← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (١)، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾» (٢). ولم يكن الاتصال بأهل الكتاب وسؤالهم على سبيل التتلمذ عليهم أو الاتصال بهم اتصال المتعلم بمعلمه، وإنما على سبيل الاستكشاف ورؤية ما لديهم، ثم التعامل معه وفق المقتضى الشرعي (٣). ولذلك يمكن وصف مساءلتهم أهل الكتاب بأنها للاستشهاد والاعتبار بها، لا للاعتماد عليها (٤). ثالثاً: احتمال أن تكون مرويات الصحابة عن أهل الكتاب من إدراج بعض الرواة، وأقحم الصحابة فيها مع عدم صحتها عنهم، وبخاصة إذا وجد فيها ما يستنكر، وعندما ذكر ابن كثير بعض المرويات الإسرائيلية في قصة خلق آدم، وأمر الملائكة بالسجود له عقب بقوله: «فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام

стр. 282

الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم» (١). ومما سبق يتبين أن الصحابة كانوا أشد في إنكار الإسرائيليات من التابعين، والذي نقل عنهم في نقدها أكثر مما نقل عن التابعين، وبعض الصحابة أشد في إنكار الإسرائيليات من بعض كما رأينا من ابن مسعود ﵁، ومن خلال استقرائي للموضوع لم أجد عن التابعين نقداً صريحاً للإسرائيليات سوى ما نقل عن الحسن في تكذيب أهل الكتاب (٢)، وما جاء عن الأعمش في بيان سبب اتقاء بعض الكوفيين لتفسير مجاهد لكونه يروي عن بني إسرائيل، وقد تقدم قريباً. وقوة إنكار الصحابة ﵃ للإسرائيليات وتحذيرهم منها يفسر لنا قلة الرواية عن بني إسرائيل في عهدهم مقارنة بعصر التابعين (٣). وحين نقارن الروايات النقدية للإسرائيليات المنقولة عن الصحابة والتابعين بالروايات التي تسامحوا فيها بنقلها وروايتها على ضوء الدوافع والمحامل السابقة نستطيع القول بأنهم تعاملوا معها- في الجملة - وفق المنهج الذي رسمه النبي ﷺ وإن اختلفنا مع بعضهم في بعض الجزئيات - وأنهم كانوا على وعي تام حين سماع الإسرائيليات وروايتها، فلم يخرجوا بالتحديث بها عن المسار المسموح به والله أعلم.

стр. 283

ثالثاً نقد تفاسير أهل البدع كان الناس على جانب كبير من الاجتماع والألفة في خلافة أبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان ﵃، وبعد مضي فترة من خلافة عثمان بدأت بوادر الفرقة والاختلاف بالظهور عندما نازع بعض الناس عثمان ﵁، ونقموا عليه أموراً أدت إلى قتله فيما بعد، وكان هؤلاء بذرة الخوارج والتي تعد أول البدع ظهوراً (١)، ثم توالى ظهور البدع بعد ذلك كبدعة التشيع والقول بالقدر، وهذه البدع الثلاث أهم البدع التي انتقد الصحابة والتابعون تأويلاتها للقرآن، وجاء عنهم بقلة نقد المرجئة. وقد سلك الصحابة والتابعون في نقد تفاسير المبتدعة اتجاهين: الاتجاه الأول: نقد منهج المبتدعة في التعامل مع الآيات القرآنية، وطريقة فهمها وتفسيرها، مثل: انتقاد اتباعهم المتشابه وتأويله، وجدالهم في القرآن. الاتجاه الثاني: نقد تأويلاتهم للآيات القرآنية. وثمة أسباب أدت إلى انحراف كثير من الناس ووقوعهم في البدع المنكرة، وأهمها سببان: السبب الأول: اتباع الهوى وسوء القصد، فهذان الأمران أساس كل بلية،

стр. 284

ومبدأ كل فتنة، ومقدمة كل انحراف، وإذا كان للمرء غرض في موافقة القرآن لضلالته التي يدعو إليها، فلن يألو جهداً في البحث عما يعضدها من آيات الكتاب، وقد جاء التحذير من اتباع الهوى في تأويل القرآن، فعن عمر ﵁ قال: «إن هذا القرآن كلام الله ، فضعوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم» (١). قال ابن تيمية عن أهل البدع: «وكثير منهم إنما ينظر من تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقوه على المذهب، فيتأول تأويلاتهم، فالنصوص التي توافقهم يحتجون بها، والتي تخالفهم يتأولونها، وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر اتباع نصٍ أصلاً، وهذا في البدع الكبار مثل: الرافضة والجهمية (٢)، فإن الذي وضع الرفض كان زنديقاً، ابتدأ تعمد الكذب الصريح الذي يعلم أنه كذب، كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين يفترون على الله الكذب وهم يعلمون، ثم جاء من بعدهم من ظن صدق ما افتراه أولئك، وهم في شك منه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (٣) وكذلك الجهمية» إلخ (٤).

стр. 285

السبب الثاني: سوء فهم القرآن الكريم، وهذا يوقع في مزالق خطيرة وأمور منكرة، وذكر ابن تيمية أن بدعة الخوارج إنما وقعت بسبب «سوء فهمهم للقرآن؛ لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا: فمن لم يكن براً تقياً، فهو كافر وهو مخلد في النار، ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله» (١). منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله: يجتهد أهل البدع في تقرير عقائدهم والاستدلال لها من القرآن الكريم، ولا يترددون عن سلوك أي منهج يحقق مقصدهم ويقوي بدعتهم، ويكون سبباً في إقناع الآخرين بها بغض النظر عن صحته، وتبعاً لذلك وقع المبتدعة في انحرافات منهجية خطيرة؛ هذه أبرز سماتها: أولاً: اتباع المتشابه من القرآن الكريم، والاعتراض به على المخالفين فراراً من إلزامهم بالآيات المحكمات، وقد أدى هذا المنهج في طلب تأويل المتشابه إلى نتيجة أخرى وهي: ثانياً: ضرب القرآن بعضه ببعض والجدال في آياته، وسيأتي حديث مفصل

стр. 286

عن هذه القضية والتي قبلها، وذكر ما ورد عن الصحابة والتابعين في نقدهما. ثالثاً: التمسك بالآيات العامة، ومواجهة الخصوم بها من غير نظر في مخصصاتها ومقيداتها، والإعراض عن الجمع بين الآيات والتوفيق بينها، وكذلك إهمال ما يبين معنى الآية كسبب النزول، فبسبب أن الآية تتفق مع معتقداتهم يتشبثون بها متجاهلين ما جاء في بيان معناها، كتمسك الخوارج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، والاستدلال بها على تكفير كل من لم يحكم بما أنزل الله دون النظر في الأدلة الأخرى، فقد جاء ناس من الخوارج (٢) إلى أبي مجلز ﵀ (٣)، وقالوا له: «يا أبا مجلز أرأيت قول الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أحق هو؟ ، قال: نعم! ، قالوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤) أحق هو؟ ، قال: نعم! ، فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ ، قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه

стр. 287

يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً، فقالوا: لا والله ولكنك تفرق! » (١). وقصارى القول فإن نظرة أهل البدع للآيات نظرة ضيقة لا تعدو النظر إلى ظاهرها دون تدبر أو تمعن، ثم الحكم ببادئ الرأي والقطع بما فهموه من غير رجوع للأدلة الأخرى، وهذا ما أشار إليه النبي ﷺ في قوله عن الخوارج: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» (٢)، وهذه النظرة الضيقة للنصوص تحجبهم عن فهم القرآن وتصدهم عن اتباع الحق (٣). رابعاً: حشد الآيات الموافقة لمعتقداتهم والاحتجاج بها على المخالفين، وفي المقابل الإعراض التام عن الآيات والأحاديث الصحيحة التي تخالف مذهبهم، ولذلك يعرض الخوارج عن السنة حين تخالف ظاهر القرآن عندهم، فلا رجم للزاني المحصن، ولا نصاب للسرقة مع ثبوتهما في السنة (٤)، ومن الشواهد: ١ - قال طلق بن حبيب: «كنت من أشد الناس تكذيباً للشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار».

стр. 288

٢ - ووقع لجابر بن عبد الله مع يزيد الفقير (١) مثلما وقع له مع طلق، فعندما ذكر جابر أن بعض الناس يخرج من النار بعد دخوله فيها؛ اعترض عليه يزيد بالآيات التي تذكر خلود الكفار في النار (٢). خامساً: اقتطاع النص القرآني، والأخذ منه بالقدر المتفق مع أهوائهم والإعراض عن سائره، وعزله عن سياقه - سباقاً ولحاقاً - فيستدلون بأوله ويتركون آخره أو العكس، ومن شواهده: ١ - قول محمد بن كعب القرظي عن القدرية: «لا تخاصموا هؤلاء القدرية ولا تجالسوهم، والذي نفسي بيده لا يجالسهم رجل لم يجعل الله له فقهاً في دينه وعلماً في كتابه إلا أمرضوه، والذي نفس محمد بيده لوددت أن يميني هذه تقطع على كبر سني، وأنهم أتوا من كتاب الله آية، ولكنهم يأخذون بآخرها ويتركون أولها» (٣). فالقدرية يستدلون لإثبات استقلال العبد بفعله بقول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، ويعرضون عما بعده: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ

стр. 289

الْعَالَمِينَ﴾ (١). ٢ - وسيأتي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵄: «يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٢)؟ ، فقال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها! هذه للكفار». سادساً: تنزيل الآيات التي أنزلت في الكفار على أهل الإيمان، وتعميم حكمها عليهم، ومن شواهده: ١ - قول ابن عمر ﵄ عن الخوارج: «انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين» (٣). ٢ - وجاء رجل من الخوارج إلى علي بن أبي طالب ﵁، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٤) أليس كذلك؟ قال: نعم، فانصرف عنه الرجل، فقال له علي: ارجع، فرجع، فقال: أي فل إنما أنزلت في أهل الكتاب، وهم الذين بربهم يعدلون (٥).

стр. 290

٣ - وجاء آخر إلى ابن أبزى (١)، فقرأ عليه: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وقال: «أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ ، قال ابن أبزى: بلى، فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا بن أبزى إن هذا قد أراد تفسير هذه على غير هذا؛ إنه رجل من الخوارج، فقال: ردوه علي، فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ ، قال: لا، قال: إنها نزلت في أهل الكتاب؛ اذهب ولا تضعها على غير حدها» (٢). ٤ - وسئل الشعبي عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٣)، فقيل له: «تزعم الخوارج أنها في الأمراء؟ ، قال: كذبوا؛ إنما أنزلت هذه الآية في المشركين كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقولون: أما ما قتل الله فلا تأكلوا منه، يعني الميتة، وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون» (٤). * وقد تبلغ الجرأة بالخوارج وقلة الأدب إلى مواجهة الصحابة ﵃ بالآيات

стр. 291

التي نزلت في الكفار، ومن شواهده: ١ - نادى رجل من الخوارج علياً ﵁ وهو في صلاة الفجر فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، فأجابه علي ﵁ وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). ٢ - ومر خارجي بسعد بن أبي وقاص ﵁ فقال له: هذا من أئمة الكفر، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (٣)، فقال سعد ﵁: كذبت أنا قاتلت أئمته (٤). * وقد يأتي عن بعض الصحابة والتابعين أن آية كذا نزلت في الخوارج، مثل ما جاء عن بكر بن عبد الله المزني (٥) أن قوله تعالى: ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٦) نزلت في الخوارج (٧).

стр. 292

وما جاء عن قتادة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ (١) أنه قال: «إن لم يكونوا الحرورية والسبائية فلا أدري من هم؟ » (٢). ومن المعلوم أن آية آل عمران نزلت في وفد نجران كما تقدم، ومراد قتادة ومن قبله أن الآية تشملهم ويدخلون في عمومها (٣). سابعاً: التكذيب بآيات الله تعالى وردها والطعن بها وبدلالتها على المراد عندما تكون صريحة في إبطال معتقداتهم التي قرروها وأصلوها، في حين أنهم يتعلقون بالآيات التي توافق أهواءهم، فأهل البدع يقررون عقائدهم أولاً، فإذا جاء في القرآن ما يبطلها كذبوه وردوه، ولذا جاء وصفهم بأنهم يكذبون بالقرآن (٤)، وصنيعهم هذا من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض المذموم فاعله في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٥)، وهو أيضاً من الخوض في آيات الله تعالى الوارد ذمه في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا

стр. 293

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١). وقد جاء في معناه أنه التكذيب بالقرآن (٢). ومما جاء في وصف أهل الأهواء وخوضهم في آيات الله: ١ - قول محمد بن سيرين ﵀: «إن لم يكن أهل القدر الذين يخوضون في آيات الله فلا علم لنا به» (٣). وعنه في رواية أخرى: «كنا نعدهم أصحاب الأهواء» (٤). وصدق ﵀، فقد جاء رجل إلى عمرو بن عبيد فقال: «إن فلاناً يقول: إن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٥)، وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، و ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٦) إن هذا ليس في أم الكتاب! ، والله يقول: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٧)،

стр. 294

فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان؟ ! ، فسكت عمرو هنية، ثم أقبل عليه، فقال: والله لو كان الأمر كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم، ولا على الوليد من لوم» (١). وقال له آخر: أخبرني عن قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ كانت في اللوح المحفوظ؟ ، فقال عمرو: ليست هكذا كانت، فقال له الرجل: فكيف كانت؟ ، قال: تبت يدا من عمل بمثل عمل أبي لهب، فقال: هكذا ينبغي لنا أن نقرأ إذا قمنا إلى الصلاة؟ ، فغضب عمرو (٢). وعمرو بن عبيد عاصر التابعين كالحسن وابن سيرين وقتادة وأيوب وغيرهم، وقد تكلموا فيه وردوا عليه (٣). ٢ - وعن أبي جعفر (٤) قال: «لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم الذين

стр. 295

يخوضون في آيات الله» (١). وقال لرجل من أصحابه: «لا تخاصم؛ فإن الخصومة تكذب القرآن» (٢). ثامناً: ومن سمات بعض المبتدعة في تعاملهم مع القرآن الكريم، والتي قد تؤثر في نظرة الناس إليهم ما يُرى من شدة تعظيمهم للقرآن بكثرة تلاوته ودعوتهم للتحاكم إليه، إضافة إلى ما هم عليه من الاجتهاد في العبادة كالصلاة والصيام، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المسلك حين وصف للخوارج بقوله: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم» (٣)، وهذا المظهر الخارجي قد يشكل على بعض المسلمين، فيلتبس عليه أمرهم، وقد يكون سبباً في الانسياق خلف معتقداهم والتأثر بها، وقبول آرائهم حول معاني القرآن، وقد عجب بعض التابعين من هذا المظهر الخارجي الذي عليه أهل الأهواء، فنقلوا ذلك إلى الصحابة فحذروا منهم، ومن الشواهد على ذلك: ١ - عن ابن مسعود ﵁ قال: «إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم

стр. 296

والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق» (١). ٢ - وعن ابن عباس أنه ذكر له الخوارج واجتهادهم وصلاحهم، فقال ﵁: «ليسوا هم بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى، وهم على ضلالة» (٢). وذكر له مرة ما يصيبهم عند قراءة القرآن، فقال: «يؤمنون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه» (٣). قال الآجري (٤) تعليقاً على قول ابن عباس: «فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام: عدلاً كان الإمام أم جائراً، فخرج وجمع جماعة وسلَّ سيفه واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن، ولا بطول قيامه في الصلاة، ولا بدوام صيامه ولا بحسن ألفاظه في العلم إذا كان مذهبه

стр. 297

مذهب الخوارج» (١). ٣ - وعن يحيى بن يعمر (٢) أنه قال لابن عمر: «إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وإنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفٌ، فقال ابن عمر: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر» (٣). منهج الصحابة والتابعين في الرد على أهل البدع:

стр. 298

للصحابة والتابعين ﵃ موقف مضاد لهذا المنهج، وجهد واضح في حماية المسلمين من تأثير المبتدعة أوالتلبيس عليهم في فهم القرآن؛ تمثل ذلك في الآتي: أولاً: التحذير من الجلوس إليهم خشية أن يلقوا شبهة في كتاب الله تعالى فتعلق في قلوب بعض الناس، فقد دخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: «يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ ، فقال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ ، قال: لا؛ لتقومان عني، أو لأقومن، فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر وما عليك أن يقرأا عليك آية من كتاب الله تعالى؟ ! ، فقال ابن سيرين: أني خشيت أن يقرأا علي آية، فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي» (١). وفي بعض الروايات عنه أن رجلاً قال له: «يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله؛ لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج، فحرَّج عليه ابن سيرين أن يخرج من بيته، وبعد إلحاح شديد خرج الرجل، فقيل لابن سيرين في ذلك، فقال: إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكن خفت أن يلقي في قلبي شيئاً؛ أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع» (٢). وهذا الأمر داخل في عموم نهيهم عن مجالسة أهل البدع، ولهم في ذلك

стр. 299

نصوص كثيرة جداً (١)، ومناسبته هنا ما بيّنه ابن سيرين من أن مجالستهم قد تؤدي إلى الإقرار والتسليم بما يلقونه من التأويلات الباطلة للكتاب العزيز، والتي تؤيد معتقداتهم، وليس كل شخص لديه القدرة على دفعها وردها، فقد يوافقهم فيها، فيقع منه الخلل في فهم كتاب الله تعالى، أو على أقل تقدير تحدث له تشويشاً في عقيدته أو تشكيكاً في مسلماته. وهذا المنهج الوقائي من السلف له أثر قوي في دفع شبهات أهل البدع وتحريفاتهم للآيات القرآنية، وإذا التزم بهذا المنهج الوقائي فلن يجد المبتدعة بيئة مناسبة بين عامة المسلمين لبثها وترويجها. ثانياً: الشدة في الرد عليهم وإغلاظ القول لهم، لما علموه من مقصدهم الفاسد في تأويل النصوص، ومن شواهده: ١ - قول ابن عباس لابن الأزرق: «ثكلتك أمك»، وقوله: «ويحك» (٢). ٢ - وقال له حين ناظره في معنى الورود: «أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر

стр. 300

هل نخرج منها أم لا؟ ، وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك» (١). ٣ - وعن قتادة في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (٢) قال: «هم أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول، وليس والله كما تأوله أهل الشبهات والبدع والفرى على الله وعلى كتابه» (٣). ثالثاً: مناظرتهم ومجادلتهم حول معنى بعض الآيات، وبيان بطلان استدلالهم بالقرآن، وسيأتي الكلام بالتفصيل عن ذلك، والجمع بينه وبين ما سبق من التحذير من الجلوس إليهم، ومحادثتهم والاستماع إليهم، كل ذلك في مبحث نقد الجدال في القرآن. رابعاً: تفسير الآيات المتعلقة بالعقيدة على الوجه السليم؛ رداً على المبتدعة ودفعاً لما يثيرونه حولها من تأويلات وتحريفات، فيقومون ببيان معناها الصحيح مقتصرين في تفسيرها على دلالتها ومأخذها العقدي، وفي ضمنه الرد على مخالفيهم من أهل البدع، بل إن القارئ لا يفهم - أحياناً - من تفسيرها إلا أنه للرد عليهم. * ففي سياق الرد على الخوارج:

стр. 301

١ - يقول ابن عباس: «ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس بكفر ينقل عن الملة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كفر دون كفر» (١). ٢ - وعن عطاء قال: «كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق». ٣ - وقال طاوس: «ليس بكفر ينقل عن الملة» (٢). * وفي سياق الرد على القدرية: ١ - يقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (٣): «إلا من قدر له أن يصلى الجحيم» (٤). ٢ - وعن إبراهيم النخعي قال في قول الله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ

стр. 302

صَالِ الْجَحِيمِ﴾: «بفاتنين إلا من قدر له أن يصلى الجحيم»، وفي رواية: «بمضلين إلا من قدر له وقضي له أن يصلى الجحيم» (١). ٣ - وعن مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ «إلا من كتب عليه أنه صال الجحيم». ٤ - وعن الضحاك قال: «لستم عليه بمضلين إلا من هو صال الجحيم؛ من سبق له في علم الله أنه يصلى الجحيم» (٢). خامساً: الرد على استدلالهم بالآيات المتشابهة، وذلك بالآيات المحكمة التي تقطع عليهم ما يرومون الوصول إليه، فإن من منهج المبتدعة - كما تقدم - اتباع الآيات المتشابهة المؤيدة لمذهبهم، والاستدلال بها على مخالفيهم، وفي المقابل الإعراض إعراضاً تاماً عن الآيات المحكمات الواضحات التي تقطع حجتهم. والموقف الحازم مع هؤلاء قطع استدلالهم بالقرآن بمعارضته بحجج قرآنية أصرح بياناً، وأوضح دلالةً بما لا يستطيعون دفعه ورده، ومن شواهده: ١ - ما جاء عن ابن عباس أنه قال: «بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ

стр. 303

شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) قال ابن عباس: والعجز والكيس من القدر» (٢). ٢ - وعن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: هذه الآية تقضي على القرآن كله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٣)، قال سليمان التيمي: يعني على كل وعيد في القرآن (٤). وقوله: تقضي من القضاء بمعنى الحكم، فهذه الآية يحتكم إليها، فإذا أراد الله تعالى أن يعفو عن المسيء ما أوعده على الإساءة فعل؛ لأنه فعال لما يريد (٥). ٣ - وقال عمر بن عبد العزيز لبعض القدرية حين أدخلوا عليه: «هل تعرفون تفسير هذه الآية: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾؟ (٦)، وقال: إنكم والآلهة التي تعبدونها لستم بالذين تفتنون عليها إلا من قضيت عليه أنه يصلى الجحيم» (٧).

стр. 304

٤ - وعن أبي سهيل بن مالك (١) قال: «كنت مع عمر بن عبد العزيز، فتلا هذه الآية: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾، قال: ثم قال: يا أبا سهيل ما تركت لهم هذه الآية حجة من كتاب الله»، يعني القدرية. وفي رواية عنه قال: «والله لو لم يكن إلا هذه الآية لكفى بها» (٢). ٥ - ولما دخل عليه غيلان القدري قال له: «ما هذا الذي بلغني عنك؟ ! قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الله يقول: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٣)، قال: اقرأ من آخر السورة: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٤)، ثم قال: ما تقول يا غيلان؟ ، قال: أقول: قد كنت أعمى فبصَّرْتني، وأصم فأسمعتني، وضالاً فهديتني، فقال: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً وإلا فاصلبه، فأمسك عن الكلام في القدر» (٥).

стр. 305

وفي رواية أن عمر قال له: «أتم السورة ويحك! ، أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ويحك يا غيلان! ، أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾» (١). فغيلان استدل بأول السورة على أن الإنسان يستقل بفعل الشكر أو الكفر، فألجمه عمر ﵀ بآخر السورة والتي تصرح بأن مشيئة العبد المثبتة في أول السورة لا تكون إلا تحت مشيئة الله تعالى ولا يمكن أن تخالفها. ٦ - وعن طاوس قال: «كنا جلوساً عند ابن عباس، وعنده رجل من أهل القدر، فقلت: يا أبا عباس كيف تقول فيمن يقول لا قدر؟ ، قال: أفي القوم أحد منهم؟ ، قلت: ولم؟ ، قال: آخذ برأسه، ثم أقرأ عليه آية كيت، وآية كيت، حتى قرأ آيات من القرآن، حتى تمنيت أن يكون كل من تكلم في القدر شهده، فكان فيما قرأ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾» (٢). ٧ - وكان عند أيوب رجل من المرجئة، فجعل الرجل يقول: إنما هو الكفر والإيمان، وأيوب ساكت، ثم أقبل عليه أيوب، فقال: أرأيت قوله: ﴿وَآخَرُونَ

стр. 306

مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ (١) أمؤمنون هم أم كفار؟ ، فسكت الرجل، فقال أيوب: اذهب فاقرأ القرآن، فكل آية في القرآن فيها ذكر النفاق فإني أخافها على نفسي (٢). سادساً: اتخاذ آيات الصفات طريقاً لمعرفة عقيدة بعض الناس حول قضيةٍ ما بسؤاله عن تفسير آية متعلقة بما يقال عنه، فقد يثار حول بعض الناس أنه يقول بما يخالف العقيدة الصحيحة، ويشاع عنه ذلك؛ فيلجأ السلف إلى سؤاله عن تفسير آيات متعلقة بما أثير حوله؛ بهدف التثبت والوقوف المباشر على رأيه، أو للرد على منتقديه ومتهميه، وأيضاً فقد يلجأ أهل البدع إلى تأييد بدعتهم بإثارة قولٍ منكر عن أحد الأئمة، وأنه يقول به فيشتهر بين الناس، فيلجأ العلماء إلى سؤاله للرد عليهم (٣)، كما حصل مع الحسن البصري ﵀، فقد أثير أنه يقول بالقدر (٤)، فسأله غير

стр. 307

واحد من أصحابه وتلاميذه عن تفسير آيات تتعلق بالقدر: ١ - فعن خالد الحذاء (١) «أن رجلاً من أهل الكوفة كان يقدم البصرة، فكان لا يأتي الحسن من أجل القدر، فلقيه يوماً في الطريق فسأله، فقال: يا أبا سعيد: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾؟ (٢)، قال: نعم أهل رحمته لا يختلفون، قال: فقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾؟ (٣)، قال: خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، فقال الرجل: لا أسأل عن الحسن بعد اليوم» (٤). ٢ - وعن خالد الحذاء نفسه قال: «قلت للحسن: يا أبا سعيد أخبرني عن آدم أللسماء خلق أم للأرض؟ ، قال: لا بل للأرض، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ ، قال: لم يكن له منه بد، قلت: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ

стр. 308

عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ (١) قال: إن الشياطين لا يفتنون بضلالتهم إلا من أوجب الله عليه الجحيم» (٢). ٣ - وعن حبيب بن الشهيد (٣) ومنصور بن زاذان (٤) قالا: «سألنا الحسن عما بين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ففسره على الإثبات» (٥).

стр. 309

الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون وأهم الفرق التي انتقد الصحابة والتابعون ﵃ منهجهم في التعامل مع القرآن الكريم وتفسيره: الخوارج، والشيعة، والقدرية: أولاً: الخوارج . وهم أكثر الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون؛ ذلك أنهم أول الفرق ظهوراً، وأكثرها أتباعاً، وأشدها فتنة، فقد كانت لهم شوكة ومنعة، وقام بعض زعمائهم بمناظرة الصحابة، وإثارة الشبهات حول آيات القرآن كنافع بن الأزرق، فقد نقل المفسرون وغيرهم مناظرات كثيرة جرت بينه وبين ابن عباس ﵄. ويدور نقد تفسير الخوارج حول قضايا أربع: ١ - تكفير المسلمين. ٢ - قتال أهل القبلة واستباحة دمائهم. ٣ - تخليد أهل الكبائر في النار. ٤ - نفي الشفاعة عمن دخل النار. وسنتكلم عن هذه القضايا قضيةً، قضيةً: القضية الأولى: التكفير .

стр. 310

وقضية التكفير هي النواة التي نشأ منها مذهبهم، وعنه تفرعت بدعهم الأخرى، فزعموا أن مرتكب الكبيرة كافر، فكفروا المسلمين بالذنوب والخطايا، وفرعوا على ذلك استباحة دمائهم، ثم الحكم بخلودهم في النار وعدم خروجهم منها، وعدم قبول شفاعة الشافعين فيهم، وقد ذكر ابن تيمية أن أول بدعة ظهرت في الإسلام بدعة تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم (١). ومن قضايا التكفير الأولى التي تبناها الخوارج تكفير من لم يحكم بما أنزل الله تعالى، وهي سبب خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعدما قبل التحكيم بينه وبين أهل الشام في وقعة صِفِّين (٢)، فخرجوا عليه، وقالوا: حكمت الرجال! ، واعتزلوا في مكان يسمى حروراء (٣)، وأجمعوا على قتاله ﵁ في قصة طويلة، لكن شاهدها هنا أنهم تعلقوا ببعض النصوص القرآنية، فبعث إليهم ابن عباس ليناظرهم فيما احتجوا به، فجاءهم وناظرهم، وكان مما نقموا به على علي ﵁ أنه قبل بالتحكيم، وقالوا لابن عباس ﵄: «إنه حكم الرجال في أمر الله، وقد قال

стр. 311

الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (١) وما للرجال وما للحكم؟ ! ». فأخذوا بظاهر الآية، وبنوا عليه عدم جواز التحاكم إلى الرجال مطلقاً، ومن فعل ذلك تعرض للوعيد الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، وقد تركوا ما يبين الآية من الأدلة الأخرى، ولذلك رد عليهم ابن عباس، فقال: «أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ ما يرد به قولكم؛ أترضون؟ ، قالوا: نعم، فقال: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رُدَّ حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم؛ في أرنب ونحوها من الصيد، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فنشدتكم الله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ ! ، وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم، ولم يصيّر ذلك إلى الرجال، وفي المرأة وزوجها قال الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٤)، فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة، أخرجت عن هذه؟ ، قالوا: نعم»، إلى آخر القصة، قال ابن عباس في آخرها: «فرجع من القوم

стр. 312

ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة» (١). - وزعم الخوارج أن قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (٢) في تكفير أمراء المسلمين فرد عليهم قتادة ﵀، وقال: «هم أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهموا بإخراج الرسول، وليس والله كما يتأوله أهل الشبهات والبدع والفرى على الله وعلى كتابه» (٣).

стр. 313

وتقدم أن من منهج الخوارج تنزيل الآيات الواردة في الكفار على المؤمنين، وقول ابن عمر: «انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين»، وذكرنا بعض الشواهد هناك. القضية الثانية: قتال أهل القبلة والمراد به عند الخوارج وجوب قتال المخالفين لهم، والخروج على أئمة المسلمين بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكفر مخالفيهم. وقد نَزَّلَ الخوارج الآيات الواردة في قتال الكفار الأصليين على أهل الإسلام، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (١)، فاستدلوا بها وأشباهها على استباحة دماء المسلمين، ومن الشواهد على ذلك: ١ - جاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فقال: «يا أبا عبد الرحمن؛ ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٢)، إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ ! فقال: يا بن أخي أغتر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إليّ من أن أغتر بهذه الآية التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٣) إلى آخرها، فقال الرجل: فإن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ إذ كان الإسلام قليلاً، فكان الرجل يفتن في

стр. 314

دينه: إما يقتلونه وإما يوثقونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما رأى الرجل أن ابن عمر لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ ، قال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان؟ ! ، أما عثمان فكان الله قد عفا عنه، فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه - وأشار بيده - وهذه ابنته، أو بنته حيث ترون» (١). وذكر ابن حجر أن الرجل الذي سأل ابن عمر من الخوارج بدليل سؤاله عن علي وعثمان دون أبي بكر وعمر ﵃؛ لأن الخوارج يتولون الشيخين، ويحطون من عثمان وعلي ﵄ (٢). وقد استدل هذا الخارجي على جواز قتال المسلمين بآية نزلت في الكفار، فاحتج عليه ابن عمر بسبب نزولها، فانقطع، وطرح قضية أخرى بسؤال ابن عمر عن رأيه في عثمان وعلى ﵃. ٢ - وعرّض قتادة بالخوارج في استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ على استباحتهم قتال المسلمين، فقال في تفسيرها: «ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة (٣) في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر:

стр. 315

لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله ﷺ ، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف، فأمر الله أن تقاتل حتى تفيء إلى كتاب الله وإلى حكم نبيه ﷺ ، وليست كما تأولها أهل الشبهات وأهل البدع وأهل الفرى على الله وعلى كتابه أنه المؤمن يحل لك قتله، فو الله لقد عظم الله حرمة المؤمن حتى نهاك أن تظن بأخيك إلا خيراً، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الآية» (١) (٢). القضية الثالثة: تخليد أهل الكبائر في النار . يحكم الخوارج بالخلود في النار لكل من دخلها حتى لو كان مسلماً، فجعلوا المسلم كالكافر الأصلي، وحملوا النصوص الواردة في تخليد الكفار عليه، ومن شواهد نقد هذا الأصل لديهم: ١ - قال نافع بن الأزرق لابن عباس ﵄: «يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٣)؟ ، فقال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها! هذه للكفار» (٤). فأبطل ابن عباس ﵁ استدلاله بالآية بكون سياق الآيات يدل على خلافه،

стр. 316

فالآيات تتحدث عن الكفار، فإن الله تعالى قال في الآية التي قبلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (١). ٢ - ومما جرى بينه وبين ابن عباس أنه ناظره في معنى الورود الوارد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٢)، وكان نافع يرى أن الورود ليس بمعنى الدخول ليتفق مع مذهبه القائل بخلود من دخل النار، وعدم خروجه منها، فقال له ابن عباس: «الورود الدخول، فقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٣)، وقال له: أورود هو أم لا؟ ، وقرأ قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٤)، وقال: أورود هو أم لا؟ ، ثم قال: أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ ، وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، فضحك نافع، فقال ابن عباس: ففيم الضحك إذاً؟ ! » (٥). - وفي بعض الروايات أن ابن عباس لما ذكر له أن الورود بمعنى الدخول تلا

стр. 317

نافع قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ (١)، فقال ابن عباس: «ويلك أمجنون أنت؟ ! ، أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ ، والله إن كان من دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالماً، وأدخلني الجنة غانماً» (٣). القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار . ولأن الخوارج يعتقدون خلود من دخل في النار، فقد نفوا قبول الشفاعة فيمن دخلها، وردوا الأدلة الدالة على ذلك، وعارضوها بالآيات التي تدل على خلود الكفار في النار، ثم تأولوها على المؤمنين، ومن نقد هذا الأصل لديهم: ١ - عن يزيد الفقير قال: «كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج (٤)، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا

стр. 318

على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم؛ جالس إلى سارية عن رسول الله ﷺ ، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ ! والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (١)، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (٢)، فما هذا الذي تقولون؟ ! ، قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ ، قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇؟ - يعني الذي يبعثه الله فيه - قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج، قال: ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قوماً يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم (٣)، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا وقلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟ ! ، فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد» (٤). ٢ - وعن طلق بن حبيب قال: «كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية ذكرها الله فيها خلود

стр. 319

أهل النار، فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة رسول الله ﷺ ؟ فاتضعت له، فقلت: لا والله بل أنت أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنته مني، قال: فإن الذي قرأت أهلها هم المشركون، ولكن قوم أصابوا ذنوباً فعذبوا بها، ثم أخرجوا، صمتا - وأهوى بيديه إلى أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النار»، ونحن نقرأ ما تقرأ» (١). وقد سبق أن طلقاً كان يرى الإرجاء، وهذا مما تكاد تجمع عليه المصادر التي ترجمت له، ولم يذكر أحد منهم أنه رجع عن مذهبه (٢)، والأثر الذي بين أيدينا يدل على أنه يرى رأي الخوارج القائل بتخليد من دخل النار، فلعله - والله أعلم - رجع عن مذهب الخوارج بعد مناظرة جابر ﵁، لكنه وقع في الإرجاء، وفي الأثر ما يدل على رجوعه، فإنه قال: كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، وكذا قوله: فاتضعت له، يشعر باقتناعه بكلام جابر ﵁، والله أعلم. ٣ - وقال رجل للحسن: «يا أبا سعيد أرأيت ما تذكر من الشفاعة أحق هو؟ ، قال: نعم، فقال الرجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ

стр. 320

فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ ، فقال الحسن: إنك والله لا تسطو علي بشيء، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله، فقال الرجل: يا أبا سعيد فيم دخلوها ثم خرجوا؟ ، قال: كانوا أصابوا ذنوباً في الدنيا، فأخذهم الله بها، فأدخلهم بها، ثم أخرجهم بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به» (١). ثانياً: الشيعة . أهم القضايا التي انتقد الصحابة والتابعون الشيعة فيها مما يتعلق بتفسير القرآن الغلو في أهل البيت، فبسبب غلو الشيعة فيهم تأولوا بعض الآيات على أن المراد بها أهل بيت النبي ﷺ ، وأشاعوها في الناس، ومما جاء في نقدهم: ١ - عن محمد بن الحنفية (٢) قال: «قلت لأبي: يا أبت أنت التالي في: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (٣) قال: لا والله، يابني وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسانه» (٤).
следующие страницы →