، ثم يعمل به؟ . والواقع أنهم يريدون بما فعلوه غير ما ذموه، وكلامهم في ذم الرأي والتحذير منه باقٍ على حاله، لكنه خاص بحالة معينة، وقد جمع العلماء بين عمل الصحابة والتابعين بالرأي وتحذيرهم منه؛ مبينين أنه لا تعارض في ذلك، فإن الرأي نوعان: رأي محمود، وعليه تحمل النصوص التي تفيد العمل بالرأي. ورأي مذموم وعليه تحمل النصوص التي ذمت الرأي وحذرت منه. والمقصود بالرأي المحمود والذي جاءت الشريعة بإقراره ما لا يتعارض مع النصوص والقواعد الشرعية، فالمفسر حين يجتهد في بيان معنى آية قرآنية يجعل الأصول والقواعد الشرعية أمام ناظريه فلا يتجاوزها، بل يدور في فلكها ويتقيد بضوابطها. يقول ابن تيمية مقرراً هذا الأمر: «ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لم يقصد بها اجتهاد الرأي على الأصول من الكتاب والسنة والإجماع في حادثة لم توجد

стр. 255

في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف الأشباه والنظائر وفقه معاني الأحكام، فيقيس قياس تشبيه وتمثيل، أو قياس تعليل وتأصيل؛ قياساً لم يعارضه ما هو أولى منه، فإن أدلة جواز هذا للمفتي ولغيره والعامل لنفسه، ووجوبه على الحاكم والإمام أشهر من أن تذكر هنا» (١). وكلام ابن تيمية وإن كان في الاجتهاد الفقهي، فإنه ينطبق على تفسير القرآن الكريم من باب أولى، ذلك أن المفسر حين يقيد فهمه للقرآن بضوابط التفسير، ولا يأتي بما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا مانع من اجتهاده في ترجيح رأي على آخر، أو استنباط معانٍ لم يذكرها من سبقه. ومن أجل ذلك أصبح من هو أقرب إلى العلم الصحيح، وإلى الكتاب والسنة أعظم فهماً لنصوصهما وأسد رأياً، وأقرب إلى الصواب من غيره، وللصحابة الحظ الأوفر من ذلك، ولما ذكر ابن القيم أنواع الرأي المحمود ذكر من أنواعه رأي الصحابة لأنهم أفقه الأمة، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأصحها قصوداً، وأكملها فطرة، وأتمها إدراكاً، وأصفاها أذهاناً، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول ﷺ ، ونسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم، ثم ذكر مقولة الشافعي في الصحابة، وأنهم عرفوا من سنة النبي ﷺ ما جهلنا، فهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وأن آراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ثم قال ابن القيم: «والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف

стр. 256

يساويهم، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته؟ ! » (١). والتابعون لهم بإحسان لهم من هذا القدر بحسب علمهم وفهمهم وملازمتهم للصحابة ﵃. ومع تقدمهم في ذلك فالمتأمل لما جاء عنهم في جواز الأخذ بالرأي يدرك أنهم لم يفتحوا الباب على مصراعيه، فيجيزوا الأخذ بالرأي مطلقاً، بل جعلوا ذلك محكوماً بضوابط وقيود يجب الأخذ بها قبل القول بالرأي كاستيفاء النظر في الكتاب والسنة، وأقوال العلماء السابقين، وبخاصة صحابة رسول الله ﷺ ، وقد ذكر ابن القيم من أنواع الرأي المحمود أن يكون بعد طلب الواقعة من القرآن أو السنة، فإن لم يجد فمن كلام الخلفاء الراشدين، أو من بعدهم من الصحابة، فإن لم يجد اجتهد في أقرب رأي إلى الكتاب والسنة وكلام الصحابة (٢)، ومن الآثار التي جاءت عنهم في ذلك: ١ - أن عمر كتب إلى شريح: «إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله ﷺ ، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ﷺ ، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت

стр. 257

أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك» (١). ٢ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه ﷺ ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى مالا يريبك» (٢). ٣ - وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر ﵄، فإن لم يكن قال فيه برأيه (٣). وقد حذر الصحابة من خطورة الإقدام على رأي يخالف الكتاب والسنة،

стр. 258

وفيه تنبيه للمجتهد ليتأكد من رأيه وأنه لا يصادمهما، فعن ابن عباس ﵄ قال: «من أحدث رأياً ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله » (١). والصحابة ﵃ مع تمسكهم بهذه الضوابط، فإنهم إذا قالوا شيئاً برأيهم اعتذروا منه، وتنصلوا من الخطأ، مخبرين أن ما يقولونه لا يعدو كونه اجتهاداً ورأياً يخطئ ويصيب، فإن أصابوا فهو من توفيق الله تعالى، وإن أخطئوا فهو من الشيطان وأنفسهم، وربما توقف بعضهم في الإجابة بالرأي حتى يلح عليه، ومنهم من لا يبيح لسائله الأخذ برأيه إلا عند الضرورة، ومن الشواهد في ذلك: ١ - قول أبي بكر الصديق ﵁ حين سئل عن الكلالة قال: «إني قد رأيت في الكلالة رأياً، فإن يكن صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني والشيطان» (٢). ٢ - وأتي ابن مسعود فسئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يكن سمى لها صداقاً، فمات قبل أن يدخل بها، فلم يقل فيها شيئاً، فرجعوا، ثم أتوه فسألوه، فقال: «سأقول فيها بجهد رأي، فإن أصبت فالله يوفقني لذلك، وإن

стр. 259

أخطأت فهو مني، لها صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة» (١). فتأمل كيف توقف ابن مسعود ﵁ عن الإجابة أول الأمر، حتى عادوا إليه وأصروا على إجابتهم، فلما رأى منهم ذلك قدم بهذه المقدمة يعتذر فيها إن أخطأ. ٣ - وأتى قوم زيد بن ثابت فسألوه عن أشياء فأخبرهم، ثم قال: «عذراً لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما اجتهدت لكم رأيي» (٢). ٤ - وسأل رجل القاسم بن محمد عن شيء فأجابه، فلما ولى الرجل دعاه وقال له: «لا تقل: إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إن اضطررت إليه عملت به» (٣). ٥ - وعن ابن جريج قال: «قلت لعطاء: ما ﴿عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٤)؟ ، قال: عدل الطعام من الصيام، قال: لكل مد يوماً، يأخذ - زعم - بصيام رمضان وبالظهار، وزعم أن ذلك رأي يراه، ولم يسمعه من أحد ولم تمض به سنة» (٥). إن الرأي حين ينضبط بهذه الضوابط التي قررها الصحابة والتابعون، ولا يخرج عما قررته الأدلة فلا وجه للقول برده وعدم اعتباره، وعلى هذا تنزل

стр. 260

النصوص الواردة عن الصحابة والتابعين في العمل به. صور الرأي المذموم: أما عندما يكون الرأي مخالفاً للأدلة والقواعد الشرعية المقررة، أو يكون مجرد ظن وتخمين، فهذا الذي حذر منه الصحابة والتابعون ﵃، وله صور منها: الأولى: أن يكون للمفسر في شيءٍ ما هوى ورأي، فيتأول القرآن على وفق ما يرى ويهوى، ويحتج به على تصحيح غرضه، فيكون الدافع إلى المعنى هواه، ولولاه لظهر له معنى آخر، فالرأي له تأثير مباشر في فهم النص القرآني، وقد يكون عالماً بأن المراد بالآية على خلاف ما ذكره، لكن وجود الهوى والبدعة والتعصب المقيت يمنعه من فهم القرآن حق فهمه، وهو الذي يدفعه دفعاً للمعنى الآخر الموافق لهواه، وقد تكون الآية محتملة لأكثر من وجه، فيرجح ما يتفق مع هواه، مع أن الحق في غير ما ذهب إليه (١). يقول ابن تيمية: «إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين؛ لا في رأيهم ولا في تفسيرهم» (٢).

стр. 261

ومما ينطبق عليه هذا الكلام البدع التي أحدثها بعض الناس مخالفين بها ما في الكتاب والسنة، مثل: من زعم أن الله تعالى لا يرى يوم القيامة، وكمن أنكر الشفاعة والحوض والميزان، ويستدل لها بأمور عقلية وقياسات يرد بها الأدلة الصحيحة أو يتأولها (١). الثانية: المسارعة إلى تفسير القرآن الكريم دون بحث ونظر فيما يؤيد تفسيره من الكتاب والسنة أو إجماع السلف، وإنما يبادر بالتفسير بما ظهر له من العربية من غير نظر في المنقول مما يوقعه في الغلط والخطأ (٢)، ولذلك لما ذكر ابن عباس اختلاف الأمة ذكر أن قوماً يقرؤون القرآن ويجهلون المنقول في معناه، فيقولون فيه بآرائهم فيخطئون. الثالثة: أن لا يعطي الآية حقها من التدبر والتأمل، وإنما يفسر بما خطر في باله في بادئ الأمر، ويكون غير محيط بجوانب الآية ومواد التفسير، «كمن يفسر قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية (٣) على ظاهر معناها، يقول: إن الخير من الله، والشر من فعل الإنسان بقطع النظر عن الأدلة الشرعية التي تقتضي أن لا يقع إلا ما أراد الله؛ غافلاً عما سبق من قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٤)، أو بما يبدو من ظاهر اللغة دون استعمال العرب، كمن يقول في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ

стр. 262

النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (١)، فيفسر ﴿مُبْصِرَةً﴾ بأنها ذات بصر لم تكن عمياء، فهذا من الرأي المذموم لفساده» (٢). الرابعة: أن يفسر الآية مستنداً إلى اللفظ، ثم يزعم أنه المراد دون غيره ويقطع بذلك، فيضيق على غيره من المفسرين (٣). فهذه الصور من الرأي ونحوها هي التي ينزل عليها ذم الصحابة والتابعين ﵃، وقد امتلأت بها كثير من كتب التفسير كتفاسير المبتدعة، وكأن بوادر تلك الآراء في التفسير ظهرت في وقتهم، فحذروا منها وممن يروج لها، وسيأتي ذكر نماذج منها في مواطنها إن شاء الله تعالى. وبعدُ ... فلو وجدنا كلاماً عن بعض الصحابة والتابعين يوحي بذم الرأي عامة؛ محموداً كان أو مذموماً، فينبغي حمله على خشية أن يؤدي الإكثار من الرأي المحمود إلى الوقوع في الرأي المذموم، وخشية أن يصرف صاحبه عن العناية بالآثار ونقلها وتأملها، فمنعوا منه مطلقاً سداً للذريعة، ومن «عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء وشدد فيه منع ما حواليه، وما دار به ورتع حول حماه» (٤).

стр. 263

ثانياً نقد التفسير بالإسرائيليات علاقة الروايات الإسرائيلية بتفسير القرآن قوية، فكثير مما ذكره القرآن الكريم موجود فيها؛ فالقرآن تحدث عما وقع للأمم السابقة مع أنبيائهم لكنه لم يخض في التفاصيل الدقيقة؛ مكتفياً بالإشارة إلى ما فيه عظة وفائدة، والتفاصيل التي أغفلها القرآن موجودة في الروايات الإسرائيلية، غير أنه شابها كثير من التحريف والتبديل. والنفوس بما جبلت عليه من حب المعرفة والاستطلاع تتشوف إلى معرفة تلك التفاصيل، وهذا أتاح للإسرائيليات مكاناً خصباً وبيئة مناسبة لذيوعها وانتشارها في كتب التفسير (١). ومما يؤكد قوة العلاقة بين الإسرائيليات والقرآن الكريم أن الصحابة عارضوا الأخبار الإسرائيلية بالقرآن، فيعترضون على من يسأل أهل الكتاب أو ينقل عنهم بالآيات المخبرة بأن قصص القرآن وأخباره أدق وأصدق من أخبار بني إسرائيل.

стр. 264

ولقوة هذه العلاقة أُفرد فيها مصنفات خاصة (١). والمراد بالإسرائيليات: الروايات المنقولة عن أهل الكتاب سواء كانوا يهوداً أو نصارى، وإنما سميت بالإسرائيليات لأن غالب ما يُنقل مصدره بنو إسرائيل (٢)، وهذا كما يطلق كثير من السلف التوراة على كتب أهل الكتاب، فهي عندهم أعم من التي أنزلها الله على موسى ﵇ (٣). وموقف الصحابة والتابعين ﵃ من الروايات الإسرائيلية يشبه إلى حد كبير موقفهم من التفسير بالرأي، فكما جاء عن بعضهم نقد الإسرائيليات وذمها والتحذير منها جاء عن آخرين روايتها وتفسير القرآن بها، وسؤال علماء أهل الكتاب عنها، وهذان الموقفان قد يردان عن شخص واحد، فينقل عنه نقد رواية الإسرائيليات، وينقل عنه التحديث بها. وهذا التعدد في المواقف يشبه ما جاء عن النبي ﷺ في إباحته التحديث عن بني إسرائيل، وما ورد عنه من النهي عن سؤالهم، ومعاتبة من تتبع الروايات

стр. 265

الإسرائيلية كما تقدم الكلام عنه في التمهيد. وهذا التعدد في المواقف لا يعني التناقض البتة، بل ينبغي حمل كل موقف على حالة بعينها. والذي نريد الكلام عليه هنا هو نقد الصحابة والتابعين للأخبار الإسرائيلية وروايتها، ودوافعهم في ذلك، وعلى أي شيء يحمل انتقادهم للإسرائيليات وذم التحديث بها؟ . والنقد المنقول عنهم منه ما هو خاص بالإسرائيليات التفسيرية، ومنه ما هو نقد للإسرائيليات بعامة، سواء في التفسير أو غيره، وهذا الأخير فيه عدة آثار، وهي وإن لم تشر إلى تفسير القرآن الكريم إلا أنه أول ما يندرج تحتها؛ لما تقدم من قوة العلاقة بين المرويات الإسرائيلية والتفسير. صور نقد الإسرائيليات: وانتقاد الصحابة والتابعين للإسرائيليات لا يخرج عن الصور الآتية: الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك: ١ - عن ابن مسعود ﵁ قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فتكذبوا بحق وتصدقوا الباطل، وإنه ليس من أحد من أهل الكتاب إلا في قلبه تالية تدعوه إلى الله وكتابه كتالية المال».

стр. 266

زاد بعض الرواة عنه: «إن كنتم سائليهم لا محالة، فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه» (١). ٢ - ويبدي ابن عباس دهشته من سؤال بعض الناس لأهل الكتاب مع أن معهم القرآن غضاً طرياً لم يشب بشوائب التحريف والتبديل، بينما كتب أهل الكتاب غيرها أهلها بأيديهم زاعمين أنها التي أنزلها الله على أنبيائه، يقول ﵁: «كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث تقرؤونه محضاً لم يشب؟ ! ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ! ، لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم» (٢). ومما يزيد في دهشة ابن عباس أن المسلمين يسألون أهل الكتاب في حين أن الآخرين لا يبادلونهم هذا الأمر، فيسألونهم عما أنزل إليهم. والنهي عن سؤال أهل الكتاب يدخل فيه بالدرجة الأولى سؤال من لم يسلم منهم ممن لا يبالي بالتحريف والتبديل، ولذلك أورد البخاري قول ابن عباس في

стр. 267

باب لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها (١)، وهذا واقع فإن النبي ﷺ لما سأل أهل الكتاب عما في التوراة كتموا، ووضع أحدهم يده مخفياً ما في التوراة (٢). الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده: ١ - أن كعب الأحبار قال: «إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ (٣) ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت، فقال: يا أم المؤمنين إن كان النبي ﷺ قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة فسكتت» (٤). ٢ - وجاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فقال له: «من أين جئت؟ ، قال: من الشام قال: من لقيت؟ ، قال: لقيت كعباً، فقال: ما حدثك كعب؟ ، قال: حدثني أن السموات تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أو كذبته؟ ، قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، وكذب كعب! إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾» (٥).

стр. 268

٣ - وكان ابن مسعود ﵁ شديد الإنكار لما يأتي به كعب، فقد كان يوماً هو وجماعة في المسجد، فأتاهم رجل وقال: «إن أخاكم كعباً يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١)، فقال له عبد الله: وأنت فأقره السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهودي» (٢). ٤ - وسأل معاوية ﵁ كعب الأحبار عن قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (٣)، وقال: «تقول إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ ! ، قال له كعب: إن كنت قلت ذاك فإن الله قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾» (٤). وكان معاوية ﵁ يقول عنه: إن كنا لنبلوا عليه الكذب (٥). وقد علق ابن كثير على قصة معاوية مع كعب بقوله: «وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك الإنكار» (٦). ولا يفهم من تكذيب ابن مسعود ومعاوية لكعب أنه متعمد للكذب لا يوثق

стр. 269

بروايته مطلقاً، وإنما أرادا أنه يخطئ أو ينقل عن أهل الكتاب ما هو كذب، فتكذيبهما في الحقيقة تكذيب للروايات الإسرائيلية التي غالبها محرف مبدل قال ابن كثير معلقاً على قول معاوية: إن كنا لنبلوا عليه الكذب: «يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق» (١). ومما يؤكد ذلك أن معاوية أثنى على كعب في كلامه المتقدم، فقال: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب». ومراده بالمحدثين: أنداد كعب ممن كان من أهل الكتاب وأسلم، فكان يحدث عنهم، وكان كعب أشد منهم بصيرة وأعرف بما يتوقاه (٢). وقال عنه أيضاً: «ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالثمار، وإن كنا فيه لمفرِّطين» (٣).

стр. 270

٥ - وعن ابن عباس قال: «المفدي إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود» (١). الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك: ١ - أن عبد الله بن عامر بن كريز (٢) أهدى إلى عائشة هدية، فظنت أنه عبد الله بن عمرو ﵄، فردتها وقالت: «يتتبع الكتب! ، وقد قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، فقيل لها: إنه عبد الله بن عامر فقبلتها» (٤). فعائشة لم تخف غضبها من ابن عمرو لاهتمامه بالإسرائيليات، لكنها في جانب آخر تبدي إعجابها الشديد بعلمه وعنايته بحديث النبي ﷺ ، لما تعلمه من

стр. 271

كتابته لأحاديثه، فقد قالت لعروة: «يا بن أختي بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج، فالقه فسائله، فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علماً كثيراً» (١). ٢ - وتجنب بعض التابعين تفسير مجاهد بسبب سؤاله أهل الكتاب، فقد قيل للأعمش: «ما بالهم يتقون تفسير مجاهد؟ ، فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب» (٢). وقد يصل الأمر إلى تأديب من يروي الأخبار الإسرائيلية ويعتني بها، فقد ضرب عمر ﵁ رجلاً نسخ كتاب دانيال كما سيأتي قريباً. وقال لكعب الأحبار: «لتنتهين أو لألحقنك بأرض القردة» (٣). الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده: ١ - أن عمر بن الخطاب ﵁ ضرب رجلاً نسخ كتاب دانيال (٤)، وقرأ عليه

стр. 272

قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١)، فقال الرجل: «مالي يا أمير المؤمنين؟ ! ، فقال له: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ ! ، قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف، ثم لا تقرأه، ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة»، ثم ذكر ما جرى له مع النبي ﷺ عندما رأى في يده صحيفة من التوراة (٢).

стр. 273

٢ - وأتى الأسود بن يزيد النخعي (١) وعلقمة بصحيفة إلى ابن مسعود، وقالا له: «هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال ابن مسعود لجاريته: هاتي بطست واسكبي فيه ماء، فجعل يمحوها بيده، ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (٢)، فقالا له: انظر فيها، فإن فيها حديثاً عجيباً، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره. قال أبو عبيد: يُرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب، فلهذا كره عبد الله النظر فيها» (٣). ٣ - وعن عمرو بن ميمون (٤) قال: «كنا جلوساً في مسجد الكوفة، فأقبل من

стр. 274

نحو الجسر رجل معه كتاب، قلنا: ما هذا؟ ، قال: هذا كتاب، قلنا: وما كتاب؟ ، قال: كتاب دانيال، فلولا أن القوم تحاجزوا لقتلوه، وقالوا: كتاب سوى القرآن؟ ! أكتاب سوى القرآن؟ ! » (١). دواعي نقد الإسرائيليات: لم يكن انتقاد الصحابة والتابعين للإسرائيليات غير ذي معنى، وإنما كانت له مبرراته ودواعيه الصحيحة المتفقة مع النصوص والقواعد الشرعية، ومنها ما يلي: أولاً: الخشية من مزاحمة المرويات الإسرائيلية لما مع المسلمين من الكتاب والسنة؛ إذ الانشغال بها يؤثر - ولا بد - على ارتباط المسلم بكتاب ربه خاصة إذا وافق قصوراً في الحصيلة الشرعية عند بعض الناس، ولذلك لما ضرب عمر الرجل الذي نسخ كتاب دانيال قرأ عليه صدر سورة يوسف؛ تنبيهاً له على الاشتغال بقصص القرآن وأخباره عن غيرها. ولما محا ابن مسعود الصحيفة اليهودية قال: «إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره» (٢). ثانياً: الخشية من تصديق أهل الكتاب والوثوق بأقوالهم والركون إليهم مع

стр. 275

ثبوت التحريف والتبديل في كتبهم، وهذا جعل الصحابة يحذرون منهم، وينهون عن سؤالهم؛ ومن آثار الوثوق بالمرويات الإسرائيلية أنه يؤدي إلى تكذيب الحق وتصديق الباطل، وقد أشار ابن مسعود إلى ذلك بقوله: «فتكذبوا بحق وتصدقوا الباطل». ومن توابع ذلك تكذيب ما جاء في الكتاب والسنة ومعارضتهما بتلك المرويات. ثالثاً: أن الصحابة ينتقدون من يتتبع الأخبار الإسرائيلية ويبحث عنها، ويهتم بمعرفتها، أو يكثر من التحديث بها مع وجود ما ينكر فيها: فعمر ﵁ ينهى كعب الأحبار عن التحديث بالأخبار الإسرائيلية كما سبق، لكنه في أثر آخر يسأله ويقول: «ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فيقول كعب: كتب الله كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد، ولكن كتبه بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتي غضبي» (١). وقد ذكر ابن كثير أن كعباً لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ﵁ من كتبه القديمة، فربما استمع له، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا عنه الروايات غثها وسمينها (٢). فكأن عمر - والله أعلم - استمع لكعب أول الأمر تأليفاً له، وبناء على

стр. 276

الرخصة في ذلك، ثم لما أكثر من التحديث نهاه وقال له: «لتنتهين أو لألحقنك بأرض القردة» (١). ويستفاد ذلك أيضاً من كلام عائشة ﵂ في ابن عمرو، وقولها: إنه يتتبع الكتب، وتتبعه الكتب يفيد مزيد عنايته بها، فهي ليست مجرد رواية عابرة، وإنما تتبع واهتمام، وقد اشتهر ابن عمرو بالتحديث عن بني إسرائيل، فقد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما (٢). رابعاً: أن المستهدف من النقد بالدرجة الأولى عامة الناس ونقلة الأخبار ممن ليس لديهم الحصيلة العلمية الكافية للتعامل الصحيح مع الروايات الإسرائيلية، فلا يستطيعون التمييز بين الحق والباطل، وقد يضعون تلك الروايات في غير موضعها، فتحدث خللاً في عقائدهم وتصوراتهم (٣). إن هؤلاء لو لم يطرق أسماعهم سوى الإذن بالتحديث عن بني إسرائيل لأصبح لهم شأن آخر مع الروايات الإسرائيلية، فقد يبالغون في التصديق بها واعتمادها، ويكثرون من تتبعها والاهتمام بها، ومما يدل على ذلك:

стр. 277

١ - ما جاء عن ابن عباس في عدة روايات أنه سأل أهل الكتاب، وسبق تشديده في النهي عن سؤالهم، لكنه خاطب فيه عامة المسلمين فقال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب ... إلخ (١). ٢ - وكعب الأحبار مع كونه من المكثرين من الأخبار الإسرائيلية يستشعر هذا الخطر فيقول: «عليكم بالقرآن فإنه أحدث الكتب عهداً بالرحمن». وفي رواية أخرى عنه أنه قال: «وإن الله تعالى قال في التوراة: يا موسى إني منزل عليك توراة حديثة، أفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً» (٢). وكأنه شعر بكثرة الأسئلة التي ترد إليه عما في الكتب السابقة، فأراد لفت انتباه المسلمين إلى أن ما بأيديهم أحسن من التوراة القديمة، والتي تعرضت للتحريف مع تقادم الزمن، وقد أنزل الله على المسلمين ما هو أحدث منها، فكيف يقبلون على القديم ويتركون الحديث؟ ! . ووقوف العالم القوي ضد الإسرائيليات مؤثر في أتباعه، وقد ظهر ذلك جلياً في شدة موقف ابن مسعود ﵁ من الإسرائيليات، وتأثر أتباعه بمنهجه، فقد اتقوا تفسير مجاهد لما رأوه يسأل أهل الكتاب.

стр. 278

وبعد ... فإن من آثار انتقاد الصحابة والتابعين للإسرائيليات كبح جماح النقل عن بني إسرائيل وتتبع أخبارهم ومساءلتهم، فقد ولد شعوراً لدى المتلقين بالحذر من الإسرائيليات. توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم: والمعنيُ بذلك بدرجة أخص من انتقدوا الإسرائيليات وحدثوا بها؛ إذ لا ننكر أن بعض السلف - وبخاصة من التابعين - تسامح في نقل الإسرائيليات إلى درجة التساهل (١)، لكن من نقل عنهم انتقادها وروايتها، فلا بد من حمل روايتهم لها على محامل من أهمها ما يلي: أولاً: ألاّ تعارض المرويات الإسرائيلية النصوص الشرعية، لأنها إذا كانت كذلك فهي داخلة في عموم قوله ﷺ : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٢)، أما إذا عارضت النصوص الشرعية ردوها وكذبوها، ومن شواهده: ١ - ما تقدم عن ابن مسعود ﵁ وقوله: «إن كنتم سائليهم لا محالة، فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه». وسبق تكذيب ابن مسعود لكعب في قوله: إن السموات تدور على منكب

стр. 279

ملك، فرد عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١). ٢ - ما وقع بين أبي هريرة وكعب الأحبار في تحديد ساعة الجمعة، فعن أبي هريرة قال: «خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله ﷺ ، فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة (٢) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم - وهو يصلي - يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه»، فقال كعب: ذلك في كل سنةٍ يومٌ، فقلت: بل في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول ﷺ ... ثم قال أبو هريرة: «ثم لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة، فقلت: قال كعب ذلك في كل سنةٍ يومٌ، قال: قال عبد الله بن سلام: كذب كعب، فقلت: ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة، فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي؟ ، قال أبو هريرة: فقلت له: أخبرني بها ولا تضنَّ علي، فقال: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، فقال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا

стр. 280

يصادفها عبد مسلم وهو يصلي»، وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها؟ ! ، فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : «من جلس مجلساً ينتظر الصلاة، فهو في صلاة حتى يصلي»؟ ، قال أبو هريرة: بلى، قال عبد الله: فهو ذلك» (١). وقد وقع في هذا النص رد الإسرائيليات وقبولها، والمعيار في ذلك السنة النبوية. ثانياً: أنهم كانوا يسألون أهل الكتاب على سبيل الاستطراف والتعجب من أخبارهم، فإن كان فيها ما ينكر ردوها، ويرد السؤال أحياناً على سبيل اختبار أهل الكتاب وامتحانهم، أو معرفة أرائهم الخاصة حول بعض الآيات (٢)، فقد قال علي ﵁ لرجل من اليهود: «أين جهنم؟ ، فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقاً

стр. 281

﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾» (٢). ولم يكن الاتصال بأهل الكتاب وسؤالهم على سبيل التتلمذ عليهم أو الاتصال بهم اتصال المتعلم بمعلمه، وإنما على سبيل الاستكشاف ورؤية ما لديهم، ثم التعامل معه وفق المقتضى الشرعي (٣). ولذلك يمكن وصف مساءلتهم أهل الكتاب بأنها للاستشهاد والاعتبار بها، لا للاعتماد عليها (٤). ثالثاً: احتمال أن تكون مرويات الصحابة عن أهل الكتاب من إدراج بعض الرواة، وأقحم الصحابة فيها مع عدم صحتها عنهم، وبخاصة إذا وجد فيها ما يستنكر، وعندما ذكر ابن كثير بعض المرويات الإسرائيلية في قصة خلق آدم، وأمر الملائكة بالسجود له عقب بقوله: «فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام

стр. 282

الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم» (١). ومما سبق يتبين أن الصحابة كانوا أشد في إنكار الإسرائيليات من التابعين، والذي نقل عنهم في نقدها أكثر مما نقل عن التابعين، وبعض الصحابة أشد في إنكار الإسرائيليات من بعض كما رأينا من ابن مسعود ﵁، ومن خلال استقرائي للموضوع لم أجد عن التابعين نقداً صريحاً للإسرائيليات سوى ما نقل عن الحسن في تكذيب أهل الكتاب (٢)، وما جاء عن الأعمش في بيان سبب اتقاء بعض الكوفيين لتفسير مجاهد لكونه يروي عن بني إسرائيل، وقد تقدم قريباً. وقوة إنكار الصحابة ﵃ للإسرائيليات وتحذيرهم منها يفسر لنا قلة الرواية عن بني إسرائيل في عهدهم مقارنة بعصر التابعين (٣). وحين نقارن الروايات النقدية للإسرائيليات المنقولة عن الصحابة والتابعين بالروايات التي تسامحوا فيها بنقلها وروايتها على ضوء الدوافع والمحامل السابقة نستطيع القول بأنهم تعاملوا معها- في الجملة - وفق المنهج الذي رسمه النبي ﷺ وإن اختلفنا مع بعضهم في بعض الجزئيات - وأنهم كانوا على وعي تام حين سماع الإسرائيليات وروايتها، فلم يخرجوا بالتحديث بها عن المسار المسموح به والله أعلم.

стр. 283

ثالثاً نقد تفاسير أهل البدع كان الناس على جانب كبير من الاجتماع والألفة في خلافة أبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان ﵃، وبعد مضي فترة من خلافة عثمان بدأت بوادر الفرقة والاختلاف بالظهور عندما نازع بعض الناس عثمان ﵁، ونقموا عليه أموراً أدت إلى قتله فيما بعد، وكان هؤلاء بذرة الخوارج والتي تعد أول البدع ظهوراً (١)، ثم توالى ظهور البدع بعد ذلك كبدعة التشيع والقول بالقدر، وهذه البدع الثلاث أهم البدع التي انتقد الصحابة والتابعون تأويلاتها للقرآن، وجاء عنهم بقلة نقد المرجئة. وقد سلك الصحابة والتابعون في نقد تفاسير المبتدعة اتجاهين: الاتجاه الأول: نقد منهج المبتدعة في التعامل مع الآيات القرآنية، وطريقة فهمها وتفسيرها، مثل: انتقاد اتباعهم المتشابه وتأويله، وجدالهم في القرآن. الاتجاه الثاني: نقد تأويلاتهم للآيات القرآنية. وثمة أسباب أدت إلى انحراف كثير من الناس ووقوعهم في البدع المنكرة، وأهمها سببان: السبب الأول: اتباع الهوى وسوء القصد، فهذان الأمران أساس كل بلية،

стр. 284

ومبدأ كل فتنة، ومقدمة كل انحراف، وإذا كان للمرء غرض في موافقة القرآن لضلالته التي يدعو إليها، فلن يألو جهداً في البحث عما يعضدها من آيات الكتاب، وقد جاء التحذير من اتباع الهوى في تأويل القرآن، فعن عمر ﵁ قال: «إن هذا القرآن كلام الله ، فضعوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم» (١). قال ابن تيمية عن أهل البدع: «وكثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على المذهب، فيتأول تأويلاتهم، فالنصوص التي توافقهم يحتجون بها، والتي تخالفهم يتأولونها، وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر اتباع نصٍ أصلاً، وهذا في البدع الكبار مثل: الرافضة والجهمية (٢)، فإن الذي وضع الرفض كان زنديقاً، ابتدأ تعمد الكذب الصريح الذي يعلم أنه كذب، كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين يفترون على الله الكذب وهم يعلمون، ثم جاء من بعدهم من ظن صدق ما افتراه أولئك، وهم في شك منه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٣) وكذلك الجهمية» إلخ (٤).

стр. 285

السبب الثاني: سوء فهم القرآن الكريم، وهذا يوقع في مزالق خطيرة وأمور منكرة، وذكر ابن تيمية أن بدعة الخوارج إنما وقعت بسبب «سوء فهمهم للقرآن؛ لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن براً تقياً، فهو كافر وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله» (١). منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله: يجتهد أهل البدع في تقرير عقائدهم والاستدلال لها من القرآن الكريم، ولا يترددون عن سلوك أي منهج يحقق مقصدهم ويقوي بدعتهم، ويكون سبباً في إقناع الآخرين بها بغض النظر عن صحته، وتبعاً لذلك وقع المبتدعة في انحرافات منهجية خطيرة؛ هذه أبرز سماتها: أولاً: اتباع المتشابه من القرآن الكريم، والاعتراض به على المخالفين فراراً من إلزامهم بالآيات المحكمات، وقد أدى هذا المنهج في طلب تأويل المتشابه إلى نتيجة أخرى وهي: ثانياً: ضرب القرآن بعضه ببعض والجدال في آياته، وسيأتي حديث مفصل
следующие страницы →